أبو الراغب: عبد الله الثاني حذّر بوش من فتح أبواب جهنم... والبديل سيكون الفوضى

رئيس الوزراء الأردني الأسبق لـ«الشرق الأوسط»: حسين كامل نقل للأميركيين معلومات «مبالغاً بها» عن أسلحة صدام

أبو الراغب (الشرق الأوسط)
أبو الراغب (الشرق الأوسط)
TT

أبو الراغب: عبد الله الثاني حذّر بوش من فتح أبواب جهنم... والبديل سيكون الفوضى

أبو الراغب (الشرق الأوسط)
أبو الراغب (الشرق الأوسط)

سلّة من المعلومات يكشف عنها رئيس الوزراء الأردني الأسبق علي أبو الراغب، للمرة الأولى، في حديث صريح يتعلق بكواليس الحصار على العراق والذي انتهى بالغزو الذي قاده الأميركيون في مارس (آذار) من عام 2003، لتبدأ بعد ذلك الفوضى التي حذّر منها الأردن في أكثر من مناسبة، وأمام دول «صناعة القرار» في الغرب. تسلّم أبو الراغب منصبه لنحو 40 شهراً، في مطلع عهد الملك الأردني الجديد وقتها الملك عبد الله الثاني، بعد انتقال سلس لولاية العهد من عمّه الأمير الحسن بن طلال له. وهو حظي بصحبة الملك الجديد في العديد من زياراته. كانت فترة عمل رئيس الوزراء الأردني السابق والممتدة من مطلع عام 2000 وحتى خريف عام 2003، كافية ليكون عارفاً بكواليس ثلاث قضايا؛ واحدة أثّرت على الداخل الأردني وهي الانتفاضة الثانية، والثانية تركت أثراً على العالم مع بدء «الحرب على الإرهاب» بعد إسقاط برجي مركز التجارة في نيويورك بطائرتين مخطوفتين، والثالثة كانت غزو العراق. وتتضمن رواية أبو الراغب لهذا الحدث الأخير محاضر اجتماعات سرية ومعلنة مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وقياداته في تواريخ متفرقة. يروي أبو الراغب، عبر «الشرق الأوسط»، إرهاصات غزو العراق ومنطلقات شرره، تزامناً مع الذكرى العشرين لحرب لم تدمر العراق وحسب، بل استدعت تاريخاً بعيداً من الثأر والانتقام لنظام أحكم سيطرته، وكان سيف غضبه مسلطاً على أعناق خصومه؛ دولاً وتنظيمات، ومعارضة وأفراداً.
لا تغيب اللحظات العصيبة التي رافقت الغزو الأميركي للعراق بدءاً من ليلة 19 مارس 2003، عن ذاكرة رئيس الوزراء الأردني الأسبق علي أبو الراغب، بما حملته من مقدمات مصحوبة بالفوضى بعد سقوط نظام صدام حسين. وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يسعى أبو الراغب إلى تفكيك بعض ألغاز تلك الحرب التي أحدثت تغييرات دراماتيكية على مستوى العراق ودول الجوار والمنطقة في شكل أشمل.

قوات بريطانية تعتقل عراقيين عقب قتال عنيف في البصرة يوم 30 مارس 2003 (إ.ب.أ)

أبو الراغب الذي كان رئيساً للوزراء في تلك الفترة، شهد لقاءات سياسية حاسمة قبل وإبّان وقوع هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، التي دفعت الولايات المتحدة لاستحضار خرائطها مهددة بتغيير وجه المنطقة، وبات الحديث عن الحرب أقرب من أي حديث آخر، وصار مفهوم الحرب على الإرهاب يتصدّر الأجندة الأميركية، على أن يكون إسقاط نظام صدام حسين عنواناً رئيسياً للمرحلة، وسط اتهامات أميركية للعراق بامتلاك أسلحة دمار شامل.
تلك الاتهامات لم تستند إلى معلومات دقيقة في حينه، وفق ما يؤكد أبو الراغب لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن صوت الحرب تقدّم على صوت المنطق، ولم تنجح بلاده في تخفيف حدة الاندفاع الأميركي صوب غزو جاء بكارثة انسحبت على أكثر من جبهة، ووضعت خصوم واشنطن في مواجهة معها في شوارع العراق ومناطقه المختلفة.

جانب من لقاءات الرئيس العراقي الراحل مع رئيس الوزراء الأردني السابق (من أرشيف علي أبو الراغب)

يقول أبو الراغب إن محاولات «الأردن الرسمي ثني الإدارة الأميركية عن إشعال الحرب في المنطقة لم تنجح»، مستشهداً بالاجتماع الملكي الذي حضره هو شخصياً وجمع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بالرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الابن، حيث قال الأخير صراحة: «لن نقبل الحياد؛ من ليس معنا فهو ضدنا». ويعلّق أبو الراغب قائلاً: «عندها أدركت بأن نوايا الحرب أقوى من نوايا التهدئة، وأن غزارة التقارير ضد أسلحة العراق أشد فتكاً من أسلحة العراق نفسها».
ويضيف أبو الراغب: «لقد حاول الملك (الأردني) تحذير بوش من فتح أبواب جهنم إذا وقع غزو العراق، وأن بديل النظام سيكون الفوضى والتطرف والتناحر المذهبي». ويقول إن هذا ما حصل بالفعل، بل الأكثر من ذلك سمح الغزو بـ«مد أيادي الجوار، بثأره النائم، للانتقام من جدار العراق الفاصل في وجه مطامع إيران في المنطقة ومساعي بث القلق وعدم الاستقرار».

وعن دقة المعلومات المتوافرة لدى الإدارة الأميركية عن أسلحة الدمار الشامل التي يملكها العراق، يتذكر علي أبو الراغب اجتماعات حسين كامل، صهر صدام، الذي لجأ إلى عمّان عام 1996، مشيراً إلى أنه نقل وقتها لمسؤولين أميركيين معلومات «مبالغاً بها» عما يمتلكه الرئيس العراقي. ويضيف أن حسين كامل قبل برعاية الـ«سي آي إيه» لمشروعه الانقلابي على صدام، لكنه رفض عرضهم فتح قنوات اتصال مع «الموساد». وبعد تبدد حلمه في خلافة صدام، عاد حسين كامل لبغداد حيث قُتل برصاص أقاربه. وبالنسبة لأبي الراغب، بدأت خطة «إسقاط العراق» على امتداد عقد التسعينات من القرن الماضي، لكن اللمسات الأخيرة جاءت في مطلع ألفية مشبعة بالحروب والكوارث.
يقول أبو الراغب في هذا الإطار: «لقد كان البنتاغون مليئاً بالمعلومات المغلوطة عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، والتي كان مصدرها (السياسي العراقي الراحل) أحمد الجلبي. والأهم من ذلك، كان صدر نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني معبأ بكره صدام، وكان يبعث برسائل ضاغطة تجاه جورج بوش الابن الذي يناصب صدام الكره أيضاً، هذا علاوة عن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد الذي شكّل مع تشيني ثنائية الموقف المتطرف من صدام (...). كذلك لم يبعث صدام برسائل جادة عبر وسطاء لتخفيف حدة الاحتقان الأميركي المشبع بالتضليل، على الرغم من مبادرات غربية فرنسية، وعربية أيضاً، على هذا الصعيد».

