ازدواجية معايير المناخ تعرقل عملية تحول واستدامة الطاقة

خبراء يؤكدون أنه لا يمكن الاستغناء عن استخدام منتجات البتروكيماويات في الحياة اليومية

مبادرة السعودية الخضراء نموذج لتوجه دول المنطقة حيال التغير المناخي (الشرق الأوسط)
مبادرة السعودية الخضراء نموذج لتوجه دول المنطقة حيال التغير المناخي (الشرق الأوسط)
TT

ازدواجية معايير المناخ تعرقل عملية تحول واستدامة الطاقة

مبادرة السعودية الخضراء نموذج لتوجه دول المنطقة حيال التغير المناخي (الشرق الأوسط)
مبادرة السعودية الخضراء نموذج لتوجه دول المنطقة حيال التغير المناخي (الشرق الأوسط)

منذ فترة قريبة أعلن الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي استثمار ما يصل إلى تريليون ريال (266.40 مليار دولار) في مجالات توليد الطاقة النظيفة، وفي أواخر العام الماضي، أعلنت دولة الإمارات عن استثمار 100 مليار دولار بالشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية لتنفيذ مشاريع طاقة نظيفة في البلدين ومختلف أنحاء العالم، الأمر الذي يعطي صورة واضحة عن توجه هذه الدول النفطية إلى تنويع اقتصاداتها ومصادر الطاقة فيها والقيام بدورها وواجبها في مواجهة انعكاسات تغير المناخ.
- مطالبة الإنتاج
وفي الوقت الذي تستعد فيه المنطقة لاستضافة مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ المعروف بـ«كوب 28» أواخر العام الحالي في دولة الإمارات، بدأت المطالبات التي تتهم قطاع النفط والغاز بالتسبب في مشكلات التغير المناخي، ووصلت تلك المطالبات للدعوة بوقف الإنتاج واستخدام تلك الموارد.
- تجاهل المسؤولية
يحمل النشطاء البيئيون فيما يتعلق بالتغير المناخي مجموعة من التناقضات والمعلومات الخاطئة، حيث تقوم دولهم بحرق الفحم الحجري على مدى قرون، وهو أكثر أنواع الوقود تسبباً بانبعاثات الكربون. وانتهت تلك الدول من إنجاز بنيتها التحتية الأساسية وتطوير اقتصاداتها، وبالرغم من ذلك يقوم بعض الناشطين البيئيين بالدعوة إلى وقف إنتاج النفط والغاز في دول نامية لا تزال تعمل على إنشاء بنيتها التحتية وبناء اقتصاداتها، حيث يمارس الناشطون البيئيون دعواتهم من خلال الوتر العاطفي في دعواتهم، متجاهلين عدم قدرة العالم على وقف إنتاج النفط والغاز بشكل فوري أو سريع دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار عالمي شامل.
وقال الدكتور خالد باطرفي الأستاذ في جامعة الفيصل السعودية: «هناك من يعمل على تسييس القضية، والتربح من ورائها. ويلقي كل طرف بالمسؤولية على الآخرين، كما فعل الغرب بتحميل الدول المنتجة للنفط مسؤولية تلويث الكون، وبالتالي المطالبة بتعويض المتضررين. كما استخدم الساسة الشعارات لكسب الأصوات، ولم ينفذوا أكثر وعودهم، خصوصاً عندما تصطدم بالمصالح».
وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» حول ذلك: «التناقض أيضاً يتجلى في مطالبة البلدان المنتجة بتخفيض الإنتاج والأسعار في نفس الوقت الذي يرفعون فيه إنتاجهم، ويفرضون الضرائب العالية على المستهلك، وفي مطالبتنا بإنشاء بنى تحتية مكلفة بنفس الوقت الذي يتسببون فيه بتخفيض دخلنا القومي بدفع المنتج والسعر إلى الحضيض».
وتابع الدكتور باطرفي: «رغم أننا لم نتضرر حتى الآن من الاحتباس الحراري، كما تضررت دول النصف الشمالي من الكرة الأرضية، كما رأينا هذا العام في صيف أوروبا وأميركا، فإننا جزء من هذا العالم، وما يصيبه يصيبنا. ومع أننا في دائرة الاتهام، ظلماً وتعسفاً، لمجرد أننا ننتج النفط، وأنهم يتناسون أنهم أكثر المستهلكين له، والمتسببون في الانبعاثات الكربونية، فإننا نسابقهم في اكتشاف الحلول، وتطبيقها على أرض الواقع. كما تفعل السعودية من خلال مبادرتي الشرق الأوسط الأخضر والسعودية الخضراء ومشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، والأمونيا الزرقاء. وباعتماد الطاقة المتجددة في مدنها الجديدة كـ«نيوم»، وتطوير المدن القائمة والبنى التحتية، كمشاريع «الداون تاون» لأكثر من عشر مدن.
وأكد باطرفي: «الغرب يطالب ويحاضر، والسعودية تعمل وتحقق، والفارق كبير بين أصحاب الإنجاز وأصحاب الشعارات».
- منتجات الحياة
