مستوطنون يهود حاولوا حرق عائلة فلسطينية أخرى في دوما

فوضويون ترعرعوا في كنف اليمين المتطرف ويتجهون نحو التمرد على القوانين

الشرطة الإسرائيلية تحمي يهودًا يمينيين وتقودهم إلى خارج المسجد الأقصى بعيدًا عن صيحات المحتجين من المسلمين الفلسطينيين الذين احتشدوا عند مداخل الأقصى (إ.ب.أ)
الشرطة الإسرائيلية تحمي يهودًا يمينيين وتقودهم إلى خارج المسجد الأقصى بعيدًا عن صيحات المحتجين من المسلمين الفلسطينيين الذين احتشدوا عند مداخل الأقصى (إ.ب.أ)
TT

مستوطنون يهود حاولوا حرق عائلة فلسطينية أخرى في دوما

الشرطة الإسرائيلية تحمي يهودًا يمينيين وتقودهم إلى خارج المسجد الأقصى بعيدًا عن صيحات المحتجين من المسلمين الفلسطينيين الذين احتشدوا عند مداخل الأقصى (إ.ب.أ)
الشرطة الإسرائيلية تحمي يهودًا يمينيين وتقودهم إلى خارج المسجد الأقصى بعيدًا عن صيحات المحتجين من المسلمين الفلسطينيين الذين احتشدوا عند مداخل الأقصى (إ.ب.أ)

