«تيك توك» في الكونغرس الأميركي دفاعاً عن البقاء

الحظر المحتمل يربك المعلنين

أميركيون في وقفة احتجاجية أمام الكونغرس اعتراضاً على حظر محتمل لتطبيق «تيك توك» (أ.ف.ب)
أميركيون في وقفة احتجاجية أمام الكونغرس اعتراضاً على حظر محتمل لتطبيق «تيك توك» (أ.ف.ب)
TT

«تيك توك» في الكونغرس الأميركي دفاعاً عن البقاء

أميركيون في وقفة احتجاجية أمام الكونغرس اعتراضاً على حظر محتمل لتطبيق «تيك توك» (أ.ف.ب)
أميركيون في وقفة احتجاجية أمام الكونغرس اعتراضاً على حظر محتمل لتطبيق «تيك توك» (أ.ف.ب)

كان متوقعاً أن يبذل الرئيس التنفيذي لـ«تيك توك»، شو زي تشو، ما في وسعه من أجل بقاء هذا التطبيق لمشاركة الفيديو الذي يحظى بشعبية كبيرة في الولايات المتحدة، خلال مواجهته الخميس نوّاباً في واشنطن يشتبهون في علاقات تربط الشركة بالحكومة الصينية.
وكان مقرراً أن يتحدث السنغافوري، البالغ 40 عاماً، أمام لجنة الطاقة والتجارة النافذة في مجلس النواب عند الساعة 10.00 صباحاً (14.00 بتوقيت غرينتش)، في جلسة، توقع مراقبون أن تستمر لساعات، يستجوبه خلالها الجمهوريون والديمقراطيون الذين يخشون أن تكون بكين تستخدم التطبيق لأغراض التجسس أو الترويج لدعاية.
ويتعرض التطبيق، الذي تملكه شركة «بايت دانس» الصينية، لضغوط هائلة من دول غربية عدة مع مطالبة مسؤولين حكوميين في الولايات المتحدة وفي مفوضية الاتحاد الأوروبي وكذلك المملكة المتحدة وكندا بحذف التطبيق من أجهزتهم. كذلك؛ نصحت «هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، الثلاثاء، موظفيها بإزالة «تيك توك» من هواتفهم.
لكن الخطر الأكبر الذي يهدد «تيك توك» مصدره الولايات المتحدة، حيث أنذرت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن الشركة بأن تتخلى عن ملكيتها الصينية وإلا فستواجه حظراً تاماً.
وسيكون الحظر؛ إذا طبّق، خطوة غير مسبوقة تتّخذها الحكومة الأميركية بحق شركة إعلامية، وسيؤدي إلى قطع 150 مليون مستخدم شهرياً في البلاد عن التطبيق الذي أصبح مصدر الترفيه الأكثر مشاهدة في البلاد بعد «نتفليكس»، خصوصاً بين الشباب.
ووفقاً لتصريحات معدة سلفاً نشرت قبل الجلسة الخميس، فمن المقرر أن يقول تشو: «اسمحوا لي بأن أوضح هذا الأمر بشكل قاطع: (بايت دانس) ليست عميلة للصين أو أي دولة أخرى»، مضيفاً في بيانه: «لم يشارك (تيك توك) ولم يتلق طلباً لمشاركة بيانات المستخدمين الأميركيين مع الحكومة الصينية. ولن ينفذ (تيك توك) مطلقاً طلباً مماثلاً إذا تلقاه».
ورغم تأكيداته، فإنه يبدو أن القرار متّخذ في واشنطن مع كثير من التشريعات؛ بما فيها مشروع قانون يدعمه البيت الأبيض، مما يمهد فعلاً لحظر التطبيق. وقالت رئيسة لجنة الطاقة والتجارة، كايثي مكموريس رودجرز، إن «الأميركيين يستحقون معرفة مدى تعرض خصوصيتهم للخطر والتلاعب ببياناتهم عبر علاقة (تيك توك) الذي تملكه شركة (بايت دانس) بالصين». وأضافت النائبة الجمهورية: «والأسوأ أننا نعلم بأن شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل (تيك توك)، تستخدم خوارزميات ضارة لاستغلال الأطفال من أجل الربح وتعرّضهم لمحتوى خطير على الإنترنت».
وفي الأشهر الأخيرة من ولايته، حاول الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أيضاً حظر التطبيق، لكنّ قاضياً أميركياً قوض جهوده في نهاية المطاف. وحضّت بكين الأسبوع الماضي واشنطن على «الكف عن قمع (تيك توك) بشكل غير مبرر»، وقالت إن الولايات المتحدة لا دليل لديها على أن «تيك توك» يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة.
والأربعاء، تجمّع عشرات الفتيان والمدرّسين وأصحاب الأعمال أمام مبنى «الكابيتول» للتعبير عن معارضتهم فرض حظر محتمل. وقالت رائدة أعمال في مجال صناعة الصابون لمتابعيها البالغ عددهم 70 ألفاً في مقطع فيديو صوّرته بعد وصولها إلى واشنطن: «هل هناك منصات أخرى؟ بالتأكيد؛ أنا أستخدمها، لكن لا تملك أي منها نطاق الوصول الذي يتمتع به (تيك توك)».
وستكون عملية البيع، حتى لو اتفق جميع الأطراف عليها، معقدة للغاية.
ويعود نجاح المنصة إلى خوارزمية التوصيات القوية، وسيكون «تقسيم الخوارزمية بين (تيك توك) و(بايت دانس) مشابهاً لعملية فصل توأمين سياميين»؛ كما قال المحلل دان إيفز من «ويدبوش» المختصة لوكالة الصحافة الفرنسية. وما زال «تيك توك» يأمل في استرضاء السلطات.
وستروّج شهادة تشو لخطة الشركة الدقيقة المعروفة باسم «بروجكت تكساس» للحد من مخاوف الأمن القومي، والتي ستحول بموجبها معالجة البيانات الأميركية إلى قسم تديره الولايات المتحدة. وسيبلغ تشو المشرعين بأن «تيك توك» أنفق 1.5 مليار دولار على المشروع ووظف 1500 شخص في الولايات المتحدة لإطلاقه.
كما يسعى المعلنون إلى الحصول على تطمينات من التطبيق فيما يواجه حظراً محتملاً في الولايات المتحدة بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي. وقالت وكالات إعلانات عدة لـ«رويترز» إن المعلنين سيراقبون من كثب إفادة الرئيس التنفيذي لترقب أي جديد ومتابعة ردود الفعل من النواب.
ووفقاً لشركة «إنسايدر إنتليجنس للأبحاث»؛ فمن المتوقع أن تصل عائدات «تيك توك» من الإعلانات في الولايات المتحدة إلى 6.83 مليار دولار هذا العام، ارتفاعاً من 780 مليون دولار في 2020. وقال تطبيق «تيك توك» يوم الثلاثاء إن لديه حالياً 150 مليون مستخدم شهري في الولايات المتحدة.
وتتعرض الشركة لضغوط متزايدة من نواب أميركيين. وقال متحدث باسم «تيك توك» إن الشركة تجري مع المعلنين «حواراً صريحاً ومتواصلاً وقائماً على الحقائق يشمل تقديم تحديثات بصورة منتظمة وإجابات عن الأسئلة بشأن السبل التي نعمل بها لبناء منصة ترفيهية موثوق بها لدى المستخدمين والعلامات التجارية».


