النظر إلى الوجود البشري من بوّابة الذكاء الصناعي

لوغر يقدم «سياحة فلسفية في عالم الأفكار المضيئة» في كتاب من ثلاثة أجزاء

جورج ف. لوغر
جورج ف. لوغر
TT

النظر إلى الوجود البشري من بوّابة الذكاء الصناعي

جورج ف. لوغر
جورج ف. لوغر

نعيشُ هذه الأيام عصراً غير مسبوق، تبدو فيه البشرية وقد ولجت أولى البوّابات التي قد تؤدّي بنا إلى عصر المتفرّدة التقنية Technological Singularity التي تبشّرُ بها التطورات التقنية المتسارعة في الذكاء الصناعي، وهي تطوّرات لم تأتِ مفاجئة أو غير متوقّعة، بل كانت مدار كشوفات بحثية معمّقة منذ عقود بعيدة.
لعلّنا نعرفُ جميعاً بعض طبيعة الكلام الذي يثارُ حول الفتوحات التقنية المستجدة في حقل الذكاء الصناعي، وهي فتوحات عنوانها الأشمل «روبوتات المحادثة» على شاكلة ChatGPT الذي طوّرته شركة OpenAI إحدى الأذرع التقنية للعملاق الرقمي «مايكروسوفت». إنّ تطوير روبوتات المحادثة إلى حدود معقولة، وبغضّ النظر عن مدى بدائيتها الحالية، يعني أنّ البشرية قد تكون على عتبة تحقيق المعايير الأولى للذكاء الصناعي الآلاتي؛ أي بمعنى القدرة على تخليق آلات تمتلك بعض القدرات المناظرة للقدرات البشرية من حيث التفكير التحليلي المُسَبب، والمساءلة المنطقية، والقدرة على التعامل مع المعطيات واستخلاص قيمة مفيدة منها، يمكن أن تكون عنصراً مؤثراً في توجيه العقل البشري «البيولوجي». يمكن أن نسمّي هذه العتبة «عتبة تورنغ» Turing Thtreshold، التي وصفها العالم الحاسوبي والرياضياتي البريطاني الأشهر، آلان تورنغ، أفضل وصف في مقايسته الصارمة: «إذا ما كان البشر يتعاملون مع مصدر ما عبر جهاز حاسوب (مثلاً) ولم يستطيعوا التمييز بين –أو معرفة– أنّ ما يتعاملون معه هو كائن بشري أم آلة فعندئذ نستطيع الحديث عن عصر آلات ذكية». لا بد للقارئ الشغوف بمعرفة شيء معقول عن الأساسيات المحرّكة لعالمنا من الوجهة التقنية، وبخاصة في الجبهة القائدة لهذه الأساسيات، وهي الذكاء الصناعي، من معرفة بعض الشيء عن عمل آلان تورنغ في أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، وبخاصة مقايسته الشهيرة «مقايسة تورنغ» بشأن تحديد معيار، تكون عنده الآلات ذكية.