تعرض بيت فلسطيني آخر في قرية دوما، لحريق. لكن المعتدين فشلوا، هذه المرة، في إصابة مواطنين. إذ قذفوا زجاجتين حارقتين من مسافة بعيد، فارتطمتا بسور يحيط بالبيت وبصفوف تعليم تابعة لمدرسة القرية. وقد حاولوا تنفيس غضبهم بقذف الحجارة على البيت، قبل أن يفروا هاربين.
وقرية دوما هي نفسها التي وقع فيها الاعتداء الإرهابي، الذي تم فيه إحراق عائلة دوابشة، وتسبب في مقتل الطفل الرضيع علي ووالده سعد، فيما تصارع الأم رهام وطفلها ابن السنوات الأربع، على الشفاء في مستشفى إسرائيلي. وقد اعتبر محمود كعابنة، صاحب البيت الذي تعرض أمس لمحاولة حرق، إن تكرار الاعتداء على القرية هو دليل على أن الاحتلال لا يتعامل بجدية مع الموضوع. وأضاف: «كنا قد دفنا جثمان المرحوم سعد، وقبل أن يجف التراب على قبره، كان الإرهاب اليهودي قد وصل إلينا مجددًا».
وكانت السلطات الإسرائيلية قد أعلنت عن إجراءات عدة في إطار التحقيق حول العملية الإرهابية، فوقع وزير الدفاع، موشيه يعالون، صباح أمس، على أمر اعتقال إداري هو الثاني من نوعه، لمدة ستة أشهر ضد يهودي متطرف مشتبه بارتكاب أعمال إرهابية، وهو مستوطن يدعى مائير إتنغر حفيد الراب مئير كاهانا. وكان الأمر الإداري الأول قد وقع الأسبوع المنصرم على أفيتار سلونيم. واعتقل هذان المشتبهان اليهوديان الأسبوع الماضي، على خلفية أعمال كثيرة بينها حرق كنيسة «الخبز والسمك» - الطابغة، على ضفاف بحيرة طبريا وحرق بيت عائلة دوابشة في قرية دوما. كما أعلن عن أن وحدة التحقيق في الجرائم القومية المتطرفة، التابعة للشرطة الإسرائيلية في الضفة الغربية، داهمت بؤرًا استيطانية عشوائية عدة في منطقة رام الله، واعتقلت نحو 20 شخصًا، لكنها عادت وأطلقت سراحهم جميعًا.
وقال المحامي إيتان بن جبير، الذي يدافع عن المشتبهين بأعمال إرهاب يهودية، وهو نفسه كان قد اعتقل في الماضي بالتهم نفسها، إن هذه الاعتقالات صورية ينفذها الشاباك (جهاز المخابرات العامة في إسرائيل)، ليرضي السياسيين الذين يقودون الحكومة، ويتظاهر أمامهم بأنه يفعل شيئا. وحذر بن جبير من أن هذه الاعتقالات تؤدي في نهاية المطاف، إلى إلياس وتعميق الكراهية، وبالتالي إلى زيادة العنف وليس تخفيف حدته.
وتجدر الإشارة إلى أن المجتمع الإسرائيلي ما زال يتخبط في متابعة قضية الإرهاب اليهودي، خصوصًا بعد أن فشلت جهود الأطباء في إنقاذ حياة سعد دوابشة. وفي تحليلات لظاهرة مجموعات الإرهابيين اليهود، يلخصون بأن «الجيل الجديد من الإرهابيين يزيد خطورة عن المجموعات الإرهابية اليهودية التي عملت في سنوات الثمانين والتسعين، وحاولت اغتيال رؤساء بلديات فلسطينيين، بل خططت لتفجير قبة الصخرة المشرفة في باحة المسجد الأقصى المبارك. وقال يهودا عتصيون، أحد الأعضاء البارزين في منظمة الإرهاب التي كشفت في الثمانيات: «عليَّ أن أعترف بأننا كدولة، سلطة وشعبًا، نتحمل قسمًا من المسؤولية في خلق المنحدر الذي أدى إلى هذا التدحرج». وأضاف عتصيون، في حديث مع موقع «إسرائيل 24»، إنهم «مختلفون عنا. نحن لم نكن لنفكر حتى بالتحرك ضد جنود إسرائيليين أو ضد رموز للدولة. أما هم فيفعلون ذلك. وخلافًا لنا، فهم فوضويون.. لكن نعم، علي أن أوافق – من المحتمل أنهم رأوا بنا قدوة عليا، وقد نكون أسهمنا بذلك ضمنيًا».
وفي توصيف لتركيبتهم الاجتماعية والنفسية، يشير عتصيون، إلى أن «العشرات من هؤلاء الشبان (الإرهابيين الجدد)، يعتبرون مزيجًا غريبًا، ويتم ربطهم عادة بالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، وإجلاء آلاف المستوطنين اليهود من هناك. كبار السن عارضوا بشكل نشط عملية الإجلاء التي تمت قبل عشر سنوات، وصغار السن – الذين أصبحوا اليوم في سن المراهقة – ترعرعوا على أسطورة المقاومة وفقدان الثقة بالدولة لشعورهم بأنها خانتهم. الدولة، جيشها، حكومتها – جميعهم أصبحوا أعداء لهم، وأصبحوا هدفًا شرعيًا للاستهداف من أجل بناء كيان أفضل – مملكة يهودا. بعض من يطلق عليهم (شباب التلال) هم شباب تركوا مقاعد الدراسة في مدارسهم، وابتعدوا عن عائلاتهم، وراحوا يشككون بأقرب الناس إليهم. لا يلتحقون بالمستوطنين في المستوطنات المعترف بها، ولا يقبلون بأي سلطة، ولا حتى سلطة الحاخامات من اليمين المتطرف. إنهم منفصلون عن كل المؤسسات، لذلك من المستحيل التواصل معهم».
ويقول بنحاس فالرشتين، أحد مؤسسي «غوش إيمونيم»، حركة النشطاء اليمينية المتطرفة ذات أسس أصولية التي تأسست عام 1975 لإقامة مستوطنات يهودية في الضفة الغربية: «بكل تأكيد علينا أن نقضي على هذه الظاهرة الخطيرة. حاربنا ضد إخلاء مستوطنات غزة ضمن الشرعية. ولقد رفضنا مقترحات بالنشاط خارج القانون. عملنا بشكل جماعي. هم يعملون كأفراد، فوضويين، لا رب لهم ولا دين. من وجهة نظرهم، نحن، قادة الحركة الاستيطانية، قد خذلناهم. نحن أعداء أيضًا بنظرهم. والخطر أنهم شباب أذكياء. يديرون معركتهم بحنكة. ينتقلون من مكان إلى آخر من دون ترك أي أثر، يتبادلون الهواتف الذكية، لا يجيبون عن أسئلة المحققين عندما يتم اعتقالهم. من عادة أشخاص في سنهم أن يختبروا مدى حدود قدراتهم؛ ولسوء الحظ، فهم عادة يختبرون هذه القدرات ضد أضعف الناس (الفلسطينيين)».
ويقول يارون أزراحي، المحاضر في مجال العلوم السياسية وأحد أبرز المفكرين من اليسار الإسرائيلي، إنه يصدق وقوف اليمين الإسرائيلي مفزوعًا ضد هذه الظاهرة.. «لأنها تقوض شرعية المشروع الاستيطاني برمته. فإذا كان الشباب هم المستقبل – فإن هذا المستقبل فوضوي وعنيف. إن هذه القلة القليلة قد تغير الواقع في إسرائيل وفي جميع أنحاء العالم. إنهم يتعاملون مع العنف والتمرد على أنه أمر في غاية الرومانسية».
هذا حقًا ما يقومون به. ترعرعوا في كنف اليمين المتطرف ثم يئسوا منه، يشعرون بالخذلان من الدولة وقيادتها الدينية، يتجهون نحو التمرد على القوانين وهم مصممون على تغيير الواقع الذي يكرهونه. إذا كان المخطط الأولي هو الاستيطان غير القانوني في الضفة الغربية، فإن المخطط الجديد ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، فهم لا يريدون مزيدًا من الأرض لإسرائيل؛ بل هم يريدون أرضًا مختلفة، ولديهم خطة لتنفيذ ذلك».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.