ذوبان متسارع للجليد القطبي يهدد المناخ والاستقرار العالمي

تقلُّص رقعته يزيد من مخاطر تآكل الأراضي الساحلية

صورة تعود لعام 2020 تظهر تراجع الجليد بفعل الذوبان في القطب المتجمد الجنوبي (أ.ب)
صورة تعود لعام 2020 تظهر تراجع الجليد بفعل الذوبان في القطب المتجمد الجنوبي (أ.ب)
TT

ذوبان متسارع للجليد القطبي يهدد المناخ والاستقرار العالمي

صورة تعود لعام 2020 تظهر تراجع الجليد بفعل الذوبان في القطب المتجمد الجنوبي (أ.ب)
صورة تعود لعام 2020 تظهر تراجع الجليد بفعل الذوبان في القطب المتجمد الجنوبي (أ.ب)

يواصل الجليد البحري في القطبين الشمالي والجنوبي تحطيم الأرقام القياسية في تقلُّص رقعته. ومنذ بدء مراقبة جليد القطبين عن طريق الأقمار الاصطناعية، قبل أكثر من 40 عاماً، تُشير الصور الفضائية إلى تراجع مستمر ومتسارع في مساحة الجليد القطبي، اعتباراً من عام 2015. ويؤثّر ذوبان جليد القطبين على النظام المناخي العالمي، ويزيد من مخاطر تآكل الأراضي الساحلية، ويعزز الصراع بين الدول على الممرات المائية والموارد الطبيعية.

من جبال الجليد إلى المحيطات
يُشكّل الغطاء الجليدي في غرينلاند والقطب الشمالي والصفائح الجليدية في القطب الجنوبي ما مجموعه 99 في المائة من المياه العذبة في العالم. وفي حال ذوبان كميات الجليد هذه سيرتفع منسوب المحيطات عشرات الأمتار لتغمر المناطق المنخفضة، وتعيد رسم خطوط السواحل على كوكب الأرض.
وتُظهِر الدلائل التاريخية المتزايدة من الماضي الجيولوجي للأرض إمكانية ذوبان الصفيحتين الجليديتين كلتيهما بسرعة عند تغيُّر حرارة الكوكب لسبب أو لآخر. ويكون هذا الذوبان، عند نقاط تحوّل محددة، طاغياً لا رجعة عنه. ويختلف الوصول إلى هذه العتبات بشكل كبير بين القطبين، نتيجةً للتباينات الكبيرة في الغلاف الجوي والتيارات المحيطة بكل قطب، فضلاً عن بنية الطبقتين الجليديتين وحجمهما.
وعلى عكس القطب الشمالي، حيث يتبع معدّل فقدان الجليد البحري مساراً تنازلياً ثابتاً إلى حدٍ ما مع تسارع تغيُّر المناخ، يتأرجح الجليد البحري في القطب الجنوبي زيادةً ونقصاناً مما يحول دون معرفة آلية استجابة القارة القطبية الجنوبية والمحيطات حولها للاحترار العالمي. ومع ذلك، يوجد تناقص إجمالي في رقعة الجليد البحري في القطبين منذ بدء المراقبة عن طريق الأقمار الاصطناعية في عام 1979. ويبلغ معدّل تراجع الجليد 1 في المائة لكل 10 سنوات في القطب الجنوبي، في حين يصل إلى 12 في المائة في القطب الشمالي.
ويمكن اعتبار الصفيحتين الجليديتين جبالاً كبيرةً من الجليد تلتف فوق أرض قارّية (أنتاركتيكا) أو جزيرة عملاقة (غرينلاند). وفي الحالتين، يتحدر الجليد من هذه الجبال المتجمدة نحو البحار المحيطة عبر مئات من الأنهار الجليدية الضخمة.
وتكون المياه دافئةً بدرجة كافية في غرينلاند، بحيث تبدأ الأنهار الجليدية في الذوبان والتفكُّك. أما في القارة القطبية الجنوبية، حيث البحار أكثر برودة، فتدعم الأنهارَ الجليدية رفوف جليدية عائمة تساعد في كبح الجليد المتراكم خلفها، ما لم يبدأ ارتفاع حرارة الماء في خلخلة الرفوف ذاتها.
ويتعرّض القطبان لظاهرة تسمى «التضخيم القطبي» لتغيُّر المناخ بفعل ذوبان الجليد؛ فعندما يذوب الجليد بسبب ارتفاع درجات حرارة الغلاف الجوي والمحيطات، تزداد قتامة المياه أو الأرض الموجودة تحته، لتمتص المنطقة المكشوفة مزيداً من حرارة الشمس التي كان يعكسها الجليد الناصع البياض، ويؤدي ذلك إلى تسريع ذوبان الجليد.