مقالات ذات صلة

موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

يوميات الشرق أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)

موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

شهدت الأسابيع الأولى من عام 2026 موجةً واسعة من الحنين إلى الماضي على الإنترنت، حيث اتجه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى استعادة ذكريات سابقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

«تيك توك» تحذف أيضاً أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق مراهقون يحملون هواتف ذكية أمام شعار «تيك توك» (رويترز)

دراسة: وسائل التواصل لا تزيد مشكلات الصحة النفسية لدى المراهقين

خلصت دراسة واسعة النطاق إلى أن الوقت الذي يقضيه المراهقون أمام الشاشات في اللعب أو على وسائل التواصل الاجتماعي لا يسبّب مشكلات في الصحة النفسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية «فيفا» سيمنح «تيك توك» فرصة تقديم تغطية واسعة للمونديال (الشرق الأوسط)

«فيفا» يوقع شراكة مع «تيك توك» لـ«نشر البهجة» في مونديال 2026

أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عن توقيعه شراكة مع منصة «تيك توك»، وذلك قبل انطلاق نهائيات كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (زيورخ)
يوميات الشرق «ماسبيرو» يحظر «البلوغرز» (الهيئة الوطنية للإعلام)

هل تحد «مقاطعة» الإعلام التقليدي أخبار مشاهير «السوشيال ميديا» من انتشارهم؟

أثار قرار «الهيئة الوطنية للإعلام» و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» بالامتناع عن تغطية أنشطة مشاهير «السوشيال ميديا» وأخبارهم تساؤلات عدة.

