القطاع المصرفي العالمي ما زال عرضة للأزمات بسبب تطورات الاقتصاد الكلي

خبيران: الإجراءات الوقائية وحدها لا تكفي

لافتة تعرض اسم وشعار بنك «كريدي سويس» في بورصة نيويورك (أ.ب)
لافتة تعرض اسم وشعار بنك «كريدي سويس» في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

القطاع المصرفي العالمي ما زال عرضة للأزمات بسبب تطورات الاقتصاد الكلي

لافتة تعرض اسم وشعار بنك «كريدي سويس» في بورصة نيويورك (أ.ب)
لافتة تعرض اسم وشعار بنك «كريدي سويس» في بورصة نيويورك (أ.ب)

بعد أن استعادت الأسواق المالية في العالم قدراً من الهدوء وتجاوزت تداعيات أزمة بنوك «سيليكون فالي» و«سيغنتشر» في الولايات المتحدة، و«كريدي سويس غروب» في سويسرا، قال جامي ديمون الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار الأميركي «جي.بي مورغان تشيس»، إن الأزمة المصرفية قاربت على النهاية حتى لو انهارت بنوك أخرى.
لكن ألتو أوكومين، استشاري إدارة الأصول والاستثمارات المقيم في جنيف، وجيري هار، أستاذ إدارة الأعمال الدولية في جامعة فلوريدا الدولية، والباحث في مركز ويدرو ويلسون بواشنطن، يريان أن القطاع المصرفي في العالم يظل عرضة للأزمات في المستقبل بسبب التطورات المفاجئة للاقتصاد الكلي أو الأوضاع الجيوسياسية.
وعلى مدى السنوات العشر الماضية، سيطرت سحابة ثقيلة من التشاؤم سياسياً واقتصادياً وثقافياً على الولايات المتحدة، حيث ظلت أغلبية الأميركيين تفتقر إلى النظرة الإيجابية للحياة بشكل عام، بغض النظر عن اختلاف الطبقة الاجتماعية أو العرق أو الجنس أو المنطقة الجغرافية.
وفي 16 مارس (آذار) من العام الماضي، أعلنت لجنة السوق المفتوحة المعنية بإدارة السياسة النقدية في مجلس الاحتياط الاتحادي (البنك المركزي) الأميركي الزيادة الأولى، التي تلتها 7 زيادات متتالية لأسعار الفائدة الرئيسية، فكانت النتيجة مؤلمة لكل من أسواق المال والمستهلكين العاديين. وكان النموذج الأبرز لتداعيات زيادة الفائدة انهيار بنكي «سيليكون فالي» (إس.في.بي) و«سيغنتشر بنك» الأميركيين الشهر الماضي، مع ضرورة الإشارة إلى أن الولايات المتحدة ظلت طوال العقدين الماضيين تشهد انهيار بنكين تقريباً كل شهر، لكن لم تكن بضخامة «إس.في.بي» و«سيغنتشر».
وفي تحليل نشرته مجلة «ناشونال إنترست» الأميركية، قال الاقتصاديان أوكومين وهار، إن الأزمة المصرفية الحالية ليست من ذلك النوع الذي يحدث في يوم وليلة، وإنما تشكلت عبر سنوات. وفرض قواعد جديدة لمنع أنواع معينة من الأزمات يمكن أن يحمل بذرة لأشكال أخرى من الأزمات.
وكانت قروض التمويل العقاري عالية المخاطر فجرت في عام 2008، أزمة ائتمان وموجة إفلاسات واسعة النطاق وركوداً اقتصادياً عالمياً. واحتاجت مواجهة هذه الأزمة ضخ كميات هائلة من السيولة النقدية بشكل منسق، وتنفيذ عملية إعادة هيكلة كبرى للقطاع المصرفي. وتم منع المخاطر الكبرى التي تهدد النظام المصرفي من خلال استخدام كل أشكال السيطرة على الإقراض عالي المخاطر وتعزيز ميزانيات البنوك.
لكن جاء انهيار بنك «إس.في.بي» بعيداً عن كل المخاطر والأخطاء التي كانت معروفة. فميزانيته تبدو جيدة واستثماراته مركزة في سندات الخزانة، وهو ما يتناسب مع طبيعة قاعدة عملائه وأغلبهم من قطاع التكنولوجيا. فمع انحسار جائحة فيروس كورونا المستجد، تراجع الطلب العالمي على خدمات ومنتجات شركات التكنولوجيا، فبدأت الأخيرة عمليات تسريح واسعة للعمال، واضطر عملاء البنك لسحب مدخراتهم بمعدلات أعلى من المعتاد.
