سباق الذكاء الاصطناعي... أميركا تتقدم والصين وروسيا قد تغيران المعادلة

خبراء دوليون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» عن محددات التنافس الدولي المحتدم

سباق الذكاء الاصطناعي... أميركا تتقدم والصين وروسيا قد تغيران المعادلة
TT

سباق الذكاء الاصطناعي... أميركا تتقدم والصين وروسيا قد تغيران المعادلة

سباق الذكاء الاصطناعي... أميركا تتقدم والصين وروسيا قد تغيران المعادلة

إن ثورة الذكاء الاصطناعي تبدو في طريقها لتطوير آلات ربما تكون أكثر ذكاءً، مثلما خلقت الثورة الصناعية في الماضي آلات أقوى من البشر؛ لذلك ينظر إلى هذه التكنولوجيا، على أنها «ستكون حاسمة في تحديد الدول التي تهيمن على السياسة العالمية»، كما يقول خبراء استطلعت «الشرق الأوسط» تقديراتهم، التي حصرت المنافسات الكبرى راهناً في هذا المضمار بين الولايات المتحدة والصين، مع حضور بعيد نسبياً لدول أخرى، ومراقبة لإمكانية تأثير تحالف محتمل للصين وروسيا على تغيير المعادلة.
واكتسب الحديث عن الذكاء الاصطناعي زخماً كبيراً، بعد إصدار تطبيق روبوت المحادثة «تشات جي بي تي»، وما تلاه من إصدارات أحدث مثل «جي بي تي–4»، غير أن مفهوم تكنولوجيا «الذكاء الاصطناعي» يشمل عدداً لا يحصى من التطبيقات، التي تسهم في تسهيل حياة الناس اليومية، مثل تشخيص الأمراض، وتحسين مقومات التربة الزراعية، وتحليل بيانات العملاء بالنسبة للشركات، وتحديد المحتوى السيئ على وسائل التواصل الاجتماعي، والترجمة بين اللغات.
ووفق هذا المفهوم الأوسع للذكاء الاصطناعي، فإن «الولايات المتحدة الأميركية تأتي في مقدمة السباق، يليها الصين، بينما توجد محاولات بارزة قد تساعد دولاً نامية مثل الهند على اللحاق بالسباق، فيما تقتصر مساهمات الدول النامية الأخرى، على النوع الأبسط من الذكاء الاصطناعي، وهو التعلم الآلي»، وفق ما يقدر جون ويتلوفر، أستاذ الرياضيات والفيزياء بجامعة ييل الأميركية في تصريحات لـ«الشرق الأوسط».
ويوضح ويتلوفر أن «الذكاء الاصطناعي يشمل مجالين رئيسيين، وهما التعلم الآلي والتعلم العميق؛ وبينما تتوافق آليات التعلم الآلي مع مجموعات البيانات الأصغر والمنظمة جيداً، فإن خوارزميات التعلم العميق أكثر ملاءمة لمشكلات العالم الواقعي المعقدة، على سبيل المثال، التنبؤ بأمراض الجهاز التنفسي باستخدام صور الأشعة السينية للصدر».
وتعمل الكثير من التطبيقات الحديثة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مثل ميزة الترجمة من (جوجل) إلى العمليات الجراحية بمساعدة الروبوت، على الاستفادة من الشبكات العصبية العميقة، وهذا نوع خاص من نماذج (التعلم العميق)، التي تعتمد بشكل فضفاض على بنية الدماغ البشري.
وبشكل حاسم، فإن هذه الشبكات العصبية تكون متعطشة للبيانات، وغالباً ما تتطلب ملايين الأمثلة لتعلم كيفية أداء مهمة جديدة بشكل جيد، وهذا يعني أنها «تتطلب بنية تحتية معقدة لتخزين البيانات وأجهزة الحوسبة الحديثة، وعلماء ومهندسي الذكاء الاصطناعي الموهوبين، والموارد اللازمة لذلك، مقارنة بنماذج التعلم الآلي الأبسط، التي لا تحتاج لكل ذلك».
ويقول ويتلوفر: «بينما يمكن أن تجد في دول نامية تطبيقاً قائماً على التعلم الآلي البسيط مثل تطبيق يربط بين أصحاب محلات البقالة والموردين، أو تطبيق يساعدك على معرفة أماكن الزحام المروري، فإن النوع الآخر من تطبيقات التعلم العميق، لا يزال بعيداً عن متناول هذه الدول، باستثناء الهند التي اتخذت خطوات مهمة».
وتملك 44 دولة حول العالم خططها الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، لكن لا تزال أميركا، ومن بعدها الصين في مقدمة هذا السباق.
