هل بدأ «هجوم الربيع الروسي» بالتعثر؟

رهان على مركبات المشاة القتالية وحفاظ أوكرانيا على زخم هجومها المضاد

مركبت القتال «برادلي»
مركبت القتال «برادلي»
TT

هل بدأ «هجوم الربيع الروسي» بالتعثر؟

مركبت القتال «برادلي»
مركبت القتال «برادلي»

مع إعلان الولايات المتحدة عن حزمتها الجديدة من المساعدات العسكرية لأوكرانيا، بقيمة 350 مليون دولار، التي تضمنت خصوصا ذخائر لمنظومات «هيمارس» ومدافع «هاوتزر» ومركبات القتال «برادلي»، بات من الواضح أن واشنطن لا تزال تراهن على أن ما تحتاجه كييف حقيقة لإنجاح «هجوم الربيع المضاد»، ليس الطائرات الحديثة أو حتى الدبابات الثقيلة وحدها، بل أسلحة الاشتباك المباشر، بحسب تحليلات عسكرية أميركية عدة. وقبل إعلان الدول الغربية دعم أوكرانيا بالدبابات القتالية، وإعلان بولندا والتشيك عن تسليمهما طائرات «ميغ - 29»، شهدت الأشهر السابقة جدلا كبيرا بشأن إمكانية تزويد الجيش الأوكراني بهذه المعدات الثقيلة لمساعدتها على صد الهجوم الروسي المرتقب. ورغم أن تلك التحليلات لا تستبعد في نهاية المطاف تغير موقف واشنطن من تسليم طائرات «إف - 16»، على الأقل في مرحلة لاحقة، لكن بعدما تكون كييف قد حققت أهدافها، ليتحول الرهان على كيفية حمايتها مستقبلا، حتى من دون انضمامها رسميا إلى حلف الناتو، وفق تقرير «فورين أفيرز».
ويضيف التقرير أن إنجازات الجيش الأوكراني فاقت كل التوقعات في حربه مع روسيا، التي جاءت مترافقة مع تغييرات سياسية وهيكلية أدت إلى تحسين فاعليته القتالية، وتنفيذ سلسلة من الإصلاحات والابتكارات، التي تجاوزت تردد قيادة البلاد في تبني إصلاحات تهدد المصالح السياسية أو الشخصية للفئات «الفاسدة». ويضيف أن المساعدات العسكرية الأميركية الحاسمة لم تكن لتحدث أي تأثير من دون تلك الإصلاحات، الأمر الذي بسط التحدي أمام الغربيين لتقديم مساعداتهم الأمنية لأوكرانيا. فالمساعدات الأميركية التي بلغت مليارات الدولارات وعقودا للتدريب والمشورة وبناء المؤسسات لم تمنع جيشي أفغانستان والعراق من الانهيار. «وإذا لم يكن القادة مستعدين لإعطاء الأولوية للإصلاحات المؤسسية التي ستقوي جيوشهم، فلن تكون للدعم الخارجي عواقب تذكر».
ووجد تقرير آخر لمجلة «فورين أفيرز»، أنه على الرغم من أن الدبابات الثقيلة ستكون عاملا مساعدا للقوات الأوكرانية لصد الهجوم الروسي المتوقع، غير أن «النجاح في القتال البري لا يعتمد على الدبابات وحدها»، بل على مدى جودة تكامل الدبابات مع بقية المعدات الأخرى، خصوصا مركبات المشاة القتالية، التي تعتبر على رأس قائمة الأسلحة التي تطلبها أوكرانيا. وأشار التقرير إلى أنه من دون مركبات المشاة القتالية «لن يكون هناك هجوم أوكراني سريع وناجح هذا الربيع، بغض النظر عن عدد الدبابات الغربية التي تصل للبلاد»، موضحا أن الدبابات الثقيلة تعمل جنبا إلى جنب مع المدرعات. وتعتبر تلك المركبات أخف تسليحا من الدبابات، وهي مصممة للتقدم مع الدبابات الثقيلة في المعارك لحمايتها من العدو. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلنت الولايات المتحدة تزويد كييف بمدرعات «برادلي»، الأسرع من الدبابات القتالية، وتمتلك الولايات المتحدة الآلاف منها وكانت العمود الفقري للجيش الأميركي في حرب الخليج واحتلال العراق، وأدخلت للخدمة في 1983. ويضيف التقرير أن مناورات الأسلحة المشتركة بالدبابات والمركبات القتالية قد تساعد في اختراق خط المواجهة الروسي، وتقليل الاحتياجات الأوكرانية لذخيرة المدفعية، وتقليل الخسائر الأوكرانية.