تعنت صدام في مواجهة جدية الحرب

لم يأبه صدام حسين بكل الرسائل التي وصلته على مدى سنوات الأزمة منذ غزو الكويت، وظل متمسكاً بمواقفه التي كان من الواجب أن تحظى بالمرونة التي تجنّبه والعراق ويلات الحرب والدمار وتداعيات الخطر والحصار، بحسب أبو الراغب. يقول: «صدام حسين ظل وكأنه قادم للتو من مدرسة البعث التي تسعى بعقيدتها إلى تحدي أميركا واجتثاث إسرائيل، وتريد للعرب كلمة ودوراً مؤثراً رغم استحالة التوافق على أكثر من ملف وقضية». ويتابع: «السياسة تغيّرت أدواتها (...). رجال صدام لم يكونوا واقعيين في طرحهم، وظلت الشعارات تتحكم بعواطفهم مغيّبةً صوت العقل والحكمة الذي جاءهم من أكثر من شقيق وصديق». ويؤكد أن «أسلحة الدمار الشامل في العراق ذريعة استخدمتها الولايات المتحدة الأميركية لإحكام الحصار على صدام. الأردن كسر هذا الحصار لصالح دعم الأشقاء العراقيين في كل شيء باستثناء السلاح». ومعلوم، في هذا الإطار، أن أبو الراغب شخصية تُعتبر أصلاً قريبة من صدام حسين، وساهم في أكثر من مناسبة خلال عقد التسعينات من القرن الماضي في تسهيل شروط التفاوض مع العراق اقتصادياً، ورفع حجم المنحة النفطية العراقية لبلاده. كما أنه خفف من حدة الخلافات السياسية بين حكومات البلدين في أكثر من مناسبة.

زيارة سرية في مرحلة انتقالية

على الرغم من أن أبو الراغب كان قريباً من صدام ورجاله، فإنه لم يُعجب بهرولتهم نحو «التصريحات الشعبوية»، وأراد في أكثر من مناسبة أن يحثهم على تقديم تنازلات معقولة «تجنب العراق الحرب التي صارت قريبة، وبذرائع كثيرة». في هذا الإطار، يكشف أبو الراغب، للمرة الأولى، أنه كان في زيارة سرية لبغداد قبل تكليفه بتشكيل الحكومة بأيام، وحمّله الملك عبد الله الثاني رسالة إلى صدام تستفسر عن أسباب بعض الخلافات في العلاقة بين البلدين، فرد عليها صدام مستعرضاً بعض التضييقات الأمنية على عراقيين رسميين، والرعاية الأمنية لبعض معارضيه، وهو أمر كان مصدر إزعاج كبير للرئيس العراقي. لكن أبو الراغب، كما يوضح، استطاع أن يخفف من غضب صدام واستعاد كسب وده، مشيراً إلى أنه كان يعرف من يقف وراء توتر العلاقات الأردنية - العراقية وقتها، مشيراً إلى مسؤول أمني تم إبعاده وحوكم لاحقاً على خلفية جرائم اقتصادية. وتلك الزيارة السرية ما زال يحتفظ أبو الراغب بمحاضرها.
في أولى زياراته الرسمية لبغداد وهو رئيس للوزراء، التقى أبو الراغب طه ياسين رمضان وتحدث له عن كلام أدلى به السفير البريطاني في عمّان الذي كان قد أبلغه بأن موافقة العراق على مشروع قرار مجلس الأمن رقم 1284 المتعلق بتفتيش المنشآت العراقية سيضمن رفع الحصار تدريجياً عنه خلال 3 - 6 شهور، لكن رد طه ياسين رمضان كان صادماً عندما أجاب: «نحن نرفض دخول جواسيس لمنازلنا وإهانتنا؛ والله لو قامت حرب عالمية ثالثة لن نقبل مثل هذا القرار». واستفاض رمضان في عرض حلوله لكسر الحصار بقوله: «افتحوا الحدود من جانبكم وسيلحق بكم كل العرب». ويقول أبو الراغب: «لما سمعت هذا الموقف غير العقلاني أجبته باختصار: نحن لسنا دولة عظمى». وعندها انتهى الحوار الذي وصفه أبو الراغب بـ«غير المجدي». لكن أبو الراغب يضيف: «في اليوم التالي للزيارة التقيت صدام حسين وتحدثت له عن مشروع القرار، فقلل من أهميته ولم يطل الحديث حوله، وكان خطئي أنني تركت طه ياسين رمضان يبلغه قبلي. كان يجب أن أفتح الموضوع أمامه، فمن الممكن التأثير عليه بمعزل عن مبالغات طه ياسين رمضان».

يتذكر أبو الراغب، هنا، سلسلة محاولات أردنية لإلغاء احتمالات حرب منتظرة، مشيراً إلى موقف طارق عزيز قبل يوم واحد من اجتماع قمة الملوك والزعماء العرب في عمّان نهاية مارس عام 2001، وهو موقف «كان فيه عزيز متشدداً بعكس مرونته الدبلوماسية التي عُرفت عنه في بدايات الأزمة... فلطالما شكّل موقفه دعماً لنا في مستويات الاعتدال».
ومن بين صفحاته وملفاته، قرأ أبو الراغب لـ«الشرق الأوسط» أن أعضاء الوفد الأردني والوفد السعودي والأمانة العامة للجامعة العربية بذلوا جهداً متميزاً بإعداد مسودة قرار يتعلق بالمصالحة بين العراق والكويت، ومن النقاط التي تمت الموافقة عليها مطالبة القمة العربية لمجلس الأمن والأمم المتحدة برفع الحصار عن العراق، كما تضمن القرار تسيير الطيران المدني بين الدول العربية والعراق. كذلك تضمن مشروع القرار بنداً يتعلق بألا يكرر العراق غزوه للكويت ويلتزم بحماية وسيادة الكويت، وهذا البند الأخير كان موضع خلاف في المؤتمر لمعارضة الوفد العراقي له.
ويضيف رئيس الوزراء الأردني أنه «في البداية بدت الأجواء السائدة في المؤتمر متفائلة لجهة تحقيق المصالحة بين الأشقاء في العراق والكويت، ويعود العراق إلى موقعه في العالم العربي والدولي». وفي هذا السياق، قدّم أبو الراغب شهادة إنصاف بحق الراحل الشيخ صباح الجابر الصباح، وزير خارجية الكويت آنذاك وأمير الكويت لاحقاً، لموافقته على مشروع القرار، لافتاً إلى أنه امتلك «سعة صدر»، وكان لديه «موقف متقدم في المصالحة» مع العراق. ويضيف: «للأسف، جاء خبر رفض الوفد العراقي للبند المتعلق بالكويت في مشروع القرار، وهذا الموقف الغريب أثار حينئذ الاستغراب الشديد، وعلمنا للأسف أن صاحب القرار كان الراحل نائب رئيس الوزراء طارق عزيز».

