أوكرانيا تعدّ لهجوم مضاد... وموسكو تلوّح بالتوغل في اتجاه كييف ولفيف

الأمم المتحدة تتهم الطرفين بتنفيذ «إعدامات خارج نطاق القضاء» لأسرى حرب

وحدة مقاتلة أوكرانية قريبة من خط النار في باخموت على الجبهة الشرقية (أ.ف.ب)
وحدة مقاتلة أوكرانية قريبة من خط النار في باخموت على الجبهة الشرقية (أ.ف.ب)
TT

أوكرانيا تعدّ لهجوم مضاد... وموسكو تلوّح بالتوغل في اتجاه كييف ولفيف

وحدة مقاتلة أوكرانية قريبة من خط النار في باخموت على الجبهة الشرقية (أ.ف.ب)
وحدة مقاتلة أوكرانية قريبة من خط النار في باخموت على الجبهة الشرقية (أ.ف.ب)

تخطط القوات الأوكرانية، التي ظلت في موقف الدفاع على مدى أشهر، لشن هجوم مضاد قريباً في وقت بدأ فيه أن الهجوم الروسي يتعثر، ولم ترد تعليقات بعد من موسكو على تلميحات بأن قواتها في باخموت تتراجع، لكن يفجيني بريجوجن رئيس مجموعة «فاغنر» أدلى بتصريحات في الأيام القليلة الماضية حذر فيها من هجوم أوكراني مضاد. ورصد مراسلون قرب جبهة القتال الأمامية شمالي باخموت مؤشرات تتسق مع ما قيل عن احتمال تراجع الهجوم الروسي في المنطقة. وفي قرية تسيطر عليها أوكرانيا غربي سوليدار على المشارف الشمالية لباخموت قلت كثافة القصف الروسي بشكل ملحوظ عما كانت عليه قبل يومين، حسب وكالة «رويترز».
وقال الجيش الأوكراني في وقت مبكر من صباح أمس (الجمعة)، إن القوات الأوكرانية صدت 80 هجوماً روسياً على ليمان وأفدييفكا ومارينكا وشاختارسكي، لكن التركيز الأساسي لا يزال منصبّاً على باخموت، وذكرت هيئة الأركان العامة الأوكرانية «لم يوقف العدو هجومه على باخموت». وقال أوليكسندر سيرسكي، قائد القوات البرية الأوكرانية، إن قواته ستبدأ قريباً هجوماً مضاداً بعد أن صمدت في وجه الحملة العسكرية التي شنّتها روسيا طوال الشتاء. وقال، إن مرتزقة مجموعة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة «يفقدون قدراً كبيراً من قوتهم وطاقتهم». وأضاف «قريباً جداً سنستغل تلك الفرصة كما فعلنا من قبل قرب كييف وخاركيف وبالاكليا وكوبيانسك» في إشارة إلى هجمات مضادة أوكرانية تمت العام الماضي وتمكنت من استعادة السيطرة على مساحات واسعة.

وحذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن الحرب قد تدوم لسنوات إذا لم تصل الأسلحة بوتيرة أسرع لبلاده، في حين اتّهمت الأمم المتحدة، الجمعة، القوات الأوكرانية والروسية بتنفيذ عشرات الإعدامات خارج نطاق القضاء لأسرى حرب خلال الحرب الدائرة. ذكرت الخدمة الصحافية بالجيش الأوكراني في منشور عبر تطبيق «تلغرام» أمس (الجمعة)، أن الهجمات الروسية في أوكرانيا على مدار اليوم السابق أسفرت عن مقتل تسعة مدنيين على الأقل وإصابة 26 آخرين. وضربت الهجمات ثماني مناطق في أوكرانيا، لكن شرقي دونيتسك كانت الأكثر تضرراً.
وقُتل خمسة أشخاص في ضربة روسية على مركز للمساعدة الإنسانية في بلدة بشرق أوكرانيا، في حين قُتل شخص في هجوم بجنوب البلاد، على ما أعلنت السلطات الجمعة. وقالت أجهزة الطوارئ على «تلغرام»، إن «بلدة كوستيانتينيفكا تعرضت لقصف صاروخي خلال ليل الخميس. أحد الصواريخ أصاب مبنى من طابق واحد»، مضيفة أن ثلاث نساء ورجلين قتلوا في الضربة التي أصابت منطقة تبعد 25 كيلومتراً غرب باخموت. وقال مكتب المدعي العام على منصة «تلغرام»، كما جاء في تقرير الصحافة الفرنسية، إن النساء اللواتي انتشلت جثثهن من تحت الأنقاض كان قد تم إجلاؤهن في السابق من مناطق باخموت وتشاسيف أيار وأوبيتني، التي تضررت بشدة من المعارك، مضيفاً أن قذيفة من راجمة روسية مضادة للطائرات من طراز «إس – 300» أصابت المبنى الذي يضم المركز وسقطت أخرى بجواره. وفي هجوم آخر، قتلت امرأة وجرح أربعة مدنيين آخرين في قصف مدفعي على قرية بيلوزيركا بمنطقة خيرسون (جنوب). ولحقت أضرار بمنازل وخطوط كهرباء وغاز من جراء القصف، على ما أكدت السلطات. وسجلت الأمم المتحدة وفاة أكثر من 8300 مدني منذ بدء الحرب. وتفترض الأمم المتحدة، أن حصيلة القتلى الفعلية للمدنيين أكبر بكثير نظراً لغياب وصول المجموعات الإنسانية الدولية إلى المناطق التي تسيطر عليها روسيا.
وقالت رئيسة بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا ماتيلدا بوغنر، إنها ومنظمتها وثّقتا عمليات قتل «25 أسير حرب روسياً» على أيدي القوات المسلحة الأوكرانية، وكذلك «إعدام 15 أسير حرب أوكرانياً بعد وقت قصير من أسرهم من قِبل القوات الروسية».
وبحسب وكالة «سبوتنيك» الروسية، تواصل القوات الروسية «عمليتها العسكرية الخاصة»، مستكملة تحرير المناطق الأربع التي انضمت إلى روسيا الاتحادية مؤخراً (جمهوريتا دونيتسك ولوهانسك ومقاطعتا زابوروجيا وخيرسون). وحددت موسكو منذ إطلاق العملية، يوم 24 فبراير (شباط) 2022، أهدافها بحماية سكان إقليم دونباس، والقضاء على التهديدات الموجهة لأمن روسيا، وإجبار أوكرانيا على الحياد العسكري، والقضاء على التوجهات النازية فيها.
وصرح نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي، ديمتري ميدفيديف، متحدثاً عن العملية العسكرية، بأنه لا يمكن استبعاد أي شيء، مؤكداً أنه «إذا لزم الأمر»، سيصل الجيش الروسي إلى كييف أو لفوف من أجل القضاء على «المرض». ونقلت وكالة «ريا نوفوستي» عن ميدفيدف قوله أمس «لا يمكن استبعاد شيء. إذا أردتم الذهاب إلى كييف فإنكم في حاجة للذهاب إلى كييف، إذا أردتم الذهاب إلى لفيف فعليكم الذهاب إلى لفيف من أجل تدمير تلك العدوى».
وناشد زيلينسكي القمة الأوروبية المنعقدة في بروكس بتسريع وتكثيف إمداد الأسلحة، بما في ذلك الصواريخ طويلة المدى والطائرات الحديثة وفرض عقوبات إضافية على روسيا أو المخاطرة باستمرار الحرب. وأضاف «إذا ترددت أوروبا فسوف يتاح للشر الوقت لإعادة تجميع الصفوف وإعداد نفسه لأعوام من الحرب». وقال زيلينسكي، إن على أوروبا أن تسرّع من وتيرة إمداد بلاده بالأسلحة، وطالب مجدداً بتزويد أوكرانيا بصواريخ طويلة المدى وذخيرة وطائرات حديثة وبفرض المزيد من العقوبات على روسيا. وقال زيلينسكي من على متن قطار، وقد بدا عليه الإحباط، في خطاب مسجل الخميس لزعماء الاتحاد الأوروبي «إذا انتظرت أوروبا فربما سيكون لدى الشر الوقت لإعادة تنظيم صفوفه والاستعداد لحرب تدوم سنوات».
وتباطؤ الهجوم الروسي في باخموت ربما يعني أن موسكو تحول قواتها ومواردها لمناطق أخرى في الحرب. وقالت بريطانيا الخميس، إن القوات الروسية حققت مكاسب في شمال أوكرانيا هذا الشهر مما مكّنها من استعادة السيطرة جزئياً على مداخل مدينة كريمينا كما تدور معارك ضارية أيضاً في الجنوب. واتفق المحلل العسكري الأوكراني أوليج زدانوف مع ذلك الطرح، وقال في فيديو على «يوتيوب»، إن الهجمات الروسية على باخموت تتناقص، لكن موسكو تحول جهدها الحربي صوب الجنوب إلى مدينة أفدييفكا. وأضاف، أن القوات الروسية أصبحت أكثر نشاطاً في مناطق إلى الشمال عند خاركيف ولوجانسك، إضافة إلى زابوريجيا في الوسط وخيرسون في الجنوب.
وأعرب الحلفاء الغربيون عن تحفظات شديدة بشأن إرسال طائرات مقاتلة غربية على أحدث طراز إلى أوكرانيا. وشكا زيلينسكي من أن الاتحاد الأوروبي لا يسارع فيما يبدو بفرض مزيد من العقوبات على روسيا.
نقلت وكالة «إنترفاكس» للأنباء عن وزارة الدفاع الروسية القول أمس (الجمعة)، أن استخدام قذائف اليورانيوم المستنفد في أوكرانيا سيضر بالقوات الأوكرانية والسكان ككل ويؤثر سلباً على قطاع الزراعة في البلاد. وردت روسيا بغضب على خطط أعلنت عنها بريطانيا في وقت سابق من هذا الأسبوع لإرسال قذائف تحتوي على يورانيوم مستنفد إلى أوكرانيا. وتقول لندن، إنه نوع تقليدي من الذخيرة، بينما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن هذه الخطوة تظهر أن أعضاء حلف شمال الأطلسي يرسلون أسلحة بها «مكون نووي» إلى كييف.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