أسعار الغذاء ترتفع في ظل الحرب وتغير المناخ

أزمة الإمدادات من بين أكبر تهديدات تواجه العالم

في سوق للخضراوات بالقاهرة... مصر بين الدول التي تشهد زيادة في أسعار المواد الغذائية (إ.ب.أ)
في سوق للخضراوات بالقاهرة... مصر بين الدول التي تشهد زيادة في أسعار المواد الغذائية (إ.ب.أ)
TT

أسعار الغذاء ترتفع في ظل الحرب وتغير المناخ

في سوق للخضراوات بالقاهرة... مصر بين الدول التي تشهد زيادة في أسعار المواد الغذائية (إ.ب.أ)
في سوق للخضراوات بالقاهرة... مصر بين الدول التي تشهد زيادة في أسعار المواد الغذائية (إ.ب.أ)

يواجه العالم حالياً أزمة غذاء واسعة وصفها البعض بأنها الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية. ويحذر «المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية»، من أن أسعار المواد الغذائية ستواصل ارتفاعها هذه السنة، ما لم يكن هناك إعفاء كبير من الديون، ودعم من المجتمع الدولي.
وفي حين تدخل الحرب الروسية في أوكرانيا عامها الثاني، تتجدد المخاوف حول مصير سلة الحبوب في منطقة البحر الأسود، التي أصبحت رهينة التجاذبات السياسية والأمنية. وفي الوقت ذاته، تساهم أحوال الطقس القاسية في الهند وباكستان والأرجنتين وشرق أفريقيا وأوروبا في تراجع الإمدادات الغذائية العالمية وزيادة الأسعار.
- الحرب تهدد أمن الغذاء العالمي
يُشير أحدث موجز لـ«البنك الدولي» عن الأمن الغذائي إلى حالة عدم اليقين التي تحيط بالأسواق الزراعية مع استمرار الحرب في أوكرانيا. ويؤكد التقرير، الذي صدر في منتصف مارس (آذار) 2023، على استمرار التضخم في أسعار المواد الغذائية المحلية، حيث بلغت الزيادة في الأسعار أكثر من 5 في المائة خلال الفترة بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 وفبراير (شباط) 2023 في مجمل الدول، لا سيما في أفريقيا وأميركا الشمالية واللاتينية وجنوب آسيا وأوروبا وآسيا الوسطى.
واستناداً إلى الموجز، تتصدر زيمبابوي مؤشر تضخم أسعار الغذاء خلال الفترة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2022 ويناير (كانون الثاني) 2023، بزيادة بلغت 264 في المائة، بينما جاء لبنان في المرتبة الثانية عالمياً، حيث بلغت زيادة أسعار الغذاء 139 في المائة. وتأتي الأرجنتين في المرتبة الثالثة (99 في المائة) ثم إيران (73 في المائة) فتركيا (67 في المائة). وفي حال استبعاد التضخم العام، تبقى الزيادة الحقيقية في أسعار الغذاء في زيمبابوي هي الأعلى عالمياً، وتليها زيادات الأسعار في رواندا ثم مصر، وتستمر إيران ولبنان وتركيا ضمن قائمة الدول العشر الأسوأ عالمياً من حيث زيادة أسعار الغذاء الحقيقية.
وكان شهر فبراير (شباط) الماضي شهد تراجعاً في أسعار الذرة بمقدار 10 في المائة، وفي أسعار القمح بمقدار 20 في المائة، بفضل صادرات القمح الروسي التي فاقت التوقعات، وكذلك بفضل اتفاق ممر تصدير الحبوب الذي سمح بنقل 3 ملايين طن من الحبوب شهرياً عبر موانئ أوكرانيا على البحر الأسود.