لم تتوقف محاولات الأردن عند ذلك الحد، كما يقول أبو الراغب. يوضح قائلاً: «أذكر جيداً في مساء ذلك اليوم أن الملك عبد الله الثاني حاول أن يستدرك الأمر ويُقنع الوفد العراقي بالقرار. وتم عقد اجتماع برئاسة الملك وحضوري وكذلك وزير الخارجية عبد الإله الخطيب، وحضر من الجانب العراقي عزت إبراهيم وطارق عزيز والصحاف. تم التداول بالأمر واحتدم النقاش بيني وبين الراحل طارق عزيز، وأبديت استغرابنا من الموقف العراقي. أبدينا لهم أن هذه الفرصة تاريخية وتشكل اختراقاً للوضع القائم بإنهاء المعاناة التي قاسى ويقاسي منها الشعب العراقي، ولكن للأسف تمسّك طارق عزيز بموقفه. وفي آخر محاولة في صباح اليوم التالي، أصر الملك على منح الوفد العراقي فرصة أخيرة للحصول على توافق حول مشروع القرار، وللأسف لم تنجح».
يقول أبو الراغب: «كنت على يقين في ذلك الوقت أن العراق فقد فرصة ذهبية لإخراجه من فك الحصار، وكذلك تفادي احتلال العراق الذي تم 2003». ويضيف: «لم أستوعب حينها موقف الراحل طارق عزيز، وحتى الآن لا أعلم ولا أستطيع أن أتفهم هذا الموقف».

هل يعتقد أن القرار العراقي كان قراراً مستعجلاً دون العودة إلى القيادة في بغداد؟ يجيب أبو الراغب: «أنا على يقين بأن قرار الوفد العراقي كان من دون الرجوع إلى القيادة في بغداد، حيث لاحظت أن العديد من أعضاء الوفد العراقي كانوا يؤيدون مشروع القرار كما قُدم في البداية». ويتابع: «للتاريخ، الجانب الأميركي كان يتابع باهتمام مخرجات مؤتمر القمة العربية في عمّان، وخاصة بما يتعلق بالعراق... لقد ضاعت الفرصة لصالح المزيد من الأوراق في يد أميركا».
ويُقر أبو الراغب بأنه لم يكن صعباً الإدراك مع نهاية عام 2002 ومطلع عام 2003، أن الحرب أصبحت «مسألة وقت»، وأن العد التنازلي للمعركة التي غيّرت وجه المنطقة بدأ فعلاً، وسيكون ما قبل الحرب ليس كما بعدها. ومع ذلك، بدأ الضغط الأميركي يزداد و«أصبح الجميع على يقين بأن الولايات المتحدة ماضية في قرار الحرب ولا رجعة عنه، ولن تنجح كل التحذيرات التي انطلقت من أكثر من اتجاه (...). بالنسبة لي، كنت منشغلاً بالوضع المحلي وسط مزاج عام مضطرب، وتتقاسمه واقعية المشهد وأمنيات السلامة للعراق»، وسط دعوات إلى أن يتبنى الأردن موقفاً مشابهاً لموقفه في عام 1990 «في رفض التدخل الأجنبي والحرب على الأشقاء العراقيين».
في تلك الأيام، كان الأردن مقتنعاً بوجود نقاط ضعف في الجيش العراقي، وعدم جاهزيته للحرب، خصوصاً أن أسلحته كانت متهالكة، ولم يملك العراق القدرة على صيانتها. ويشرح أبو الراغب أن قوى العراق العسكرية كانت منهارة، و«المزاعم عن ترسانات أسلحة تحت الأرض كانت مجرد دعايات عسكرية من جانب العراقيين، وأمنيات في قلوب كل من كان في صف العراق».
يؤكد أبو الراغب أن بلاده لم تسمح للقوات البرية الأميركية بالوجود على الأراضي الأردنية، و«لكن بعد ضغط أميركي شديد وافق الأردن على إنشاء قاعدة جوية غير ثابتة لطائرات الهليكوبتر التي يريدون استخدامها لغايات غير عسكرية في منطقة الأزرق شرق البلاد... ولقد بالغت نخب سياسية أردنية في تضخيم ذلك، واعتبروا أن الأردن شريك في الغزو، وهذا ظلم كبير للموقف الأردني الذي التزم بالواقعية وابتعد عن العاطفة غير المجدية. لكن، في المقابل، كنا نُلح على أميركا ودول شقيقة بتأمين احتياجات المملكة الأردنية من النفط من مصادر أخرى، خصوصاً أمام حقيقة قطع إمدادات النفط العراقي عن الأردن إذا بدأت الحرب التي ستدمر ما تبقى من البنى التحتية في العراق».

ساعة الصفر ولقاءات اللحظة الأخيرة

قبل الحرب بفترة قصيرة، زار عمّان نائب الرئيس العراقي عزت الدوري، حاملاً رسالة شفوية من صدام حسين إلى الملك عبد الله الثاني، في طياتها طلب من عمّان ببدء وساطة لدى واشنطن. يقول أبو الراغب: «طلبت منه يومها أن يقول ماذا لدى العراق ليقدمه لتقريب وجهات النظر مع الولايات المتحدة الأميركية». ويضيف: «في تلك اللحظات، بقي الدوري يناور ولا يريد تقديم بنود واضحة، ويقول: نحن نقبل أن يتحدث جلالة الملك باسم العراق، ونحن موافقون على ما يرضى به. لكنني رفضت هذا الكلام، واعتبرت أن هذا ليس موقفاً واضحاً يمكن الاستناد إليه لوقف حرب تكاد أن تنشب. لم يمل الدوري من تكرار هذا الكلام عليّ، وكنت مستغرباً من كلماته التي لا تحمل أي مضمون يشي بتقريب مواقف الخصمين».

أعضاء في حزب البعث بعد توزيع أسلحة عليهم للتصدي للغزو الأميركي المرتقب في بغداد يوم 2 مارس 2003 (إ.ب.أ)

ويتابع أبو الراغب متذكراً تفاصيل ما حصل: «بعد كلام طويل سألته بحزم: ماذا لديكم؟ قلت للدوري وقتها إن الملك يريد رسالة واضحة، فأجاب: نتركها للملك. فتابعت الحديث: هل تقبلون بفكرة السلام مع إسرائيل مثلاً لكبح جماح التطرف الأميركي ضدكم؟ انتفض من موقعه وقال: عجوز في شوارع العراق لو قابلتني وأنا أتحدث عن السلام مع إسرائيل لبصقت عليّ. فقلت: ماذا نفعل برسالة منكم غير موقعة بكلام محدد وواضح، عليكم أن تكونوا عمليين في ممارسة الفكرة، ونحن جاهزون لحمل الرسالة وقتها. أنا لا أريد منكم سلاماً مع إسرائيل. أنا أريد أوراقاً تفاوضية تماطل فكرة الحرب وتبعدها. في اليوم التالي، التقى الدوري الملك عبد الله الثاني وأعاد طرح موقفه من فكرة الوساطة الأردنية خلال زيارة الملك لواشنطن، لكن الملك لم يجد في كلام الدوري أي موقف يمكن الارتكاز عليه كمنطلق للبحث في فكرة وقف سباق الحرب المنتظرة».
ويقول أبو الراغب: «قبل الحرب بأيام كنا في زيارة لدول خليجية منها الإمارات وقطر. علمنا من الإماراتيين عن ساعة الصفر في انطلاق الحرب، وهو ما كان معلوماً أصلاً، فقد كانت الحشود متأهبة والترسانة العسكرية الأميركية موجّهة (لبدء الغزو). عدنا محبطين. وكنت قد بادرت، قبل أشهر، بتخزين أكبر كمية من النفط، وفعلاً خزنّا 800 ألف طن. ولما سمعت ما أكده الإماراتيون عن ساعة الحرب، تذكّرت أن باخرة لا تزال في ميناء البصرة تتزود بالنفط، فطلبت أن تتم تعبئتها بالسرعة القصوى».
ويزيد رئيس الوزراء الأردني قائلاً: «إسناداً للفضل لأصحابه، حصلنا خلال شهور الأزمة على وعود خليجية، وكانت صادقة، بتزويد المملكة الأردنية بـ50 ألف برميل نفط من المملكة العربية السعودية، و50 ألف برميل تزودنا بها الكويت والإمارات. وهذا وحده كان كفيلاً بتأمين ملف الطاقة لبضعة أشهر، وهو الملف الذي كان سيضغط علينا لولا الدعم العربي، والمساعدات الأميركية التي وصلت دعماً لاقتصاد الأردن الذي ظل متمسكاً بموقفه من دعم معاناة الأشقاء في العراق، وطبقنا برنامج (النفط مقابل الغذاء)، وساهمنا مساهمة كبيرة في تخفيف وطأة الجوع الذي تسبب به الحصار الأميركي».