مواهب الذكاء الاصطناعي
وفي السباق على هيمنة الذكاء الاصطناعي: «تمتلك الصين أحد الموارد المهمة، وهي مواهب الذكاء الاصطناعي، حيث تعد موطناً لمجتمع أبحاث الذكاء الاصطناعي الأسرع نمواً في العالم»، وفق ما يقول يو تشوان، بمعهد الدراسات العليا للمعلوماتية الطبية الحيوية بجامعة تايبيه الطبية بالصين.
وتقدم الصين أوراقاً بحثية في مجال الذكاء الاصطناعي أكثر مما تقدمه الولايات المتحدة، وزاد «عدد المؤلفين الصينيين الذين يسهمون في أهم مجلات الذكاء الاصطناعي بمقدار 12 ضعفًا من عام 2009 إلى عام 2019. وهو الآن أعلى بنحو 2.5 مرة من عدد المساهمين الأميركيين»، كما يوضح تشوان لـ«الشرق الأوسط».
ولكن في مقابل كمّ الأبحاث، ترى دراسة أجراها مركز الأبحاث الأميركي (ماكرو بولو) في عام مارس (آذار) من 2020، أن «الولايات المتحدة لا تزال رائدة في مجال الجودة، حيث يجري الاستشهاد بأوراق البحث الأميركية بنسبة 70 في المائة أكثر من الأوراق الصينية».
وتشير هذه الدراسة أيضاً، إلى أن «هناك تدفقاً في المواهب الدولية بمجال الذكاء الاصطناعي من الصين إلى أميركا، وذلك بناءً على تحليل عينة من الأوراق التي جرى قبولها في أحد مؤتمرات الذكاء الاصطناعي، حيث وجدوا أنه على الرغم من قيام باحثين بارزين في الذكاء الاصطناعي بإجراء دراساتهم الجامعية في الصين أكثر من أي دولة أخرى، فإن الغالبية العظمى من هؤلاء الخبراء غادروا لمتابعة عملهم في الخارج، وجاء أكثر من نصفهم إلى الولايات المتحدة.
وبالتالي وفقاً لهذه الدراسة: «قد تكون الصين أكبر مصدر لمواهب الذكاء الاصطناعي، لكن الولايات المتحدة هي المستفيد الأكبر من مواهب الباحثين الصينيين».
الشرائح المتقدمة
وكما تثير نقطة الأكثر إنتاجاً للأبحاث والمواهب خلافاً بين كبيريْ مجال الذكاء الاصطناعي (أميركا، والصين) فإن هناك مجالاً آخر للتنافس في القطاع يتعلق بـ«الشرائح المتقدمة المتخصصة»، والتي تمنح الولايات المتحدة نفوذاً لا مثيل له في سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي.
ويستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً الآلاف من الرقائق المتقدمة، ولا يمكن تصنيع هذه الرقائق إلا باستخدام التكنولوجيا الأميركية.
وللاستفادة من هذه الميزة، حظرت إدارة الرئيس جو بايدن في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2022 على الشركات بيع معدات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة وشرائح الذكاء الاصطناعي المصنوعة باستخدام التكنولوجيا الأميركية إلى الصين.
ووفق تقرير نشرته، مجلة «فورين أفيرز» في 4 أبريل (نيسان) الحالي، تعتمد الصين بشكل كبير على الرقائق الأجنبية، حيث تستورد ما يزيد على 400 مليار دولار منها سنوياً، ولهذا الحظر وفق تقرير المجلة تأثير مزدوج يتمثل في «حرمان الصين من القدرة على شراء أجهزة ذكاء اصطناعي متطورة والأدوات التي تحتاج إليها لبناء أجهزة خاصة بها».
ويقول التقرير إنه في بدايات عام 2023، انضمت اليابان وهولندا، وهما المصنعان الرئيسيان الآخران لمعدات تصنيع أشباه الموصلات إلى الضوابط الأميركية للحظر، حيث تسيطر الدول الثلاث على 90 في المائة من السوق العالمية لمعدات تصنيع أشباه الموصلات، وبالتالي يمكن للقيود أن تضمن تراجع الصين في مجال الذكاء الاصطناعي.
ولكن إذا كانت السيطرة على إنتاج الشرائح تمنح الولايات المتحدة ميزة على الصين، فإن تشوان، يراها في المقابل: «تحمل جانباً سلبياً، لأن كثافة أبحاث الذكاء الاصطناعي في الحوسبة، ستحتاج من الولايات المتحدة المزيد من الاستثمار في موارد الحوسبة، لذلك قد يكون منع الشرائح عن الصين، وكأن أميركا تعاقب نفسها اقتصادياً، وهو ما يقتضي البحث عن موارد لمساعدة الأكاديميين الأميركيين على البقاء في المنافسة في أبحاث الذكاء الاصطناعي المتطورة».