كما ساعد الحصاد الوفير في أستراليا وكندا على تعويض الانخفاض الحاد في شحنات القمح الأوكراني، وأدى الارتفاع الكبير في إنتاج الذرة في البرازيل إلى الحد من تأثير انخفاض الإمدادات الأوكرانية، وعزز حصاد الولايات المتحدة استقرار سوق الأعلاف، باعتبارها المصدر الأول عالمياً للحبوب العلفية، مثل الذرة والدخن والشعير والشوفان.
ونتيجة ذلك، انخفض مؤشر الأسعار العالمية لـ«منظمة الأغذية والزراعة» (فاو)، في فبراير (شباط)، بنسبة 19 في المائة، بالمقارنة مع مستوى الأسعار القياسي الذي حققه المؤشر في مارس (آذار) 2022، ولكن من المرجح أن تظل الأسعار متقلبة هذا العام، لا سيما خلال مراحل الزراعة ونمو المحاصيل الرئيسية، حيث تبقى مخزونات الحبوب العالمية أقل من المعتاد.
ويحذر «البنك الدولي» من أن أسعار الغذاء العالمية، رغم انخفاضها عن الأرقام القياسية التي وصلت إليها قبل عام، لا تزال مرتفعة، وأن قيود التصدير الجديدة قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع مرة أخرى. وكانت 19 دولة فرضت حظراً على تصدير المواد الغذائية منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022، كما وضعت 8 دول قيوداً على الصادرات.
وتفرض الحرب في أوكرانيا سطوتها على أكثر من ثلث تجارة القمح العالمية، و17 في المائة من تجارة الذرة العالمية، وما يقرب من 75 في المائة من تجارة عباد الشمس العالمية. ويمتد تأثيرها إلى مستلزمات الإنتاج الزراعي، حيث إن روسيا، إلى جانب بيلاروسيا، أحد أكبر مصادر الأسمدة المعدنية في العالم. ورغم وجود استثناءات محددة في نظام العقوبات تسمح للبلدين بمواصلة تصدير الأسمدة، فإن هذه الصادرات لا تزال تواجه تدابير أخرى تعرقل تدفقها.
ويصنف تقرير المخاطر العالمية لعام 2023، الصادر عن «المنتدى الاقتصادي العالمي»، أزمة الإمدادات الغذائية التي تلوح في الأفق واحدة بين أكبر 4 تهديدات تواجه العالم. ويتوقع التقرير أن تضر الآثار الآجلة لارتفاع أسعار الأسمدة بإنتاج الغذاء في هذه السنة، علماً بأن نصف سكان العالم يعتمدون على الغذاء المنتَج باستخدام الأسمدة المعدنية، وفقاً لتقديرات «منظمة الأغذية والزراعة» (فاو).
ويتفاقم نقص الأسمدة في السوق العالمية بسبب قيود التصدير التي تفرضها الصين، علماً بأنها توفر وحدها 30 في المائة من إمدادات الأسمدة الفوسفاتية العالمية، وتشير تقديرات «البنك الدولي» إلى انخفاض صادرات الصين من الأسمدة بنسبة 50 في المائة في عام 2022 نتيجة تدابير حماية السوق المحلية. وفي الوقت ذاته، أدى ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في أوكرانيا إلى انخفاض في إنتاج الأسمدة أوروبياً بنسبة 70 في المائة، مما عزز نقص الإمدادات العالمية.
- تراجع إمدادات الغذاء بسبب تغير المناخ
تلعب أحوال الطقس وآثارها الممتدة، لا سيما الفيضانات والجفاف، دوراً أساسياً في نقص الإمدادات الغذائية وزيادة الأسعار. ويتمثل الأثر الاقتصادي المباشر للجفاف في القطاع الزراعي في قلة المحاصيل وخسارة المراعي، ويتم غالباً نقل عبء الجفاف إلى المستهلكين من خلال زيادة الأسعار، ما لم يتم تعويض الخسائر عبر برامج المساعدة الحكومية في حالات الكوارث.