المشهد المحلي واضطرابات النخب

ويتابع أبو الراغب روايته: «أتذكر مع بدء أيام الغزو الأميركي أن السفير الأميركي في عمّان إدوارد غنيم زارني، فطلبت منه من باب التخفيف من الضغط الشعبي أن يعلن في تصريحات صحافية أن الأردن حمّله رسالة لإدارته تطالب بحماية المدنيين وضمان تزويد العراقيين بحاجتهم من الغذاء والدواء، لعل الشارع يرحم الموقف الرسمي الأردني الذي كان مثل (بالع السكين)... ففي كل الاحتمالات، كلفة الحرب سندفعها نحن من استقرارنا ومن اقتصادنا».
ويوضح: «استجاب السفير الأميركي، وقد أبلغنا الصحافيين بأن هناك زيارة للسفير الأميركي وتستطيعون سؤاله عن موقف الحكومة من الحرب. وقدّم السفير تصريحاته عندها». ويتابع: «في واحد من الاجتماعات مع وفد من وزارة الدفاع الأميركية في رئاسة الوزراء في عمّان، وكان بحضور (السفير) غنيم، انتقدت التعنت الأميركي وهاجمت ذريعتهم في الحرب بسبب امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وأنها خدعة ستجر الولايات المتحدة لحرب طويلة الأمد، والتزمت بموقف الملك عبد الله الثاني عندما تحدث عن فتح أبواب جهنم أمام الاقتتال المذهبي والحرب الشاملة وميلاد حركات الإرهاب التي تعيش في مستنقعات الفوضى».
ويقول رئيس الوزراء السابق إن «الضغط الشعبي بدأ يزداد في الأردن في تلك الأيام، وضاعف ذلك ما ذهب إليه رؤساء حكومات سابقون، خلال الأيام الأولى لبدء العملية العسكرية ضد العراق، في كتابة بيان مع شخصيات وطنية من مشارب سياسية مختلفة، يتضمن رفضاً لأن تُستخدم أراضي الأردن لضرب العراق. اتهموا الحكومة بأنها سمحت لقوات برية أميركية بالوجود على الأراضي الأردنية، لإسناد الحرب المتوقعة والغزو المنتظر». ويضيف أن الأسماء الموقعة على البيان لشخصيات ذات وزن شعبي، و«كان لا بد من الحديث معها بصراحة ومن قبل الملك حتى يتم توضيح الموقف الرسمي».

من لقاءات صدام مع أبو الراغب (من أرشيف رئيس الوزراء الأردني السابق)

في اجتماع نادي رؤساء الحكومات الأردنية مع الملك عبد الله الثاني في القصر، انقسمت الآراء بين متفهم للموقف الرسمي الأردني ومَنْ عارضه بشدة، و«كنت متفهماً لجميع الآراء»، كما يقول أبو الراغب الذي يوضح أن «زيد الرفاعي وعبد الكريم الكباريتي وفايز الطراونة دعموا الموقف الرسمي، في وقت انتقد بشدة موقف الحكومة الجنرال مضر بدران والجنرال أحمد عبيدات وطاهر المصري وعبد الرؤوف الروابدة. وعندما اشتد النقاش، حاولت التدخل لتوضيح موقفنا، لكن الملك أنهى الاجتماع وهو غير مرتاح. وبعدها بثلاثة أيام، وصلت القوات الأميركية واحتلت بغداد».
ويشير أبو الراغب إلى أن ما زاد من حدة الموقف الشعبي في الأيام الأولى للغزو «ما جاء على لسان طه ياسين رمضان بأن الأردن يمنع مرور المساعدات للعراق بذريعة التفتيش الأميركي والأوامر الأميركية... عندها اتصلت بالسفير العراقي في عمّان صباح الياسين، وأبلغته بضرورة تصويب التصريحات العراقية. وبالفعل بادر هو بالخروج للإعلام الأردني ونفى ما قاله رمضان».
لا يريد أبو الراغب الخوض حالياً في تفاصيل المشهد المحلي، وتعامل الحكومة مع قضية الحدود الأردنية - العراقية التي بدأت تنشط فيها عمليات التسلل والتهريب، وبدأ «الخوف الحقيقي من تسلل عناصر إرهابية تُضمر الشر والسوء لنا». يقول إن الأرقام المتعلقة بتلك المرحلة لا تحضره اليوم، لكنها موضوعة في واحد من ملفاته.
ويوضح أبو الراغب كيف أنه اختبر الفصل بين موقفه السياسي وموقعه السياسي في الفترة الصعبة التي تولى فيها رئاسة الوزراء، قائلاً: «لو لم أكن في موقع المسؤولية لكنت انحزت للموقف الشعبي، مع التمسك بموقفي بأن العراق أخطأ عند غزو الكويت. لكنني كنت على اطلاع واسع بطبيعة الضغوط التي مورست على الملك عبد الله الثاني، وكان الخيار إما الاعتدال بحذر وإما التضحية باستقرار الأردن سياسياً واقتصادياً. فالتحالف مع الولايات المتحدة له كلفة، كما الانقلاب على التحالف له كلفة». ويضيف: «لقد كانت لحظة الغزو بمثابة ضربة لنا جميعاً وللجهود التي بذلناها من أجل منعه، لكن العراقيين أنهوا كل ذلك وأعطوا المبررات لأميركا».