وبما أن النفط يتجاوز في الوقت نفسه كونه مصدراً للطاقة، فإنه لا يمكن الاستغناء عن استخدام منتجات البتروكيماويات، بما فيها استخدامات البلاستيك في الأدوات والمعدات الطبية، والتحول الذي أحدثه في القطاع الطبي، وعلى سبيل المثال كانت الحقن الطبية القديمة مصنوعة من الزجاج، ويتطلب استخدامها غليها لمدة عشر دقائق لتعقيمها، في حين تستخدم اليوم الحقن البلاستيكية المعقمة مسبقاً لمرة واحدة، وقد أسهمت في سرعة إيصال العلاج وإنقاذ الأرواح، حيث تمت معالجة الحفاظ على البيئة في هذا الجانب من خلال إعادة التدوير، وعدم رمي المخلفات البلاستيكية في مكبات النفايات أو البحار.
ومن جانبه أكد المهندس عثمان الخويطر الخبير في مستقبل مصادر الطاقة أن البعض يحاولون التقليل من أهمية البترول، ويتنبؤون بقرب الاستغناء عنه. فأحياناً يمجدون ظهور ومستقبل المركبات الكهربائية، وأحيناً يباركون مصادر الطاقة المتجددة. ويغفلون الأهمية الكبرى للمواد الهيدروكربونية للصناعات البتروكيماوية التي تمد العالم بأنواع لا حصر لها من المنتجات الصناعية والاستهلاكية.
وقال المهنس الخويطر في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «معظم هياكل المركبات الكهربائية والتقليدية مصنوع من مواد بترولية، بالإضافة إلى تعبيد الطرق التي تسير عليها المركبات بالأسفلت البترولي».
- أين الحل؟
الوصول إلى حلول فعالة يتطلب تشخيصاً علمياً واقعياً للمشكلة، والواقع أن غازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري وارتفاع درجة كوكب الأرض تشمل: الميثان، وثاني أكسيد الكربون، وأكسيد النيتروز، والهيدروكلور وفلوروكربونات... وغيرها، ولهذه الغازات مصادر كثيرة، منها أنشطة الزراعة وتربية المواشي (الميثان)، والأنشطة الصناعية والمنزلية (الكربون)... وغيرها. أما عندما يكون تركيز بعض الناشطين على نوع واحد من الغازات كالكربون، وعلى قطاع واحد كالنفط والغاز، فهذا يدفع للتساؤل عن النوايا الحقيقية.
وفي هذا الجانب فإن السيارات الكهربائية تحتاج إلى بطاريات قابلة لإعادة الشحن، وتصنيع هذه البطاريات يحتاج إلى معادن مثل الليثيوم، وتعدين هذه المعادن يتسبب بخروج كمية كبيرة من الانبعاثات، وهنا يجب الأخذ في الاعتبار مصدر الكهرباء التي سيتم بها شحن تلك السيارات، والذي يدفع إلى التفكير في الدورة الصناعية والاقتصادية التي ستنشأ وعن مدى تسببها بالانبعاثات، ومن سيكون المستفيد اقتصادياً منها، في الوقت التي يتم فيه الترحيب بكل الخيارات والحلول، حيث تدعو الدول النفطية للاستثمار فيها واختبارها وتجربتها واعتماد الناجح منها ليتم نشره وتطبيقه على نطاق واسع.
- مؤتمرات الأطراف
ومع كل هذه التحديات والطروحات فإن الأنظار الآن إلى مؤتمر الأطراف المقبل الذي ستستضيفه الإمارات نهاية العام، وهو قيام صورة لما تقوم به دولة نفطية في الإعداد لحوار عالمي منطقي وهادئ حول تغير المناخ، مع اختيار الدكتور سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، لرئاسة تلك الدورة، والذي يمثل انعكاس للنظرة الواقعية، حيث يرأس الدكتور الجابر شركة النفط الوطنية في الإمارات (أدنوك)، حيث بدأ التركيز على خفض الانبعاثات في عمليات الإنتاج، كما أنه عمل على تأسيس شركة مصدر للطاقة المتجددة.
وكان الدكتور الجابر قد أكد في أكثر من مرة أن نظرة قيادة بلاده هي استثمار موارد قابلة للنضوب مثل النفط والغاز، بهدف بناء موارد مستدامة هي الطاقة المتجددة والنظيفة، وأن العالم يمر بمرحلة انتقالية تتطلب مزيجاً متنوعاً من مصادر الطاقة، وأنه يجب إنتاج المزيد من الطاقة بأقل انبعاثات ممكنة لضمان استمرار الحياة والنمو الاقتصادي والاجتماعي، وأن الإمارات تتبع منهجية الحوار والتعاون لتحقيق المصالح المشتركة.
واختيار الإمارات شخصية تعمل في دور فاعل ومؤثر في قطاعي النفط والطاقة المتجددة، هو اختيار هام لتقديم وجهة نظر بلدان الخليج العربي، وجميع الدول المنتجة للنفط حول العالم، لإثبات وجهة النظر بضرورة أن يكون النفط والغاز جزءاً من الحل في مجال العمل المناخي، مع رفع مستوى الوعي في الموضوعات المطروحة للنقاش في مؤتمرات الأطراف التي تقام تحت مظلة الأمم المتحدة.
وفي وسط كل هذه الحركات تظل المعادلة المتناقضة أصعب توازن يواجهه قطاع الطاقة العالمي، حيث تطلب الحكومات الغربية رفع إنتاج النفط والغاز لخفض الأسعار، وفي نفس الوقت يطالبون بوقف الإنتاج حفاظاً على البيئة.