ويمكن أن تشمل الآثار غير المباشرة للجفاف في هذا القطاع انخفاض الإمدادات إلى الصناعات التحويلية، مثل الصناعات الغذائية، وانخفاض الطلب على المدخلات، بما فيها الأسمدة والعمالة الزراعية. وتتضمن الآثار غير السوقية للجفاف الضغوط النفسية على المزارعين التي قد تدفعهم لتغيير مصدر عيشهم.
وتُظهر بيانات وزارة الزراعة الأميركية أنه رغم المؤشرات الإيجابية لتحقيق البرازيل محصولاً كبيراً من الذرة هذه السنة يصل إلى 125 مليون طن، فإن إنتاج الأرجنتين (ثالث أكبر مصدر للذرة عالمياً) سينخفض إلى أدنى مستوى في 5 سنوات، بسبب أسوأ موجة جفاف تواجهها البلاد منذ 60 عاماً.
وكانت الهند حظرت، في سبتمبر (أيلول) 2022، صادرات الأرز المكسور، الذي يُستخدم بشكل أساسي علفاً للحيوانات، وفرضت رسوماً بنسبة 20 في المائة على صادرات أصناف أخرى من الأرز لدعم الإمدادات والأسعار المحلية، بعد تدني الهطول المطري في مناطق الإنتاج الرئيسية.
وتواجه الهند ودول جنوب آسيا زيادة في تواتر أحوال الطقس القاسية؛ من موجات حر متطرفة أو فيضانات عارمة. وتُعتبر المنطقة إحدى أكثر المناطق في العالم عرضة لتأثيرات تغير المناخ، وهي في الوقت ذاته إحدى أهم مصادر الأرز والقطن عالمياً. وكانت الفيضانات في الهند وباكستان، إلى جانب الجفاف في أوروبا، خفضت إنتاج البصل ورفعت أسعاره مؤخراً إلى أضعاف المستويات المعتادة.
وأمام قلة الإنتاج الزراعي بفعل الجفاف، حظرت دول أوروبية تصدير البصل والخضراوات والفواكه الأخرى، مثل الجزر والطماطم والبطاطس والتفاح. وانعكست هذه الإجراءات سلباً على المملكة المتحدة، التي واجهت نقصاً حاداً في الخضراوات، مما دفع الأسواق إلى تقنين بيع الطماطم والخيار ومكونات السلَطة الأخرى.
ويمكن تخفيف وطأة أزمة إمدادات الغذاء العالمية، من خلال عدة إجراءات، تشمل دعوة المصدّرين إلى الامتناع عن تخزين البضائع، وإلغاء سياسات حظر الصادرات، أو فرض الضرائب عليها، أو تقييدها بأي طريقة أخرى. ويجب على المستوردين خفض التعريفات الجمركية والضرائب الأخرى على الواردات أو إلغاؤها، لضمان توفير إمدادات كافية على نحو دائم. كما أنه من الضروري تعاون المنظمات الدولية بشكل أفضل لتقديم معلومات فورية عن تغيرات السياسة الخارجية وآثارها على الإنتاج والتجارة العالميين.
ويتطلب تعزيز أمن الغذاء في كل بلد القيام بمبادرات مؤثرة لدعم المزارعين وإنتاجهم. وتشمل الإجراءات المقترحة إزالة حواجز تجارة مدخلات الإنتاج الزراعي، كالبذار والأسمدة والمبيدات والأعلاف، وزيادة كفاءة استخدام الأسمدة، وإعادة صياغة السياسات، وحشد الموارد الحكومية لزيادة الإنتاج.
إن ضمان الأمن الغذائي يتطلب جعل النظم الغذائية الهشة أكثر مرونة في مواجهة المضاربات التجارية والصدمات الاقتصادية والاضطرابات الناشئة عن الصراعات وتغير المناخ والأمراض والآفات. ويستلزم ذلك تحقيق التوازن بين الاحتياجات قصيرة الأجل والاستثمارات طويلة الأجل، لضمان مستقبل غذائي آمن للجميع.