العلاقة مع صدام... توافق وتنافر

ويسلّط أبو الراغب، في الحوار معه، الضوء على تاريخ علاقته بصدام حسين، قائلاً: «تعود معرفتي بصدام إلى مطلع تسعينات القرن الماضي. زرته عضواً في التجمع الديمقراطي عام 1990، وزرته نائباً ووزيراً بعدها. ولقد ذهبت إليه في زيارات متعددة لطلب المساعدة للحكومة، عندما كنت وزيراً للصناعة والتجارة والطاقة والثروة المعدنية في حكومتين مختلفتين. وفي يناير (كانون الثاني) من العام 1997، زرته وأنا وزير صناعة وتجارة، ومعي الوزير هاشم الدباس وزير الطاقة حينها، حاملين رسالة شفوية من الراحل الملك الحسين. استطعنا ترطيب الأجواء وإعادة توقيع بروتوكول المنحة النفطية بعد لقاء صدام الذي كان غاضباً وقتها من رئيس وزرائنا عبد الكريم الكباريتي. لقد كان دائماً إيجابياً في مواقفه معي». ويتابع: «لقد عرفت صدام ومن حوله، وكانت تربطني علاقات قوية بهم، ولا تزال علاقتي جيدة ببعضهم وهم أصدقاء حقيقيون. لا تتعارض مواقفي الإنسانية تجاه النظام العراقي السابق وموقفي السياسي من بعض سياساته المتعنتة والمتشددة في أزمة حرب ضربت أنحاء المنطقة وصدّرت الإرهاب في أكثر من اسم واتجاه. إن حرب الخليج الثانية شكلت منعطفاً خطيراً في منطقتنا، وهي التي أوصلت العراق لحرب استنزاف استخدمت فيها جميع الأضداد العراقية، وتسببت في حالة عدم استقرار لجواره العربي، خصوصاً بعد الانتقام الإيراني المزدوج من صدام ومن الولايات المتحدة، حيث استطاعت (إيران) أن تحظى بنفوذ على حساب ضعف العراق أمنياً واقتصادياً وسياسياً».
ويتوقف أبو الراغب في روايته عند تلك اللحظات التي وصله فيها خبر وصول القوات الأميركية إلى بغداد. فقد كان في منزله وقتها مدير المخابرات سعد خير ورئيس الديوان الملكي فيصل الفايز، و«كان النقاش حاداً في جوانب متعددة تتعلق بطبيعة الموقف الحكومي من التعامل مع الحرب الدائرة، وضرورة بناء سردية تستعرض بعقل وتوازن جهود الأردن في دعم العراق وتجنيبه الحرب. وفوراً طلبت إبلاغ الملك بهذا التطور، وكان مسار الأحداث متوقعاً، لكن ما أضر الجميع وقتها كانت خطة بول بريمر في حل الجيش العراقي لتصدق نبوءة الأردن، ويدخل العراق في حرب أهلية مذهبية طائفية عرقية لا يزال يسعى للاستشفاء منها».
ويكرر المسؤول الأردني السابق دفاعه عن نفسه في معركة التعارض بين موقفين: دعمه العراق في تسعينات القرن الماضي، واستسلامه للضغوط لاحقاً. يقول: «الظروف متنوعة ومختلفة. في عام 1990، وبعد دخول العراق الكويت، وتشكل التحالف الدولي والعربي ضد العراق، أخذنا كأردن موقفاً واضحاً فيه بُعد عروبي قومي، ودفعنا ثمن ذلك الموقف، ثمناً كبيراً. وبصراحة، لولا حكمة الراحل الملك حسين وقدراته بعد تلك المرحلة لما استطعنا مواجهة الضغوط الدولية والعربية الكبيرة. كنا محاصرين بصورة كبيرة، وكان لالتفاف الشعب الأردني حول الملك الأثر الرئيسي في مواجهة تلك الضغوط والآثار الصعبة على الأردن». ويزيد موضحاً: «أصلاً الموقف الأردني في عام 1990 لم يكن مع احتلال العراق للكويت، بل كان ضده على طول الخط. لكننا كنا ضد تدويل الأزمة والتدخل الأجنبي والحرب التي كنا نرى فيها شراً كبيراً على العراق والكويت والمنطقة، وأنها ستجر كوارث كثيرة، وهو ما حصل في الواقع بعد تدويل الأزمة واللجوء إلى الحل العسكري. لقد حاولنا شرح موقفنا الرسمي والشعبي برفض احتلال بلد عربي بلداً آخر، لكن صوت القصف الأميركي كان أقوى من صوتنا».
ويقول: «بعد ذلك، تعاملنا، كأردن، مع العراق ليس فقط مع حكم أو نظام، بل مع شعب عراقي شقيق، تربطنا به علاقات قوية وتاريخية. لا أنكر على صدام مواقفه معنا، فقد كان وزراء عراقيون يقولون لي إنه في اجتماعات الحكومة العراقية، يحمل بعض الوزراء والمسؤولين على الأردن وحكومته، ويوجهون بعض الانتقادات لنا، لكن الرئيس صدام، وبعد أن يستمع لكل ذلك، كان يسأل حكومته: ما الذي يطلبه الأردن منا؟ أعطوه ما يريد... ومشّوا كل ما يريد الأردن».
وفي حديثه عن مواقف صدام حسين «الإيجابية» تجاه الأردن، ينقل أبو الراغب عن الرئيس العراقي قوله عند لقائه به في زيارته لبغداد عام 2000: «قلتها للملك حسين الله يرحمه، وأقولها لك الآن: (لو) يرفعون الحصار عن العراق فوالله نفط الأردن سيكون مجاناً من العراق».

ويشير رئيس الوزراء الأردني السابق إلى أنه بحلول عام 2003 كانت الأمور قد انتهت، و«كان واضحاً بصورة جلية أن الحرب قادمة وصعبة. كانت الأوضاع داخل العراق، وفي جبهته الداخلية، صعبة بعد حصار 14 سنة، ولا يمكن مقارنة التفوق العسكري لأميركا مع العراق المنهك. كما كان الوضع دولياً وعربياً واضحاً في تلك المرحلة. كانت كل المؤشرات والرسائل الأميركية واضحة بالتوجه إلى الحرب. لم يستمع الأميركيون لنصائح الملك عبد الله الثاني والأردن من أن الحرب ستجر كوارث كبيرة على الشعب العراقي وعلى شعوب المنطقة، وأن الحرب والاحتلال سيفجران حرباً أهلية وعنفاً في العراق يصعب لجمه. كما أن الحرب ستقدم العراق على طبق من ذهب لإيران وتزيد نفوذها».
ويشدد أبو الراغب على أن «الإدارة الأميركية والمحافظين الجدد كانوا مصرين على الحرب والاحتلال... لم تكن لهم أجندة سوى ضرب العراق واحتلاله والاستيلاء على نفط المنطقة». لكنه يضيف: «لم نكن نستطيع هذه المرة السماح لعواطفنا بالتأثير علينا، وأن تحمّلنا موقفاً ندفع ثمنه كبيراً، كما في عام 1990. فقد كنا نأخذ مساعدات في عام 2003 من الولايات المتحدة ومن بعض الدول الشقيقة. وطبعاً كل ذلك يُضاف له أن الوضع الداخلي في العراق كان واضحاً أنه لن يصمد أمام القادم. كان واضحاً أنه ثمة تعنتاً سياسياً وعدم تقدير للمستقبل. وبالمناسبة، كنا نصارح العراقيين بأن القادم هذه المرة صعب، وأن نذر الحرب قادمة، وأنها ستختلف هذه المرة بتصعيدها أميركياً إلى احتلال العراق وإسقاط النظام».
يؤمن أبو الراغب بأن على المسؤول تحمل مسؤولياته، وعدم التهرب منها، و«الواقع يختلف أحياناً عن الرغبات والعواطف. وقد حصل ذلك معي أيضاً في موضوع تأجيل الانتخابات النيابية، فإنا مع الديمقراطية والحياة النيابية وتواصلها، ومع الانتخابات، ولكن عندما كان هناك ظرف يمنع إجراء الانتخابات لم أتهرب من مسؤولياتي وأجلتها».
وعن يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، يوم سقوط بغداد، يقول أبو الراغب، النقابي وأحد عرّابي التجمع الديمقراطي الذي نشأ على أكتاف قوى قومية ويسارية في عام 1990، إنه «لم يفاجأ» بسيطرة القوات الأميركية على العاصمة العراقية. ويزيد: «إن المؤشرات والوقائع على الأرض كانت تشير إلى هذه النتيجة. كانت لحظة قاسية على الجميع، لكنها كانت متوقعة. لم نستغربها. لقد حاولنا الوقوف إلى جانب الشعب العراقي في معاناته، فنحن نعرف حجم الفقر والجوع الذي تسببت به سنوات الحصار، وبعدها الحرب، على العراقيين، لكن جميع مواقفنا ودعواتنا كانت تتكسر أمام مؤامرة إسقاط العراق في وحل الدمار. ولقد خفف من معاناتنا في تلك السنوات الصعبة من مطلع القرن العشرين، أن مواقف الدول الخليجية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية تفهمت مخاوفنا، ودعمت مواقفنا بعد أن سعينا جاهدين لبيان حجتنا وسلامة نوايانا، فعادت العلاقات متوازنةً، والتعاون فيما بيننا وثيقاً».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
TT

لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)

لم يكن قانون العفو العام الذي أقرّه البرلمان اللبناني يوم الأربعاء، مجرد خطوة تشريعية لإطلاق آلاف السجناء أو إسقاط عقوبات، بل شكّل اختباراً دقيقاً لقدرة الدولة على التوفيق بين مقتضيات العدالة وضرورات المصالحة الاجتماعية من جهة، وعدم تحويل العفو إلى غطاء للإفلات من العقاب من جهة أخرى، خصوصاً بعد حالة الاعتراض التي أبدتها جهات سياسية ونيابية، وصفته بأنه «طائفي ومذهبي وغير متوازن».​

الاستثناءات... بين موقوفين ومحكومين

تكتسب الاستثناءات التي نص عليها القانون أهمية كبرى، لكونها ترسم حدّاً فاصلاً بين الجرائم التي لا تسمح الدولة بإسقاط الملاحقة أو العقوبة عن مرتكبيها، خصوصاً تجّار المخدرات وسارقي المال العام، وبين موقوفين ومحكومين طالهم الظلم وآن أوان إنصافهم، علماً بأن مراجع قانونية عليا لا تخفي «الالتباس الكبير بين جرائم شمل العفو العام مرتكبيها وسيعودون إلى الحريّة قريباً، وجرائم أخرى أدرجت في صلب الاستثناءات ومنع على الملاحقين بموجبها الاستفادة من هذا العفو».

وبقدر النتائج الإيجابية لشمول القانون جرائم استفاد منها مرتكبوها، وأسقط الدعوى العامة عنهم وحذف العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية المحكوم بها، ثمّة أهمية كبرى للجرائم التي استثناها العفو العام وأبقى محاكمتهم سارية المفعول، وأبرزها: الجرائم المحالة على المجلس العدلي، وجرائم القتل العمد والقصدي، وجرائم الإرهاب المرتكبة بحق المدنيين والعسكريين وعناصر القوى الأمنية، وجرائم الخيانة والتجسس والتعامل غير المشروع مع العدو.

رئيس الحكومة نواف سلام وعدد من النواب خلال الجلسة التشريعية (الشرق الأوسط)

جرائم المخدرات

يبرز في هذا السياق الاستثناء الأهم لجرائم المخدرات، لا سيما حالات التكرار، وهو استثناء يعكس تشدداً تشريعياً تجاه الجرائم التي ينظر إليها على أنها لا تمس فرداً أو مجموعة محددة فحسب، بل ترتبط بأمن المجتمع وصحة أفراده وبشبكات إجرامية عابرة للحدود، أدت في مرحلة من المراحل إلى وضع لبنان أمام عزلة عربية، وتسببت (الشبكات) في حظر الصادرات الصناعية والزراعية اللبنانية إلى دول الخليج العربي، التي استهدفتها بعدد كبير من شحنات «الكبتاغون».

هذا الاستثناء من أبرز النقاط التي أثارت تحفظات البعض، ومنهم نواب يمثلون منطقة بعلبك - الهرمل، بينهم عضو كتلة «التحرير والتنمية» النائب غازي زعيتر، الذي وصف القانون بـ«غير المتوازن والطائفي والمذهبي». وأبدى أسفه للاستثناءات التي تضمّنها، لأنها «غير عادلة ولا تنسجم مع الغاية الأساسية من إقرار قانون العفو»، داعياً للعودة إلى المادة 53 من الدستور.

واعتبر زعيتر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «فلسفة العفو العام تقوم على أن يكون شاملاً، بحيث يطوي صفحة من الماضي، ويفتح صفحة جديدة أمام جميع اللبنانيين». وقال: «نحن راعينا كل الأطراف الأخرى، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع الموقوفين الإسلاميين، وحتى بالنسبة للقانون الذي قُدّم عام 2011 لمن ذهبوا إلى إسرائيل، ووافقنا على أن يكون العفو شاملاً»، منتقداً ما وصفه بـ«إهمال الدولة اللبنانية لأبناء البقاع، منذ أكثر من 100 عام، حين دفعتهم للذهاب إلى موارد أخرى للرزق، حتى اضطر بعضهم إلى زراعة المخدرات».

وتشكّل دعاوى المخدرات ما نسبته 40 في المائة تقريباً من الملفات القضائية، وتظهر الأرقام أن العدد الأكبر منهم من منطقة البقاع اللبناني. وأكد النائب زعيتر أن «90 في المائة من الملاحقين في قضايا المخدرات هم من أبناء بعلبك والهرمل، وجزء كبير من هذه الملاحقات يستند إلى البيانات الموجودة على هواتف الأشخاص الذين يتم توقيفهم»، موضحاً أنه «لمجرد ورود اسم شخص أو التواصل معه عبر الهاتف، يؤدي ذلك حتماً إلى إدراجه في ملف الملاحقة».

وأضاف: «بعض المطلوبين، خوفاً من توقيفهم، يتخلفون عن الحضور إلى التحقيق، ما يؤدي لاحقاً إلى صدور قرارات قضائية ومذكرات توقيف وأحكام غيابية بحقهم، وهذه الآلية أدت إلى ظلم كبير بآلاف الملاحقين في قضايا المخدرات، وللأسف النسبة الكبرى منهم تنتمي إلى الفئة الاجتماعية والجغرافية نفسها في منطقة بعلبك والهرمل».

صورة لمدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

في المقابل، حافظ القانون على استثناءات أخرى بالغة الحساسية؛ بينها الاعتداءات المستمرة على الأملاك العامة وأملاك البلديات والمشاعات، والجرائم المرتبطة بالفساد والإثراء غير المشروع وتبديد الأموال وتمويل الإرهاب ومخالفة قانون النقد والتسليف، إضافة إلى الجرائم المصرفية المرتبطة بأموال المودعين. كما استثنى جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القصر والتعذيب والإخفاء القسري.

«عدالة القانون»

هذه الاستثناءات تمنح القانون قدراً مهماً من العدالة، وفق تعبير مرجع قانوني، حيث رأى أنها «لا تجعل من العفو تسوية سياسية تمحو المسؤولية عن الجرائم الخطيرة». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذا القانون رغم أهميته، لا يعني بالضرورة أنه يخلو من الثغرات أو يحقق العدالة الكاملة»، معتبراً أن «العفو العام يقوم بطبيعته على معيار تشريعي عام، قد لا يأخذ دائماً في الحسبان الفروق الدقيقة بين ظروف كل موقوف أو محكوم»، لافتاً إلى أن «وجود أوجه شبه في جرائم مشمولة بالعفو وأخرى مستثناة منه، خصوصاً في جرائم القتل والإرهاب والجرائم التي تقع على المال العام، وهذا سيرهق المحاكم التي تنظر فيها، وتتطلب اجتهادات قضائية لتفسيرها».

