السيناريو الأميركي لترويض ملالي إيران

دراسة للمستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية قد تنفع خليفة أوباما

«التصدي لإيران القوة، والدبلوماسية والتهديد الإيراني» تأليف أبراهام دي. سوفائير 182 صفحة الناشر: معهد هوفر، الولايات المتحدة، 2015
«التصدي لإيران القوة، والدبلوماسية والتهديد الإيراني» تأليف أبراهام دي. سوفائير 182 صفحة الناشر: معهد هوفر، الولايات المتحدة، 2015
TT

السيناريو الأميركي لترويض ملالي إيران

«التصدي لإيران القوة، والدبلوماسية والتهديد الإيراني» تأليف أبراهام دي. سوفائير 182 صفحة الناشر: معهد هوفر، الولايات المتحدة، 2015
«التصدي لإيران القوة، والدبلوماسية والتهديد الإيراني» تأليف أبراهام دي. سوفائير 182 صفحة الناشر: معهد هوفر، الولايات المتحدة، 2015

بينما لا يزال مستقبل «الاتفاق» النووي بين إيران والقوى الست العظمى، الذي أحيط بقدر كبير من الدعاية - غير مضمون، يتواصل النقاش حول كيفية التعامل مع النظام الخميني في طهران. ويملك أبراهام سوفائير، مؤلف كتاب «التصدي لإيران.. القوة، والدبلوماسية والتهديد الإيراني»، مؤهلات جيدة لينضم إلى هذا النقاش. لقد كان على مدار خمس سنوات المستشار القانوني لوزارة الخارجية الأميركية، ومن صلب مهامه العلاقات مع إيران، وهو منصب مكنه من مقابلة الكثير من المسؤولين وشبه المسؤولين الإيرانيين والوصول إلى تقارير سرية حول علاقات الولايات المتحدة مع إيران. ويكتسب كتابه الصلاحية بفضل مقدمة مطولة كتبها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جورج بي. شولتز وتزكيات مختصرة من وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنغر وعباس ميلاني، وهو خبير أميركي من أصل إيراني، متخصص في شأن الجمهورية الإسلامية.
تقضي الحجة التي يروج لها سوفائير بأن الإدارات الأميركية المتعاقبة كانت تضع سياساتها بشأن إيران على أساس التفكير بالتمني. فبعضها كان يطارد حلم «تغيير النظام» في طهران من دون أن يوفر فعليا الأدوات اللازمة لتحقيقه. ونتيجة لذلك، فقد تسببوا في مزيد من الاستعداء للملالي بينما سمحوا لهم بسحق معارضيهم في الداخل. في حين كان آخرون يعبثون بفكرة التكيف مع الملالي على أمل إقناعهم بتغيير جوانب سلوكهم. ومنيت هذه الخطة بالفشل لأن الملالي، بمجرد اطمئنانهم إلى أنهم ليسوا مهددين، لم يزدهم هذا إلا عدوانية.
ومتى كان الملالي يشعرون بتهديد حقيقي، فإنهم كانوا يرتدون «القناع الإصلاحي» ويقدمون صورة «الملا الضاحك»، مثل محمد خاتمي في القرن الماضي، وحسن روحاني اليوم.
يعترف سوفائير بأنه حتى ريغان «أضاع ثلاث سنوات» في المحادثات السرية مع الرئيس الإيراني آنذاك هاشمي رفسنجاني في طهران لمساعدة الجناح الذي يقوده الأخير على هزيمة الجناح المنافس بقيادة آية الله منتظري. وما إن تحقق لرفسنجاني هدفه، حتى أمر باستئناف العمليات العدائية ضد الولايات المتحدة، بما في ذلك أسر مزيد من الرهائن الأميركيين في لبنان.