أحمد عدلي (القاهرة)

ترمب: على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
TT

ترمب: على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)

ذكرت محطة تلفزيون «إن بي سي نيوز»، اليوم (الاثنين)، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفض التعليق على سؤال حول إمكانية اللجوء إلى القوة للاستيلاء على جزيرة غرينلاند، وذلك مع تصاعد التوتر بعد تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على بعض الدول الأوروبية إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن الجزيرة الدنماركية التي تتمتع بحكم ذاتي.

وقالت «إن بي سي نيوز» إن ترمب انتقد خلال المقابلة القادة الأوروبيين الذين عارضوا مساعيه لضم غرينلاند، التي يقول إنها ضرورية لحماية الأمن القومي الأميركي من التهديدات الخارجية.

وقال الرئيس الأميركي: «على أوروبا أن تركّز على الحرب مع روسيا وأوكرانيا، لأنكم ترون ما آلت إليه الأمور. هذا ما يجب أن تركز عليه أوروبا، وليس غرينلاند».

كان ترمب قد أعلن هذا الأسبوع فرض رسوم جمركية بنسبة 10 في المائة على بعض الدول الأوروبية بدءاً من أول فبراير (شباط) المقبل على أن تزيد إلى 25 في المائة اعتباراً من الأول من يونيو (حزيران) القادم.

وعندما سُئل عما إذا كان سينفّذ خططه لفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن غرينلاند، قال ترمب لـ«إن بي سي نيوز»: «سأفعل ذلك، بنسبة 100 في المائة».

من جهته، حذّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الدول الأوروبية، الاثنين، من فرض رسوم جمركية مضادة رداً على الرسوم التي هدّد بها الرئيس دونالد ترمب من أجل الاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي الشاسع.

وقال بيسنت للصحافيين في اليوم الأول من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس: «أعتقد أن ذلك سيكون خطوة غير حكيمة بتاتاً». وأضاف أن ترمب يريد السيطرة على الإقليم الدنماركي المتمتع بحكم ذاتي لأنه يعتبره «أصلاً استراتيجياً»، و«لن نوكل أمن نصف الكرة الأرضية الغربي لأي طرف آخر».


مطالبة ترمب بغرينلاند تعمِّق الهوّة الأطلسية وأزمة «الناتو»

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
TT

مطالبة ترمب بغرينلاند تعمِّق الهوّة الأطلسية وأزمة «الناتو»

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)

جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مطالبته باستحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند، مُوسّعاً بذلك نطاق الخلافات مع الدنمارك وبقية الدول في أوروبا، ليواجه حلف شمال الأطلسي «الناتو» أزمة لا سابق لها منذ إنشائه قبل 77 عاماً.

ورغم الرفض القاطع من رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، التي تقع غرينلاند ضمن سيادة بلدها، والزعماء الغرينلانديين، وكذلك من كبار المسؤولين الأوروبيين وبينهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، جدد الرئيس ترمب حملته الكلامية للمطالبة بالحصول على أكبر جزيرة في العالم، فكتب على منصته «تروث سوشيال» للتواصل الاجتماعي: «لطالما طالب حلف الناتو الدنمارك، طوال 20 عاماً، بضرورة إبعاد التهديد الروسي عن غرينلاند». وأضاف: «للأسف، لم تتمكن الدنمارك من فعل أي شيء حيال ذلك. والآن حان الوقت، وسيتم ذلك!».

وهو كان يشير في هذا المنشور إلى أن أعضاء «الناتو» لم يستثمروا بشكل كافٍ في أمن القطب الشمالي لسنوات، في وقت تتحوّل فيه المنطقة - التي تشهد ذوباناً للأنهار الجليدية ونشاطاً بحرياً متزايداً لكل من الصين وروسيا وممراً لكابلات الاتصالات البحرية الحيوية - إلى بيئة خصبة لتجدد الصراع بين القوى العظمى.