مقالات ذات صلة

تركيا تؤكد أن التأثير المناخي للذكاء الاصطناعي ضمن أولويات «كوب 31»

العالم قمة «كوب 31» ستتناول المخاوف المتزايدة من صعود الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب) p-circle

تركيا تؤكد أن التأثير المناخي للذكاء الاصطناعي ضمن أولويات «كوب 31»

أعلنت تركيا، الاثنين، أن السعي إلى تحقيق «ذكاء اصطناعي مسؤول مناخياً» سيكون من أولويات قمة «كوب 31».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

من المقرر أن يلغي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، نصاً يُشكّل الأساس القانوني للتشريعات التي تُكافح انبعاث غازات الدفيئة في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (رويترز)

رئيس الوزراء الكندي يقر بأن بلاده لن تحقق أهدافها المناخية

أقر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مقابلة بثتها «راديو-كندا» العامة الثلاثاء، بأن البلاد لن تتمكن من تحقيق أهدافها المناخية لعامي 2030 و2050.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
الاقتصاد جانب من الجلسات في اليوم الختامي لمؤتمر المناخ «كوب 30» المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية (أ.ب)

مؤتمر المناخ يصل إلى محطته الأخيرة دون توافق في نسخة «كوب 30»

دخل مؤتمر المناخ «كوب 30»، المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية وسط غابات الأمازون، يومه الأخير على وقع توتر غير مسبوق.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
أميركا اللاتينية انتشر الدخان داخل وخارج المكان الذي يستضيف مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (أ.ف.ب)

علاج 13 شخصاً بعد استنشاق الدخان إثر حريق بمقر مؤتمر المناخ «كوب 30»

قال منظمون، في بيان، إن 13 شخصاً تلقوا العلاج من استنشاق الدخان الناجم عن حريق اندلع في المقر الذي ينعقد فيه مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالمناخ (كوب 30).

