أسعار الغذاء ترتفع في ظل الحرب وتغير المناخ

أزمة الإمدادات من بين أكبر تهديدات تواجه العالم

في سوق للخضراوات بالقاهرة... مصر بين الدول التي تشهد زيادة في أسعار المواد الغذائية (إ.ب.أ)
في سوق للخضراوات بالقاهرة... مصر بين الدول التي تشهد زيادة في أسعار المواد الغذائية (إ.ب.أ)
TT

أسعار الغذاء ترتفع في ظل الحرب وتغير المناخ

في سوق للخضراوات بالقاهرة... مصر بين الدول التي تشهد زيادة في أسعار المواد الغذائية (إ.ب.أ)
في سوق للخضراوات بالقاهرة... مصر بين الدول التي تشهد زيادة في أسعار المواد الغذائية (إ.ب.أ)

يواجه العالم حالياً أزمة غذاء واسعة وصفها البعض بأنها الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية. ويحذر «المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية»، من أن أسعار المواد الغذائية ستواصل ارتفاعها هذه السنة، ما لم يكن هناك إعفاء كبير من الديون، ودعم من المجتمع الدولي.
وفي حين تدخل الحرب الروسية في أوكرانيا عامها الثاني، تتجدد المخاوف حول مصير سلة الحبوب في منطقة البحر الأسود، التي أصبحت رهينة التجاذبات السياسية والأمنية. وفي الوقت ذاته، تساهم أحوال الطقس القاسية في الهند وباكستان والأرجنتين وشرق أفريقيا وأوروبا في تراجع الإمدادات الغذائية العالمية وزيادة الأسعار.
- الحرب تهدد أمن الغذاء العالمي
يُشير أحدث موجز لـ«البنك الدولي» عن الأمن الغذائي إلى حالة عدم اليقين التي تحيط بالأسواق الزراعية مع استمرار الحرب في أوكرانيا. ويؤكد التقرير، الذي صدر في منتصف مارس (آذار) 2023، على استمرار التضخم في أسعار المواد الغذائية المحلية، حيث بلغت الزيادة في الأسعار أكثر من 5 في المائة خلال الفترة بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 وفبراير (شباط) 2023 في مجمل الدول، لا سيما في أفريقيا وأميركا الشمالية واللاتينية وجنوب آسيا وأوروبا وآسيا الوسطى.
واستناداً إلى الموجز، تتصدر زيمبابوي مؤشر تضخم أسعار الغذاء خلال الفترة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2022 ويناير (كانون الثاني) 2023، بزيادة بلغت 264 في المائة، بينما جاء لبنان في المرتبة الثانية عالمياً، حيث بلغت زيادة أسعار الغذاء 139 في المائة. وتأتي الأرجنتين في المرتبة الثالثة (99 في المائة) ثم إيران (73 في المائة) فتركيا (67 في المائة). وفي حال استبعاد التضخم العام، تبقى الزيادة الحقيقية في أسعار الغذاء في زيمبابوي هي الأعلى عالمياً، وتليها زيادات الأسعار في رواندا ثم مصر، وتستمر إيران ولبنان وتركيا ضمن قائمة الدول العشر الأسوأ عالمياً من حيث زيادة أسعار الغذاء الحقيقية.
وكان شهر فبراير (شباط) الماضي شهد تراجعاً في أسعار الذرة بمقدار 10 في المائة، وفي أسعار القمح بمقدار 20 في المائة، بفضل صادرات القمح الروسي التي فاقت التوقعات، وكذلك بفضل اتفاق ممر تصدير الحبوب الذي سمح بنقل 3 ملايين طن من الحبوب شهرياً عبر موانئ أوكرانيا على البحر الأسود.
