موسم باريس لخريف وشتاء 2023 ـ 2024... بين معانقة الماضي والثورة عليه

التاريخ يعيد نفسه في حركات نسوية

من عرض «لويفي» (لويفي) - تايورات بأكتاف حادة مع بنطلونات ضيقة وإيشاربات (الصور من سان لوران)
من عرض «لويفي» (لويفي) - تايورات بأكتاف حادة مع بنطلونات ضيقة وإيشاربات (الصور من سان لوران)
TT

موسم باريس لخريف وشتاء 2023 ـ 2024... بين معانقة الماضي والثورة عليه

من عرض «لويفي» (لويفي) - تايورات بأكتاف حادة مع بنطلونات ضيقة وإيشاربات (الصور من سان لوران)
من عرض «لويفي» (لويفي) - تايورات بأكتاف حادة مع بنطلونات ضيقة وإيشاربات (الصور من سان لوران)

أكتاف حادّة وكأنها دروع، تايورات بتنورات مستقيمة، ربطات عنق نحيفة وإكسسوارات بعدد لا يضاهيه سوى تنوعها، واعترافات من مصممين بأنهم تقبّلوا أخيراً فكرة العودة إلى الماضي ليستقوا منه أفكاراً تناسب الحاضر، وبالنسبة للبعض لتلميع صورتهم.

أول إطلالة: تنورة مستقيمة وقميص مكرمش وربطة عنق (الصور من ديور) - من عرض «جيفنشي» (الصورة من جيفنشي)

هذه هي الصورة التي سادت أسبوع باريس لخريف وشتاء 2023 - 2024. نبش المصممون في أرشيفات قديمة وصاغوا منها تصميمات تلمس الواقع وتُعبر عنه بشكل أو بآخر وهم يؤكدون أنها ليست استنساخا بل استعارة. ماريا غراتزيا مصممة «ديور» عادت إلى الخمسينات، وأنطونيو فاكاريللو، مصمم دار «سان لوران» إلى أواخر السبعينات، كذلك جوناثان سوندرز، مصمم «لويفي»، وماثيو ويليامز، مصمم «جيفنشي»، وغيرهم. قد يكون الأمر هروباً من الواقع الحالي، كما قد يكون مجرد حنين إلى زمن كان فيه الإبداع على أشُدّه لنيل رضا امرأة خرجت لتوِّها من حرب عالمية، وأخرى خاضت حركات نسوية للتحرر من ذكورية المجتمع أو دخلت مجالات عمل كانت محرومة منها. خلال كل هذه التطورات كانت تحتاج إلى أسلحة تمنحها الثقة ودخول المنافسة بقوة.
هذا الحنين إلى التاريخ لم يتجلَّ في الأكتاف الحادّة فحسب، بل حتى في الديكورات. عرض «سان لوران» مثلاً استنسخ قاعة فندق إنتركونينتال التي كان الراحل إيف سان لوران يقيم فيها عروضه الحميمة، وعرض «لويفي» أقيم في قصر فينسين (شاتو دي فينسين)؛ القصر الذي سُجن فيه الماركيز دو ساد وشهد نهاية الجاسوسة الألمانية ماتاهاري، خلال الحرب العالمية الأولى.

اضطر ماثيو ويليامز للعودة إلى جذور الدار الكلاسيكية في هذه التشكيلة (الصورة من جيفنشي)

باختياره هذا القصر، بالرغم من بُعده عن وسط باريس، أراد المصمم أن ينغمس الحضور في هذا التاريخ، قبل دخول قاعة العرض التي شُيّدت في الحديقة على شكل صندوق أبيض. اعترف المصمم بأن كثيراً من التصميمات، ولا سيما الإكسسوارات، مستوحى من أرشيف الدار في السبعينات، وهو الأمر الذي قال إنه كان يرفضه رفضاً باتّاً منذ سنوات. الآن تغيَّر الوضع، فقد أصبحت للماضي وظيفة جديدة: «إنه بداية انطلاق»، وفق قوله. الشيء نفسه كان بالنسبة لديمنا مصمم دار «بالنسياغا» الذي كان مُرغماً على أن يعيد النظر في أسلوبه الصادم في هذه المرحلة الحرجة بالنسبة له.

من عرض «لويفي» (الصورة من لويفي)