ولم يُبدِ ترمب حتى الآن أي اهتمام بالبحث عن حلول دبلوماسية، أو بنوع الشراكات الدفاعية التي لطالما عززها «الناتو»، بما في ذلك بناء المزيد من القواعد الأميركية لمراقبة الشحن الصيني والروسي، وتوسيع مشروع «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي الذي لا يزال في مراحله الأولى، ليشمل غرينلاند البالغة مساحتها 836 ألف ميل مربع، أي نحو ثلاثة أضعاف مساحة تكساس.

وكذلك لم يعر ترمب أي اهتمام حتى الآن بمعاهدة استراتيجية وقّعتها الدنمارك عام 1951 لمنح الولايات المتحدة حقوقاً تشمل فتح نحو 16 قاعدة عسكرية في غرينلاند، علماً بأنها أُغلقت لاعتقاد الإدارات الأميركية السابقة بأن عصر التنافس الاستراتيجي على القطب الشمالي انتهى بانهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينات من القرن الماضي. ولم يبقَ من هذه القواعد سوى واحدة حالياً. وصرح ترمب مراراً بأن بلاده بحاجة إلى غرينلاند الشاسعة والغنية بالمعادن من أجل «الأمن القومي» للولايات المتحدة.

أكبر من صفقة ألاسكا

أرشيفية لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال جولة عسكرية في قاعدة بيتوفيك الفضائية في غرينلاند (أ.ف.ب)

وإذا تمكن ترمب من الوصول إلى غايته، فستكون هذه أكبر صفقة استحواذ على أراضٍ في التاريخ الأميركي، وحتى أكبر من صفقة وزير الخارجية سابقاً ويليام سيوارد، قبل أكثر من 150 عاماً، عندما اشترى ألاسكا من روسيا عام 1867 مقابل سنتين تقريباً لكل فدّان.

وبدلاً من السعي إلى تسوية دبلوماسية، لجأ ترمب إلى سلاحه المفضل: الرسوم الجمركية. وزاد عليه أخيراً ربط مساعيه للسيطرة على غرينلاند بعدم منحه جائزة نوبل للسلام، معلناً أنه لم يعد يفكر بـ«السلام حصراً» لتحقيق غايته. وكتب في رسالة خطية وجهها لرئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستوير: «بما أن بلدكم قرر عدم منحي جائزة نوبل للسلام لجهودي في وقف أكثر من 8 حروب، لم أعد أشعر بالتزام بالتفكير في السلام حصراً، مع أنه سيظل دائماً هو الأهم، بل يمكنني الآن التفكير فيما هو خير ومناسب للولايات المتحدة». وكرر اتهام الدنمارك بأنها عاجزة عن حماية غرينلاند من روسيا أو الصين. وإذ تساءل: «لماذا لديهم حق الملكية، على أي حال؟»، أضاف: «لا توجد وثائق مكتوبة، كل ما في الأمر أن سفينة رست هناك قبل مئات السنين، ونحن لدينا سفن هناك أيضاً». واعتبر أن «العالم لن يكون آمناً ما لم نحكم سيطرة كاملة وشاملة على غرينلاند».

جنود دنماركيون ينزلون من سفينة في ميناء نوك بغرينلاند الأحد (أ.ف.ب)

وقاد ترمب حملة علنية لنيل جائزة نوبل، التي منحت خلال العام الماضي لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو. وقدمت ماتشادو ميداليتها الذهبية لترمب الأسبوع الماضي على الرغم من أن اللجنة أكدت أن الجائزة غير قابلة للتحويل أو المشاركة أو الإلغاء.

وكان الرئيس الأميركي قد تعهد، السبت، بفرض موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة اعتباراً من الأول من فبراير (شباط) المقبل على 8 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي: الدنمارك والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا والنرويج، إلى أن يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند. وتهدد استراتيجيته بتقويض «الناتو» الذي شكل ركيزة الأمن الغربي لعقود، والذي كان يعاني أصلاً ضغوطاً بسبب الحرب في أوكرانيا ورفض ترمب حماية الحلفاء الذين لا ينفقون ما يكفي على الدفاع.

وهذا ما عكسه رئيس الوزراء الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن الذي أكد أن تهديد ترمب بالتعريفات الجمركية لا يُغيّر من رغبة غرينلاند في تأكيد سيادتها. وكتب في منشور على «فيسبوك»: «لن نرضخ للضغوط»، مضيفاً أن الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي «مجتمع ديمقراطي له الحق في اتخاذ قراراته بنفسه».