يكمن التميّز الهائل الذي تختصّ به الآلات الذكية بالمقارنة مع البشر، وبغضّ النظر عن مديات ذكائها، في خصيصتين اثنتين؛ قدرتها على التعامل مع البيانات الكبيرة Big Data، وسرعة معالجة هذه البيانات بمعدلات تفوق كثيراً سرعة المعالجة البشرية. في المقابل، لا يزال البشر يحتكرون بعض الخواص الإبداعية التي بقيت خارج نطاق التعامل الآلاتي، وإن كان كثير من خبراء الذكاء الصناعي يرون أنّ هذه المعضلة ليست سوى مسألة وقت، قبل أن تتمكّن الآلات من ولوج الفضاء الإبداعي الذي ظلّ احتكاراً بشرياً خالصاً.
يمثل الذكاء الصناعي في عصرنا الحاضر «ملعبة» اشتباك معرفي أكثر تعقيداً من أي حقل تقني آخر. لم أزل أذكر تلك المقالة «الرؤيوية» الرائعة التي كتبها الفيزيائي وأحد مطوّري الذكاء الصناعي، ديفيد دويتش David Deutsch، عام 2012 في صحيفة «الغارديان» بعنوان «الفلسفة ستكون المفتاح الذي يفكّ مغاليق الذكاء الصناعي»؛ حيث العبارة الافتتاحية تقول بكيفية تنمّ عن رؤية استبصارية كاشفة: «الذكاء الصناعي ممكن؛ لكنّ الأمر سيحتاج أكثر من علوم الحاسوب والعلوم العصبية لتطوير آلات تفكّر مثل البشر».
«لا فعلَ مؤثراً يمكن أن يتحقق من غير معرفة حقيقية وجادة بالأصول والمنابع الفكرية والفلسفية». أوقنُ كثيراً بصوابية هذه العبارة وقيمتها الإجرائية الفاعلة. لا أحد منّا سيمتلك القدرة على التطوير والتغيير من غير معرفة رصينة، لا تقتصر على الحيثيات التقنية، بل ترتفع إلى مديات التخوم التاريخية والفلسفية للموضوعات المبحوثة. المعرفة توفّرُ الشغف اللازم للاستمرارية في البحث والتطوير والتطلّع إلى مستقبل أفضل من حيث إمكانات العيش على الصعيد الفردي، ومكانة البلد الاستراتيجية على الصعيد الجمعي.
كُتِبَ كثير من الكتب حول الذكاء الصناعي بكلّ تفريعاته البحثية، وقد سبق لي أن تناولتُ بالمراجعة في ثقافية «الشرق الأوسط» أكثر من كتاب منها. وهي في المجمل كتب يمكن تبويبها في فئتين؛ كتب تقنية خالصة، أو كتبٌ وصفية لبيئة العيش في أماكن يسودها الذكاء الصناعي (العادي أو العميق). يضاف إلى ذلك أنّ معظم الكتب السائدة كتبها أناسٌ خبراء أو مهندسون تقنيون يهتمون بالتفاصيل الإجرائية الدقيقة (لغات برمجية، نظم خبيرة... إلخ) أكثر من الصورة البانورامية التاريخية والفلسفية لما يمكن أن يكون عليه الذكاء الصناعي في المستقبل القريب والبعيد. أعتقد من واقع خبرة قرائية معقولة ومقارنة للكتب المنشورة أنّ مَنْ تناول «موضوعة» الذكاء الصناعي بكتاب أو أكثر، وكان سبق له أن نشر كتاباً منهجياً Textbook، ربما يكون أقدر من غيره في مقاربة الموضوعات البحثية وعرضها في سياق فلسفي - تاريخي جذاب وشديد الإمتاع.
أحد أهمّ البحّاثة الخبراء في موضوعة الذكاء الصناعي بكلّ جوانبها التقنية والمعرفية والفلسفية هو جورج ف. لوغر George F. Luger، المولود عام 1940، الذي تقاعد عن عمله أستاذاً مميزاً في قسم الحاسوب بجامعة نيومكسيكو عام 2013. لندققْ بعض الشيء في خبرات لوغر؛ حصل على شهادتي ماجستير في الرياضيات الصرفة والتطبيقية، ثم حصل على شهادة دكتوراه من جامعة بنسلفانيا عام 1973. أعقبها بـ5 سنوات بحثية لما بعد الدكتوراه في جامعة إدنبرة بأسكوتلندا حيث ساهم في تطوير كثير من أوائل النظم الخبيرة Expert Systems، وكذلك تطوير لغة البرولوغ، وهي إحدى اللغات الخاصة بالبرمجة الحاسوبية. عندما انضمّ لوغر إلى قسم الحاسوب بجامعة نيومكسيكو، حرص أن يكون أيضاً أستاذاً في كلّ من قسمي علم النفس واللغويات، هذا ما يعكسُ شغفه البحثي المشتبك والمتداخل، وتلك هي الخصيصة اللازمة لكلّ من يسعى لعمل بحثي رصين في ميدان الذكاء الصناعي. كتب لوغر كتابه المنهجي ذائع الصيت في أقسام علوم الحاسوب والذكاء الصناعي، وعنوانه «الذكاء الصناعي... البنى والاستراتيجيات لحلّ المسائل المعقّدة» Artificial Intelligence: Structures and Strategies for Complex Problem Solving الذي صدرت طبعته السادسة منذ سنوات قريبة.