كما ساعد الحصاد الوفير في أستراليا وكندا على تعويض الانخفاض الحاد في شحنات القمح الأوكراني، وأدى الارتفاع الكبير في إنتاج الذرة في البرازيل إلى الحد من تأثير انخفاض الإمدادات الأوكرانية، وعزز حصاد الولايات المتحدة استقرار سوق الأعلاف، باعتبارها المصدر الأول عالمياً للحبوب العلفية، مثل الذرة والدخن والشعير والشوفان.
ونتيجة ذلك، انخفض مؤشر الأسعار العالمية لـ«منظمة الأغذية والزراعة» (فاو)، في فبراير (شباط)، بنسبة 19 في المائة، بالمقارنة مع مستوى الأسعار القياسي الذي حققه المؤشر في مارس (آذار) 2022، ولكن من المرجح أن تظل الأسعار متقلبة هذا العام، لا سيما خلال مراحل الزراعة ونمو المحاصيل الرئيسية، حيث تبقى مخزونات الحبوب العالمية أقل من المعتاد.
ويحذر «البنك الدولي» من أن أسعار الغذاء العالمية، رغم انخفاضها عن الأرقام القياسية التي وصلت إليها قبل عام، لا تزال مرتفعة، وأن قيود التصدير الجديدة قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع مرة أخرى. وكانت 19 دولة فرضت حظراً على تصدير المواد الغذائية منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022، كما وضعت 8 دول قيوداً على الصادرات.
وتفرض الحرب في أوكرانيا سطوتها على أكثر من ثلث تجارة القمح العالمية، و17 في المائة من تجارة الذرة العالمية، وما يقرب من 75 في المائة من تجارة عباد الشمس العالمية. ويمتد تأثيرها إلى مستلزمات الإنتاج الزراعي، حيث إن روسيا، إلى جانب بيلاروسيا، أحد أكبر مصادر الأسمدة المعدنية في العالم. ورغم وجود استثناءات محددة في نظام العقوبات تسمح للبلدين بمواصلة تصدير الأسمدة، فإن هذه الصادرات لا تزال تواجه تدابير أخرى تعرقل تدفقها.
ويصنف تقرير المخاطر العالمية لعام 2023، الصادر عن «المنتدى الاقتصادي العالمي»، أزمة الإمدادات الغذائية التي تلوح في الأفق واحدة بين أكبر 4 تهديدات تواجه العالم. ويتوقع التقرير أن تضر الآثار الآجلة لارتفاع أسعار الأسمدة بإنتاج الغذاء في هذه السنة، علماً بأن نصف سكان العالم يعتمدون على الغذاء المنتَج باستخدام الأسمدة المعدنية، وفقاً لتقديرات «منظمة الأغذية والزراعة» (فاو).
ويتفاقم نقص الأسمدة في السوق العالمية بسبب قيود التصدير التي تفرضها الصين، علماً بأنها توفر وحدها 30 في المائة من إمدادات الأسمدة الفوسفاتية العالمية، وتشير تقديرات «البنك الدولي» إلى انخفاض صادرات الصين من الأسمدة بنسبة 50 في المائة في عام 2022 نتيجة تدابير حماية السوق المحلية. وفي الوقت ذاته، أدى ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في أوكرانيا إلى انخفاض في إنتاج الأسمدة أوروبياً بنسبة 70 في المائة، مما عزز نقص الإمدادات العالمية.
- تراجع إمدادات الغذاء بسبب تغير المناخ
تلعب أحوال الطقس وآثارها الممتدة، لا سيما الفيضانات والجفاف، دوراً أساسياً في نقص الإمدادات الغذائية وزيادة الأسعار. ويتمثل الأثر الاقتصادي المباشر للجفاف في القطاع الزراعي في قلة المحاصيل وخسارة المراعي، ويتم غالباً نقل عبء الجفاف إلى المستهلكين من خلال زيادة الأسعار، ما لم يتم تعويض الخسائر عبر برامج المساعدة الحكومية في حالات الكوارث.