وتقول صحيفة «وول ستريت جورنال»، إن موسكو استمرت في حملات قصف محطات توليد الكهرباء الأوكرانية بشراسة، حتى ليلة التاسع من مارس (آذار) الماضي. وهاجمت صواريخ الكرملين وطائراته المسيرة، محطات الكهرباء والمياه والتدفئة والاتصالات، طوال الليل لجعل «مدنها غير صالحة للسكن»، وإجبار أهلها على الاستسلام. لكن بحلول الصباح بعد أقل من ساعة على آخر وابل من صواريخ كروز كانت شوارع كييف مزدحمة بالناس والمقاهي. ومع تراجع الطلب على التدفئة والإضاءة، أوقفت أوكرانيا جدولة قطع الكهرباء التي اعتمدتها لتوزيع الطاقة المتناقصة على أكبر عدد ممكن من المنازل. ويعني هذا أن محاولة موسكو لخلق أزمة إنسانية قد فشلت. وبدلا من ذلك، أدى استنفاد روسيا لمخزوناتها من الصواريخ الموجهة بدقة إلى تعزيز الدفاعات الجوية الأوكرانية، وواصلت الدول الغربية تزويد أوكرانيا بأنظمة متطورة مضادة للصواريخ، كانت ترفض إرسالها من قبل، مثل بطاريات «باتريوت» وغيرها من منظومات الدفاع المتطورة، مع تدريب المشغلين الأوكرانيين.
ومع هجماتها المكثفة، كالهجوم الذي شنته روسيا في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حين أطلقت وابلا من 70 صاروخا، وعشرات المسيرات، وضربت نحو 30 في المائة من البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، ناقش مقدمو البرامج على التلفزيون الحكومي الروسي كيف أن انهيار الخدمات الحيوية سيتسبب في تفشي «الأمراض المعدية التي من شأنها أن تدمر كييف». ولمواجهة المسيرات التي وفرتها إيران لروسيا، مزج الجيش الأوكراني التكنولوجيا الغربية الجديدة بالأسلحة المصممة في أواخر القرن التاسع عشر. وتنقل الصحيفة عن متحدث عسكري أوكراني، قوله، إن القوات الروسية تتكبد خسائر فادحة وتنفد الاحتياطيات لديها لأنها تهاجم مستخدمة طرقا معروفة للجيش الأوكراني. وسعت روسيا إلى التقدم في عدد قليل من الاتجاهات في شرق أوكرانيا في الأسابيع الأخيرة، خصوصا في مدينة باخموت ومدينة أفدييفكا الشرقية، لكنها لم تستول على أي مدينة أوكرانية مهمة منذ الصيف الماضي. وفيما يؤكد مسؤولون أوكرانيون أن روسيا تتعثر في هجماتها، قال تقرير لمعهد دراسات الحرب في واشنطن، إنه مؤشر على أن هجوم الربيع الروسي قد يفقد زخمه. وهو ما تنفيه روسيا، التي تواصل القول إن «عمليتها الخاصة» تسير على الطريق الصحيحة.
وإنها تسعى لتحقيق هدفها الرئيسي، المتمثل في الاستيلاء على منطقتي دونيتسك ولوهانسك الشرقيتين. لكن صحيفة «وول ستريت جورنال» تقول، إنه إذا استمر استخدام روسيا لصواريخها الأسرع من الصوت، فإن أوكرانيا قد لا تستطيع الحفاظ على التوازن الدقيق في تزويد الطاقة والخدمات الأخرى. في حين أن «فورين بوليسي» تقول إن السؤال الحاسم هو إلى متى يمكن لأوكرانيا أن تحافظ على زخمها الهجومي، وما إذا كان ذلك سيكون كافيا ليكون له تأثير كبير على مسار الحرب؟


