خبراء منقسمون حول «هدنة الذكاء الصناعي»

توافق على جدية المخاوف بشأن الوظائف... وشكوك في «دوافع تجارية»

توني بريسكوت أستاذ الروبوتات المعرفية بجامعة «شيفيلد» البريطانية (جامعة شيفيلد)
توني بريسكوت أستاذ الروبوتات المعرفية بجامعة «شيفيلد» البريطانية (جامعة شيفيلد)
TT

خبراء منقسمون حول «هدنة الذكاء الصناعي»

توني بريسكوت أستاذ الروبوتات المعرفية بجامعة «شيفيلد» البريطانية (جامعة شيفيلد)
توني بريسكوت أستاذ الروبوتات المعرفية بجامعة «شيفيلد» البريطانية (جامعة شيفيلد)

أثارت الدعوة التي أطلقها 1377 خبيراً وعالماً وصانعا للتكنولوجيا، لبدء «هدنة» مدتها ستة أشهر، تتوقف خلالها الشركات عن تطوير أنظمة الذكاء الصناعي لمدة 6 أشهر، تبايناً في آراء المختصين.
وبينما توافق البعض على «جدية المخاوف» المتعلقة بمخاطر على التوظيف والحاجة إلى «الحوكمة الرقمية»، شكك آخرون في «الدوافع التجارية والاقتصادية» التي قد تكون محركة لبعض المشاركين في الدعوة.
وفاجأت شركة «أوبن إيه آي» العالم، منتصف الشهر الجاري، بنسخة من «تشات جي بي تي 4»؛ بعد شهور من نسخة 3.5 من نفس التقنية.
ووقعت على العريضة التي تم إعدادها من قبل معهد «فيوتشر أوف لايف»، الأربعاء، شخصيات بارزة من بينهم مالك شركة تسلا للسيارات الكهربائية، إيلون ماسك، والمؤسس المشارك لشركة (أبل) ستيف وزنياك.
وتحدثت «الشرق الأوسط» إلى 5 خبراء بينهم 4 من الموقعين على العريضة، لاستطلاع أسبابهم بشأن «مشروع الهدنة». وقال أستاذ الروبوتات المعرفية بجامعة شيفلد البريطانية، توني بريسكوت، لـ«الشرق الأوسط» إن «مخاوفي الرئيسية تتعلق بالتأثير على الوظائف البشرية واحتمال زيادة المعلومات المضللة».
ولم يخف حاتم زغلول، عالم الاتصالات المصري الكندي، مخترع «الواي فاي» تخوفاته مما وصفه بـ«الأغراض الاقتصادية والتجارية النابعة من المنافسة بين الكيانات التكنولوجية». وقال زغلول لـ«الشرق الأوسط» إن تلك الدوافع «قد تكون وراء توقيع البعض على هذه العريضة، لكن بلا شك، هناك آخرون كانت دوافعهم نبيلة».
هدنة «الذكاء الصناعي»... مخاوف جدية أم منافسات تجارية؟


مقالات ذات صلة

القمر مختبراً... كيف يشكّل «أرتميس» بروفة «ناسا» لرحلات المريخ؟

تحليل إخباري رواد الفضاء الأربعة في مهمة «أرتميس ‌2» (ناسا)

القمر مختبراً... كيف يشكّل «أرتميس» بروفة «ناسا» لرحلات المريخ؟

برنامج «أرتميس» يستخدم القمر لاختبار التقنيات والتحمل البشري واللوجيستيات تمهيداً لبعثات المريخ واستكشاف الفضاء العميق بشكل مستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أطلقت «غوغل» نموذج «Gemma 4» بترخيص مفتوح يتيح الاستخدام والتعديل والنشر دون قيود كبيرة (رويترز)

«Gemma 4» من «غوغل»: ذكاء اصطناعي مفتوح يعمل على الأجهزة الشخصية

«غوغل» تطلق «Gemma 4» كنموذج مفتوح يعمل محلياً... ما يعزز الخصوصية ويقلل الاعتماد على السحابة ويدعم قدرات متقدمة للمطورين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)

ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

مهمة «أرتميس 2» تختبر أنظمة دعم الحياة، والملاحة، والطاقة لإتاحة رحلات بشرية مستدامة إلى الفضاء العميق تمهيداً للمريخ.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

تشير الدراسة إلى أن حماية البيانات المالية تتطلب مزيجاً من التقنية والتنظيم وسلوك المستخدم مع تزايد التهديدات التي تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)

تداعيات «حرب إيران» على اليابان وكوريا الجنوبية

لثطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء الياباني سانيي تاكاييتشي في واشنطن (غيتي)
لثطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء الياباني سانيي تاكاييتشي في واشنطن (غيتي)
TT

تداعيات «حرب إيران» على اليابان وكوريا الجنوبية

لثطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء الياباني سانيي تاكاييتشي في واشنطن (غيتي)
لثطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء الياباني سانيي تاكاييتشي في واشنطن (غيتي)

لم تنتظر الأسواق الآسيوية طويلاً لتستوعب أبعاد ما جرى في الخليج، فبعد ساعات قليلة من اندلاع حرب إيران أواخر فبراير (شباط)، هوى مؤشر «نيكاي» الياباني أكثر من أربعة آلاف ومئتي نقطة في جلسة واحدة، وانزلق الين الياباني نحو مائة وستين مقابل الدولار. وفي سيول، سجّل مؤشر «كوسبي» COSPI (الكوري الجنوبي) أسوأ انهيار له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وبلغت نسبة التراجع 12 في المائة في يوم واحد. فكانت الرسالة صريحة لا تحتمل التأويل: الحرب ليست حرب المنطقة وحدها، بل هي اختبار وجودي لأمن الطاقة والتوازن الاستراتيجي في آسيا بأسرها. وحقاً يكشف النظر في أرقام الاعتماد النفطي لليابان وكوريا الجنوبية التي نقلتها مجلة «ذي ديبلومات» في عدد 11 مارس (آذار) المنصرم، عن هشاشة بنيوية عميقة؛ إذ إن اليابان تستورد ما يزيد على 95 في المائة من احتياجاتها النفطية من الخارج، وتعتمد في نحو 70 في المائة منها على مضيق هرمز. أما كوريا الجنوبية فتستورد كل برميل تستهلكه تقريباً، وتعتمد على قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة في أكثر من 13 في المائة من وارداتها من الغاز المسال. ولذا فإن إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، بات يشكل تهديداً مباشراً لخُمس الإمدادات النفطية العالمية. وللعلم، فإن ما يزيد على 80 في المائة من النفط والغاز المسال المشحون عبر هرمز كان موجهاً عام 2024 إلى الأسواق الآسيوية، وتتصدّر القائمة كل من الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان. وحين أصابت الطائرات المسيّرة الإيرانية منشآت قطر في رأس لفان، قفزت أسعار الغاز المسال الفوريّة في آسيا لتتجاوز 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، مسجّلةً أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات.

في تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، كانت الدكتورة فاليري نيكيه، الباحثة المتخصّصة في الدراسات الآسيوية بـ«مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية»FRS في العاصمة الفرنسية باريس، واضحة بهذا الخصوص؛ إذ قالت إن «الاحتياطيات الاستراتيجية متاحة لفترة محدودة، وليست حلاً مستداماً، لا سيما أن النفط لا يزال يمثّل نحو 35 في المائة من استهلاك اليابان الأولي للطاقة. أما الحكومة الكورية الجنوبية فقد أعلنت عن تجميد تاريخي لأسعار الوقود، هو الأول منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهدّدت بفرض غرامات على المتلاعبين بالأسعار». وتضيف الباحثة الفرنسية: «بالتالي، ترسّخ هذه قناعة عند صنّاع القرار في طوكيو وسيول بأن التنويع في مصادر الطاقة لم يعُد رفاهاً استراتيجياً، بل صار ضرورة أمنية لا تقبل التأجيل... ومن ثم، فإن الأنظار تتجه أكثر فأكثر نحو الطاقة النووية المدنية، ليس لاعتبارات بيئية فحسب، بل لأنها تقدّم بديلاً حقيقياً عن التبعية لممرّات الشحن المكشوفة».

«الكُمون النووي» والاختبار الإيراني

من جهة ثانية، لعل أعمق ما أثارته هذه الحرب في دوائر الاستراتيجية الآسيوية هو سؤال «الكُمون النووي». والمقصود بهذا المفهوم امتلاك دولة ما القدرة التقنية على صنع أسلحة نووية من دون أن تعلن ذلك رسمياً. أي أنها تمتلك المعرفة التقنية والبنية التحتية الصناعية اللازمة، بحيث تستطيع التحوّل إلى دولة نووية إذا اتخذت قراراً سياسياً.

بيد أن الحرب على إيران أثبتت أن استراتيجية «الكُمون النووي» تحمل في طيّاتها ثغرات جوهرية: ذلك أن الدولة التي تمتلك قدرة قريبة من العَتَبة النووية قد تكون كافية لإثارة قلق خصومها، لكنها ليست كافية لردعهم فعلياً. ولذا فإن اليابان، مثلاً، تتبّنى سياسة «الكُمون النووي» ليس فقط كدرع تقنية، بل كـ«رافعة دبلوماسية».

ووفقاً لتقرير نشرته «مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية» الفرنسية بعنوان «الكُمون النووي: رافعة دبلوماسية مزدوجة الاستخدام»، تهدف اليابان من خلال الحفاظ على قدراتها النووية الكامنة إلى التحوُّط من التهديدات المتزايدة في محيطها الجغرافي، عبر رسالة ردع للصين وكوريا الشمالية مفادها أن اليابان قادرة تقنياً على التحوّل إلى قوة نووية في وقت قصير جداً إذا ما تعرّض أمنها للخطر. وفي الوقت ذاته، توظيف هذا الملف كـ«ورقة ضغط» في علاقتها مع واشنطن، لضمان استمرار «المظلة النووية» الأميركية والحؤول دون تخلي واشنطن عن التزاماتها الدفاعية تجاه اليابان، وإلا فإن اليابان قد تتّجه نحو «انتشار نووي سريع» لضمان أمنها القومي.

هنا تذكّرنا الباحثة نيكيه، في تعقيبها لـ«الشرق الأوسط»، بـ«الحساسية التاريخية» لهذا الموضوع، بالذات في اليابان، فتضيف: «النقاش لا يزال محتدماً بسبب (عقدة) هيروشيما وناغازاكي، حيث يواجه أي توجّه نحو التسلّح النووي معارضة شعبية مبنية على إرث تاريخي مؤلم لا تزال جروحه مفتوحة في ذاكرة اليابانيين».

من جهة ثانية، تبدو كوريا الجنوبية أكثر اندفاعاً وأقل مواربة في مساعيها لامتلاك قدرات نووية بالمقارنة مع اليابان؛ إذ إنه على الرغم من القيود الصارمة التي تفرضها «اتفاقية التعاون النووي المدني مع الولايات المتحدة الأولى» عام 1974 و«الثانية» عام 2015، في ملف تخصيب اليورانيوم، فإن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ يقود منذ وصوله للحكم في يونيو (حزيران) 2025 حراكاً تفاوضياً مكثفاً لتعديل هذه الشروط. ويتركز طموح سلطات سيول حالياً على نيل حق التخصيب لغاية تشغيل غوّاصات تعمل بالطاقة النووية.

واللافت، كما يشرح لـ«الشرق الأوسط»، أنطوان بونداز، الباحث الفرنسي المتخصّص في شؤون كوريا الجنوبية بـ«مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية» في باريس، أن «هناك تحوّلاً جذرياً في الداخل الكوري؛ إذ لم يعد التوجّه النووي حكراً على اليمين المحافظ، بل بات يتمتع بإجماع وطني عابر للأطياف السياسية... ينادي بضرورة امتلاك قدرة نووية مستقلة، وبالأخص لأن كوريا الجنوبية تعيش تحت تهديد مباشر ومستمر من الترسانة النووية لـ«جارتها» كوريا الشمالية، ما يدفع كثيرين إلى الشعور بأن الاعتماد الكلي على الحماية الأميركية لم يعد كافياً الآن».

وبالفعل، فإن هذه الوضعية المشتركة بين اليابان وكوريا الجنوبية فتحت الباب لـ«سيناريوهات» مستقبلية جريئة، تشرحها الدكتورة نيكيه لنا بالقول: «حرب إيران أعادت إلى الواجهة خطر العدو المشترك (أي كوريا الشمالية) والمنافس القوي (أي الصين)، ولذا فمن الممكن جداً التنبؤ بقيام شراكة نووية بين القطبين الآسيويين، حيث يصار إلى دمج الخبرة التقنية المتقدّمة لكوريا الجنوبية بالمواد الانشطارية المتوفرة لدى اليابان»، قبل أن تستدرك فتضيف: «مع هذا، يظل هذا التصوّر مجرّد تكهّنات أكاديمية، ذلك أنه يصطدم بواقع مرير من الإرث التاريخي المُثقل بالخلافات، وثمة عقبات سياسية مهمة تحول دون تحقيق تكامل استراتيجي من هذا النوع في المدى المنظور».

فرضت «حرب إيران» على طوكيو وسيول معادلة صعبة هي:

إما الانخراط في الجهد العسكري الأميركي

وإما التمسك بحياد تتآكل صدقيتُه

الضغط الأميركي... و«ورطة» الاختيار

في مطلق الأحوال، فرضت «حرب إيران» على طوكيو وسيول معادلة صعبة هي: إما الانخراط في الجهد العسكري الأميركي وإما التمسك بحياد تتآكل صدقيتُه. ولقد بلغت هذه الضغوط ذروتها أخيراً مع تصريحات الرئيس دونالد ترمب الذي شّدد على أن «الحماية الأميركية ليست خدمة مجانية»، مطالباً الحلفاء بتأمين إمداداتهم بوسائلهم الخاصة.

في استجابة رسمية، صرّحت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي بأن طوكيو ستلتزم بما هو «ممكن دستورياً» فقط، ملمحةً إلى تقديم دعم لوجيستي محدود لتجنّب الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران. أما الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، فقد حذّر من أن سحب المنظومات الدفاعية الأميركية يخلق «فجوة أمنية» تستدعي من سيول تسريع امتلاك قدرات دفاعية أكثر استقلالية. وللعلم، كانت كوريا الجنوبية قد تعرّضت لقلق إضافي حين علمت بنقل واشنطن البطاريات الأميركية المضادّة للصواريخ من أراضيها إلى منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يُعزّز الشعور بأن واشنطن مستعدة لتهميش حلفائها في شرق آسيا متى اقتضت مصالحها الآنية ذلك. وهذا التأثير ليس وهماً أو مبالغة؛ بل ينعكس على حسابات الردع الإقليمية، ويُعمّق الشك في صلابة الضمانات الأميركية الممتدة.

أما اليابان فتجد نفسها أمام معضلة هوية لا معضلة سياسية فحسب؛ إذ إن هذه البلاد التي عانت ويلات الدمار النووي عام 1945، تحمل في دستورها و«هويتها الجمعية» التزاماً راسخاً بنبذ السلاح النووي وترسيخ سيادة القانون الدولي.

وبالتالي، من شأن التداعيات الحاصلة تعميق التوتر القائم بين الولاء للحلف مع واشنطن والانسجام مع المبادئ التأسيسية التي قامت عليها هوية اليابان في مرحلة ما بعد الحرب، مُربكةً بذلك النخب السياسية والرأي العام معاً.