استفادة فورية

ثمة أسماء بارزة تستفيد من قانون العفو سواء بشكل فوري، أو تباعاً، وأولهم الشيخ أحمد الأسير، الذي استفاد من تخفيض العقوبة، غير أن الإفراج عنه لن يكون قبل منتصف شهر مايو (أيار) 2028، ونعيم عباس، الموقوف منذ عام 2014 والصادر بحقه حكم بالمؤبد في عام 2021، بجرائم قتل وتفخيخ سيارات معدّة للتفجير، والشيخ لؤي الترك، الذي ارتبط اسمه بملف اعتراض شاحنات المازوت التي كان يخرجها «حزب الله» لنظام بشار الأسد عبر الحدود اللبنانية - السورية إبان فرض عقوبات «قيصر» الأميركية، وحكم عليه بالأشغال الشاقة 15 عاماً، وحسن أبو علفة المتهم بالاشتراك في تفجير السفارة الإيرانية والموقوف في شهر فبراير (شباط) 2014، ولم يصدر حكم بحقه حتى الآن.

رئيس البرلمان نبيه بري يترأس جلسة البرلمان التي عقدت بمشاركة رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء (الشرق الأوسط)

أبرز الموقوفين غير المستفيدين

أما أبرز الموقوفين الذين لن يستفيدوا من قانون العفو، فهم: نوح زعيتر أحد أخطر تجار المخدرات في لبنان، الذي جرى توقيفه إثر العملية الأمنية التي نفذها الجيش اللبناني في العام الماضي، باعتبار أن توقيفه الاحتياطي لم يتجاوز السقف المطلوب للإفراج (وهو 12 سنة سجنية من دون محاكمة)، وعدم صدور أحكام بحقه قابلة للتخفيض، وحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، الذي أوقف قبل أسبوعين، والملاحق بدعاوى تتصل باختلاس أموال عامة وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع، والتسبب في حرمان المودعين من أموالهم، والمدانون بالعمالة والتجسس لصالح إسرائيل، الذين لن يشملهم أي تخفيض للعقوبة أو عفو عام مهما بلغت مدة محكوميتهم أو ظروف توقيفهم.

من هنا، فإن نجاح القانون لا يقاس بعدد المستفيدين منه أو من استثناهم، بل بقدر تحقيقه توازناً فعلياً بين رفع الظلم عن مستحقين، وحماية المجتمع، والحفاظ على هيبة القضاء، ومنع الإفلات من العقاب.


جنوب لبنان... عملية عسكرية إسرائيلية غير تقليدية في «علي الطاهر»

مواطنون يبحثون بين أنقاض مبنى استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة أنصار الجنوبية (د.ب.أ)
مواطنون يبحثون بين أنقاض مبنى استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة أنصار الجنوبية (د.ب.أ)
TT

جنوب لبنان... عملية عسكرية إسرائيلية غير تقليدية في «علي الطاهر»

مواطنون يبحثون بين أنقاض مبنى استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة أنصار الجنوبية (د.ب.أ)
مواطنون يبحثون بين أنقاض مبنى استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة أنصار الجنوبية (د.ب.أ)

يتواصل التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان وسط ضغوط ميدانية مستمرة حول مرتفعات «علي الطاهر» التي باتت إحدى أبرز نقاط الخلاف في مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية.

وبالتزامن مع التصعيد الميداني، تعهد وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس بمواصلة استهداف «حزب الله» معلناً أن إسرائيل سترد على أي تهديد. وكتب عبر منصة «إكس»: «لن نترك أي حساب في أي ساحة من دون تسوية، سندافع عن جنودنا ومدنيينا بكل قوتنا».

ويأتي ذلك بعدما أعلنت إسرائيل عن مقتل مسؤول عسكري ثانٍ في «حزب الله»، قالت إنه قُتل في الغارات التي شنتها على جنوب لبنان، السبت، بينما بلغت حصيلة الغارات الإسرائيلية في ذلك اليوم 11 قتيلاً، في حصيلة يومية هي الأعلى منذ اتفاق الإطار.

ويربط العميد المتقاعد والخبير العسكري حسن جوني التصعيد ببعدين، عسكري وسياسي. ويقول جوني لـ «الشرق الأوسط» إن «الإسرائيلي كثف جهوده في الميدان بطريقة غير تقليدية، ويبدو هناك عمل أمني يقوم به منذ فترة في محيط علي الطاهر، وهو ما لمّح إليه رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من دون الحديث عن تفاصيل».

عمل عسكري غير تقليدي

ويشير جوني إلى أن ما يجري يرتبط بمحاولات البحث عن «فتحات تهوية وممرات أو مداخل» تؤدي إلى البنية التحتية الموجودة في المنطقة، بما يسمح لإسرائيل بتنفيذ عمل أمني من دون الاضطرار إلى الدخول إليها واقتحامها بشكل تقليدي، ويشير إلى أن مرتفعات علي الطاهر باتت عملياً تحت السيطرة النارية الإسرائيلية، مع عزلها نارياً ومواصلة المراقبة والاستطلاع.

ويلفت جوني إلى المعلومات التي أشارت إلى إدخال غازات سامة عبر فتحات إلى داخل البنية التحتية، مشيراً في الوقت عينه «إلى أنه لا شيء مؤكد حتى الآن».

قطعة تفتيش للجيش اللبناني على الطريق المؤدي إلى «النبطية الفوقا» في جنوب لبنان التي تعرضت لضربة عسكرية إسرائيلية أدت إلى تدمير مبانٍ وذلك في 15 أغسطس (أ.ف.ب)

الخطة العسكرية وفقاً لتطور الوضع الأمني

وفيما يرى جوني أن إسرائيل لا تبدو، في هذه المرحلة، أمام قرار واضح بشن اقتحام عسكري تقليدي لعلي الطاهر، يوضح «لأن متابعة العمل الحربي باتجاه علي الطاهر تعد، خرقاً لتفاهمات أميركا وإيران لا سيما أن وقف الأعمال العسكرية كان نتيجة هذه التفاهمات».

لكن جوني يرى أنه إذا تغير المشهد وتطور الوضع الأمني على مستوى إيران، لا سيما في محيط مضيق هرمز، وعادت المواجهة المباشرة بين الطرفين، «عندها قد يستغل نتنياهو الوضع لمهاجمة علي الطاهر أو متابعة العمل الأمني للقضاء على عناصر (حزب الله) فيها».

ورقة تفاوضية

وفي البعد السياسي لهذا التصعيد، يرى جوني أن علي الطاهر لا يمثل مجرد هدف عسكري بالنسبة إلى إسرائيل، بل تحول إلى ورقة مرتبطة مباشرة بمسار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، ويقول: «يبدو واضحاً أن تل أبيب لن توافق على مناطق تجريبية جديدة قبل الانتهاء من علي الطاهر، وهنا هي تضغط عبر هذه الورقة كي يتسلم الجيش اللبناني علي الطاهر والبنية التحتية، وينسحب منها (حزب الله)، طبعاً برعاية أميركية وبتعهد بتدمير البنية التحتية فيها».

غارات وتفجيرات وحزام ناري

ميدانياً، شهد جنوب لبنان ليل السبت - الأحد وفجر الأحد تصعيداً واسعاً، توزّع بين الغارات الجوية والقصف المدفعي وعمليات التفجير والنسف، في وقت كثّف فيه الجيش الإسرائيلي طلعاته الجوية والاستطلاع بالمسيّرات، وأفادت تقارير بأن موجة الهجمات الإسرائيلية تركزت بشكل خاص على مرتفعات علي الطاهر ومناطق جنوب الليطاني.

وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد أفادت بإبلاغ سكان شمال إسرائيل بأن القوات الإسرائيلية ستنفذ خلال الليل عمليات عسكرية واسعة في جنوب لبنان، تشمل القصف المدفعي والغارات الجوية، مع التحذير من سماع أصوات انفجارات على الحدود.

رجل يتفقد منزلاً مدمراً تعرض لغارة جوية إسرائيلية في قرية أنصار بجنوب لبنان (أ.ب)

وشن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات استهدفت دوحة كفررمان ودير سريان، بينما نفذ موجة غارات عنيفة أشبه بـ«حزام ناري» على مرتفعات علي الطاهر - الدبشة، بالتزامن مع إلقاء قنابل مضيئة وفوسفورية على المرتفعات ومحيطها، في وقت تعرضت فيه بلدتا سجد والمنصوري لقصف مدفعي.

وفي القطاع الغربي، نفذ الجيش الإسرائيلي عمليات تفجير واسعة في مشاعات المنصوري ومجدل زون جنوب صور، بينما استمرت التحركات الجوية في أجواء القطاعين الغربي والأوسط وعلى علو متوسط، بالتزامن مع تحليق مكثف للمسيّرات فوق المنصوري والساحل الممتد بين صور والمنصوري مروراً بأجواء رأس العين.

كما شهدت منطقة وادي زبقين قصفاً مدفعياً طال الأطراف، بينما نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيرين في بلدة الطيبة، في إطار عمليات النسف المستمرة داخل البلدة. وطاول التصعيد أيضاً مدينة بنت جبيل التي شهدت تفجيراً، بينما تعرضت بلدة صربين للقصف المدفعي، بعدما كانت طلوسة قد شهدت في وقت سابق عملية تفجير عنيفة.

ولم يقتصر النشاط الجوي على الجنوب؛ إذ حلّقت طائرات مسيّرة إسرائيلية فوق الضاحية الجنوبية لبيروت قبل الظهر، في مؤشر إضافي إلى اتساع دائرة الاستطلاع والضغط الإسرائيلي.


مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
TT

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)
زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)

عاد مشهد النزوح ليطلّ من جديد على بلدات جنوب لبنان، مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ مساء الجمعة، وما رافقها من غارات واستهدافات طالت عدداً من المناطق. وشهدت الطرقات الجنوبية باتجاه بيروت وصيدا، يومي السبت والأحد، حركة سير كثيفة، في مؤشر إلى بدء موجة نزوح جديدة من عدد من البلدات الجنوبية، ولو أن حجمها لا يزال مرتبطاً بتطورات الساعات والأيام المقبلة.

زوطر النموذج

وتمثل زوطر الغربية، إحدى البلدات التي كان الجيش اللبناني قد انتشر فيها قبل أن ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، أولى «المناطق التجريبية»، نموذجاً عما يعاني منه أهالي الجنوب الذين يعيشون على وقع القلق وعدم الاستقرار.

يحمل عمال الإنقاذ كيساً بلاستيكياً يحتوي على جثة شخص قُتل في منزل تعرض لغارة جوية إسرائيلية في قرية دير الزهراني بجنوب لبنان يوم السبت (أ.ب)

ويقول رئيس بلدية زوطر الغربية عبد عز الدين لـ«الشرق الأوسط» إن التصعيد العسكري الذي شهده الجنوب ليل السبت، وما رافقه من مقتل عائلة كاملة في بلدة أنصار، أعاد الخوف إلى نفوس الأهالي، مشيراً إلى تسجيل حركة نزوح من زوطر، كما من بلدات عدة في الجنوب، خشية اتساع التصعيد العسكري، ولا سيما في ظل التهديدات الإسرائيلية.

ويضيف عز الدين: «غادر عدد كبير من العائلات من زوطر، لا سيما التي تضم أطفالاً وكباراً بالسن. من لديه مأوى بقي فيه، مثل العائلات التي احتفظت بالبيوت التي كانت قد استأجرتها خلال الحرب، ومن ليس لديه منزل يغادر خلال الليل ويعود خلال النهار».

ويصف رئيس البلدية واقع الأهالي بالقول: «يفضلون إخراج الأطفال وكبار السن من المناطق الخطرة ولو سيجلسون في الشوارع».

وأضاف أن «هذه حال أهالي الجنوب، الخوف وعدم الاستقرار بانتظار ما ستؤول إليه الأمور».

ولا يقتصر القلق على المناطق التي تتعرض مباشرة للقصف، إذ إن مجرد استمرار التصعيد والتهديدات يعيد دفع العائلات إلى البحث عن أماكن أكثر أمناً، في حركة يصعب تقدير حجمها النهائي في ظل عدم وضوح المسار العسكري والسياسي.

مبنى متضرر في بلدة أنصار بعد تعرضه لقصف إسرائيلي سقطت نتيجته عائلة بأكملها (إ.ب.أ)

الدولة تستنفر

وفي موازاة حركة الأهالي، بدأت السلطات المعنية الاستعداد لاحتمال توسع موجة النزوح. وأكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد أنها تتابع تطورات التصعيد الأخير، مشيرة إلى تنسيق متواصل مع الوزارات والجهات المعنية ووحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء والمحافظات، لضمان الجهوزية لمواكبة أي حركة نزوح أو احتياجات طارئة.

ودعت السيد كل مواطن يحتاج إلى أي نوع من المساعدة إلى التواصل مع غرف إدارة الكوارث في المحافظات، عبر خطوط الاتصال الساخنة المخصصة لمراكز الإيواء، لتوجيهه ومتابعة احتياجاته بالشكل المناسب. وشددت على أنه «لا يجوز أن يبقى اللبنانيون عرضة لدورات متكررة من الخوف والنزوح»، مؤكدة أن الأولوية تبقى لوقف التصعيد وتجنيب لبنان وأهله المزيد من الدمار والنزوح.

إقليم الخروب يستعد

وتستعد منطقة إقليم الخروب في الشوف، التي تعتبر من أكثر المناطق التي استقبلت نازحين خلال الحرب، لمواكبة أي موجة نزوح جديدة، وتشير معطيات سابقة إلى أن المنطقة استقبلت نحو 100 ألف نازح، ما شكّل ضغطاً كبيراً على البلديات والقدرات المحلية.

ومع عودة حركة النزوح باتجاه الإقليم، دعا رئيس اتحاد بلديات إقليم الخروب الشمالي ماجد ترو في بيان له «جميع السكان وأصحاب الشقق والمنازل المؤجرة في المنطقة إلى تسجيل أسماء المهجرين والنازحين الوافدين إليهم، وكذلك الذين يستأجرون شققاً لديهم منذ فترة سابقة، لدى البلديات المعنية».

كما طلب ممن سبق أن قدموا معلومات إلى البلديات المبادرة إلى تحديث البيانات المتعلقة بالمهجرين والنازحين المقيمين لديهم، بما يضمن دقة المعلومات ومواكبة حركة النزوح المستجدة، مشدداً على ضرورة الالتزام بهذه الإجراءات لما لها من أهمية في تنظيم ومتابعة أوضاع النازحين.