ويمكن أن تشمل الآثار غير المباشرة للجفاف في هذا القطاع انخفاض الإمدادات إلى الصناعات التحويلية، مثل الصناعات الغذائية، وانخفاض الطلب على المدخلات، بما فيها الأسمدة والعمالة الزراعية. وتتضمن الآثار غير السوقية للجفاف الضغوط النفسية على المزارعين التي قد تدفعهم لتغيير مصدر عيشهم.
وتُظهر بيانات وزارة الزراعة الأميركية أنه رغم المؤشرات الإيجابية لتحقيق البرازيل محصولاً كبيراً من الذرة هذه السنة يصل إلى 125 مليون طن، فإن إنتاج الأرجنتين (ثالث أكبر مصدر للذرة عالمياً) سينخفض إلى أدنى مستوى في 5 سنوات، بسبب أسوأ موجة جفاف تواجهها البلاد منذ 60 عاماً.
وكانت الهند حظرت، في سبتمبر (أيلول) 2022، صادرات الأرز المكسور، الذي يُستخدم بشكل أساسي علفاً للحيوانات، وفرضت رسوماً بنسبة 20 في المائة على صادرات أصناف أخرى من الأرز لدعم الإمدادات والأسعار المحلية، بعد تدني الهطول المطري في مناطق الإنتاج الرئيسية.
وتواجه الهند ودول جنوب آسيا زيادة في تواتر أحوال الطقس القاسية؛ من موجات حر متطرفة أو فيضانات عارمة. وتُعتبر المنطقة إحدى أكثر المناطق في العالم عرضة لتأثيرات تغير المناخ، وهي في الوقت ذاته إحدى أهم مصادر الأرز والقطن عالمياً. وكانت الفيضانات في الهند وباكستان، إلى جانب الجفاف في أوروبا، خفضت إنتاج البصل ورفعت أسعاره مؤخراً إلى أضعاف المستويات المعتادة.
وأمام قلة الإنتاج الزراعي بفعل الجفاف، حظرت دول أوروبية تصدير البصل والخضراوات والفواكه الأخرى، مثل الجزر والطماطم والبطاطس والتفاح. وانعكست هذه الإجراءات سلباً على المملكة المتحدة، التي واجهت نقصاً حاداً في الخضراوات، مما دفع الأسواق إلى تقنين بيع الطماطم والخيار ومكونات السلَطة الأخرى.
ويمكن تخفيف وطأة أزمة إمدادات الغذاء العالمية، من خلال عدة إجراءات، تشمل دعوة المصدّرين إلى الامتناع عن تخزين البضائع، وإلغاء سياسات حظر الصادرات، أو فرض الضرائب عليها، أو تقييدها بأي طريقة أخرى. ويجب على المستوردين خفض التعريفات الجمركية والضرائب الأخرى على الواردات أو إلغاؤها، لضمان توفير إمدادات كافية على نحو دائم. كما أنه من الضروري تعاون المنظمات الدولية بشكل أفضل لتقديم معلومات فورية عن تغيرات السياسة الخارجية وآثارها على الإنتاج والتجارة العالميين.
ويتطلب تعزيز أمن الغذاء في كل بلد القيام بمبادرات مؤثرة لدعم المزارعين وإنتاجهم. وتشمل الإجراءات المقترحة إزالة حواجز تجارة مدخلات الإنتاج الزراعي، كالبذار والأسمدة والمبيدات والأعلاف، وزيادة كفاءة استخدام الأسمدة، وإعادة صياغة السياسات، وحشد الموارد الحكومية لزيادة الإنتاج.
إن ضمان الأمن الغذائي يتطلب جعل النظم الغذائية الهشة أكثر مرونة في مواجهة المضاربات التجارية والصدمات الاقتصادية والاضطرابات الناشئة عن الصراعات وتغير المناخ والأمراض والآفات. ويستلزم ذلك تحقيق التوازن بين الاحتياجات قصيرة الأجل والاستثمارات طويلة الأجل، لضمان مستقبل غذائي آمن للجميع.