مقالات ذات صلة

هجوم إلكتروني يستهدف نظام التصويت خلال الانتخابات البرلمانية الروسية

أوروبا سيدة داخل مركز للاقتراع في مدينة ماريوبول الأوكرانية الخاضعة للسيطرة الروسية (رويترز)

هجوم إلكتروني يستهدف نظام التصويت خلال الانتخابات البرلمانية الروسية

ذكرت السلطات الروسية أن أنظمة التصويت وخطوط الاتصالات ​في أنحاء البلاد تعرضت لعدة هجمات، السبت، أثناء عقد الانتخابات البرلمانية التي تجرى بين 18 و20 سبتمبر.

«الشرق الأوسط» (موسكو ‌)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يوقع قانوناً يفرض عقوبات جديدة على روسيا

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، مشروع قانون يفرض عقوبات جديدة تهدف إلى الضغط على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا، بعيد إقراره في الكونغرس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا زيلينسكي يرحب بضيوفه (أ.ف.ب)

زيلينسكي: أوكرانيا تعمل على سد عجز «فلكي» في الموازنة

وصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الجمعة)، عجز موازنة بلاده بأنه «فلكي»، قائلاً إن حكومته تعمل على عدد من المقترحات لمعالجة هذا العجز.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في ختام مؤتمر صحافي مشترك بكييف يوم 6 سبتمبر الحالي (أ.ب) p-circle

زيلينسكي يستقبل قادة 7 دول في قمة إقليمية... وماكرون يهدد بالرد على «الهجمات الهجينة»

زيلينسكي يستقبل قادة 7 دول في قمة إقليمية، وماكرون يهدد بالرد على الهجمات الهجينة، وروسيا تتعرض لهجوم بمئات المسيّرات مع بدء الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (كييف - لندن)
أوروبا نظام الهجوم بالطائرات المسيّرة انتشر على نطاق واسع بين الوحدات العسكرية الأوكرانية (إ.ب.أ)

وكالة الطاقة الذرية: مسيّرة تصطدم ببرج تبريد في محطة نووية روسية

قالت الوكالة ​الدولية للطاقة الذرية إنها تلقت معلومات تفيد باصطدام طائرة ‌مسيّرة ببرج ‌تبريد ​في وحدة ‌مفاعل بمحطة ​طاقة نووية روسية في منطقة كورسك.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
TT

نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)

يزور نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ، الولايات المتحدة، قبل القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، بحسب ما أفادت به وسائل إعلام صينية رسمية اليوم (السبت).

ويجري رئيسا أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم محادثات بالبيت الأبيض في 24 سبتمبر (أيلول)، في لقاء يهدف إلى الحد من التوترات حول التجارة والتكنولوجيا ومسائل استراتيجية بصورة عامة.

وفي حين لا تزال الهدنة التجارية التي توصل إليها الطرفان قبل نحو عام صامدة، فإنهما لم ينجحا بعد في التوصل إلى اتفاق دائم.

ويترأس هي وفداً صينياً سيزور الولايات المتحدة من 19 إلى 23 سبتمبر، لإجراء محادثات حول «القضايا الاقتصادية والتجارية محلّ الاهتمام المشترك»، بحسب ما نقلته وكالة «شينخوا» الصينية للأنباء عن وزارة التجارة.

