كيف انتهت مسيرة أنطونيو كونتي مع توتنهام؟

المدرب الإيطالي كان يتطلع إلى الحفاظ على تاريخه مديراً فنياً كبيراً قادراً على حصد البطولات والألقاب

كان واضحاً أن كونتي لا يريد البقاء ويعد الأيام المتبقية على نهاية الموسم ونهاية عقده من أجل الرحيل (رويترز)
كان واضحاً أن كونتي لا يريد البقاء ويعد الأيام المتبقية على نهاية الموسم ونهاية عقده من أجل الرحيل (رويترز)
TT

كيف انتهت مسيرة أنطونيو كونتي مع توتنهام؟

كان واضحاً أن كونتي لا يريد البقاء ويعد الأيام المتبقية على نهاية الموسم ونهاية عقده من أجل الرحيل (رويترز)
كان واضحاً أن كونتي لا يريد البقاء ويعد الأيام المتبقية على نهاية الموسم ونهاية عقده من أجل الرحيل (رويترز)

ما الذي جاء أولاً في توتنهام؟ هل القلق ونفاد الصبر بين القاعدة الجماهيرية للنادي بسبب عدم القدرة على الفوز بالألقاب والبطولات هو ما أثر بالسلب على اللاعبين؟ أم أن عدم قدرة اللاعبين على تحمل الضغوط والفوز بالبطولات هو الذي أدى إلى الشعور بالقلق ونفاد الصبر؟ لم يكن المدير الفني السابق لتوتنهام، أنطونيو كونتي، يعرف إجابة واضحة على ذلك؛ لكنه شعر بأن كلا الأمرين كان حاضراً في النادي، وهو الأمر الذي خلق بيئة تشبه نتائج محاولة الركض فوق الرمال المتحركة، أو بعبارة أخرى بيئة مستحيلة بالنسبة لأي مدير فني، حتى بالنسبة لمدير فني يمتلك خبرات كبيرة، وسبق له الفوز بالألقاب والبطولات، مثل كونتي.
وللتكرار، كما يحب كونتي أن يقول دائماً، كانت هذه وجهة نظره ومبرراته لأسباب فشله مع «السبيرز». لقد تولى كونتي القيادة الفنية لتوتنهام في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، بهدف قيادة النادي للفوز بالبطولات، بعدما لم يفز النادي إلا ببطولة كأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة في عام 2008، خلال فترة رئاسة دانيال ليفي التي استمرت 22 عاماً؛ لكن كونتي لم يتمكن من القيام بذلك. وبخلاف خواندي راموس، لم يفز أحد بأي بطولة مع توتنهام تحت قيادة ليفي، وكان هناك كثير من المديرين الفنيين البارزين قبل كونتي الذين فشلوا أيضاً في قيادة النادي للحصول على أي بطولة. ويجب التأكيد هنا على أن الأمر يتعلق بالثقافة السائدة في النادي، وهي الثقافة التي ينغمس فيها اللاعبون وتجعلهم يبحثون عن الأعذار لتبرير فشلهم. وعن ذلك، قال كونتي غاضباً بعد نهاية المباراة التي تعادل فيها توتنهام مع ساوثهامبتون بثلاثة أهداف لكل فريق يوم السبت قبل الماضي: «يمكنهم تغيير المدير الفني؛ بل وتغيير كثير من المديرين الفنيين؛ لكن الوضع لا يمكن أن يتغير. صدقوني».
لقد كان كونتي ضحية لسمعته بوصفه مديراً فنياً كبيراً قادراً على حصد البطولات والألقاب، تماماً كما كانت الحال مع أحد أسلافه في قيادة النادي، وهو المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو. وبدأ كونتي يدرك هذا الأمر أيضاً؛ حيث قال قبل بضعة أسابيع: «لو كنت مديراً فنياً جيداً ولم أحصل على أي بطولة في مسيرتي التدريبية، فأعتقد أن قيادة توتنهام ستكون الوضع المثالي بالنسبة لي؛ لكني أملك ماضياً مختلفاً، وربما يكون هذا عقاباً لي!».
ومع كونتي، لم تكن هناك حلول وسط، فإما الفوز بالبطولات وإما الفشل، وهو الأمر الذي لم يكن كذلك مع مديرين فنيين آخرين في عصر ليفي. لم يفز هاري ريدناب وماوريسيو بوكيتينو بأي بطولة؛ لكنهما نالا حب وتقدير الجمهور، وكانا يجعلان النادي يلعب بهوية واضحة ويقدم كرة قدم مثيرة وممتعة، وتركا كثيراً من الذكريات الرائعة، وخصوصاً بوكيتينو الذي وصل إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا.
في الحقيقة، يُعد مشجعو توتنهام أكثر تحملاً وصبراً من جماهير الأندية الكبيرة الأخرى. إذا رأوا خطة واضحة وتحسناً ملحوظاً في مستوى الفريق، وإذا رأوا الفريق يقدم كرة قدم ممتعة، فسوف يشعرون بالسعادة؛ لكن هذه هي الأشياء التي لم ينجح كونتي في تحقيقها. الفوز بالبطولات والألقاب صعب للغاية على أي نادٍ في إنجلترا تقريباً، وجمهور توتنهام لا يتوقع أن يفوز النادي بالبطولات؛ لكن ما يطالب به –وله الحق قي ذلك تماماً– هو أن يلعب الفريق كوحدة واحدة، وأن يلعب اللاعبون بمنتهى إنكار الذات من أجل مصلحة الفريق، وأن يقدموا كرة قدم ممتعة.
لقد كان كونتي يشعر دائماً بأنه غير مناسب لتوتنهام؛ فمطالبه وطريقة عمله ونفاد صبره تتعارض مع الطريقة التي يعمل بها ليفي. ويجب الإشارة مرة أخرى إلى أن كونتي يشبه مورينيو في هذا الأمر. لقد كان الأمل يتمثل في أن يحقق الفريق نتائج جيدة، وهو الأمر الذي كان سيؤدي إلى نسيان أي شيء آخر. لقد تراجعت مستويات ونتائج توتنهام هذا الموسم، وبدا كونتي عاجزاً عن تحقيق أهدافه، ثم بدأ يشعر بالغضب ويوجه الانتقادات هنا وهناك، وبالتالي خرجت الأمور عن السيطرة، ولم يعد قادراً على أن يكون مصدر إلهام للاعبيه.