مقالات ذات صلة

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

شمال افريقيا أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز) play-circle

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
صحتك عصير الطماطم مكمل صحي طبيعي (بيكساباي)

ماذا يحدث لضغط دمك عند شرب عصير الطماطم بانتظام؟

قد يُساعد عصير الطماطم على خفض ضغط الدم لدى الأشخاص المصابين بارتفاع ضغط الدم (فرط ضغط الدم) عند تناوله بانتظام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك حليب كامل الدسم (أرشيفية - رويترز)

ما تأثير تناول الحليب على التهاب البروستاتا؟

يرتبط الإفراط في تناول الحليب ومنتجات الألبان بزيادة خطر الإصابة ببعض مشكلات البروستاتا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم طفل فلسطيني يصرخ بانتظار الحصول على الطعام من مطبخ خيري وسط أزمة الجوع في مدينة غزة (رويترز)

برنامج الأغذية العالمي: 318 مليون شخص في العالم يواجهون مستويات جوع خطيرة

قال برنامج الأغذية العالمي إن 318 مليون شخص في أنحاء العالم يواجهون مستويات جوع خطيرة أو أسوأ، محذراً من تفاقم انعدام الأمن الغذائي نتيجة النزاعات وتغير المناخ.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك طفلة تقف أمام صورة للهرم الغذائي الجديد في واشنطن (أ.ب)

هرم غذائي جديد في الولايات المتحدة يثير الجدل بين علماء

نشر موقع البيت الأبيض هرماً غذائياً جديداً مقلوباً، يضع البروتين ومنتجات الألبان والدهون الصحية والفواكه والخضراوات فوق الحبوب الكاملة.

يسرا سلامة (القاهرة)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.


دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
TT

دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)

رصد باحثون في كندا مؤخراً حالة نادرة جداً لدبة قطبية تبنَّت شبلاً لم تلده في شمال البلاد.

وقال الباحث في هيئة البيئة الكندية إيفان ريتشاردسون الذي يجري دراسات بشأن هذا المفترس الأكبر في القطب الشمالي منذ 25 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم تُسجَّل سوى 13 حالة (من هذا النوع) خلال 45 عاماً».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، تمكن ريتشاردسون وفريقه من الإمساك بدبة مع شبلين لها، يبلغ سن أحدهما 10 أشهر، والآخر 11 شهراً، بالقرب من تشرشل التي تُلقَّب بـ«عاصمة الدببة القطبية في العالم»، والواقعة في شمال مانيتوبا بوسط كندا.

وأضاف: «عندما اقتربنا، لاحظنا أن أحد الشبلين يحمل علامة تعريف، بينما الآخر لا يحملها»؛ مشيراً إلى أن الأم نفسها شوهدت قبل بضعة أشهر مع شبل واحد فقط.

دب قطبي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي هذه المنطقة الشمالية، يضع الباحثون علامات تعريف على الدببة القطبية ليتسنى لهم تتبعها ودراستها طوال حياتها.

وأكدت عمليات التتبع عبر أطواق مزودة بنظام تحديد المواقع العالمية (جي بي إس) والملاحظات التي أجرتها منظمة «بولار بيرز إنترناشيونال»، وهي مجموعة بحثية معنية بالدببة القطبية، أن الأنثى المعنية احتفظت بالشبلين معها لأسابيع.

وقال إيفان ريتشاردسون: «إنها قصة رائعة. هذه الدببة القطبية تتمتع بحسِّ أمومة مذهل؛ إذ إنها مهيَّئة بطبيعتها لرعاية صغارها».

وقد انخفض عدد الدببة القطبية في غرب خليج هدسون بنسبة 30 في المائة خلال بضعة عقود فقط، من نحو 1200 دب في ثمانينات القرن الماضي إلى 800 دب اليوم. ويعود ذلك جزئياً إلى تسارع ذوبان الجليد الذي يشكل عنصراً ضرورياً لبقائها.

مع ذلك، لا يوجد دليل يربط بين هذا التبني وتغير المناخ، وفق ريتشاردسون.

ويجري حالياً فحص جيني لتحديد الأم البيولوجية للشبل المتبنَّى. وقال العالِم إنَّ ثمة «احتمالاً كبيراً أن نكتشف هويتها».

على مدى 45 عاماً، رُصد أكثر من 4600 دب قطبي في هذه المنطقة من كندا، ما يجعلها، حسب ريتشاردسون: «أفضل مجموعة دببة قطبية دُرست في العالم».