في عهد الرئيس باراك أوباما، انتهجت الولايات المتحدة سياسة التوافق مهما كان الثمن. ولتسويق تلك السياسة إلى الجمهور الأميركي المرتاب في الملالي، قلص أوباما الخيار بين غزو كامل لإيران ومنحها ما تريد، كما اختزل المعضلة الإيرانية بكاملها في المسألة النووية، فأغفل مسائل من قبيل دور إيران في تصدير الإرهاب، وانتهاكاتها الممنهجة لحقوق الإنسان. ولأن الجمهور الأميركي ليس في مزاج يسمح بحرب برية جديدة في الشرق الأوسط، فقد تمكن أوباما من إطلاق العملية التي أنتجت «اتفاق» فيينا النووي.
ويدفع سوفائير بأن كل تلك السياسات كانت خاطئة، بل جاءت في بعض الحالات بمردود عكسي. وهو يوحي بأن على الولايات المتحدة التخلي عن فكرة تغيير النظام في طهران إلى جانب أي حلم بـ«الإصلاح الداخلي» في المشهد الخميني. وفي الوقت ذاته، يشير إلى أن الولايات المتحدة ترى في الجمهورية الإسلامية مشكلة أكثر تعقيدا بكثير، بخلاف المسألة النووية. وعلى خلفية هذه التأكيدات يقوم بمعالجة مسألة «التصدي لإيران». والسؤال هو: كيف؟
الحل الذي يقدمه سوفائير بسيط. على الولايات المتحدة أن تقوم بالتقييم ومن ثم تتعامل مع الجمهورية الإسلامية بناء على ما تفعله طهران في أي مرحلة زمنية. فإذا هددت طهران مصالح واشنطن في أي مكان، يكون على الولايات المتحدة أن ترد بمهاجمة المصالح الخمينية. وهو يزعم أن هذه الطريقة أصابت النجاح في كل مرة استعملت فيها.
على سبيل المثال، في مرحلة ما في العراق، وجد الأميركيون أن الكثير من جنودهم الذين ماتوا كانوا ضحايا ألغام أرضية قادمة من إيران. وعندها أرسل القائد الأميركي الجنرال ديفيد بترايوس رسالة إلى قاسم سليماني، الجنرال الإيراني المسؤول عن «تصدير الثورة»، مفادها: توقف وإلا فسنأتي ونصل إليك! توقفت الإمدادات المميتة في غضون أيام.
مثال آخر حدث في ثمانينات القرن المنصرم، عندما أمر الخميني قواته باستهداف ناقلات النفط الكويتية. أمر الرئيس رونالد ريغان البحرية الأميركية بإغراق بحرية الحرس الثوري الإيراني في معركة دامت يوما كاملا (18 أبريل - نيسان 1988). توقف الخميني فورا عن استهداف الناقلات، بل وافق على وقف الحرب في العراق.
في المقابل، يرى سوفائير أنه عندما قررت الولايات المتحدة أن تغضي الطرف، تجرأت إيران بالإقدام على مزيد من الأفعال الخاطئة. وهو يقول: «كانت لدى جهاز التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) كل الأدلة المطلوبة لإثبات أن الهجوم على الخُبر الذي سقط فيه موظفون أميركيون قتلى، جرى تنفيذه بأوامر من طهران. ومع هذا فقد قرر الرئيس بيل كلينتون تهدئة الأمور ومن ثم زاد عدوانية إيران جرأة».
كما يقول سوفائير إن إيران حافظت على علاقة فعالة مع تنظيم القاعدة، وإن واشنطن رصدت خطابا من أيمن الظواهري يشكر فيه القيادة الخمينية. ويمضي إلى الزعم أن إيران وفرت بعض القواعد التي تحتفظ بها «القاعدة» في اليمن، ويفترض أن ذلك تم بمساعدة الحوثيين.
ويستشهد سوفائير بمحاولة أخرى لجناح رفسنجاني لـ«تحييد» الولايات المتحدة؛ ففي مايو (أيار) 2003، أرسلت طهران مقترحا ظاهريا كتبه صادق خرازي، وهو مبعوث إيراني سابق لدى الأمم المتحدة، يعرض على واشنطن «مساومة كبرى». ورغم أن الرئيس جورج دبليو بوش لم يكن مهتما بالتجربة، فقد أخذها في الحسبان وقلل الضغط على طهران. ويذهب المؤلف أيضا إلى القول بأن هناك «أساسا قانونيا صلبا» للقيام بأعمال عقابية، بما في ذلك الضربات العسكرية العقابية، ضد الجمهورية الإسلامية، بمرجعية حق الدفاع عن النفس بموجب ميثاق الأمم المتحدة.
إن القيام بتحركات عقابية ردا على سوء السلوك من جانب طهران لا يستبعد المفاوضات الدبلوماسية، حسبما يؤكد سوفائير؛ فأهم ما يجب أن يفهمه قادة إيران هو أن هناك عواقب لكل عمل يقومون به. بل يشير المؤلف إلى أن بعض الأهداف المحددة لـ«الضربات» العقابية الأميركية، بما في ذلك جزر فارسي وأبو موسى ومراكز قيادة وسيطرة الحرس الثوري الإيراني في العراق وسوريا ولبنان.
من غير المرجح أن يقتنع الرئيس أوباما بسيناريو سوفائير. ومع هذا، فقد يستميل طرح سوفائير خليفة أوباما، على أقل تقدير.
يعاني كتاب سوفائير من تواضع التحرير، إذ تكرر الكثير من الفقرات الطويلة في صفحات مختلفة، كذلك فهناك الكثير من الأخطاء. فقد كان روبرت، وليس ويليام، غيتس أول وزير للدفاع في عهد أوباما. ولم يكن قلب الدين حكمتيار «زعيم طالبان» بل زعيم الحزب الإسلامي، الذي مولته الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) أولا قبل أن تموله إيران. والسيدة التي اغتالها عملاء الخميني في واشنطن كانت السيدة نيرة، وليس ناريا، رافيزاده. ومن المعروف أيضا أن ريغان لم يبدأ الحوار بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، كما يعتقد المؤلف. فقد كان الطرفان حليفين أثناء الحرب العالمية الثانية، ولاحقا، باستثناء واحد، كانا يعقدان قمما مشتركة. (كان الاستثناء خلال تولي غريغوري مالينكوف، الذي خلف ستالين، رئاسة الوزراء، قبل أن يزيحه سيرغي خروشوف عن المنصب).
وسواء اتفق المرء أو اختلف مع ما يطرحه سوفائير، فرؤيته لـ«مواجهة إيران» هي رؤية صادقة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.