أحدثُ كتب لوغر هو كتابه «معرفة عالمنا... منظورٌ من الذكاء الصناعي» Knowing Our World: An Artificial Intelligence Perspective الذي نشرته دار «سبرنغر» عام 2022.
هذا الكتاب سياحة فلسفية في عالم الأفكار المضيئة، ستجعلك قراءته تدرك أنّ الأفكار التي نحسبها عادية إنما يمكن أن تكون منصّة شروع لأفضل وأرقى التطويرات التقنية والعلمية.
يبدأ لوغر كتابه بمقدمة تغلب عليها المساءلة الفلسفية للتاريخ البشري. يكتب في سطوره الأولى: «ولدْتُ مثل كثيرين منّا واقعياً ساذجاً، مؤمناً بأنّ حواسنا توفّرُ لنا إدراكاً مباشراً بالأشياء كما هي في حقيقتها. وثّق كثير من علماء النفس والفلاسفة العمليات التطوّرية التي يخوضها الأطفال العاديون نحو معرفة أنفسهم وعالمهم...»، ثم يمضي في القول: «كانت ثمة تحدياتٌ مهمة في الطريق. التقليد الوجودي دَعَمَ الشكوكية ما بعد الحداثية وما بعد البنيوية، وعلى أساس هذه الرؤية الوجودية فإنّ الأساس المكين ذاته الذي أقامت عليه الثقافات الغربية أفكارها عن المعرفة والحقيقة والمعنى باتت خاضعة للمراجعة والتمحيص. حلّت حقبة من النسبوية العدمية راحت تخترق الأفكار التي وَعَدَ بها عصرُ الإنسانية والتنوير...».
تصوّرْ! هذه اللغة الفلسفية الرفيعة والجذابة في مقدّمة كتاب يتناولُ الذكاء الصناعي من جانب قدرته على إعادة تشكيل رؤيتنا لعالمنا.
ينطلق لوغر بعد مقدمته الفلسفية المشرقة في متن الكتاب الذي جعله في 3 أجزاء؛ الجزء الأوّل، وعنوانه «في البدء»، يتناول الأسس التاريخية والفلسفية لعملية تخليق البرامج الحاسوبية، وفكرة الاحتساب Computing ذاتها، وكيف بلغنا وضعنا الراهن في سياق تطور الذكاء الصناعي. سيمرّ القارئ على عناوين من شاكلة؛ ماري شيلي، فرانكشتاين وبروميثيوس، الفكر الإغريقي المبكّر، الإغريقيون الأواخر؛ أفلاطون وإقليدس وأرسطو، الفلسفة الحديثة ما بعد القروسطية. سيمرّ القارئ بحشود من الأسماء الفلسفية اللامعة كذلك؛ هوبز، لوك، هيوم، سبينوزا، كانت، ديوي... إلخ. أحبّ كثيراً هذه الطريقة التي تعرض المنجزات الفلسفية في سياق معرفي شامل بدلاً من أن تكون منجزات تبدو انفرادية متعالية على الشأن البشري وديناميات الحياة اليومية.
يخصص لوغر الجزء الثاني من كتابه للحديث عن الذكاء الصناعي الحديث والموضوعات المرتبطة به. أما في الجزء الثالث فيتناول تحديث المبدأ الواقعي Realism بمقاربات مستمدّة من الموضوعات البحثية الأكثر تداولاً في الذكاء الصناعي المعاصر.
أظنُّ أنّ لي شغفاً عارماً بالذكاء الصناعي منذ سنوات ليست بالقليلة؛ لكنّ متعة قراءة كتاب لوغر «معرفة عالمنا» لا سابقة لي بها في كتب أخرى. لو أتيحت لي الفرصة والعزيمة لترجمة هذا الكتاب إلى العربية فسيكون هذا الفعل أفضل إشارة لأهمية هذا الكتاب في بناء الثقافة العربية المعاصرة التي يجب أن تكون مباحث الذكاء الصناعي أحد أعمدتها الأساسية.

معرفة عالمنا: منظورٌ من الذكاء الصناعي
Knowing Our World: An Artificial Intelligence Perspective
المؤلف: جورج ف. لوغر
George F. Luger
دار النشر: سبرنغر، 2022.



الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».