مقالات ذات صلة

هل شرب الحليب يؤثر على امتصاص فيتامين «د»؟

صحتك الحليب يوفر الكالسيوم الذي يعمل مع فيتامين د لدعم صحة العظام (بيكسلز)

هل شرب الحليب يؤثر على امتصاص فيتامين «د»؟

يُعدّ الحليب من أكثر المصادر الغذائية الموثوقة لفيتامين «د»، ويعود ذلك أساساً إلى تدعيم حليب البقر بهذا الفيتامين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك قد تشعر بالجوع رغم تناول الطعام بسبب عدم توازن العناصر الغذائية في الوجبة (رويترز)

لماذا تشعر بالجوع رغم تناول الطعام؟

الشعور بالجوع مباشرة بعد تناول الطعام يعني الوقوع في أخطاء عدة تتعلق بالأكل أو براحة الجسم. تعرَّف عليها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا البابا ليو بابا الفاتيكان يُلقي كلمة خلال زيارة لمقر برنامج الأغذية العالمي في روما (أ.ف.ب)

بابا الفاتيكان يندد بقادة «يؤججون» الحروب فيما يتضور الملايين جوعاً

قال البابا ليو، بابا الفاتيكان، اليوم (الاثنين)، إن قادة العالم «يؤججون» الحروب بدلاً من إطعام الجوعى، مشيراً إلى أن الأولويات العالمية تشهد اختلالاً كبيراً.

«الشرق الأوسط» (روما )
يوميات الشرق يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)

التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

أظهرت دراسة جديدة أن 3 زيوت شهيرة، هي زيت النخيل وزيت جوز الهند وزيت فول الصويا، تُسهم في انقراض أنواع نباتية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص ناقلات النفط وسفن الشحن في خليج عمان (أ.ب)

خاص «هرمز» ليس نفطاً وغازاً فقط... سفن الأسمدة العالقة تكشف وجهاً آخر لـ«الانفراجة»

فيما تترقب أسواق الطاقة تدفق الشحنات، يكشف واقع الملاحة أن مالكي السفن المحملة بالأسمدة واليوريا يواجهون سياجاً من الغموض، وينتظرون تفاصيل تشغيلية معقدة.

دانه الدريس (الرياض)

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)

تواصل موجة حر شديدة اجتياح غرب أوروبا، متسببة في وفاة أكثر من 40 شخصاً في فرنسا وحدها، وذلك بفعل ظاهرة جوية تعرف باسم «حاجز أوميغا».

إليك ما ينبغي معرفته عن ظاهرة «حاجز أوميغا» وما إذا كان تغيّر المناخ يعني أنها قد تصبح أكثر تواتراً في السنوات المقبلة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

ما ظاهرة «حاجز أوميغا»؟

تستمد الظاهرة الجوية اسمها من شكل الحرف اليوناني Ω، وتنحصر فيها كتلة مستقرة من الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع بين نظامين من الضغط المنخفض الأكثر برودة.

ويشير عنصر «الحجز» إلى كيفية احتجاز منطقة الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع. ففي الظروف العادية، ينقل التيار النفاث الأنظمة الجوية بثبات من الغرب إلى الشرق.

ولكن خلال حدوث ظاهرة «حاجز أوميغا»، يتعطل هذا التدفق وقد ينحرف بنحو كبير شمالاً وجنوباً؛ ما يؤدي إلى عزل أنظمة الضغط. ويسهم ضعف الرياح والتباينات في درجات حرارة الغلاف الجوي في ظهور هذه الأنماط المستقرة بطيئة الحركة.

ونتيجة ذلك، يستقر الهواء الساخن فوق المنطقة نفسها. وعادة ما تستمر ظاهرة «حاجز أوميغا» ما بين ثلاثة إلى عشرة أيام، لكنها قد تستمر أسابيع.

امرأة تستخدم مظلة لحماية نفسها من الشمس في أثناء سيرها في شارع أكسفورد حيث تشهد بريطانيا درجات حرارة قياسية... لندن يوم 23 يونيو 2026 (رويترز)

ماذا يحدث خلال «حاجز أوميغا»؟

أسفل منطقة الضغط المرتفع في الوسط، تصبح الأحوال الجوية حارة وجافة. ويمنع الضغط المرتفع أيضا تشكّل السحب؛ ما يؤدي إلى سماء صافية ومشمسة تسمح بارتفاع درجات الحرارة.