وفي رد مباشر على رسالة ترمب، عبّر رئيس الوزراء النرويجي، في بيان أصدره مع الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، عن «معارضتهما» لتهديدات ترمب بفرض تعريفات جمركية. وذكّر بأن جائزة نوبل للسلام لا تُمنح من الحكومة النرويجية.


من الفوضى إلى السيطرة... كيف أعاد ترمب تشكيل البيت الأبيض في 2025؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

من الفوضى إلى السيطرة... كيف أعاد ترمب تشكيل البيت الأبيض في 2025؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

لم يعد البيت الأبيض مجرد مركز لاتخاذ القرارات التنفيذية، بل تحوّل، خلال العام الأول من الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترمب، إلى حصن للسياسات القومية الصارمة. وخلال هذا العام، سعى ترمب إلى إعادة رسم خريطة الولايات المتحدة داخلياً وخارجياً. ولم يكتفِ بتعزيز السلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية، بل أحدث تحولات جذرية في هيكلة البيت الأبيض وأدواته، مستفيداً من دروس ولايته الأولى لفرض أجندة أكثر تنظيماً، وأشد عدوانية في بعض الأحيان.

وتحت شعار «أميركا أولاً»، شهد عام 2025 تصاعداً لافتاً في استخدام الأوامر التنفيذية، وفرضَ تعريفات جمركية قاسية، واستقطاباً حاداً حول قضايا مكافحة الهجرة وتأمين الحدود، إلى جانب توترات دولية بلغت حدَّ التهديدات والتدخلات العسكرية؛ ما أعاد تشكيل علاقات واشنطن بحلفائها وخصومها على حد سواء.

وفي موازاة ذلك، برز تنافس داخلي داخل صفوف الإدارة، لا سيما بين نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، بوصفه مؤشراً مبكراً إلى صراعات محتملة حول خلافة ترمب في انتخابات 2028.

واستطلعت صحيفة «الشرق الأوسط» آراء خبراء ومسؤولين أميركيين سابقين، حذّروا من أن العام الأول من ولاية ترمب الثانية يرسّخ توجّه الولايات المتحدة نحو انعزالية اقتصادية وسياسية، في وقت تتصاعد فيه التوترات الدولية والانقسامات الداخلية. كما يثير هذا النهج، في نظر بعضهم، مخاوف من تحوّل الرئاسة إلى أداة قوة شخصية تخدم شاغل البيت الأبيض، وسط خشية متزايدة من تآكل الديمقراطية وترسّخ ما باتت تُعرف بـ«عقيدة القوة» في السياسة الأميركية.

من الفوضى إلى التنظيم

اتسمت الولاية الأولى لترمب (2017 - 2021) بفوضى إدارية واضحة، عكستها تعيينات متسارعة وإقالات مفاجئة. أما ولايته الثانية، فبدت أكثر تنظيماً واستعداداً، مستفيدة من أجندة واضحة، أبرزها «مشروع 2025» الصادر عن معهد «هيريتدج»، الذي يهدف إلى تعزيز السياسات المحافظة اليمينية، وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

وحتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصدر ترمب أكثر من 220 أمراً تنفيذياً، وهو عدد يفوق إجمالي الأوامر التنفيذية التي أصدرها خلال ولايته الأولى (220 أمراً)؛ ما يشكّل أعلى معدل لاستخدام هذه الأداة منذ عهد الرئيس فرانكلين روزفلت. واستُخدمت الأوامر التنفيذية لتجاوز الكونغرس، وإلغاء برامج مثل سياسات التنوع والإنصاف، وتشديد أمن الحدود الجنوبية، وفرض قيود صارمة على الهجرة. وعلى خلاف ولايته الأولى، التي اتسمت قراراتها بقدر من الارتجال، ركّزت الولاية الثانية على الاقتصاد والأمن، وتفكيك البيروقراطية الفيدرالية، وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، وتعظيم دور رجال الأعمال وأباطرة التكنولوجيا داخل الإدارة.

وفي أبريل (نيسان) 2025، فرض ترمب تعريفات جمركية عامة بنسبة 10 في المائة، تصاعدت لتتراوح بين 50 و145 في المائة على الصين ودول أخرى؛ بهدف تقليص العجز التجاري. غير أن هذه السياسات أدت إلى ركود صناعي جزئي وأضعفت الطبقة الوسطى الأميركية، خلافاً لوعود ترمب الانتخابية بتحقيق «الازدهار الاقتصادي».