في الوقت نفسه، تراجع معدل نمو الحسابات الجديدة، مما اضطر البنك لبيع محفظته من السندات بخسارة كبيرة، خصوصاً مع زيادة أسعار الفائدة، مما يقلل جاذبية السندات في السوق. وقد تبع ذلك حالة ذعر بين المودعين، فتعثر البنك في تلبية طلبات المودعين، مما استلزم تدخل الحكومة لمنع انتقال العدوى إلى بنوك أخرى.
ومع ذلك، انهار عدد من البنوك الأميركية الأصغر مثل «سيغنتشر»، لكن الصدمة الحقيقية ظهرت مع المشكلات المستمرة التي واجهها بنك «كريدي سويس» السويسري العريق البالغ عمره 167 عاماً والذي يعد من المؤسسات المالية «الأكبر من أن يتم السماح بانهيارها». ووصلت حالة الفزع إلى ذروتها، مما أجبر الحكومة السويسرية على التدخل لمنع انهيار البنك وسهلت استحواذ منافسه «يو.بي.إس غروب» عليه مقابل نحو 3 مليارات دولار.
لكن هذه الأحداث كشفت عن أوجه قصور جديدة في النظام المصرفي، وعن فكرة مثيرة للقلق تقول إنه حتى البنوك ذات الميزانية الجيدة والوضع المالي القوي والكبيرة، ليست محصنة ضد اندفاعات العملاء الغوغائيين غير العقلانيين عند ظهور بوادر أي أزمة.
ويرى أوكومين وهار أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة انتقالية في ظل مؤشرات متباينة تشير إلى استمرار الضغوط التضخمية مع احتمالات ركود وشيك. ويتعين الآن على مجلس الاحتياط الاتحادي الأميركي الذي ركز على كبح جماح التضخم، التعامل مع تداعيات تشديده القوي للسياسة النقدية، مما أدى إلى الركود في أسواق السندات والعملة. وتواجه الولايات المتحدة عدة تحديات؛ منها تباطؤ الاقتصاد والعجز القياسي في الميزانية، والانتخابات الرئاسية عام 2024. كما يمكن أن يؤدي تزايد الخلافات مع كل من روسيا والصين إلى احتكاكات اقتصادية، مع حتمية فك الارتباط الجزئي مع اقتصادات الدولتين.
وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تواجه أوروبا تحديات عديدة؛ منها صراع يستنزف الموارد وتزايد الاضطرابات الاجتماعية وأزمة مصرفية مستمرة.
وعلى المدى الطويل، على أوروبا تأمين احتياجاتها من الطاقة والتعامل مع الخلافات الآيديولوجية بين الشرق والغرب. فمحاولات إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لتقليل الاعتماد على قطاع التصنيع في الصين من خلال دعم الصناعات الأميركية تثير خلافاً أميركياً أوروبياً.
كل هذه العوامل والتحديات تدق أجراس الخطر من نشوب أزمة مصرفية جديدة، ليصبح السؤال الطبيعي: ما دور الحكومة الواجب عليها لتخفيف حدة الأزمات المصرفية ومنع نشوبها في المستقبل؟
يقول البعض إنه يجب تشديد القواعد التنظيمية، في حين يقول البعض الآخر: «اتركوا السوق تصحح أوضاعها وتعالج مشكلاتها». والحقيقة أنه لا يوجد دواء سحري للأزمات، ولا توجد طريق أمام المؤسسات المالية لعزل نفسها عن التطورات السلبية المفاجئة للاقتصاد الكلي أو الأوضاع الجيوسياسية. والملاذ الوحيد المتاح أمام المؤسسات المالية لتجنب الأزمات المستقبلية هو التأكد من قوة وضعها الرأسمالي وتنويع محافظ استثماراته وإجادة إدارة المخاطر واستخدام أحدث التكنولوجيا، والاستعانة بأفضل الموظفين، بما في ذلك الرؤساء التنفيذيون.