وهذه الظروف هي التي تسبب موجة الحر الشديدة في فرنسا وإسبانيا حيث تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تشهد المناطق الواقعة في مناطق الضغط المنخفض المحيطة بموجة الحر ظروفاً أكثر برودة وأمطاراً.

وتقع بريطانيا على الحدود بين نظام الضغط المرتفع والهواء الأكثر برودة في شمال الغرب. ويقول مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إن ذلك يؤدي إلى حرارة شديدة في الجنوب والشرق، وظروف أكثر برودة ورطوبة في الشمال والغرب.

هل تغيّر المناخ هو السبب؟

لم يتفق العلماء بعد على كيفية تأثير تغيّر المناخ على تواتر ظواهر الحواجز الجوية مثل «حاجز أوميغا».

ومع ذلك، فإن الإجماع العلمي العالمي يؤكد أن تغيّر المناخ يزيد من تواتر موجات الحرارة وشدتها.

وأدت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، الناجمة في الأساس من حرق الفحم والنفط والغاز، إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بنحو 1.3 درجة مئوية منذ عصر ما قبل الثورة الصناعية.

ويعني هذا الارتفاع في درجة الحرارة أن موجات الطقس الحار تصل إلى درجات حرارة أعلى.

وقالت كلير بارنز، الباحثة المشاركة في مجال الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة في «إمبريال كوليدج لندن»، إن أوروبا تشهد حالياً موجات حرارة أعلى بمقدار درجتين إلى 4 درجات مئوية عما كانت لتصبح عليه لولا الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية.

ونتيجة ذلك، عندما تحدث ظواهر مثل «حاجز أوميغا»، قد تكون الحرارة الناتجة أشد بنحو ملحوظ.


علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)
TT

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)

ما أتعس الحشرة التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

فعندما يدفعها حظها العاثر لملامسة تراكيب شبيهة بالشعيرات على جسم هذا النبات العجيب، سرعان ما يطبق عليها بأوراق تشبه الفك المفترس، ثم يفرز أنزيمات تساعده على الهضم.

وتمكن العلماء الآن من كشف الآلية الفيزيائية الكامنة وراء إطباق النبات أوراقه على الحشرات.

وقال باحثون إن التجارب أظهرت أن انغلاق مصيدة نبتة «فينوس» يبدأ بتليين سريع يحدث في جدران الخلايا في الطبقة الخارجية للمصيدة، وهي عبارة عن ورقة متحورة بدرجة كبيرة وممتدة في شكل فصين يشبهان فكين تبرز منهما أسنان.

وعلى مدى أكثر من قرن، كانت الفرضية السائدة تفيد بأن انغلاق المصيدة يحدث بفعل إعادة توزيع سريعة للماء داخل الورقة؛ إذ ينتقل الماء بين الخلايا مسبباً انتفاخاً في أحد جانبَي الورقة. لكن البحث الجديد يشير إلى آلية بيولوجية مختلفة.

وقال الفيزيائي يوئيل فورتير، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس) وجامعة إيكس مارسيليا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت الخميس في مجلة «ساينس»: «أحد أشهر النباتات في العالم لا يزال قادراً على إدهاشنا. فبعد أكثر من قرن من البحث، ما زلنا نكتشف أشياء جديدة جوهرية حول طريقة عمله». وينمو هذا النبات الصغير المفترس في منطقة محدودة من ولايتَي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا في الولايات المتحدة. وكغيره من النباتات المفترسة التي تتغذى على اللحوم، ينمو النبات في بيئات فقيرة محرومة من العناصر الغذائية، ويعوض ذلك باصطياد الحشرات وهضمها.

وفي تجارب أُجريت في مرسيليا، استخدم الباحثون أدوات من بينها تقنية التصوير عالي السرعة وتطبيق القياسات الميكانيكية للطبقة الخارجية للنبات. كما أجروا قياسات لانتقال الماء داخل أنسجة النبات من أجل استبعاد كونه سبباً مؤثراً في عملية انغلاق المصيدة.