كونتي وكين... نقاش موضوعي أم خلاف (رويترز)

لقد أعطى المدير الفني الإيطالي انطباعاً منذ البداية بأن مهمته مع الفريق ستكون صعبة للغاية، وقال فور توليه المهمة إنه يتعين على الجميع العمل بشكل متواصل طوال أيام الأسبوع. ولم يكتفِ كونتي بالكلام؛ لكنه كان يعمل بالفعل بكل قوة، وكان يهتم بأدق التفاصيل في التدريبات، وكان يعرف جيداً ما هو مطلوب لصعود منصات التتويج، وكان يتحلى بعقلية الفوز، وبالتالي كان يتعين على الجميع داخل النادي أن يثقوا به ويلبوا مطالبه؛ لكن ذلك لم يحدث!
في البداية، كان هناك حماس شديد للغاية من جانب اللاعبين. وخلال المقابلات الصحافية، كان بعض اللاعبين يرددون الكلمات والعبارات نفسها التي يستخدمها كونتي. لم يكن توتنهام يعرف كيف يفوز بالبطولات، وهو الأمر الذي منح كونتي تفوقاً كبيراً منذ البداية بسبب خبراته الهائلة وقدرته على الفوز بعدد كبير من الألقاب. كان هناك شعور بالقلق من إمكانية رحيله إذا لم يحقق ما يريده في فترة الانتقالات الشتوية 2022. وقد استغل هذه النقطة بقوة بعد الهزيمة أمام بيرنلي في الشهر التالي، عندما تساءل عما إذا كان هو الرجل المناسب لتحسين الوضع في النادي أم لا!
لقد كانت هذه الخطوة محسوبة تماماً من أجل حث اللاعبين على تقديم أفضل ما لديهم داخل المستطيل الأخضر. ومن المعروف للجميع أن كونتي يفكر ملياً في الرسائل والإشارات التي يريد توجيهها خلال المؤتمرات الصحافية. وقد نجح هذا الأمر؛ حيث فاز الفريق في 10 من آخر 14 مباراة في الدوري الإنجليزي الممتاز، لينهي الموسم في المركز الرابع في جدول الترتيب، وهو إنجاز رائع.