لم يكن أمامه سوى الإذعان لفكرة العودة إلى الكلاسيكيات، بعد الجدل الذي أثار عليه غضب عدة جهات بسبب حملته الإعلانية الأخيرة التي ظهر فيها أطفال في أوضاع غير مريحة. حتى الأميركي ماثيو ويليامز الذي كان مُصرّاً على حقن دار جيفنشي بجرعة زائدة من الأسلوب «السبور»، اضطر لتقبُّل «بورجوازية» مؤسسها الراحل هيبار. عاد إلى أرشيفه واستلهم منه تصميمات شديدة الأناقة والرومانسية لم تغِب فيها لمسات «السبور» التي تُميز أسلوبه، لكنها، هذه المرة، شكّلت جسراً مقبولاً بين الماضي والحاضر، وهو ما شرحته الدار بقولها إن العرض كان «مفهوماً جديداً للأناقة يدمج الماضي بالحاضر، حيث تعود القصّات والتفاصيل القديمة بحُلّة تُرضي ذوق الجيل الجديد». أما كيف جسَّد المصمم الأميركي هذا الأمر، فبتشكيلة تطغى عليها الأحجام الكبيرة، والقصّات المفصّلة مع الأكتاف البارزة والخصر الضيّق، من دون أن ينسى الفستان الأسود الناعم الذي جاء بأطوال مختلفة.
بدورها عادت بنا المصممة ماريا غراتزيا تشيوري إلى الخمسينات؛ فترة شهدت فيها الدار مجدها وكتب فيها المؤسس كريستيان ديور فصلاً مثيراً أعاد فيه للمرأة أنوثتها التي سرقتها منها سنوات الحرب العالمية الثانية وما ترتَّب عليها من شُح الموارد، الأمر الذي اضطرها لاستعمال أقمشة رجالية خشنة وتنّورات مستقيمة. اللافت أن تشكيلة ماريا غراتزيا، هذه المرة، كانت بمثابة احتفال بأسلوب المؤسس الرومانسي وثورة عليه في الوقت نفسه. لم تستعمل مثله أمتاراً وفيرة من الأقمشة كما فعل هو لإخراج المرأة من حالة التقشف التي فرضتها عليها الحرب، ولا أكثرت من الموسلين والحرير والتافتا وغيرها من الأقمشة بشكلها وملمسها الناعم، ولا حتى أعادت إلينا تصميم الكريول بتنورته المستديرة، فهذه اقتصرت على فساتين السهرة والمساء أكثر. مع أول ظهور لعارضة بقميص أبيض يبدو مكرمشاً وتنورة مستقيمة بالأسود، تشعر بأنها عادت إلى أناقة فترة الحرب وليس بعدها.
ماريا غراتزيا تعرف أن الزمن لم يعد هو الزمن، والوضع الحالي يتطلب حسابات جديدة، قد يكون «التستُّر» فيها على الترف بمعنى تجنب استعراض الجاه، واحداً منها، الأمر الذي يفسر أنها تعمّدت أن تجعل الأقمشة المترفة تبدو قديمة ومكرمشة باستعمال تقنيات تدخل فيها خيوط من الـ«إينوكس» لتكتسب هذا المظهر. المصممة تعرف أيضاً أن المرأة الشابة تريد أزياء وإكسسوارات عملية للنهار، وهو ما لبَّته من خلال قطع متنوعة يبقى القاسم المشترك بينها تنورات مفصلة على الجسم وألوان الأبيض والأسود والرمادي مع قليل من الألوان بدرجات مطفية. كانت هناك أيضاً بنطلونات تبدو مريحة نسّقتها مع قمصان باللون الأبيض وربطات عنق بالأسود، في صورة تعكس القوة الناعمة للمرأة.
ولأن جاكيت «البار» جزء لا يتجزأ من جينات الدار لا يمكن تجاهله أو تجاوزه، فإنه لم يغِب في هذه التشكيلة، وإن جاء بطول أقصر من المعتاد، ما أكسبه روحاً ديناميكية وشبابية لم ينافسه فيها سوى «تيشيرت» كُتب عليه «لا أندم على أي شيء»، وهو عنوان أغنية إديث بياف الشهيرة Je ne regretted rien. الصورة اختلفت فيما يتعلق بالتصميمات الموجهة للمساء والسهرة، فهذه كانت احتفاء حقيقياً بأسلوب كريستيان ديور بتنّورات الكريول المستديرة والفساتين الرومانسية المتوهجة بألوان الأحجار الكريمة مثل أحمر الياقوت، وأخضر الزمرّد، ولون التوباز الأصفر، والأزرق. وطبعاً الأقمشة المترفة التي تتراقص فيها خيوط من الذهب والفضة. تقول الدار إن المجموعة بالنسبة للمصممة كانت «فرصة للتفكير في تلك العلاقة التي تربط الأزياء بالجسم، والموضة بالتعمق في الأسلوب الفرنسي»، وبالتركيز على ثلاث شخصيات استثنائية: كاترين ديور أخت المؤسس، والمغنية إديث بياف، والممثلة جولييت غريكو. سبب اختيارها هؤلاء النساء تحديداً أنهن لم يُجسّدن الصورة النمطية للجمال الكلاسيكي. كان كل واحدة منهن تتمتع بمواهب وشخصية قوية. تمرّدن وكافحن، وفي النهاية فرضن أنفسهن في مجالاتهن. ليس هذا فحسب، بل نجحن أيضاً في قلب معايير الأنوثة، وهو ما كان صعباً في مرحلة ما بعد الحرب. هذه التحديات تظهر على السطح حالياً، وكأن الزمن لم يُغيّر شيئاً، مثل تنامي الحركات النسوية المطالبة بحقوق لم تتحقق، مع أن هذه الحركات يجب أن تكون من «خبر كان»! معاناة المرأة، بالنسبة لماريا غراتزيا، لم تنته، فهي لا تزال تُكافح كي تحقق ذاتها وتفرض تميزها واختلافها، أما كيف جسدت كل هذا في 96 إطلالة، فمن خلال لمسات أنثوية قصّتها بلغة فيها تحدٍّ لمفهوم الأنوثة والذكورة، أو كما قالت الدار: «إنها تشكيلة مندمجة في الطابع المتمرّد، ومُفعمة بالقوة والرقّة في آن واحد».