وقال فورتير: «تستخدم النبتة شعيرات حساسة متخصصة على السطح الداخلي للمصيدة. عندما تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، تحدث عملية الانغلاق. ويمكن أن يحدث الانغلاق في غضون بضعة أجزاء من الثانية».

وأضاف: «تفترض نظريتنا أن المصيدة تكون مشدودة ميكانيكياً مسبقاً، تماماً مثل الملف المعدني (الزنبرك). وعند تحفيز المصيدة، تلين جدران خلايا الطبقة الخارجية بسرعة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة تقريباً، مما يعني أن جدار الخلية يصبح أكثر مرونة. من شأن ذلك أن يحرر الضغوط الداخلية المخزنة في الأنسجة، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وحدوث الانغلاق. ويحدث هذا التليين في غضون ثانية واحدة تقريباً».

وبمجرد أن تنغلق المصيدة، تُحتجز الحشرة في الداخل لتبدأ عملية هضمها. وبعد أن تمتص النبتة السائل الغني بالعناصر الغذائية الناتج عن عملية الهضم، يُعاد فتح المصيدة من جديد.


علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

وكان السهل الخصب الواقع بين الفرات وجاره ورفيقه في رحلة أبدية، نهر دجلة، مهداً لواحدة من أعرق الحضارات البشرية.

وبالرجوع إلى الزمن السحيق، لأبعد بكثير من عصر هذه المراكز الحضرية العظيمة التي نشأت قبل آلاف السنين، تمكن باحثون من فك الشفرة ومعرفة السر وراء تشكل نهر الفرات لأول مرة.

واستناداً إلى صور زلزالية لرواسب مدفونة وبيانات أخرى، قالوا إن نهر الفرات ظهر إلى الوجود على ما يبدو منذ ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة عندما اندمج نظامان نهريان سابقان بسبب النشاط التكتوني في جبال طوروس بجنوب تركيا حالياً. ونهر الفرات هو أطول نهر في جنوب غربي آسيا ويمتد لنحو 2800 كيلومتر، إذ ينبع من تركيا، ويتدفق عبر سوريا والعراق قبل أن يصب في الخليج. وتشمل المدن الحالية على ضفاف نهر الفرات بيرجيك في تركيا والرقة في سوريا والرمادي والفلوجة والناصرية في العراق. ومن بين المدن القديمة على نهر الفرات أيضاً أور وماري.

غروب الشمس فوق نهر الفرات في الرقة شرقي سوريا، 30 أكتوبر 2013. (رويترز)

ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لمدة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضاً. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.

صياد يلقي شباكه في نهر الفرات بالفلوجة غربي بغداد، 2 مايو 2008. (رويترز)

واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات، وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت عندما جفت أجزاء كبيرة من البحر، وهو حدث يعرف باسم «أزمة الملوحة الميسينية». وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حالياً في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا، ويصبان في حوض البحر المتوسط.

قارب صيد على ضفاف أحد فروع نهر الفرات في ضواحي الحلة وسط العراق (أ.ف.ب)

ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، بينما انضم إليه لاحقاً سلف نهر قره صو، وقالوا إن هذا شكّل نظاماً نهرياً واحداً قوياً وهو نهر الفرات.

وكانت إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. ومن خلال هذا التصوير الزلزالي، تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.

وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية «نيتشر جيوساينس» برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون: «هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو، أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط، وتحولت إلى صخور».

سكان يسيرون وسط أراضٍ زراعية غمرتها مياه نهر الفرات قرب دير الزور السورية، 29 مايو 2026. (أسوشيتد برس)

وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.

وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.

وقال لانج: «لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية، واندمجا معاً لتشكيل ما يُعْرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول».

وأضاف: «اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة».

ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: «كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غرباً نحو كولومبيا وبيرو حالياً باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي».