مثقفان كويتيان يتحدثان عن الآثار الثقافية للغزو

سليمان آرتي.. الفنان الذي نجا من الموت يروي قصته لأول مرة

الغزو العراقي للكويت، د. سليمان آرتي
الغزو العراقي للكويت، د. سليمان آرتي
TT

مثقفان كويتيان يتحدثان عن الآثار الثقافية للغزو

الغزو العراقي للكويت، د. سليمان آرتي
الغزو العراقي للكويت، د. سليمان آرتي

رغم مرور 25 عامًا على الغزو العراقي للكويت، يمتلك الدكتور سليمان آرتي، عضو المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الذي يترأسه وزير الإعلام، والعميد المساعد للمعهد العالي للفنون المسرحية ورئيس قسم التلفزيون، ذاكرة طرية عن أحداث الغزو، فهناك قصص لم تروَ، وحكايات طمرت مع أصحابها تحت التراب. ولسليمان قصة عجيبة، حيث حكم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص في الساحة العامة، ولكنّه أفلت من الموت بأعجوبة. وهو هنا يروي لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف حكايته مع الموت، بعد صمت استمر ربع قرن من الزمان.
يقول: «في ذلك الوقت كان عمري نحو 18 سنة، وكنا نجد صعوبة بالغة في التكيف مع الاحتلال. لكن ما كان يؤرقنا هو السكان الكويتيون الذين تقطعت بهم السبل ولم يتمكنوا من مغادرة البلاد. هؤلاء كانوا ضحايا الأحكام العرفية التي طبقتها قوات الاحتلال العراقية، وكانوا فريسة النزق والتسلط الذي كان يمارسه الجنود القساة الغلاظ، ولكنهم أيضًا كانوا يواجهون وضعًا إنسانيًا مأساويًا يتمثل في انعدام قدرتهم على تحمل تكاليف المعيشة وتوفير لقمة الغذاء والدواء كما هو معلوم، فإن سلطات الاحتلال التي استولت على كامل أراضي الكويت بعد يومين فقط من الاحتلال، أعلنت في يوم 9 أغسطس (آب) ضم الكويت إلى العراق، وألغت جميع مظاهر السيادة الكويتية، كالحكومة، والوزارات، والعملة الوطنية. بل إنها اعتبرت الكويت محافظة عراقية تحمل الرقم 19 كما هو معروف».
ويضيف: «وبالتالي وجد السكان المحليون أنفسهم غير قادرين على التصرف بمدخراتهم وودائعهم المالية في البنوك، التي تعرضت هي الأخرى للنهب. ولم يكن لديهم القدرة على توفير الأموال لضمان لقمة العيش أو ثمن الدواء. وبالتالي عملنا ضمن خلية مكونة من شباب كويتيين، مهمتها تهريب الأموال الكويتية من الخارج، ومن السعودية تحديدًا حيث كانت تقيم الحكومة الشرعية هناك، وتحويلها في الكويت إلى عملة عراقية، ثم توزيعها على الأسر المحتاجة من أجل توفير متطلبات معيشتها. هذا العمل على بساطته، كان عملاً خطيرًا، فمجرد التعامل مع الحكومة الشرعية يؤدي بصاحبه للموت، فضلاً عن تداول العملة الوطنية، أو تكوين لجان للتضامن الأهلي. لكن ما كان يدفعنا أننا رأينا بأعيننا الكويتيين يضطرون لبيع مقتنياتهم وأجهزة منازلهم وبينها أجهزة التكييف من أجل شراء الخبز أو توفير الدواء. العملية كانت معقدة. وتحتاج إلى مغامرات متكررة. فواحدة من المغامرات تكمن في جلب الأموال من الخارج. أما المغامرات التالية فتتمثل في توفير تجار عراقيين لديهم الرغبة في تخطي قوانين الاحتلال وتصريف تلك العملات إلى دنانير عراقية. وتم الحصول على هؤلاء التجار الذين كانوا يحققون أرباحًا طائلة نتيجة هذه العملية، فالدينار الكويتي كان يجري تصريفه بعشرة دنانير عراقية، وهو أقل من نصف القيمة الفعلية له. وما يدفع أولئك التجار أنهم كانوا واثقين كل الثقة بعودة الكويت، والاستفادة من مخزونهم من الدنانير الكويتية».
ويكمل قائلاً: «كانت مجموعة من الشباب الكويتيين تتولى التعرف على العائلات المحتاجة، ثم تقوم بتوزيع الدنانير العراقية على منازلها، وغالبًا ما كنا نواجه مشاهد إنسانية رائعة، فالكثير من العائلات كانوا يرفضون تلقي المساعدات، ويوصون بتحويلها إلى عائلات أخرى أكثر حاجة. بل إن ما كان يدهشنا أن العائلات التي تقطعت بها السبل ولم تعد قادرة على توفير احتياجاتها كانت تؤثر عائلات أخرى بتلك المبالغ الزهيدة. فقد كشفت تلك الأزمة على معدن الكويتيين النفيس».

* لكن كيف تم القبض عليكم؟
يجيب سليمان: «قبل الغزو أهداني والدي سيارة حديثة، وكانت تحتوي على جيب سري في حقيبتها الخلفية. وكنا نخفي تلك الأموال في المخبأ السري. ولم يكن رجال التفتيش في الحواجز يكتشفون شيئا. إلا أن ذات يوم كنا ننقل أموالا لأسر تقطن في منطقة العميرية، (خلف حديقة الحيوان) وكان بحوزتي عشرة آلاف دينار عراقي، وفوجئنا بوجود ضابط برتبة نقيب من الحرس الجمهوري العراقي، وكان على ما يبدو كمينا أعد لنا، فأوقفني الضابط المذكور، وأمرني مباشرة بفتح حقيبة السيارة، ثم مد يده ليفتح المخبأ السري ويستخرج الأموال. جرى اعتقالي على الفور وقادوني إلى مخفر الفروانية، وهناك جرى تعذيبي بشكل قاس ومهين، ثم نقلوني إلى ضابط كبير في المخفر الذي طلب منهم إبقائي لصباح اليوم التالي ثم اقتيادي إلى الساحة الخارجية وإعدامي. وهذه العقوبة الفورية كانت رائجة آنذاك، فالكثير من الشباب الكويتيين أعدموا بشكل فوري أو بعد سجنهم لأيام في الشوارع، والكثير منهم اقتيد أسيرا للعراق، واختفت أخبارهم منذ غيابهم. وقد شاهدتُ بعيني عددًا من الشباب الذين تم اختطافهم من الشوارع أو من البيوت إلى السجون والإعدام».
يضيف: «بالنسبة لي، كان ذلك الحكم صاعقًا، فقد مرّ كلمح البصر شريط حياتي ورأيت نفسي مغادرًا تاركًا أمي وأبي يواجهان المجهول.. فلم يمر علي موقف أصعب من ذلك الموقف. خاصة أنني في قبضة رجال لا يوجد للرحمة في قلوبهم موقع.
بعد ذلك تم اقتيادي إلى الزنزانة بانتظار إعدامي في اليوم التالي. لكن حدثًا وقع في المساء قبل ساعات من إعدامي، أعطاني عمرًا جديدًا. عصر ذلك اليوم، تم القبض على مجموعة من المقيمين الفلسطينيين الذين استولوا على محل أثاث لتاجر كويتي كانوا يعملون فيه، وألقت قوة عراقية القبض عليهم بعد أن شاهدوهم ينقلون الأثاث المسروق. وأودعوهم السجن وكانوا معي في الزنزانة، لكن التاجر الكويتي تدخل سريعًا لإسقاط حقه، ولحسن الحظ فقد تغيرت نوبة الحراسة في السجن، وطلب مأمور المخفر الجديد من التاجر الكويتي الذهاب للزنزانة وأخذ العمال الذين سرقوا محله، فدخل برفقة الحارس وأخذ ينظر في الموقوفين ويستخرج عماله من بينهم، ولكني كنت أشير له بعيني بين الرجاء والخوف، ففهم ما أريد وأشار لي بالخروج باعتباري أحد عماله. وهكذا أرجعوا علينا بطاقاتنا المدنية وأفرجوا عنا، وحين رأيت نفسي خارج مخفر الفروانية أطلقت ساقي للريح هاربا مسافة تفصل بين الفروانية والروضة، في مشوار امتد بي من الفجر حتى الظهر.
وبالطبع كان يتعين علي الاختفاء والتنكر والبحث عن مأوى جديد. وظلّ الوضع هكذا حتى بدأ القصف الجوي في فجر 16 يناير (كانون الثاني) 1991. حتى التحرير في 26 فبراير (شباط) 1991. لم أتمكن من إخبار عائلتي بقصة القبض علي والحكم بإعدامي إلا بعد التحرير، وذلك رغبة في تخفيف التوتر الحاد الذي كانوا يرزحون تحته».

* الآثار الفكرية للغزو
في تقييمه لظروف الأيام الصعبة التي قضاها تحت الاحتلال، يقول الدكتور سليمان آرتي: «تعلمت أن المقاومة ليست حصرًا في حمل السلاح، فالعدد الأكبر من الخلايا التي نشطت كشبكات للمقاومة الكويتية لم تحمل السلاح، ولكنها أدت دورًا رئيسيًا في الحفاظ على حياة السكان المحليين وإمدادهم بالغذاء والدواء والمال، وتوفير متطلبات العيش لهم. وأهم ما تعلمناه من تجربة الغزو، أننا وجدنا أنفسنا أبناء طينة واحدة، ذات روح متماسكة، وجدنا أنفسنا متضامنين، شاعت بيننا الروح الوطنية من دون تذويق أو تصنع أو تلوين. وجد الكويتيون أنفسهم خارج الجرد الفئوي، وخارج التصنيف الاجتماعي، وخارج القيد الطائفي والقبلي والطبقي».
ويضيف بحسرة: «بعد الغزو ربما فقدنا جانبا من تلك الروح، لكن تجربة التفجير الآثم الذي ضرب جامع الإمام الصادق في الصوابر في 26 يونيو (حزيران) الماضي أعاد لتلك الروح وهجها من جديد».
وعن الآثار الفكرية للغزو، يقول: «أصيب جيلنا بالإحباط من كل شيء له علاقة بالقومية العربية، كما كفر الكثيرون بالأفكار المثالية التي كانت تقوم على اعتبار العرب شريحة فكرية وعاطفية واحدة، وانهار كل تيار فكري كان يحتضن العروبة والقومية، بل نمت اتجاهات تنزع نحو (الأمركة) والذوبان في الثقافة الغربية أعقبت الفترة التي تلت التحرير، حتى توازن الأمر بعد مدة ليست قصيرة». ويتحسر على الوضع الثقافي في الكويت بقوله: «ليس هناك في الكويت تيار فني أو ثقافي أرّخ لتجربة الغزو»، ولم يظهر تيار حاضن لكل الإبداعات الأدبية لفترة ما بعد الغزو، ولم تكن هناك جهة تستوعب كل المشاعر المختلطة لمحاولة إعادة صياغتها في تيار فني أو ثقافي متكامل، ولم تفرز التجربة عن تجمع أو روابط عنيت برصد الحالة الإبداعية التي تأثرت بتجربة الغزو. وبالنسبة للمسرح الكويتي، فهو الآخر برأي سليمان آرتي لم يستفد مطلقًا من تجربة الغزو لا فنيًا ولا فكريًا، ولا منهجيًا، يقول: «بعد الحرب العالمية الثانية برزت تيارات فنية وفكرية جبارة في أوروبا، من بينها ما سمي بالمنهج العبثي والذي أنتج (المسرح العبثي)، وكان أول ظهور لهذه التجربة المسرحية التي عرفت بمسرح العبث في العام 1953 على يد صمويل بيكيت (1906 - 1989)، وكانت أولى مسرحياته في هذا الجانب مسرحية (في انتظار غودو)، وقد كان المنهج العبثي ونتاجه المسرح العبثي ناجما عن التأثير الكبير الذي أنتجته ظروف الحروب العالمية الثانية، حين قررت مجموعة من المفكرين والمثقفين الأوروبيين (أن جميع النتائج التي نجمت عن تلك الحروب هي سلبية لأنها خلقت نفسية سيطر عليها انعدام الثقة في الآخرين فكان انعزال الإنسان الأوروبي وفرديته، هذا ناهيكم عن الويلات والدمار المادي الذي طال أوروبا كلها)».
كذلك نجمت عن تلك الفترة ما عرف بالمسرح الملحمي على يد الأديب الألماني برتولت بريخت (1898 - 1956)، وصاغ تجربة حديثة في المسرح تقوم على اعتبار أن المضمون أهم من الشكل، والحقيقة أهم من المجاز. وكانت هذه الحركة المسرحية ضمن نشاط التوعية السياسية الماركسية، من أعمال بريخت مسرحية «بعل»، ومسرحية «طبول في الليل»، وعدد كبير من المسرحيات الأخرى.



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.