مقالات ذات صلة

موجة بيع تضرب السندات العالمية... ارتفاع النفط يعزز مخاوف التضخم

الاقتصاد متداولون يراقبون شاشات العرض في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا بسيول (أ.ب)

موجة بيع تضرب السندات العالمية... ارتفاع النفط يعزز مخاوف التضخم

امتدت موجة بيع السندات إلى الأسواق العالمية يوم الثلاثاء، دافعةً عوائد الديون السيادية إلى مستويات مرتفعة جديدة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع مع ترقب بيانات الوظائف الأميركية وتوقعات الفائدة

تراجعت أسعار الذهب يوم الثلاثاء، مع ترقب المستثمرين صدور بيانات سوق العمل الأميركية هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد طيور تجثم بالقرب من مجموعة خزانات نفط على طول بحيرة ماراكايبو في كابيمس بفنزويلا (أ.ب)

النفط يتجاوز 91 دولاراً مع عودة مخاطر الإمدادات من الشرق الأوسط

ارتفعت أسعار النفط بنحو دولار في التعاملات الآسيوية الثلاثاء، مع تجدد المخاوف من اضطراب الإمدادات من الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد حاويات ورافعات في مرفأي لوس أنجليس ولونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

الاقتصاد سلاحاً... كيف تستخدم الدول العقوبات والتجارة والطاقة؟

توظّف الدول قوتها الاقتصادية في صراعات النفوذ، مستخدمةً العقوبات والتجارة والطاقة للضغط على خصومها، مستفيدةً من حاجتهم إلى الأسواق والموارد والتكنولوجيا.

شادي عبد الساتر (بيروت)
الاقتصاد انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)

تصعيد جديد بين ماسك وألتمان يضع «سبايس إكس» تحت الأنظار

دخلت «سبايس إكس» أسبوعاً حافلاً بالتطورات، بعدما تصاعد الخلاف بين الملياردير إيلون ماسك والرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

باكستان تعود إلى أسواق الدين الدولية بسندات دولارية لأجل 5 و10 سنوات

زحام مروري بعد هطول أمطار موسمية غزيرة في إسلام آباد (أ.ف.ب)
زحام مروري بعد هطول أمطار موسمية غزيرة في إسلام آباد (أ.ف.ب)
TT

باكستان تعود إلى أسواق الدين الدولية بسندات دولارية لأجل 5 و10 سنوات

زحام مروري بعد هطول أمطار موسمية غزيرة في إسلام آباد (أ.ف.ب)
زحام مروري بعد هطول أمطار موسمية غزيرة في إسلام آباد (أ.ف.ب)

أطلقت باكستان عملية إصدار سندات دولارية دولية مزدوجة الشريحة لأجل 5 و10 سنوات، في خطوة تمثل عودة البلاد إلى أسواق رأس المال الدولية، بينما تستعد لاختبار شهية المستثمرين وتحديد حجم الإصدار وتسعيره وفقاً لظروف السوق.

وأعلنت وزارة المالية والإيرادات الباكستانية بدء التحضيرات للإصدار، الذي سيأتي في صورة سندات «يوروبوندز» مقومة بالدولار الأميركي، مع استمرار التواصل مع المستثمرين العالميين لقياس الطلب قبل تحديد الشروط النهائية للصفقة.

وعينت الحكومة خمسة بنوك عالمية لإدارة الإصدار وترتيب دفاتر الاكتتاب، هي «سيتي»، و«دويتشه بنك»، و«الإمارات دبي الوطني كابيتال»، و«ميتسوبيشي يو إف جي» و«ستاندرد تشارترد».

ولم تكشف باكستان حتى الآن عن الحجم النهائي للإصدار أو سعر الفائدة، على أن تحدد الشروط النهائية بناءً على ظروف السوق وحجم الطلب من المستثمرين.