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))

التضخم البريطاني يقفز إلى 3.5 % مع ارتفاع أسعار الوقود قبيل الموازنة

شخص يشتري الخضراوات والفاكهة من أحد الأكشاك في سوق بوسط لندن (رويترز)
شخص يشتري الخضراوات والفاكهة من أحد الأكشاك في سوق بوسط لندن (رويترز)
TT

التضخم البريطاني يقفز إلى 3.5 % مع ارتفاع أسعار الوقود قبيل الموازنة

شخص يشتري الخضراوات والفاكهة من أحد الأكشاك في سوق بوسط لندن (رويترز)
شخص يشتري الخضراوات والفاكهة من أحد الأكشاك في سوق بوسط لندن (رويترز)

تواجه الحكومة البريطانية ضغوطاً متزايدة قبل إعلان موازنتها الأولى الأسبوع المقبل، مع ارتفاع التضخم بأكثر من المتوقع في سبتمبر (أيلول)، وتجاوز الدين العام 3 تريليونات جنيه إسترليني، إلى جانب استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض، في تطورات تزيد صعوبة الموازنة بين دعم الأسر المتضررة من ارتفاع الأسعار والالتزام بالقواعد المالية.

وأظهرت بيانات رسمية صدرت الأربعاء أن معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين ارتفع إلى 3.5 في المائة في سبتمبر، مقارنة بـ3.1 في المائة في أغسطس (آب)، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025. وجاءت القراءة أعلى من متوسط توقعات الاقتصاديين البالغ 3.4 في المائة، وفق استطلاع أجرته «رويترز».

وأرجع مكتب الإحصاء الوطني الارتفاع بصورة رئيسية إلى زيادة تكاليف الوقود، ولا سيما البنزين والديزل، في ظل صعود أسعار الطاقة المرتبط بالحرب الإيرانية. وكانت توقعات بنك إنجلترا الصادرة في يوليو (تموز) تشير إلى ارتفاع أقل للتضخم، إلى 3 في المائة.

ويأتي تسارع التضخم قبل أسبوع من إعلان وزير المالية جون هيلي موازنته الأولى، وسط توقعات باتخاذ إجراءات إضافية، لمساعدة الأسر الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة.

ضغوط الأسعار تتجاوز الوقود

لم يقتصر تسارع التضخم على أسعار الطاقة؛ إذ أظهرت البيانات ارتفاع تضخم أسعار الخدمات، الذي يعده بنك إنجلترا مؤشراً مهماً لقياس الضغوط الأساسية للأسعار، إلى 3.7 في المائة في سبتمبر، مقارنة بـ3.4 في المائة في أغسطس، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين البالغة 3.6 في المائة.

كما ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة والتبغ، إلى 2.8 في المائة، من 2.6 في المائة في الشهر السابق، متجاوزاً التوقعات أيضاً.

وقال مكتب الإحصاء الوطني إن تكاليف النقل، وخصوصاً وقود السيارات، كانت العامل الأكبر وراء ارتفاع التضخم. وأشار غرانت فيتزنر، كبير الاقتصاديين في المكتب، إلى استمرار ارتفاع التكلفة السنوية للمواد الخام وأسعار السلع الخارجة من المصانع البريطانية في سبتمبر، مدفوعة بزيادة أسعار النفط الخام والبنزين.

وبلغت أسعار الديزل في محطات الوقود البريطانية مؤخراً أعلى مستوياتها منذ يوليو 2022، بعد فترة وجيزة من بدء روسيا غزو أوكرانيا.

وتأثرت بريطانيا بالحرب أكثر من معظم الاقتصادات الغربية، بسبب اعتمادها الكبير على واردات الغاز الطبيعي، ما يزيد مخاطر انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى تكاليف المعيشة والإنتاج.

الاقتراض يتجاوز التوقعات

وفي مؤشر إضافي على الضغوط التي تواجه المالية العامة، اقترضت الحكومة البريطانية 24.52 مليار جنيه إسترليني في سبتمبر، مقارنة بـ22.76 مليار جنيه في الشهر نفسه من العام الماضي، وفق بيانات رسمية منفصلة صدرت الأربعاء. وجاء الاقتراض أعلى من متوسط توقعات الاقتصاديين البالغ 23.85 مليار جنيه، حسب استطلاع «رويترز»، مع ارتفاع الإنفاق على فوائد الدين.