علاقة كونتي ساءت مع بعض اللاعبين قبل رحيله (رويترز)

لكن من الواضح أن رسائل كونتي لم تعد تحقق أهدافها، وأن نتائجها أصبحت أقل. وظل كونتي يشتكي كثيراً، وتراوحت شكواه بين عدم تلبية النادي لمطالبه فيما يتعلق بضم لاعبين جدد من أجل تدعيم صفوف الفريق، وبين الأسباب التي تجعله المتحدث الوحيد باسم النادي. وكان هناك شعور بالحسرة من أن جيد سبنس كان اللاعب الوحيد الذي ضمه النادي في فترة الانتقالات الصيفية، كما حدث الأمر نفسه عندما تعاقد النادي مع أرنو دانجوما فقط في فترة الانتقالات الشتوية الأخيرة. لقد كان كونتي يريد التعاقد مع لاعبين بارزين يمتلكون خبرات كبيرة، حتى يمكنهم إحداث تأثير فوري مع الفريق، وهو الأمر الذي يفسر أيضاً عدم اهتمامه باللاعبين الشباب الصاعدين من أكاديمية الناشئين بالنادي الذين بدأوا بدورهم يشعرون بالإحباط بسبب قلة أو انعدام فرصة تصعيدهم للفريق الأول.
وبعد ذلك، بدا كونتي متعباً ومدمَّراً، بعدما فقد 3 من أصدقائه الجيدين (مدرب اللياقة البدنية في توتنهام، جيان بييرو فينتروني، ثم سينيسا ميهايلوفيتش وجيانلوكا فيالي) وهو الأمر الذي جعله يشعر بالقلق من عدم قدرته على إحداث قدر من التوازن بين حياته وعمله، وخصوصاً فيما يتعلق بابتعاده عن زوجته وابنته في إيطاليا. كما زادت معاناته بعد أن خضع لعملية جراحية طارئة لاستئصال المرارة في بداية شهر فبراير (شباط).
وكان من الواضح أنه لا يريد البقاء، وأنه يعد الأيام المتبقية على نهاية الموسم ونهاية عقده من أجل الرحيل، وهو الأمر الذي كان غريباً في حد ذاته؛ لأننا نادراً ما نرى نادياً ينتظر حتى ينتهي عقد المدير الفني! وبالتالي، أصبحت التناقضات أكثر إثارة للجدل. لقد أكد كونتي مراراً وتكراراً على الحاجة إلى الوقت والصبر؛ وكان يشير دائماً إلى أن فريقه ليس جاهزاً حتى الآن للفوز بالبطولات والألقاب. لكن السؤال الذي يجب طرحه الآن هو: لماذا وقَّع كونتي على عقد لمدة 20 شهراً فقط إذا كان يريد حقاً بناء فريق يمكنه الفوز بالبطولات؟ لقد كان كونتي يريد أن يعمل وفق دورته الطبيعية التي نجحت في كثير من التجارب السابقة، بمعنى أن يتولى قيادة الفريق، ثم يضخ النادي استثمارات ضخمة ويضم لاعبين جيدين، ثم يحصل الفريق على البطولات في نهاية المطاف. فهل كان ليفي سيوافق على إبرام الصفقات الكبيرة التي يريدها كونتي؟ لقد دعمه ليفي بدرجة معقولة؛ لكنه لم يلبِّ طلباته بالكامل.
وبعد ذلك، بدأ المدير الفني الإيطالي يتحول إلى الشكل السلبي المعتاد في حال إثارة المشكلات (حدة في التعامل وغضب شديد، وانهيار العلاقات) وفي النهاية، أصبحت السلبيات هي الأبرز، وأصبح الفريق يقدم كرة قدم مملة من دون أي إبداع. ووصلت الأمور إلى نهايتها عندما انتقد كونتي لاعبيه على الملأ، بعد التعادل أمام ساوثهامبتون، واتهامهم بأنهم لا يملكون عقلية الفوز، ثم قيامه بعد أسبوع بتوجيه انتقادات أخرى لإدارة النادي، بسبب عدم تقديم الدعم المطلوب له، وبالتالي انهار كل شيء، ليرحل المدير الفني الإيطالي عن «السبيرز»!