عودة إلى الأسواق الدولية

ويمثل الإعلان خطوة مهمة لباكستان، التي تسعى إلى استعادة حضورها في أسواق رأس المال الدولية بعد فترة اتسم خلالها الوصول إلى التمويل الخارجي بالحذر والارتباط الوثيق بقدرة البلاد على تنفيذ برنامجها الاقتصادي وتعزيز احتياطياتها الأجنبية.

وربطت الحكومة عودتها إلى السوق بسلسلة من التحسينات في التصنيفات الائتمانية السيادية، إلى جانب تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية وارتفاع ثقة المستثمرين.

لكن مجرد الإعلان عن تفويض البنوك المنظمة لا يعني اكتمال الإصدار؛ إذ يمثل عادة الخطوة الأولى في تسلسل عملية الطرح السيادي، تمهيداً لفتح دفاتر الاكتتاب واختبار الطلب، قبل الانتقال إلى التسعير النهائي في فترة زمنية قد تكون قصيرة إذا جاءت شهية المستثمرين قوية.

اختبار ثقة المستثمرين

وتكتسب الصفقة أهمية أكبر بالنسبة إلى باكستان بالنظر إلى موقعها ضمن شريحة الديون السيادية ذات العائد المرتفع في الأسواق الناشئة، حيث ظل الوصول إلى أسواق الدين الدولية تاريخياً متقطعاً وأكثر ارتباطاً بوضع برامج صندوق النقد الدولي وكفاية الاحتياطيات الأجنبية منه بانخفاض فروق العائد وحده.

ومن هذه الزاوية، فإن قدرة باكستان على الوصول إلى السوق في حد ذاتها تحمل إشارة إلى تحسن ثقة المستثمرين، بعدما أدى تراجع الزخم في البرامج الاقتصادية في فترات سابقة إلى إغلاق نافذة التمويل الخارجي سريعاً.

ويُعد طرح شريحتي 5 و10 سنوات هيكلاً شائعاً للدول التي تسعى إلى تأسيس أو توسيع منحنى عائدها في الأسواق الدولية، فيما ستوفر مستويات الطلب على كل شريحة مؤشراً على نظرة المستثمرين إلى قدرة باكستان الائتمانية على المدى المتوسط، مقارنة بجاذبية العائد الأعلى في الآجال الأقصر.

التسعير سيكون الاختبار الأهم

وسيركز المستثمرون على عدد من المؤشرات عند إطلاق الصفقة، في مقدمتها السعر الاسترشادي الأولي مقارنة بمستويات تداول السندات الباكستانية القائمة في السوق الثانوية، وحجم علاوة الإصدار الجديدة التي سيطلبها المستثمرون، إلى جانب جودة دفاتر الطلب وطبيعة المستثمرين المشاركين.

كما سيكون استخدام حصيلة الإصدار محل متابعة، خصوصاً ما إذا كانت الأموال ستوجه إلى إعادة تمويل ديون قائمة أو تعزيز الاحتياطيات الأجنبية.

وتشير تجارب دول سيادية أخرى من الأسواق الحدودية عادت إلى أسواق الدين في ظل برامج إصلاح اقتصادي إلى أن المستثمرين غالباً ما يطلبون علاوة إصدار واسعة مقارنة بأسعار السندات القائمة في السوق الثانوية، بينما يمكن لأداء السندات بعد الإصدار مباشرة أن يحدد نبرة تعامل المستثمرين مع الإصدارات الباكستانية المقبلة.

وتأتي الخطوة في وقت تسعى فيه الحكومة الباكستانية إلى تعزيز وضعها التمويلي الخارجي وتلبية احتياجاتها من التمويل، إلى جانب إعادة بناء وصولها إلى أسواق رأس المال الدولية بصورة أكثر انتظاماً.


