تقرير يؤكد تدهور الشراكة بين روسيا والصين في المدن الواقعة على حدودهما

أشار إلى وجود انقسامات بين البلدين خلف الكواليس

الرئيسان الصيني والروسي خلال قمة في بكين العام الماضي (أ.ب)
الرئيسان الصيني والروسي خلال قمة في بكين العام الماضي (أ.ب)
TT

تقرير يؤكد تدهور الشراكة بين روسيا والصين في المدن الواقعة على حدودهما

الرئيسان الصيني والروسي خلال قمة في بكين العام الماضي (أ.ب)
الرئيسان الصيني والروسي خلال قمة في بكين العام الماضي (أ.ب)

قبل سنوات من تفشي وباء كورونا، استثمرت موسكو وبكين بشكل كبير في المدن الواقعة على طول الحدود الصينية الروسية بهدف فتح الباب أمام الازدهار المتبادل والشراكة الوثيقة بين القوتين العالميتين.
إلا أنه يبدو أن الوضع تغير مؤخراً بعد انتشار «كورونا» وإغلاق الصين حدودها، في محاولة للسيطرة على انتشار المرض، وكذلك بعد العقوبات الاقتصادية التي تم فرضها على روسيا بعد غزوها أوكرانيا، حيث بدأت تظهر بعض العلامات على «تآكل» الشراكة بين موسكو وبكين في هذه المدن الحدودية، وفقاً لما أكده تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال».
وقال التقرير إن مركز التجارة الدولي في مدينة هيهي الصينية المتاخمة لمقاطعة بلاغوفيشتشينسك الروسية، وهو مجمع تسوق مكون من ثلاثة طوابق كان ذائع الصيت لدى المتسوقين الروس الذين يبحثون عن الفراء والمعاطف الجلدية والأحذية، أصبح الآن فارغاً إلى حدٍ كبير، حيث تغطي المتاجر المفتوحة للعمل به نصف الطابق الأرضي فقط.
وقالت يانغ ون، البالغة من العمر 47 عاماً، التي تمتلك أحد المتاجر بهذا المركز: «الروس ليس لديهم الأموال الكافية للتسوق هنا الآن نظراً للأزمة الاقتصادية التي عانوا منها بسبب العقوبات الغربية الناتجة عن حرب أوكرانيا. هذا بالإضافة إلى إغلاق الحدود أثناء الوباء، التي أدت إلى اختفاء المتسوقين الروس تماماً».
ويزور الرئيس الصيني شي جينبينغ روسيا اليوم (الاثنين) لعقد قمة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. ورغم أن الرئيسين قد يشددان خلال القمة على ما سبق أن أعلنوه بأن «الصداقة بين البلدين ليس لها حدود، ولا حظر فيها على التعاون في أي مجال»، إلا أن تقرير «وول ستريت جورنال» أشار إلى وجود انقسامات اقتصادية وسياسية وثقافية وتاريخية خلف الكواليس، تقوض العلاقة بين البلدين.

ونمت التجارة بين روسيا والصين أكثر من 30 في المائة العام الماضي لتصل إلى 1.3 تريليون يوان (189 مليار دولار). ومع ذلك، فإن هذا لا يمثل سوى ربع قيمة الواردات والصادرات بين الصين والولايات المتحدة، بحسب بيانات الجمارك الصينية.
ويقول محللون أمنيون صينيون وغربيون إن الصين تسعى حالياً إلى القيام بتغييرات تعزز مصالحها ومكانتها الاقتصادية ولكنها تُعقّد التعاون الثنائي مع روسيا، التي تسعى إلى تعطيل النظام الدولي، بما في ذلك من خلال العمل العسكري. وقد ازدادت الأمور تعقيداً بعد أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية الأسبوع الماضي مذكرة توقيف بحق بوتين بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
ويقول تشاو لونغ، الباحث في معاهد شنغهاي للدراسات الدولية في الصين، إن العلاقات بين الصين وروسيا «بعيدة كل البعد عن كونها (كتلة متجانسة). ومن وجهة نظر بكين، لا ينبغي أن تصبح العلاقة مع موسكو كذلك أبداً».
ومن نواحٍ كثيرة، يبدو الاقتصادان الصيني والروسي متكاملان للغاية، حيث تصدر روسيا الموارد الطبيعية التي تحتاجها الصين لدعم اقتصادها الصناعي فيما تبيع الصين البضائع التي يريدها المستهلكون الروس. وعلى صعيد الطاقة على وجه الخصوص، ساعدت مشتريات الصين من النفط والغاز منذ غزو أوكرانيا روسيا على تجاوز العقوبات الغربية. لكن رغم ذلك، فإن هناك تاريخاً طويلاً من عدم الثقة بين روسيا والصين.
وهناك متحف بمدينة هيهي مكرس لما يقول إنها «قرون من اعتداءات الجنود الروس ضد الصينيين». وقال أحد حراس المتحف إنه لا يُسمح للمواطنين الروس بدخول المتحف خوفاً من تعرضهم للإهانة. ويصور أحد المعارض بالمتحف مقتل الآلاف من الصينيين في المنطقة على يد الروس في عام 1900. وعند دخول المعرض يسمع الزائر تعليقاً صوتياً يؤكد أن «العلاقات الروسية الصينية أصبحت اليوم سلمية، لكن يجب أن تظل الصين يقظة. فلا يمكننا أن ننسى هذا التاريخ أبداً. إذا تخلفت عن الركب، فسوف تتعرض للضرب».
وقال خبراء أمنيون إن الشعور المشترك بالظلم من جهة الولايات المتحدة هو، إلى حد كبير، ما ساعد روسيا والصين على تجاوز الانقسامات والخلافات التاريخية بينهما. في الوقت نفسه، تزيد العقوبات من اعتماد روسيا اقتصاديا على الصين.
وأشاد وزير الخارجية الصيني تشين غانغ هذا الشهر بالعلاقات الروسية الصينية باعتبارها «نوعاً جديداً من العلاقات الدولية» مع التأكيد على موقف بكين بأن الدولتين ليستا تحالفين. وقال تشين في مؤتمر صحافي: «كلما زاد عدم استقرار العالم، أصبح من الضروري أن تعزز الصين وروسيا علاقاتهما بثبات».
وقبل غزو أوكرانيا، تمت تسوية معظم المعاملات التجارية بين الصين وروسيا بالدولار الأميركي أو اليورو، وهو الأمر الذي ألغته العقوبات الغربية بعد الحرب. ونتيجة لذلك، تكافح الشركات الصينية الآن للحصول على رواتبها.