قواعد بيانات متنوعة
ويتفق جويجيت تشاترجي، عالم البيانات بجامعة هال البريطانية، مع ما ذهب إليه تشوان في أن نقاط التميز الأميركي السابقة، تحمل في طياتها بعض الجوانب السلبية، ولكن ربما تكون الميزة الأهم في رأيه، هي أنه ورغم أن عدد سكان الصين يبلغ 1.4 مليار شخص، وبالتالي يكون ذلك ميزة للباحثين للصينيين في الوصول إلى بيانات أكثر من نظرائهم الأميركيين، إلا أن التكنولوجيا ليست دائمًا مقيدة بالحدود، وشركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، لديها انتشار عالمي يتجاوز الشركات الصينية.
ويقول تشاترجي لـ«الشرق الأوسط»: «لدى (فيسبوك)، على سبيل المثال، 2.7 مليار مستخدم، و(يوتيوب) لديه أكثر من 2 مليار مستخدم، بينما (وي تشات)، أكبر تطبيق في الصين، لديه 1.2 مليار مستخدم، وهذا من شأنه أن يمنح شركات التكنولوجيا الأميركية قواعد بيانات أكثر تنوعاً».
ومع اعترافه بالتفوق الأميركي على الصين، وهو تفوق تغذية شركات مثل «مايكروسوفت» و«جوجل» و«آي بي إم»، وهما رواد في التعلم العميق والتعلم الآلي، إلا أن جويدو فيلر، من جامعة ويسترن بكندا، والذي عمل على تطبيقات للذكاء الاصطناعي في مجال الصحة، لا يستبعد حدوث تغيير في الخريطة «إذا نجحت روسيا في تحقيق هدفها بإقامة نظام عالمي جديد».
ويقول فيلر لـ«الشرق الأوسط»: «إذا نجحت روسيا في ذلك، وأصبح هناك تحالف صيني - روسي، فلن يكون السباق حينها سباقاً أميركياً - صينيا، ولكنه سيكون تنافساً بين الشرق والغرب»، مستدركاً: «إذا لم يحدث ذلك، فيجب ألا نغفل وجود كندا واليابان وكوريا الجنوبية في السباق، وهي دول تمضي قدماً بهدوء في مبادراتها الخاصة في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي».
أما بوريس سلافين، المتخصص في الذكاء الاصطناعي بجامعة مالية بموسكو، فيضيف «الهند لقائمة الدول التي أشار فيلر، وقال: «إنه في مجال تقنيات الذكاء الاصطناعي، يتغير كل شيء بسرعة، ويمكن للبلدان النامية مثل الهند، التنافس مع الدول القائدة في مجالات معينة».
محاولات محدودة
وحملت الكثير من الأوراق البحثية المنشورة مؤخراً مبادرات كان مصدرها دولاً نامية استخدمت الذكاء الاصطناعي في مجالات مختلفة، مثل الزراعة، ومنها ما نشرته دورية «بلانت ميثودز» المتخصصة في طرق الزراعة المختلفة في أغسطس (آب) من عام 2019، عن نجاح فريق بحثي من معهد التنوع البيولوجي والبحوث البيئية في دار السلام بتنزانيا، في ابتكار تطبيق إلكتروني يعمل على الهواتف الذكية يتيح لمزارعي الموز فحص مزارعهم لاكتشاف خمسة أنواع مختلفة من أمراض النباتات التي قد تصيب محاصيلهم.
وتوجد أيضاً مبادرات في مجال الصحة، ومنها تطوير تطبيق قائم على الرسائل القصيرة في تنزانيا، يجعل عملية تسجيل المواليد أكثر كفاءة وفاعلية من حيث التكلفة، ويمكن للآباء الوصول إليها.
وتظل هذه المبادرات مجرد محاولات محدودة للغاية، وهذا «ليس بسبب افتقار تلك البلدان إلى التصميم أو الإرادة للحاق ببقية العالم، ولكن نتيجة لانشغال تلك الدول بالتحديات الإنمائية الجادة والمتعددة، مثل القضاء على الفقر وتحقيق التنمية المستدامة»، كما توضح فيكيتامويلوا أوتويكامانو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة السامية لأقل البلدان نمواً والبلدان النامية غير الساحلية والدول الجزرية الصغيرة النامية، في مقال نشرته بموقع الأمم المتحدة.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.