100 عام في رواية واشنطن... و25 عاماً في رواية كاراكاس لصفقة النفط الفنزويلية

ناقلة نفط تحمل النفط الخام من فنزويلا ترسو في ميناء فريبورت بمدينة فريبورت - تكساس (رويترز)
ناقلة نفط تحمل النفط الخام من فنزويلا ترسو في ميناء فريبورت بمدينة فريبورت - تكساس (رويترز)
TT

100 عام في رواية واشنطن... و25 عاماً في رواية كاراكاس لصفقة النفط الفنزويلية

ناقلة نفط تحمل النفط الخام من فنزويلا ترسو في ميناء فريبورت بمدينة فريبورت - تكساس (رويترز)
ناقلة نفط تحمل النفط الخام من فنزويلا ترسو في ميناء فريبورت بمدينة فريبورت - تكساس (رويترز)

تتصدر مدة الاتفاق النفطي بين الولايات المتحدة وفنزويلا واجهة التساؤلات حول الصفقة التي تصفها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنها «أكبر صفقة نفطية في تاريخ العالم»، بعدما تحدث البيت الأبيض عن امتيازات لمدة 100 عام لـ17 حقلاً نفطياً، في حين قالت الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز إن الاتفاق يمتد 25 عاماً، في تناقض يفتح باباً واسعاً للتساؤلات حول طبيعة الترتيبات التي أبرمتها واشنطن مع كاراكاس.

وبالتوازي مع الخلاف حول مدة الامتيازات، تكشف تفاصيل الاتفاق المنشورة من البيت الأبيض عن حصول الولايات المتحدة على نفوذ واسع داخل شركة «نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز» (NABEP)، يشمل حصة تبلغ 35 في المائة في الشركة الأم، وحق النقض على تعيين أي عضو في مجلس إدارتها، إلى جانب حق شراء 20 في المائة من إنتاجها بسعر التكلفة، وأولوية شراء الـ80 في المائة المتبقية.

وتشمل الصفقة 17 حقلاً باحتياطيات نفطية مؤكدة تبلغ نحو 65 مليار برميل، في حين تخطط «نابيب» لاستثمار ما يصل إلى 100 مليار دولار في إعادة بناء البنية التحتية النفطية الفنزويلية ورفع الإنتاج، في وقت لا يزال فيه حجم الزيادة الممكنة في الإمدادات وسرعة تحقيقها موضع تساؤل، بالنظر إلى سنوات نقص الاستثمار وتدهور البنية التحتية في القطاع.

وبموجب ورقة الاتفاق المنشورة، منحت الشركة وزارة الحرب الأميركية، عبر مكتب رأس المال الاستراتيجي، حصة تبلغ 35 في المائة في الشركة الأم من دون تكلفة على دافعي الضرائب الأميركيين.

وتمنح الصفقة واشنطن دوراً يتجاوز الملكية المالية إلى التأثير المباشر في إدارة الشركة وتوجيه إنتاجها، في إطار خطة أميركية أوسع لإعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي وتعزيز أمن الطاقة الأميركي.

أولوية شراء الإنتاج

وتحصل وزارة الخارجية الأميركية بموجب الاتفاق على حق شراء 20 في المائة من إنتاج الشركة من الحقول الحالية والمستقبلية بسعر تكلفة الإنتاج، بما يوفر للولايات المتحدة مصدراً مضموناً من النفط منخفض التكلفة يمكن استخدامه لإعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي وتلبية احتياجات الجيش والاستخدامات الحساسة الأخرى.

كما تحصل واشنطن على حق الأولوية في شراء الـ80 في المائة المتبقية من إنتاج «نابيب»؛ ما يمنحها فرصة أولى للحصول على الجزء الأكبر من الخام الذي تنتجه الشركة.

وقال الرئيس الأميركي إن أحد أهداف الاتفاق هو استخدام النفط الفنزويلي لإعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، مضيفاً أن الإنتاج سيذهب إلى الولايات المتحدة ليتم تكريره في المصافي الأميركية.

وتستهدف «نابيب» رفع إنتاج عملياتها في بحيرة ماراكايبو وحزام أورينوكو إلى أكثر من مليون برميل يومياً، وهو هدف طموح بالنظر إلى أن إجمالي إنتاج فنزويلا الحالي يبلغ نحو 1.1 مليون برميل يومياً.