وأظهر أحد الاستطلاعات التي أجراها مسؤولو البنك المركزي المحلي، للشركات الصينية التي تتاجر مع روسيا، أن 60 في المائة من هذه الشركات أوقفت تعاملاتها مع موسكو، أو بالكاد كانت تعمل معها بعد غزو أوكرانيا بسبب العقبات اللوجيستية والمالية الناتجة عن العقوبات.
ويقول هنري تشانغ، الذي يدير شركة لوجيستية مقرها مدينة تشنغتشو بوسط الصين للشحنات بين روسيا والصين، إن أكبر أزمة للتجارة بين البلدين هي الشحنات البحرية. وأضاف تشانغ: «بعد غزو روسيا لأوكرانيا قبل عام، توقف العديد من عمالقة الشحن الغربيين عن تسليم البضائع إلى روسيا. وارتفعت أسعار الشحنات البحرية من الصين إلى روسيا منذ ذلك الحين بشكل كبير، وأعتقد أن قدرة الشحن الحالية انخفضت إلى خمس ما هو مطلوب». ودعت الصين إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا لكنها تجنبت الانتقاد المباشر لروسيا. وبدلاً من ذلك، ألقت بكين باللوم على الولايات المتحدة في تأجيج الحرب من خلال تزويد أوكرانيا بالأسلحة.
وقبل أكثر من عقد من الزمان، اتفقت الصين وروسيا على بناء جسر للسكك الحديدية فوق نهر آمور، الذي يمثل جزءاً من الحدود. سيتصل الجانب الصيني من الجسر بمدينة تونغجيانغ الصغيرة، على بعد نحو 300 ميل جنوب شرقي هيهي. وعمل الصينيون بالفعل على الجسر الجديد وبحلول أواخر عام 2015. كان القسم الصيني يتشكل، وفقاً لتقارير وسائل الإعلام الحكومية الصينية، لكن في ذلك الوقت وجدت بكين أن الروس كانوا قد بدأوا بالكاد العمل في صفهم، وقد علمت لاحقاً أن روسيا كانت تكافح من أجل الحصول على المال.
وفي عام 2017. قال مسؤولون صينيون لوسائل إعلام رسمية إن صندوق الثروة السيادية الصيني وافق على دفع عشرات الملايين من الدولارات للمساعدة في دفع ثمن حصة روسيا.
ونقل عن مسؤولين محليين قولهم «مشكلة الجانب الروسي المتعلقة بأموال بناء الجسر تم حلها بالكامل». وقدروا أن الجسر سيكتمل بعد عام من هذه الواقعة لكنه لم يدخل الخدمة إلا العام الماضي، وهو الوقت الذي كان مناسبا لموسكو للاستفادة من التجارة المتزايدة مع الصين بعد أن واجهت عزلة عن الغرب.
لكن رغم ذلك، يحذر الخبراء من أن اعتماد روسيا بشكل متزايد على الصين قد يعرضها للخطر في حال حدوث أي تعثر في العلاقات بين البلدين.
وقالت ألكسندرا بروكوبينكو، المسؤولة السابقة في البنك المركزي الروسي، التي تعيش الآن في ألمانيا، إن «اعتماد موسكو المتزايد على اليوان يجعلها أكثر عرضة للإجراءات والعقوبات الصينية في حالة تعثر العلاقات بين البلدين».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».