وخلال الأشهر الستة الأولى من السنة المالية 2026- 2027؛ بلغ العجز 97.8 مليار جنيه، بانخفاض قدره 4.4 مليار جنيه مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ولكنه تجاوز بنحو 6 مليارات جنيه توقعات مكتب مسؤولية الموازنة، التي أُعدت قبل اندلاع الحرب في إيران.

كما تجاوز الدين العام البريطاني 3 تريليونات جنيه إسترليني (4.01 تريليون دولار) للمرة الأولى، حسب تقديرات مكتب الإحصاء الوطني. ومع ذلك، انخفضت نسبة الدين إلى حجم الاقتصاد مقارنة بمستواها قبل عام.

ويرى اقتصاديون أن هذه الأرقام تعزز احتمالات تقديم هيلي خططاً حذرة للإنفاق والضرائب والاقتراض في 28 أكتوبر، في ظل تقلص هامش المناورة المتاح للحكومة للالتزام بأهدافها المالية.

ارتفاع فوائد الدين يضيِّق الخيارات المالية

قفزت تكلفة فوائد الدين الحكومي البريطاني بنحو 17 في المائة في سبتمبر إلى قرابة 11 مليار جنيه إسترليني، مدفوعة جزئياً بارتفاع التضخم. وخلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى سبتمبر؛ بلغت هذه التكاليف 60.8 مليار جنيه، بزيادة تقارب 4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وارتفع إجمالي الإنفاق الحكومي بنسبة 7 في المائة في سبتمبر، في حين زادت الإيرادات الضريبية بنسبة 5.2 في المائة. ولكن خلال الأشهر الستة الأولى من السنة المالية، نما الإنفاق بوتيرة أقل قليلاً من نمو الإيرادات الضريبية.

ويتمثل الهدف المالي الرئيسي لهيلي في تحقيق التوازن بين الإنفاق اليومي والإيرادات الضريبية، بحلول السنة المالية 2029-2030.

ومن المتوقع أن يلجأ وزير المالية إلى زيادة الضرائب على البنوك، إلى جانب إجراءات أخرى، للمحافظة على المسار الذي يتيح للحكومة الوفاء بقواعدها المالية. غير أن ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي في أنحاء العالم منذ اندلاع الحرب أدى إلى تضييق هامش الأمان المتاح لتحقيق الهدف المالي الرئيسي.

وقال محللون لدى «كابيتال إيكونوميكس» إن ارتفاع الاقتراض بأكثر من المتوقع خلال الأشهر الأخيرة «يعزز وجهة نظرنا بأن وزير المالية سيقدم موازنة حذرة في 28 أكتوبر، لن يكون لها تأثير صافٍ يُذكر على الاقتصاد، وستؤجل أصعب الخيارات المالية إلى العام المقبل».

وتواجه الحكومة بذلك معادلة صعبة؛ إذ يزيد ارتفاع التضخم الضغوط لتقديم دعم إضافي للأسر الأقل دخلاً، في حين تحد زيادة الاقتراض وتكاليف خدمة الدين من قدرتها على توسيع الإنفاق دون اتخاذ إجراءات مالية أكثر تشدداً.


إندونيسيا تثبّت الفائدة وترفع عائد الإيداع لدعم الروبية

محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي لدى وصولها لحضور مؤتمر صحافي في المقر الرئيسي لبنك إندونيسيا في جاكرتا (رويترز)
محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي لدى وصولها لحضور مؤتمر صحافي في المقر الرئيسي لبنك إندونيسيا في جاكرتا (رويترز)
TT

إندونيسيا تثبّت الفائدة وترفع عائد الإيداع لدعم الروبية

محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي لدى وصولها لحضور مؤتمر صحافي في المقر الرئيسي لبنك إندونيسيا في جاكرتا (رويترز)
محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي لدى وصولها لحضور مؤتمر صحافي في المقر الرئيسي لبنك إندونيسيا في جاكرتا (رويترز)

أبقى البنك المركزي الإندونيسي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، الأربعاء، عند 5.75 في المائة، لكنه رفع سعر فائدة تسهيلات الإيداع لليلة واحدة، وأعلن عزمه خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي للمصارف على مراحل خلال نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول)، في مسعى لدعم الروبية وجذب التدفقات الأجنبية، وسط ضغوط على العملة وموجة هبوط حادة في سوق الأسهم.