نفوذ أميركي في مجلس الإدارة

ولا تقتصر حقوق واشنطن على شراء الخام والملكية؛ إذ ينص الاتفاق على أن يكون للحكومة الأميركية حق النقض على تعيين أي عضو في مجلس إدارة «نابيب»، في حين يجب أن يكون غالبية أعضاء المجلس من المواطنين الأميركيين.

كما ستعمل الشركة مع مدققين ومحامين ومستشارين أميركيين، ويخضع الاتفاق بينها وبين الحكومة الأميركية للقانون الأميركي واختصاص المحاكم الأميركية.

وتعكس هذه البنود حجم الدور الذي تسعى واشنطن إلى لعبه في إدارة الشركة، خصوصاً مع امتلاكها حصة 35 في المائة في الشركة الأم، وما يرتبط بها من قيمة محتملة قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات من الأصول والأرباح والتوزيعات، وفق البيت الأبيض.

100 مليار دولار لإعادة بناء النفط الفنزويلي

وتتضمن الصفقة خطة استثمارية ضخمة لإعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي؛ إذ تخطط «نابيب» لاستثمار ما يصل إلى 100 مليار دولار في البنية التحتية النفطية في البلاد، بهدف زيادة الإنتاج وإعادة تشغيل الحقول التي تعاني انخفاض الإنتاج بعد سنوات من نقص الاستثمار وسوء الإدارة.

وتتوقع الإدارة الأميركية أن تدفع الشركة نحو 200 مليار دولار من الإتاوات والضرائب خلال أول 25 عاماً مع توسع الإنتاج، بما يوفر للحكومة الفنزويلية مصدراً مهماً للإيرادات لتمويل إعادة الإعمار والتنمية الاجتماعية.

ويأتي ذلك في قطاع يعاني تدهوراً كبيراً في البنية التحتية؛ إذ تركت عقود من نقص الاستثمار شبكة من خطوط الأنابيب والمعدات والمنشآت المتقادمة، ما يجعل زيادة الإنتاج بسرعة وعلى نطاق واسع تحدياً كبيراً.

النفط إلى المصافي الأميركية

وتراهن واشنطن على أن يؤدي ارتفاع الإنتاج الفنزويلي إلى دعم قطاع الطاقة الأميركي أيضاً؛ إذ تنص الخطة على معالجة ملايين البراميل من الإنتاج الجديد في المصافي الأميركية، واستخدام حفارات وبنية تحتية أميركية في عمليات التطوير داخل فنزويلا.

وبذلك، تتوقع الإدارة الأميركية أن تولد الصفقة استثمارات بمليارات الدولارات داخل الولايات المتحدة، إلى جانب دعم آلاف الوظائف، في حين تحصل فنزويلا على استثمارات ضخمة لإعادة بناء قطاعها النفطي.

إزاحة روسيا والصين

وتحمل الصفقة بعداً جيوسياسياً يتجاوز قطاع الطاقة؛ إذ تقول واشنطن إن غالبية الحقول الإضافية التي ستديرها «نابيب» كانت في السابق تحت سيطرة أو تشغيل شركات روسية وصينية، أو أطراف مرتبطة بالنظامين السابقين في فنزويلا.

وتقدم إدارة ترمب الاتفاق بوصفه جزءاً من سياسة أوسع لتعزيز النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي، وإعادة بناء سلاسل إمداد للطاقة والتصنيع تكون أقل اعتماداً على خصوم الولايات المتحدة.

ويمثل ذلك تحولاً لافتاً في طريقة تعامل واشنطن مع الموارد النفطية الفنزويلية، من خلال الجمع بين الاستثمار الخاص والملكية الأميركية وحقوق الحوكمة وشراء الإنتاج.

تحديات رفع الإنتاج

ورغم ضخامة الأرقام التي تتضمنها الصفقة، فإن تحويل الاحتياطيات النفطية إلى إنتاج إضافي لن يكون سريعاً. فقد أدى سنوات من نقص الاستثمار وتدهور البنية التحتية إلى تراجع قدرة الصناعة الفنزويلية على استخراج الخام ونقله ومعالجته.