طبعاً لا يكتمل أي عرض تقدمه ماريا غراتزيا تشيوري لـ«ديور»، من دون تعاون مع فنانة، فمنذ دخولها الدار منذ سبع سنوات، وهي تتبع هذا التقليد. هذه المرة، اختارت الفنانة البرتغالية جوانا فاسكونسيلوس لتصميم ديكور مكان العرض على شكل حديقة متفتحة بالألوان. أشكال ضخمة تبدو للوهلة الأولى ساذَجة، لكن الفنانة قالت إنها استوحتها من أرشيف الدار الفرنسية، وتحديداً من أخت المؤسس كاترين ديور، التي كانت عضواً في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي. الورد كان من الأشياء القليلة التي كانت تجعلها تحب الحياة وتتشبث بها. من شدة حبها للورود افتتحت محلاً لبيعها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. هذا الديكور بألوانه الفاتحة وأشكاله المتفتحة كان خلفية مناسبة خفّفت من صرامة اللونين الأسود والأبيض اللذين غلبا على التشكيلة.
في مساء اليوم نفسه، قدَّم أنطوني فاكاريللو لدار «سان لوران» ما يمكن القول إنه إحياء لأسلوب الراحل إيف سان لوران في السبعينات عندما أنّث التوكسيدو الرجالي وأدخله خزانة المرأة مثيراً بذلك جدلاً كبيراً في أوساط المحافظين، وثورة هلَّلت لها أوساط الموضة. لم تكن الأزياء وحدها التي عزَّزت مشاعر الحنين إلى الماضي، بل أيضاً أجواء المكان، بثريّاته الضخمة التي تتدلى من كل الجوانب وعلى مستوى منخفض. تشرح الدار أنها استلهمت الديكور من فندق الإنتركونينتال الذي كان يقيم فيه إيف سان لوران عروضه. على هذا الأساس استعان فاكاريللو برموز تلك الحقبة، مثل الثريات البرونزية التي كانت الإضاءة الوحيدة التي اعتمد عليها العرض، ليُضفي عليه الغموض والإثارة ويعيدنا إلى أجواء الصالونات الفخمة.
بدأ العرض وكانت الصورة مثيرة، بطلتها امرأة قوية تستعمل أزياءها كدروع في حرب تخوضها لفرض ذاتها. أهم ما في العرض أن القطع نفسها تكررت، ومع ذلك لم يُصب تكرارها بالملل، وهو ما يمكن اعتباره إنجازاً في وقت أصبح فيه التركيز على شيء واحد شديد الصعوبة. جاكيت بعد جاكيت، كلها بأكتاف حادّة وضخمة، وبعضها بأقمشة مقلّمة ومأخوذة من خزانة الرجل أو من الجلد. نسقها مع «تيشيرتات» بصدر مفتوح جداً وتنورات مستقيمة تلامس الركبة مع فرق سنتيمترات قليلة ـ أعلاها أو أسفلها، أغلبها بفتحات عالية في الجانب أو من الوسط. هذه أكثر القطع التي حدّدت التشكيلة، إضافة إلى إيشاربات نسّقها المصمم بشكل ذكي، فهي مرة تشدُّ كتف جاكيت من اليمين إلى الشمال بواسطة مشبك، ومرة تلعب دور فيونكة تزيِّن العنق، ومرة تلُفّ العنق لتتدلى من خلفه وكأنها شال أو ذيل طويل. تشرح الدار أن أنطوني كافاريللو «لم يحدّد موسم شتاء 2024 بتجسيد معين لشكل معين للمرأة، بل اختار استخلاص جوهر أسلوب سان لوران الكلاسيكي، الذي يمثّل مزيجاً جذاباً من الدقة والإحساس أضاف إليه إرثه الخاص لتقديم تصميمات مُعاد ابتكارها تواكب متطلبات العصر».
ما أكده العرض فعلياً أن هذا الموسم لم يكن عن الأزياء ولا الإكسسوارات فحسب، بل كان حالة زمنية بكل ما تتضمنه من مشاعر وتاريخ. ما أنقذ ماريا غراتزيا وأنطونيو فاكاريللو وجوناثان سوندرز وغيرهم من المصممين، من الوقوع في استنساخ القديم، أنهم أخذوا الأساسيات وترجموها بلغة تعكس احتياج المرأة إلى أزياء تخوض بها معركة جديدة في مرحلة صعبة، فهي أيضاً تعود إلى حركة بدأت في الستينات وترسخت في الثمانينات باقتحامها مجالات العمل بقوة.


مقالات ذات صلة

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول…

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.


خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.