الباحث الفرنسي بونداز، من جانبه، لا يرى في موقف اليابان وكوريا الجنوبية «مجرد تردد ظرفي»، بل يُشخّصه على أنه «أزمة ثقة بنيوية في منظومة التحالفات الأميركية». ويلفت الخبير المتخصص بالشأن الكوري إلى أن نقل منظومات الدفاع الجوي من شبه الجزيرة الكورية شكّل ضربةً لمبدأ الاطمئنان الاستراتيجي الذي طالما أبقى الحلفاء الآسيويين في المدار الأميركي، مُضيفاً أن كلاً من طوكيو وسيول باتت تُعيد رسم خرائط تحالفاتها الاستراتيجية بصمت، بعيداً عن الإعلان الرسمي.في الوقت عينه، ولكن من منظور مغاير، يرى باسكال بونيفاس، مدير «المعهد الدولي والاستراتيجي» IRIS، أن «الغموض الأميركي الاستراتيجي لم يعُد رادعاً، بل أضحى مُقلقاً حتى لأقرب الحلفاء وأكثرهم موثوقية». ووفق بونيفاس، فإن ما تعيشه منطقة شرق آسيا يُمثّل اختباراً حقيقياً لمدى صمود نظام التحالفات الذي بنته واشنطن على مدار سبعة عقود، محذّراً من أن كل تردد أميركي يفتح الباب أمام شكوك يصعب محوها.


برشلونة يسحق ريال مدريد… ويفرض إعادة تعريف «الكلاسيكو» في كرة القدم النسائية

فريق برشلونة لعب أمام أكثر من 60 ألف متفرج في كامب نو (إ.ب.أ)
فريق برشلونة لعب أمام أكثر من 60 ألف متفرج في كامب نو (إ.ب.أ)
TT

برشلونة يسحق ريال مدريد… ويفرض إعادة تعريف «الكلاسيكو» في كرة القدم النسائية

فريق برشلونة لعب أمام أكثر من 60 ألف متفرج في كامب نو (إ.ب.أ)
فريق برشلونة لعب أمام أكثر من 60 ألف متفرج في كامب نو (إ.ب.أ)

لم يعد ما يحدث بين برشلونة للسيدات وريال مدريد للسيدات مجرد تفوق... بل تحوّل إلى فجوة يصعب تجاهلها، بعد أن كرر الفريق الكتالوني اكتساحه لمنافسه بنتيجة 6-0 في إياب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا، ليعبر إلى نصف النهائي بمجموع 12-2.

خلال تسعة أيام فقط، التقى الفريقان بحسب شبكة The Athletic, ثلاث مرات، انتهت جميعها بانتصارات واضحة لبرشلونة، الذي سجل 15 هدفاً مقابل هدفين فقط، في مشهد يعكس واقعاً غير متوازن، بعيد تماماً عن الصورة التاريخية التي يحملها اسم «الكلاسيكو» في كرة القدم للرجال.

يضم برشلونة عدداً من أفضل لاعبات العالم، مثل أليكسيا بوتياس (إ.ب.أ)

الأرقام وحدها تكشف حجم الفارق؛ فمنذ تأسيس فريق ريال مدريد للسيدات عام 2019 (بعد دمج نادي تاكون)، التقى الفريقان 27 مرة، فاز برشلونة في 26 منها، مسجلاً أكثر من 100 هدف، مقابل فوز وحيد لريال مدريد. وهي أرقام تجعل المقارنة بين النسختين الرجالية والنسائية من «الكلاسيكو» موضع تساؤل حقيقي.

الاختلاف لا يقتصر على أرض الملعب، بل يمتد إلى بنية المشروعين. برشلونة بنى فريقه النسائي على مدار سنوات، محققاً هيمنة مطلقة على الدوري الإسباني منذ 2020، ووصل إلى ستة نهائيات لدوري الأبطال، توّج خلالها ثلاث مرات، وبلغ نصف النهائي للمرة الثامنة توالياً. في المقابل، لا يزال ريال مدريد في مرحلة التأسيس، بخطوات أبطأ، رغم استقطابه بعض الأسماء البارزة مثل ليندا كايسيدو.

يدفع برشلونة نحو 14مليون يورو للاعباته (إ.ب.أ)

حتى التفاصيل التنظيمية تعكس الفارق؛ برشلونة لعب أمام أكثر من 60 ألف متفرج في كامب نو، بينما استضاف ريال مدريد مباراة الذهاب في ملعب الفريق الرديف. كما يحظى الفريق الكتالوني بدعم مؤسسي واضح، سواء من الإدارة أو البنية التحتية، وهو ما ينعكس في جودة المشروع واستقراره.