كما أن هدف «نابيب» رفع الإنتاج إلى أكثر من مليون برميل يومياً يمثل تحدياً كبيراً؛ إذ يعادل تقريباً إجمالي إنتاج فنزويلا الحالي.

وتبقى هناك كذلك أسئلة سياسية حول مستقبل الاتفاق، ومدى قدرته على الاستمرار في حال تغير الإدارة الأميركية أو شهدت فنزويلا اضطرابات سياسية جديدة.

ومع ذلك، فإن الاتفاق يرسم نموذجاً مختلفاً للتعامل مع النفط الفنزويلي؛ إذ لا تحصل واشنطن على حصة مالية فحسب، وإنما على حقوق في الحوكمة وأولوية في شراء الإنتاج وتأثير مباشر في مسار شركة ستدير عشرات المليارات من براميل الاحتياطيات.

حقائق

صفقة النفط الأميركية - الفنزويلية بالأرقام وفق ورقة البيت الأبيض:

65 مليار برميل احتياطيات مؤكدة مرتبطة بـ17 حقلاً

17 حقلاً امتيازات ممنوحة لـ«نابيب»

100 عام مدة الامتيازات

35 % حصة أميركية في الشركة الأم

20 % من الإنتاج تشتريه واشنطن بسعر التكلفة

80 % أولوية شراء الإنتاج المتبقي

100 مليار دولار استثمارات مخطط لها في البنية التحتية النفطية

200 مليار دولار إتاوات وضرائب متوقعة خلال أول 25 عاماً

أكثر من مليون برميل يومياً هدف «نابيب» للإنتاج


قدرة الطاقة الشمسية في الصين تتخطى المحطات العاملة بالفحم للمرة الأولى

رجل يسير في محطة طاقة شمسية تحت الإنشاء بمنطقة شينجيانغ الصينية (رويترز)
رجل يسير في محطة طاقة شمسية تحت الإنشاء بمنطقة شينجيانغ الصينية (رويترز)
TT

قدرة الطاقة الشمسية في الصين تتخطى المحطات العاملة بالفحم للمرة الأولى

رجل يسير في محطة طاقة شمسية تحت الإنشاء بمنطقة شينجيانغ الصينية (رويترز)
رجل يسير في محطة طاقة شمسية تحت الإنشاء بمنطقة شينجيانغ الصينية (رويترز)

تجاوزت القدرة المركّبة لألواح الطاقة الشمسية في الصين للمرة الأولى قدرة المحطات العاملة بالفحم، على ما أعلنت الإدارة المختصة، الثلاثاء.

كانت الصين التي تُعَدّ أول مصدر لانبعاثات الغازات المسببة للاحترار المسؤول عن تغيّر المناخ، قد تعهّدت بلوغ ذروة انبعاثاتها بحلول سنة 2030 وتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2060.

وأفادت الإدارة الوطنية للطاقة في بيان نشرته على وسائل التواصل الاجتماعي بأن «القدرة المركّبة للطاقة الشمسية في الصين حتى نهاية يوليو (تموز) من السنة الجارية بلغت 1286 مليار كيلوواط».

وأضافت: «للمرة الأولى، تجاوزت القدرة الكهروضوئية المركّبة قدرة محطات الفحم، لتصبح بذلك المصدر الأول للطاقة في الصين» من حيث القدرة المركّبة.

وأشارت إلى أن القدرة المركّبة لمحطات الفحم في الصين بلغت 1285 مليار كيلوواط حتى نهاية يوليو. غير أنها لم توضح حجم الإنتاج الفعلي لكل من المنشآت الشمسية أو العاملة بالفحم في الفترة نفسها.

وأبرزت أن القدرة المركّبة للطاقة الشمسية وإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية في الصين «يشهدان نمواً سريعاً ومستمراً» ويؤديان «دوراً متزايد الأهمية» في ضمان الإمدادات وفي عملية التحول في مجال الطاقة.

وأضافت أن إنتاج الطاقة الكهروضوئية ارتفع بنسبة 15.5 في المائة بين يناير (كانون الثاني) ويوليو عمّا كان عليه خلال الفترة نفسها من عام 2025.