ويرى خبراء أن البيت الأبيض في العام الأول من ولاية ترمب الثانية تحوّل من ساحة صراعات داخلية إلى أداة للسيطرة، مع بروز شخصيات نافذة مثل سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، التي تمتلك تأثيراً واسعاً في توجيه الرئيس وإدارة اندفاعه ورغبته في الانتقام السياسي، وفق مراقبين. كما تعزّز نفوذ كارولين ليفيت، أصغر متحدثة باسم البيت الأبيض (28 عاماً)، في صياغة الرسائل الإعلامية ومواجهة الانتقادات. وتمثل الشخصيتان نموذجاً لحضور نسائي قوي داخل إدارة ترمب.

التدخلات الأميركية مستمرة

يشير السفير الأميركي المتقاعد جيمس جيفري، المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا، إلى هيمنة التيار الداعم للتدخل الدولي في الشرق الأوسط، والذي يضم فريق ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وتوماس برّاك، ومورغان أورتيغوس. ويقول، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا التيار متحالف مع وزير الخارجية ماركو روبيو، وما تبقَّى من مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية، لافتاً إلى وجود مصالح تجارية قوية مرتبطة بالإدارة وبترمب شخصياً؛ ما أسفر عن استمرار الانخراط العسكري والتجاري والدبلوماسي المكثف في المنطقة.

صورة نشرها البيت الأبيض للرئيس الأميركي وأعضاء في إدارته وهم يواكبون العملية العسكرية في فنزويلا 3 يناير

من جهته، يرى آرون ديفيد ميلر، الزميل البارز في مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي، والذي شغل مناصب في إدارات أميركية ديمقراطية وجمهورية عدة، أن السنة الأولى من ولاية ترمب الثانية اتسمت بالبراغماتية والتركيز على إبرام الصفقات السريعة. ويشير، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن ترمب، رغم ادعائه إنهاء 8 نزاعات، فإنه لا يبدو مهتماً بمعالجة الجذور العميقة للصراعات، بل يكتفي بإنهائها على السطح.

ويخصّص ميلر حديثه للوضع في غزة، عادّاً أنه رغم وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن، فإن غزة لم تقترب من الاستقرار الوظيفي. وفيما يتعلق بإيران، يرى أن الضربات الأميركية أخَّرت البرنامج النووي، لكنها لم تقضِ عليه. أما فنزويلا، فيصفها بأنها تجسيد لنهج «الانتصار السريع»؛ إذ لا يسعى ترمب إلى خلق ظروف انتقال ديمقراطي، بل إلى استعراض البراعة العسكرية، عبر «اختطاف» الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، مع الإبقاء على النظام قائماً، على حدّ وصفه.

سوزي وايلز كبيرة موظفي البيت الأبيض تحضر اجتماعاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي في نيويورك 23 سبتمبر (رويترز)

ويشير ميلر إلى أن ترمب يروّج لفكرة استعادة العزيمة والقوة الأميركية؛ ما دفع قادة العالم إلى الإسراع في التواصل معه؛ إما خوفاً، كما في حالة الرئيس الكولومبي، أو شعوراً بالتهميش، كما لدى المعارضة الفنزويلية بقيادة ماريا ماتشادو، أو بسبب الانقسام الداخلي، كما هي حال الاتحاد الأوروبي. ويلاحظ ميلر حالة غضب وإحباط واسعة من سياسات ترمب الخارجية، تقابلها في الوقت ذاته محاولات متزايدة من قادة العالم لاسترضائه والتقرّب منه.

ويضيف أن أكثر ما يثير قلقه هو «تعطّل النظام السياسي الأميركي»، عادّاً أن إصلاحه «سيستغرق وقتاً طويلاً»، ومتسائلاً عمّا قد تحمله السنوات الـ3 المتبقية من ولاية ترمب.