مقالات ذات صلة

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الرياضة الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

أصدرت محكمة في نابولي حكماً بالسجن، في حق مُدافع فريق «مونتسا» الدولي أرماندو إيتزو، لمدة 5 أعوام؛ بسبب مشاركته في التلاعب بنتيجة مباراة في كرة القدم. وقال محاموه إن إيتزو، الذي خاض 3 مباريات دولية، سيستأنف الحكم. واتُّهِم إيتزو، مع لاعبين آخرين، بالمساعدة على التلاعب في نتيجة مباراة «دوري الدرجة الثانية» بين ناديه وقتها «أفيلينو»، و«مودينا»، خلال موسم 2013 - 2014، وفقاً لوكالات الأنباء الإيطالية. ووجدت محكمة في نابولي أن اللاعب، البالغ من العمر 31 عاماً، مذنب بالتواطؤ مع «كامورا»، منظمة المافيا في المدينة، ولكن أيضاً بتهمة الاحتيال الرياضي، لموافقته على التأثير على نتيجة المباراة مقابل المال.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الرياضة الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

أعلنت رابطة الدوري الإسباني لكرة القدم، اليوم (الخميس)، أن الأندية قلصت حجم الخسائر في موسم 2021 - 2022 لأكثر من ستة أضعاف ليصل إلى 140 مليون يورو (155 مليون دولار)، بينما ارتفعت الإيرادات بنسبة 23 في المائة لتتعافى بشكل كبير من آثار وباء «كوفيد - 19». وأضافت الرابطة أن صافي العجز هو الأصغر في مسابقات الدوري الخمس الكبرى في أوروبا، والتي خسرت إجمالي 3.1 مليار يورو، وفقاً للبيانات المتاحة وحساباتها الخاصة، إذ يحتل الدوري الألماني المركز الثاني بخسائر بقيمة 205 ملايين يورو. وتتوقع رابطة الدوري الإسباني تحقيق صافي ربح يقل عن 30 مليون يورو في الموسم الحالي، ورأت أنه «لا يزال بعيداً عن المستويات قب

«الشرق الأوسط» (مدريد)
الرياضة التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

منح فريق التعاون ما تبقى من منافسات دوري المحترفين السعودي بُعداً جديداً من الإثارة، وذلك بعدما أسقط ضيفه الاتحاد بنتيجة 2-1 ليلحق به الخسارة الثانية هذا الموسم، الأمر الذي حرم الاتحاد من فرصة الانفراد بالصدارة ليستمر فارق النقاط الثلاث بينه وبين الوصيف النصر. وخطف فهد الرشيدي، لاعب التعاون، نجومية المباراة بعدما سجل لفريقه «ثنائية» في شباك البرازيلي غروهي الذي لم تستقبل شباكه هذا الموسم سوى 9 أهداف قبل مواجهة التعاون. وأنعشت هذه الخسارة حظوظ فريق النصر الذي سيكون بحاجة لتعثر الاتحاد وخسارته لأربع نقاط في المباريات المقبلة مقابل انتصاره فيما تبقى من منافسات كي يصعد لصدارة الترتيب. وكان راغد ال

الرياضة هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

يسعى فريق الهلال لتكرار إنجاز مواطنه فريق الاتحاد، بتتويجه بلقب دوري أبطال آسيا بنظامها الجديد لمدة عامين متتاليين، وذلك عندما يحل ضيفاً على منافسه أوراوا ريد دياموندز الياباني، السبت، على ملعب سايتاما 2022 بالعاصمة طوكيو، بعد تعادل الفريقين ذهاباً في الرياض 1 - 1. وبحسب الإحصاءات الرسمية للاتحاد الآسيوي لكرة القدم، فإن فريق سوون سامسونغ بلو وينغز الكوري الجنوبي تمكّن من تحقيق النسختين الأخيرتين من بطولة الأندية الآسيوية أبطال الدوري بالنظام القديم، بعد الفوز بالكأس مرتين متتاليتين موسمي 2000 - 2001 و2001 - 2002. وتؤكد الأرقام الرسمية أنه منذ اعتماد الاسم الجديد للبطولة «دوري أبطال آسيا» في عا

فارس الفزي (الرياض)
الرياضة رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

تعد الملاكمة رغد النعيمي، أول سعودية تشارك في البطولات الرسمية، وقد دوّنت اسمها بأحرف من ذهب في سجلات الرياضة بالمملكة، عندما دشنت مسيرتها الدولية بفوز تاريخي على الأوغندية بربتشوال أوكيدا في النزال الذي احتضنته حلبة الدرعية خلال فبراير (شباط) الماضي. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قالت النعيمي «كنت واثقة من فوزي في تلك المواجهة، لقد تدربت جيداً على المستوى البدني والنفسي، وعادة ما أقوم بالاستعداد ذهنياً لمثل هذه المواجهات، كانت المرة الأولى التي أنازل خلالها على حلبة دولية، وكنت مستعدة لجميع السيناريوهات وأنا سعيدة بكوني رفعت علم بلدي السعودية، وكانت هناك لحظة تخللني فيها شعور جميل حينما سمعت الج


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.