الفجوة تظهر أيضاً مالياً، إذ يتجاوز إجمالي رواتب فريق برشلونة للسيدات 14.3 مليون يورو، مقابل نحو 7.2 مليون فقط لريال مدريد، ما ينعكس على جودة التشكيلة، حيث يضم برشلونة عدداً من أفضل لاعبات العالم، مثل أليكسيا بوتياس وأيتانا بونماتي، اللتين احتكرتا جائزة الكرة الذهبية في السنوات الأخيرة.

ريال مدريد بحاجة إلى وقت لتقليص الهوة مع برشلونة (إ.ب.أ)

ورغم اعتراف مدرب ريال مدريد بالفارق الكبير، مؤكداً أن فريقه بحاجة إلى وقت لتقليص الهوة، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى أن المنافسة ما زالت بعيدة عن التوازن. فبرشلونة لا يكتفي بالفوز، بل يفرض سيطرة نفسية وفنية تجعل المواجهة أقرب إلى اتجاه واحد.

لاعبات برشلونة يحتفلن مع بوتياس (إ.ب.أ)

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مصطلح «الكلاسيكو» في نسخته النسائية لم يعد يعكس حقيقة التنافس، بقدر ما يعكس فجوة بين مشروع مكتمل وآخر لا يزال في طور البناء... فجوة تجعل برشلونة، حتى الآن، خارج المقارنة.


إعادة رسم خريطة النفوذ... ونهاية الغموض الاستراتيجي

الدكتورة فاليري نيكيه (معهد اليابان للشؤون الدولية - JIIA)
الدكتورة فاليري نيكيه (معهد اليابان للشؤون الدولية - JIIA)
TT

إعادة رسم خريطة النفوذ... ونهاية الغموض الاستراتيجي

الدكتورة فاليري نيكيه (معهد اليابان للشؤون الدولية - JIIA)
الدكتورة فاليري نيكيه (معهد اليابان للشؤون الدولية - JIIA)

> تتجاوز تداعيات الحرب أبعادها الثنائية مع إيران لتطول بنية النظام الدولي برمته. فالانتشار العسكري الأميركي الهائل في الشرق الأوسط يُفرغ الالتزامات المُعلنة بالمحور الإندو باسيفيكي من مضمونها، ويمنح الرواية الصينية عن «الأفول الأميركي» صدقية ميدانية إضافية.

لقد رصد محللون أن ما يزيد على 40 في المائة من السفن العملياتية للبحرية الأميركية باتت مُحتشدة حول الشرق الأوسط، ما يُقلّص الحضور الرادع في المياه الآسيوية بصورة مباشرة. وفي هذا الإطار، قال سيدريك بيران، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي، إننا نشهد «منعطفاً جيوسياسياً تاريخياً لم يعرف العالم مثيله منذ سقوط جدار برلين»، مشيراً إلى أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية ستسعى بسرعة إلى الضغط على واشنطن لوقف التصعيد. أما زميله كريستيان كامبون، عضو مجلس الشيوخ التابع لحزب الجمهوريين اليميني، فحذّر من أن أي صدمة نفطية ستُلقي بظلالها بصورة كاملة على آسيا أكثر من سواها.

في المقابل، كشفت الحرب عن حدود الدور الصيني بوضوح. فعلى الرغم من «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» التي أبرمتها بكين مع طهران عام 2021، واستثماراتها الضخمة ضمن إطار «مبادرة الحزام والطريق»، لم تتدخل الصين لحماية إيران من الضربات الأميركية الإسرائيلية، ما يؤكد نهجها الحذر في قضايا الأمن الإقليمي. وهذا ما لخّصه لنا الباحث الفرنسي أنطوان بونداز، عندما علّق بأن «الصين تخاطر بأن تبدو عاجزة عن نجدة حلفائها في أوقات الشدة، وهذا واقع يُقوّض رصيدها الجيوسياسي في المنطقة وخارجها. وبالتالي، بناءً على هذه المعطيات ستحتاج كل من اليابان وكوريا الجنوبية إلى تسريع تطوير قدراتهما العسكرية، ولا سيما قدرات الضرب بعيد المدى وأنظمة الدرع الصاروخية المتعددة الطبقات، في مستقبل لم يعد فيه مجال للاتّكال على الضامن الأميركي».