وأبقى بنك إندونيسيا سعر إعادة الشراء العكسي لأجل سبعة أيام، وهو سعر الفائدة الرئيسي، عند 5.75 في المائة، بما يتوافق مع توقعات 15 من أصل 29 اقتصادياً استطلعت «رويترز» آراءهم. في المقابل، كان 13 اقتصادياً يتوقعون رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، بينما توقع أحدهم زيادة قدرها 50 نقطة أساس.

ورفع البنك سعر فائدة تسهيلات الإيداع لليلة واحدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 5 في المائة، بينما أبقى سعر تسهيلات الإقراض دون تغيير عند 6.50 في المائة.

وقالت نائبة محافظ البنك المركزي، ديستري دامايانتي، إن البنك سيخفض نسبة الاحتياطي الإلزامي للمصارف التجارية على مراحل في نوفمبر وديسمبر، كما سيقدم حوافز جديدة لبعض معاملات التحوط، بهدف جذب تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية ودعم الروبية.

وتأتي هذه الإجراءات بعدما تعرضت الأسهم الإندونيسية لموجة بيع حادة، إثر تحذير «إم إس سي آي» الأسبوع الماضي من احتمال خفض تصنيف السوق الإندونيسية إلى فئة «السوق المستقلة»، وهو ما أثار مخاوف المستثمرين وأدى إلى تراجعات قياسية في البورصة خلال جلستي الجمعة والاثنين. ووُصفت موجة الهبوط بأنها أشد من أي تراجع شهدته السوق خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1998.

وعقب إعلان القرار، تراجعت الروبية بنسبة 0.06 في المائة، لتواصل أداءها الضعيف، إذ تعد العملة الأسوأ أداءً بين عملات الأسواق الناشئة في آسيا هذا العام، بعدما فقدت أكثر من 7 في المائة من قيمتها أمام الدولار الأميركي.

وكان البنك المركزي قد رفع أسعار الفائدة بإجمالي 100 نقطة أساس عبر ثلاث زيادات بين مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، في محاولة للدفاع عن الروبية التي سجلت مستوى قياسياً منخفضاً في يونيو، تحت ضغط تراجع ثقة المستثمرين في أكبر اقتصاد في جنوب شرقي آسيا. ومنذ ذلك الحين، أبقى البنك سعر الفائدة الرئيسي مستقراً.

وتتزايد مخاوف المستثمرين بشأن استدامة الأوضاع المالية العامة في ظل خطط الإنفاق التي يتبناها الرئيس برابوو سوبيانتو، بما فيها الإعانات المكلفة للوقود التي تضغط على الموازنة، إلى جانب المخاوف المتعلقة باستقلالية البنك المركزي.


ارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي يُعيد مخاوف أزمة الديون إلى منطقة اليورو

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والين والجنيه الإسترليني والليرة التركية واليوان الصيني (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والين والجنيه الإسترليني والليرة التركية واليوان الصيني (رويترز)
TT

ارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي يُعيد مخاوف أزمة الديون إلى منطقة اليورو

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والين والجنيه الإسترليني والليرة التركية واليوان الصيني (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والين والجنيه الإسترليني والليرة التركية واليوان الصيني (رويترز)

تعيد الزيادة الحادة في تكاليف اقتراض حكومات منطقة اليورو إحياء المخاوف من تكرار أزمة الديون التي هزّت التكتل قبل 15 عاماً. لكنّ محللين ومستثمرين يرون أن الوضع لا يستدعي الذعر، مؤكدين أن البنوك أصبحت أكثر استعداداً لمواجهة الاضطرابات.

وأدت أوضاع المالية العامة الهشة في الماضي إلى نشوء ما يُعرف بـ«الحلقة المفرغة»، إذ تسببت الخسائر في حيازات البنوك من الديون الحكومية في إضعاف المقرضين، وأجبرت بعضهم على تلقي عمليات إنقاذ مدعومة من الدولة، ما زاد الضغوط على الموازنات العامة.

ويرى محللون أن تكاليف التمويل سترتفع، وأن نظرة الأسواق ستؤدي دوراً مهماً، في ظل استمرار تعرّض البنوك للأوضاع المالية في بلدانها. لكن المستثمرين والمحللين، إلى جانب بيانات جمعتها «رويترز»، يشيرون إلى أن هوامش رأس المال الرقابية وتشديد الإشراف المصرفي من شأنهما مساعدة البنوك على تجاوز الاضطرابات.