وأوضحت الوزارة أن المحادثات ستستند إلى «التوافق المهم» الذي توصل إليه شي وترمب في وقت سابق.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن هذا الأسبوع، أنه سيلتقي هي خلال عطلة نهاية الأسبوع. وأشار إلى أن المناقشات قد تتطرق أيضاً إلى ملف إيران، فيما تثير العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين بكين وطهران استياء واشنطن، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتسري منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025، هدنة هشة في حرب الرسوم الجمركية التي أطلقها ترمب بعد عودته إلى البيت الأبيض.


لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)

نادراً ما تدخل دولة حرباً وهي تتوقع الهزيمة، أو تتخيل أن الصراع الذي بدأته سيتحول إلى كابوس طويل ونفق لا نهاية له. ومع ذلك، يبدو أن أحداً لا يستخلص العبر بل يكرر التاريخ - أو بالأحرى الإنسان - نفسه: قرارات تبدو في لحظتها محسوبة ومدروسة قد تقود إلى حروب استنزاف، وأهداف تتغير مع الوقت، وقادة يجدون أنفسهم عاجزين عن التراجع من دون دفع أثمان سياسية واستراتيجية باهظة.

يقول أستاذ العلاقات الدولية الأميركي ستيفن إم. والت، أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، إن الحروب الكارثية لا تأتي عادة من فراغ، ولا تكون مفاجآت بالمعنى الكامل. فهي غالباً نتيجة أخطاء متكررة في الحسابات الاستراتيجية، تبدأ بسوء فهم الخصم وقدراته، ثم تتفاقم بسبب نصائح مُغرضة، وأهداف خفيّة، وضغوط سياسية تجعل التراجع أكثر صعوبة من الاستمرار.

حفرة أحدثها صاروخ روسي سقط في كييف عاصمة أوكرانيا (أ.ب)

* علامات الخطر

أولى علامات الخطر هي الجهل؛ فالقوة العسكرية لا تعني بالضرورة فهماً للمجتمع الذي تتدخل فيه. وقد تملك دولة متفوقة عسكرياً معلومات دقيقة عن جيش خصمها، لكنها تجهل تاريخ هذا الخصم، وتركيبته السياسية والاجتماعية، وقدرته على المقاومة، أو طبيعة ردود فعل القوى المحيطة به جغرافياً. ومن هنا تبدأ المفارقة: الانتصار في المعركة قد يكون متاحاً، لكن توقع نتائجها والسيطرة عليها قد يكونان مستحيلَين...

في الطريق إلى الحرب، لا تتحدث كل الجهات التي تقدم المشورة إلى صانع القرار من الموقع نفسه. هناك من تكون له مصالح آيديولوجية أو اقتصادية أو جيوسياسية تدفعه إلى تضخيم فرص النجاح وخفض حجم الأخطار. وفي أحيان كثيرة، يميل القادة إلى تصديق التقييمات المتفائلة التي تؤكد ما يودّون سماعه، بدلاً من الإصغاء إلى التحذيرات الأكثر عقلانية.

طائرات على متن حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» (أ.ف.ب)

ثم تأتي مشكلة الأهداف الهشة والمتغيرة؛ فقد تبدأ الحرب بهدف محدود، أو باعتقاد أن تحقيقه سيكون سريعاً وقليل التكلفة. لكن عندما يتعثر المسار، تتغير المهمة. الهدف الذي كان إسقاط نظام يصبح بناء نظام جديد، وما كان عملية عسكرية قصيرة يتحول إلى مشروع سياسي طويل. وهكذا تستمر الحرب حتى بعد أن يفقد الهدف الأصلي وضوحه.

* دوّامة التصعيد

الأخطر يحدث عندما تدخل الحرب دوامة التصعيد؛ فمع تزايد الخسائر، يصبح الاعتراف بالفشل مكلفاً سياسياً. ويبدأ القادة رفع الرهان بدلاً من تقليصه، أملاً في أن تحقق الجولة التالية ما لم تحققه الجولة السابقة. ويتداخل الضغط الداخلي مع التوتر الخارجي، إلى أن يصبح التراجع نفسه أسوأ من مواصلة القتال.