خيبة أمل تيار «أميركا أولاً»

أدّت التدخلات الخارجية التي أقدم عليها الرئيس الأميركي، من العملية الخاطفة في فنزويلا، إلى الضربات الجوية لمكافحة الإرهاب في نيجيريا، وصولاً إلى السعي للسيطرة على جزيرة غرينلاند، إلى خيبة أمل داخل التيار الانعزالي في إدارة ترمب. ويقول سكوت أبرامسون، الزميل في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، إن قاعدة ترمب الانتخابية وإدارته أشادتا بخطاب الرئيس في الرياض في مايو (أيار)، حين انتقد «المتدخلين في مجتمعات معقدة لا يفهمونها».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو في البيت الأبيض 9 يناير (رويترز)

ويستدرك أبرامسون، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «لكن منذ ذلك الخطاب، توسّع نطاق الانخراط الأميركي الخارجي، من رعاية اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان، إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ومحاولات التوصل إلى تسوية بين إسرائيل وسوريا».

ويرى أبرامسون أن النجاح الأميركي في استهداف البرنامج النووي الإيراني، والإطاحة بأقرب حلفاء طهران في نصف الكرة الغربي، الرئيس نيكولاس مادورو، عزّز ميل ترمب إلى استخدام القوة الأميركية دولياً، في حين يتحسر الانعزاليون في قاعدته الانتخابية على هذا التوجه، عادّين أنه يتناقض مع شعار «أميركا أولاً».

ويختلف ميلر في تفسير هذا الشعار، عادّاً أنه لا يعكس انعزالية بقدر ما يجسّد «إحساس ترمب بالقوة والسيطرة، وإثبات أن للولايات المتحدة نفوذاً في كل مكان». ويشير إلى «تضخم غير مسبوق» في السلطة الرئاسية، وتقويض المعايير والمؤسسات الأميركية، وارتفاع مستويات الفساد والمحسوبية، فضلاً عن الضرر الذي يلحق بالنسيج الأساسي للحكومة الأميركية.

«القوة تصنع الحق»

يصف جيمس زغبي، رئيس المعهد العربي - الأميركي في واشنطن، العام الأول من ولاية ترمب الثانية بأنه «مخيف»، معرباً عن قلقه من الأضرار التي لحقت بالديمقراطية الأميركية وبالسياسة الداخلية والخارجية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن ترمب «فكّك الحماية الدستورية، وأطلق العنان لقوى تنفذ أوامره، وقمع الاحتجاجات، وفرض برنامجاً اقتصادياً أدى إلى تسريح عشرات الآلاف من الموظفين الفيدراليين».

الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت تعرض صورة لمركبة تابعة لإدارة الهجرة والجمارك الأميركية تم تخريبها في مينيابوليس 15 يناير (رويترز)

ويرى زغبي أن ولاية ترمب الأولى كانت مختلفة، بفعل وجود جنرالات فرضوا قيوداً على قراراته، بينما اعتمد في ولايته الثانية على رؤية «مشروع 2025» اليمينية، وعلى دائرة من الموالين المستعدين لتنفيذ رغباته، بدافع الطموح السياسي، أو الخوف من فقدان مواقعهم.

ويتفق زغبي مع ميلر في أن ابتعاد ترمب عن القانون الدولي واعتماده على «أخلاقياته الخاصة» يعنيان أن القوة باتت هي التي تصنع الحق. ويشير إلى أن وعود ترمب للأميركيين بالاستفادة من نفط فنزويلا لا تستند إلى واقع؛ إذ إن إصلاح البنية التحتية للنفط الثقيل سيستغرق سنوات طويلة، عادّاً أن النفط لم يكن سوى ذريعة لإيصال رسالة مفادها أن ترمب قادر على فعل ما يريد دون رادع.

أجواء التنافس داخل البيت الأبيض

مع اقتراب موسم الحملات الانتخابية، يبرز تنافس واضح بين نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو. فانس، المقرّب من قاعدة «ماغا»، يعزز نفوذه عبر السياسات الداخلية، بينما ينفي روبيو وجود تنافس علني، في وقت يعمل فيه على تعزيز الحضور الدولي لبلاده.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

ويُنظر إلى فانس بوصفه مرشحاً قوياً لانتخابات 2028، بينما يعكس هذا التنافس صراعاً أعمق بين الجناحين القومي والتقليدي داخل الحزب الجمهوري.

ويرى زغبي أن هذا الصراع يتمحور حول النفوذ والمناصب أكثر من كونه خلافاً جوهرياً في السياسات، محذّراً من أن ما يقوم به ترمب من تعيينات قائمة على الولاء، ووضع اسمه على واجهات مؤسسات وطنية، يعكس مسار بناء «نظام سلطوي طموح»، ستكون له تداعيات عميقة على الديمقراطية الأميركية خلال السنوات المقبلة.