وقال كبير محللي القطاع المصرفي لدى وكالة «موديز» للتصنيفات الائتمانية، سايمون أينسوورث: «هناك حدود لما يمكنك فعله لعزل نفسك عن مخاطر الائتمان المحلي. تنطلق البنوك اليوم من وضع أفضل، لكنها ليست بمنأى عن المخاطر».

ومنذ أزمة الديون في العقد الثاني من القرن الحالي، أعاد التكتل هيكلة منظومة الإشراف المصرفي، ومنح البنك المركزي الأوروبي أدوات للتدخل، فيما عززت البنوك قدرتها على مواجهة الأزمات، بدعم من سنوات من الأرباح القياسية.

ومع ذلك، أسهمت المخاوف المتعلقة بالديون السيادية في هبوط أسهم البنوك الأوروبية بنسبة 10 في المائة خلال الأسابيع الستة الماضية، أي خمسة أمثال تراجع السوق الأوسع، وذلك بعد موجة صعود مطولة دفعت الأسهم إلى أعلى مستوياتها في 16 عاماً.

وبالنسبة إلى أكبر ثلاثة بنوك في فرنسا، بلغت الخسائر نحو 17 في المائة خلال الفترة نفسها.

وتقف فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، في قلب العاصفة، مع ارتفاع تكاليف ديونها إلى أعلى مستوياتها في 25 عاماً، وسط عجز كبير في الموازنة واضطرابات اجتماعية واقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، في وقت يتصدّر فيه مرشحو اليمين المتطرف واليسار المتطرف استطلاعات الرأي.

أصول آمنة

يُسمح للبنوك باحتساب السندات الحكومية ضمن أصولها على أساس أنها خالية من المخاطر. كما تُحتسب هذه السندات ضمن متطلبات السيولة الرقابية، وتُستخدم بوصفها ضمانات للاقتراض من البنوك المركزية ومقرضين آخرين.

وأظهر تحليل أجرته «رويترز» لبيانات الهيئة المصرفية الأوروبية أن صافي حيازات البنوك في منطقة اليورو من السندات السيادية تضاعف منذ الأزمة، ليصل إلى 4.3 تريليون يورو (4.8 تريليون دولار) في نهاية يونيو (حزيران).

غير أن هوامش رأس المال لدى البنوك ارتفعت بوتيرة أكبر، ما خفّض نسبة حيازاتها من السندات السيادية إلى رأس المال الذي تحتفظ به لتغطية الخسائر المحتملة إلى أقل من 2.5 مرة، مقارنة بـ2.7 مرة في عام 2013.

وكلما انخفضت هذه النسبة، زادت قدرة البنوك على تحمّل الخسائر الناجمة عن تراجع أسعار السندات السيادية.

وقدّر كل من كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أكسيوم ألتيرناتيف إنفستمنتس» ديفيد بنامو، واستراتيجية الأسهم لدى «ويزدوم تري» أنيكا غوبتا، أن انكشاف أكبر البنوك الفرنسية على الديون المحلية يتراوح بين 15 و30 في المائة من رأسمالها الأساسي الأعلى جودة.

ويقارن ذلك بأكثر من 100 في المائة لدى البنوك الإيطالية خلال عامَي 2011 و2012، عندما كانت إيطاليا في طليعة الدول المتأثرة بالأزمة، وفق أنيكا غوبتا.

ومع ذلك، فإن انخفاض أسعار السندات الحكومية، التي تتحرك عكسياً مع العوائد، قد يحمّل البنوك خسائر إذا اضطرت إلى تعديل القيمة الدفترية لسنداتها بما يتماشى مع أسعار السوق، أو إلى بيعها لتوفير السيولة النقدية.

وقد أخفقت حتى الآن مقترحات لإلغاء تصنيف السندات الحكومية بوصفها أصولاً خالية من المخاطر، أو لفرض حدود على تركز الحيازات. لكن المفوضية الأوروبية أدرجت مزيداً من التنويع في محافظ السندات السيادية ضمن الخطوات اللازمة لتعزيز القطاع المصرفي، ومن المقرر أن تعرض مقترحاتها في أوائل عام 2027.

الاحتفاظ بالسندات حتى الاستحقاق

حتى في غياب قواعد رسمية، حثّ البنك المركزي الأوروبي البنوك في منطقة اليورو على خفض انكشافها على ديون حكومات بلدانها.

وأظهر تحليل «رويترز» لبيانات الهيئة المصرفية الأوروبية أن السندات الحكومية المحلية شكّلت 41 في المائة من إجمالي حيازات السندات في منتصف عام 2026، مقارنة بأكثر من 50 في المائة في عام 2013.

كذلك، ضاعفت البنوك ثلاث مرات نسبة السندات التي تقيّمها بالتكلفة لتصل إلى 60 في المائة، وفق قاعدة محاسبية تتيح للمقرضين عدم تسجيل خسائر عند انخفاض أسعار السندات في السوق.

ومن خلال تصنيف السندات أصولاً مالية «محتفظاً بها حتى الاستحقاق»، تستطيع البنوك تجنّب تسجيل خسائر تستنزف رأس المال، ما لم تضطر إلى بيعها. وقال أينسوورث، من «موديز»، إن هذا الاحتمال تراجع، لأن المقرضين باتوا يعتمدون بدرجة أقل على التمويل قصير الأجل.

ومع ذلك، ترى المحللة لدى «مورنينغستار دي بي آر إس»، ماريا ريفاس، أن السؤال الأساسي بالنسبة إلى البنوك يتمثّل في كيفية نظر المستثمرين إلى المحافظ التي تتضمّن خسائر غير محققة، بصرف النظر عن المعالجة المحاسبية.

وقالت لـ«رويترز»: «إذا كان هذا وضعاً مؤقتاً، فمن المفترض ألا يؤثر بشكل كبير على معنويات المستثمرين. لكن إذا استمر لفترة طويلة، فقد يؤثر سلباً على نظرتهم إلى المخاطر».

آليات اجتازت اختبارات الأزمات

يتوقع الرئيس التنفيذي لبنك «بيرايوس» اليوناني، كريستوس ميغالو، مزيداً من التقلبات في سوق السندات الحكومية، لكنه يقلّل احتمالات تحولها إلى أزمة متفاقمة.

وقال لـ«رويترز» إن اليونان تسدّد ديونها حالياً بمتوسط أسعار فائدة أدنى بكثير من المستويات التي تقترض بها بريطانيا اليوم، في تحول كبير مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد، عندما كانت البلاد تتعافى من أزمة مالية وسلسلة من عمليات الإنقاذ.

وأضاف أن فرنسا، التي تتجه إليها الأنظار حالياً، تختلف أيضاً عن اليونان في تلك المرحلة، قائلاً: «فرنسا اقتصاد كبير جداً، ولذلك لديها الكثير من الأدوات التي يمكنها اللجوء إليها».

وتابع: «لدى الجهات الرقابية وصنّاع السياسات، وكذلك البنوك، آليات اجتازت اختبارات الأزمات، لضمان ألا نواجه، على الأرجح، مشكلة كبرى مماثلة مرة أخرى. ومن الواضح أننا نُجري اختبارات ضغط لمحافظنا الاستثمارية باستمرار».

ومع ذلك، يمكن لارتفاع عوائد السندات السيادية أن يضر بالبنوك بصورة مباشرة، من خلال زيادة تكاليف تمويلها، إذ تقترض البنوك عادةً بعوائد أعلى من تلك التي تقترض بها الحكومات.

وتُعد البنوك الفرنسية أكبر الجهات المصدرة لديون أسواق الجملة في الاتحاد الأوروبي، ولذلك فإن استمرار ارتفاع العوائد سيزيد «تكلفة الأموال في كل مرة تعيد فيها التمويل، وتتراكم هذه الزيادة بمرور الوقت»، وفق غوبتا من «ويزدوم تري».

ويتفق مسؤول سابق رفيع المستوى في الإشراف المصرفي، تحدّث إلى «رويترز» شريطة عدم الكشف عن هويته، مع هذا التقييم.

وأضاف أن البنوك تتنافس بصورة أكثر حدة على الودائع، في انعكاس لضغوط التمويل، مشيراً إلى أن آفاق القطاع ستعتمد في نهاية المطاف، جزئياً على الأقل، على نظرة الأسواق إليه.