لكن هذه الديناميكية لا تفسر وحدها لماذا يندفع العالم نحو مزيد من الصراعات؛ فهناك عوامل أعمق: الخوف وعدم اليقين، وسوء تقدير نوايا الخصم وقدرته على الرد؛ وصراعات القوة التي ترافق انتقال النظام الدولي من قوة مهيمنة إلى أخرى صاعدة، وهو ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»؛ فضلاً عن القادة الذين لا يواجهون قيوداً سياسية كافية، فيصبح المجد الشخصي أو الآيديولوجيا أو الرغبة في الانتقام، جزءاً من حسابات الحرب.

ويزداد الخطر عندما تبدأ قواعد النظام الدولي نفسها في التآكل؛ فالقواعد والمؤسسات التي يفترض أن تساعد القوى الكبرى في إدارة خلافاتها تصبح أقل فاعلية عندما تتجاهلها الدول القوية، أو تستخدمها بصورة انتقائية. وعندما تتراجع الثقة بالقواعد والمؤسسات، يصبح سوء التقدير أكثر احتمالاً، والانتقال من أزمة إلى أخرى أسرع.

* نهايات الحروب

تكشف نهاية الحروب الكبرى أن الانتصار ليس دائماً الطريق الذي تنتهي به الصراعات؛ فقد تنتهي الحرب بهزيمة عسكرية كاملة وانهيار أحد أطرافها، كما حدث في الحرب العالمية الثانية. وقد تنتهي بالاستنزاف والانهيار العسكري والسياسي، كما حدث في الحرب العالمية الأولى. وقد تتوقف عبر تسوية تفاوضية لا تحل جذور النزاع، كما حدث في شبه الجزيرة الكورية عام 1953. أما الصراعات الطويلة بين القوى الكبرى، فيُحتمل أن تنتهي بانهيار أحد أطرافها من الداخل، كما حدث مع الاتحاد السوفياتي عام 1991.

مروحية ودبابات في تدريب للجيش البولندي (أ.ف.ب)

والواقع أن الطريقة التي تنتهي بها الحرب تكون أحياناً أهم من نهايتها نفسها؛ فالتسويات القاسية أو غير المتوازنة سوف تزرع بذور الصراع التالي. ومن هنا فإن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة إنهاء أسبابها.

* السؤال الملحّ

السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: هل يتجه العالم نحو حرب عالمية ثالثة؟

لا توجد إجابة حاسمة، لكن المؤشرات التي تجعل السؤال مشروعاً أصبحت أكثر وضوحاً؛ فالحدود بين الصراعات أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى. لذا نرى أن الحرب في أوكرانيا، والتنافس الأميركي - الصيني، والتوتر في الشرق الأوسط، والصراع على النفوذ والطاقة والتكنولوجيا، كلها تتحرك داخل بيئة دولية واحدة، وتتزايد نقاط التماس بينها.

ومع ذلك، هناك مفارقة تستحق التوقف عندها؛ ففي العقود الأخيرة، بدت الصين، مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، أكثر حذراً في الانخراط المباشر في حروب برية واسعة النطاق. وهذا لا يعني أنها بعيدة عن الصراع أو ترفض استخدام القوة، بل يشير إلى اعتمادها بدرجة أكبر على أدوات أخرى: الاقتصاد، والتجارة، والتكنولوجيا، والنفوذ السياسي، والضغط الاستراتيجي على المدى الطويل.

وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح، قد لا يكون الخطر الأكبر أن يقرر زعيم ما إشعال حرب عالمية عمداً، بل أن تبدأ سلسلة من القرارات الصغيرة، المبنية على معلومات ناقصة وتقديرات خاطئة وضغوط سياسية، ثم يصبح التراجع في كل مرحلة أصعب من المرحلة التي سبقتها.

فالحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار كبير. أحياناً تبدأ بخطأ صغير (أو بحادث مدبّر بحيث يبدو كأن خطأ وقع) لا يعرف أحد، لحظة وقوعه، إلى أين سيقود.

مقاتلتان صينيتان (أرشيفية - رويترز)

* قالوا في الحرب

- عرّف كارل فون كلاوزفيتس - من بروسيا «سلف» ألمانيا الموحّدة - (1780 - 1831) الحرب من منظور فلسفي بوصفها أداةً عقلانية لسياسة الدولة، مشيراً إلى أنها ببساطة «استمرار للسياسة بوسائل أخرى».

- قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804): «يمكن تحقيق السلام الدائم من خلال تنمية التجارة الدولية، والجمهوريات الدستورية، واتحادات الدول الحرة التي تجعل القادة حذرين حيال تكاليف خوض الحروب». وفي كتابه «السلام الدائم»، أكد أن الحرب هي دورة عبثية لا طائل منها لأنها تعتمد على القوة بدلاً من الحق.

- قال الفيلسوف الهولندي إيراسموس (1466 - 1536): «السلام المجحف خيرٌ من أعدل الحروب».

- في الفلسفة الطاوية، يذكر كتاب «تاو تي جينغ» أن الانتصارات العسكرية هي مآسٍ وليست منجزات، مشيراً إلى أن «من يبتهج بالنصر، يبتهج بمذبحة للبشر». وتنظر الطاوية إلى الحرب على أنها اختلال في النظام الطبيعي لا ينتج عنه إلا مزيد من العنف.

- سخر الفرنسيّ المتنوّر فولتير في كتابه «المعجم الفلسفي» من الحرب، واصفاً إياها بأنها «مجزرة بطولية» لا تجلب سوى البؤس. كذلك، سخر من فكرة أن قتل الآلاف من الجيران الأبرياء بناءً على أوامر السلطة يمكن أن يُعدّ يوماً ما أمراً مفيداً أو مجيداً.

- أكد رائد الفلسفة الوجودية، الفرنسي جان بول سارتر، عبثية الحرب، وكتب مقولته الشهيرة: «عندما يحارب الأثرياء، يموت الفقراء». فقد كان يرى الحرب ممارسةً عديمة الفائدة، يجري فيها التلاعب بالمواطنين العاديين ليركضوا نحو حتفهم ويضحوا بأرواحهم من أجل مفاهيم مجردة لا تخدم في النهاية سوى السلطة.


أميركا ترفع العقوبات عن قوات الدفاع الإريترية

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا ترفع العقوبات عن قوات الدفاع الإريترية

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

رفعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الجمعة)، العقوبات المفروضة على قوات الدفاع الإريترية وكيانات أخرى في إريتريا، في خطوة يرى محللون أنها قد تعزّز العلاقات الأميركية مع الدولة الأفريقية، نظراً إلى موقعها الاستراتيجي على مسار الشحن البحري في البحر الأحمر.

وتأتي هذه الخطوة، التي أعلنها في إشعار نُشر على الموقع الإلكتروني لوزارة الخزانة الأميركية، في ظل الحرب الدائرة والمتسعة في الشرق الأوسط، ومع تجدد التركيز على منطقة البحر الأحمر حيث تقع السواحل الإريترية.

وكانت وكالة «رويترز» للأنباء أفادت في وقت سابق، نقلاً عن وثيقة حكومية داخلية، بأن إدارة ترمب تعتزم رفع هذه العقوبات.

وكانت إدارة الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن قد فرضت عقوبات عام 2021 على الحزب الحاكم والجيش في إريتريا، بالإضافة إلى مسؤولين إريتريين كبار، وذلك بسبب دورهم في الحرب بإثيوبيا المجاورة، حيث قدمت قوات إريترية دعماً لقوات إثيوبية في قتالها ضد السلطات الإقليمية في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

ولم يرد وزير الإعلام ولا وزير الدفاع في إريتريا حتى الآن على طلبات من «رويترز» للتعليق.