يُفاقم هذا كله أن النظام الإقليمي في شمال شرقي آسيا يعاني أصلاً من ضغوط بنيوية متراكمة: كوريا الشمالية وبرنامجها النووي الذي لا يتوقف، والخلاف الصيني التايواني الذي ينتظر شرارةً قد لا تُشبه سابقاتها. وهنا يحذّر بونداز من أن «خطر تأثير الدومينو نحو اليابان وكوريا الجنوبية قائم فعلاً، إذا ما شكّكتا في الضمانات الأمنية الأميركية».

وبالفعل هذا الخطر بات اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى، فبعد الضربات الأميركية على إيران، باتت كوريا الشمالية تأخذ التهديد الأميركي المحتمل لبلادها بجدّية بالغة، من دون التفكير بالتخلّي عن برنامجها النووي، بل على العكس من ذلك. إذ يبدو الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون قادراً على التوجه إلى قياداته العسكرية بالقول: انظروا إيران كونها لا تمتلك القنبلة النووية ينتهى بها الأمر على هذا النحو، فكيف لا نمضي بقدراتنا النووية قدماً...

في سياق آخر، كانت سياسات اليابان وكوريا الجنوبية تُدار منذ عقود وفق منطق الغموض الاستراتيجي المحسوب: تحالف وثيق مع واشنطن، وعلاقات اقتصادية مع بكين، ومسافة حذرة من أي تصعيد. غير أن الحرب على إيران تُضيّق الآن هامش هذا الغموض يوماً بعد يوم، وتطرح على دوائر صنع القرار في طوكيو وسيول سؤالاً ملحّاً؛ إلى متى سنستطيع الموازنة؟

ما يمكن استخلاصه هو أن ثّمة هشاشة مادّية تسبق كل نقاش استراتيجي، إذ غدا معروفاً أن اليابان وكوريا الجنوبية تستوردان معظم احتياجاتهما النفطية من الخليج. وعليه، فمجرّد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز لأسابيع معدودة كفيل بشلّ إنتاجهما الصناعي وإرباك توقّعات نموّهما لسنوات. وحقاً، دفع هذا الواقع البلدين إلى إعادة الاعتبار للطاقة النووية المدنية، لكن التوسّع في البنية النووية المدنية يُقصّر موضوعياً، المسافة إلى عتبة الامتلاك العسكري.

وفي قراءته لمستقبل توجّهات كوريا الجنوبية، يرى الخبير الفرنسي أنطوان بونداز «أن قضية امتلاك أسلحة نووية مستقلة باتت تحظى الآن بتأييد شعبي واسع»، معتبراً أن ذلك «يمثل حسابات استراتيجية أكثر من كونه حماسة مؤقتة، وهذا في ظل شكوك متصاعدة حول صمود الضمانة الأميركية».

أما بالنسبة لليابان، فتُلاحظ الدكتورة فاليري نيكيه «أن تحولاتها الأمنية الأخيرة، رغم ضخامتها، تبقى رهاناً على استمرار المظلة الأميركية أكثر من كونها مشروع استقلالية حقيقية». وتتابع: «الأخطر في المشهد أن الصين لن تخسر شيئاً من هذه الحرب، فانشغال واشنطن في الخليج يُخفف الضغط عن بكين في ملف تايوان، ويكشف محدودية القدرة الأميركية على الوفاء بالتزاماتها في جبهتين متزامنتين. هذا يجعل الحرب على إيران أكثر من نزاع إقليمي، لتغدو اختباراً لصمود النظام الأمني بأسره، وقد تكون نتيجته إعادة رسم خريطة الانتشار النووي في منطقة ظنّت نفسها بعيدة عن هذه المعادلات».