الغطاء الجليدي في غرينلاند
خلال القرن الماضي، ارتفع مستوى سطح البحر بمقدار 20 سنتيمتراً نتيجة الاحترار العالمي، ومن المتوقع أن يؤدي ذوبان كامل الغطاء الجليدي في القطب الشمالي إلى رفع مستوى سطح البحر بنحو 8 أمتار. ورغم أن هذا السيناريو قد يستغرق ما لا يقل عن ألف عام، فإن السنوات القليلة الماضية تُشير إلى أن غرينلاند تمر فعلياً بتحوّل هائل قد تكون له عواقب وخيمة على كوكب الأرض.
فبين عامي 1992 و2018 ألقت غرينلاند ما يقرب من 4 تريليونات طن من الجليد المذاب في المحيطات، ويخشى باحثون في حال استمرار انبعاثات الكربون في الارتفاع أن يتجاوز ذوبان الجليد نقطة اللاعودة خلال عقود. ويعزز بحث نشرته دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» (Nature Communications) في فبراير (شباط) الماضي، هذه المخاوف، إذ تُظهِر محاكاة حاسوبية جديدة انعدام فرص تعافي رقعة الجليد في القطبين عندما يتجاوز الاحترار العالمي عتبة 1.8 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل النهضة الصناعية، وهو أمر قد يتحقق في غضون 35 سنة، وفق معدلات الانبعاثات الكربونية الحالية.
ويؤدي تراجع رقعة الجليد إلى امتصاص المحيط المتجمد الشمالي الطاقة، وإطلاق المزيد من الحرارة والرطوبة في الهواء، خصوصاً في فصل الخريف. ويمكن أن يؤثر هذا الجو الأكثر دفئاً ورطوبة على التيّار النفّاث، الذي يشكّل حزاماً من الرياح التي تدور حول الكرة الأرضية من الغرب إلى الشرق، ويجعله أكثر تموّجاً. وكلما زاد تموّج التيّار النفّاث نقصت سرعته، مما يساعد في تثبيت أنماط الطقس لفترة أطول. كما يمكن للتيّار النفّاث المتموّج أن يبث الهواء القطبي البارد في خطوط العرض الوسطى، والهواء الدافئ في المناطق القطبية.
وفي المحصلة، قد يتسبب ذوبان جليد في القطب الشمالي بموجات حر طويلة الأمد في المناطق الشمالية القريبة من القطب، وموجات باردة تمتد إلى المناطق القريبة من خط الاستواء، بالإضافة إلى فيضانات ناتجة عن الأمطار الغزيرة المستمرة، وحرائق للغابات عبر نصف الكرة الشمالي.
ومن ناحية أخرى، يؤدي ذوبان الجليد في القطب الشمالي إلى تآكل الشواطئ والمتحدرات البحرية في الدائرة القطبية على نحو أسرع، وهي أراضٍ ذات تربة متجمدة تُعرف بالتربة الصقيعية. ويعمل الجليد البحري كغلاف من البلاستيك الذي يغطي طبقاً من الحساء ويخفف من تأثير تموّجه، ومع ذوبان الجليد البحري يزداد أثر الأمواج، مما يجعل سواحل القطب الشمالي حسّاسة للتعرية بفعل الحت البحري والحراري.
ويشهد فصل الخريف أكبر انحسار لرقعة الجليد، وهو يصادف أيضاً هبوب أقوى العواصف. وبوجود مساحات كبيرة من المياه المفتوحة، يمكن للعواصف الكبيرة أن تلحق أضراراً واسعةً وتساهم في تآكل السواحل وفقدان الموائل الأرضية. وكان إعصار، خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، تسبب في عمليات إجلاء على الساحل الغربي لألاسكا، ونتجت عنه خسائر كبير في المباني والبنى التحتية، وعرّض مصدر رزق السكان للخطر.
وتعمل درجات الحرارة القطبية الأكثر دفئاً على إذابة الجليد الدائم، مما يحوّل الأرض الصلبة المتجمدة إلى تربة ناعمة ورطبة تتفتت بسهولة أكبر مع هجمات الأمواج. ويؤدي ذوبان الجليد الدائم أيضاً إلى زيادة الاحترار نتيجة إطلاق غازات الدفيئة المختزنة في التربة الصقيعية. وتُقدّر كمية هذه الغازات بنحو 1700 مليار طن من الكربون المكافئ، وهي تعادل ضعف كمية غازات الدفيئة الموجودة حالياً ضمن الغلاف الجوي.
ويمثّل القطب الشمالي نقطة جذب استراتيجية للعديد من الدول، لا سيما الولايات المتحدة وروسيا والصين؛ فالممرات المائية الناشئة عن ذوبان الجليد تعيد تشكيل خريطة النقل العالمي. وهناك مؤشرات لسعي الصين لإقامة «طريق الحرير القطبي» للتجارة بالتعاون مع روسيا. كما أن الجبال المحيطة ببلدة نارساك الريفية في جنوب غرينلاند تحتوي على ربع كمية المعادن الأرضية النادرة في العالم، التي يُحتمل أن تصل إلى مليار طن. وفعلياً، تستقر تحت الغطاء الجليدي لغرينلاند المعادن اللازمة لتشغيل التكنولوجيا الحديثة ومعظم نفط الكوكب غير المكتشف.

الغطاء الجليدي في أنتاركتيكا
تُشير قياسات سُمك الجليد في القطب الجنوبي إلى أن ذوبانه كاملاً سيرفع مستوى سطح البحر بمقدار 57 متراً. ويمثّل الغطاء الجليدي الأكثر برودة في شرق القارة المخزون الأكبر للمياه العذبة على كوكب الأرض؛ ففيه من الجليد ما يكفي، لو ذاب وحده، لرفع مستوى سطح البحر 52 متراً.
وتعمل مياه المحيط الدافئة على إضعاف الجوانب السفلية للرفوف الجليدية التي تدعم الأنهار الجليدية في شرق القطب الجنوبي، وبشكل خاص «جليدية ثويتس» التي توصف بأنها «جليدية يوم القيامة». وخلال العقدين الماضيين، ألقت «جليدية ثويتس» بنحو تريليون طن من الجليد المذاب في البحر. ويعتقد علماء أن هذه «الجليدية» في مرحلة انهيار لا رجعة عنه، مما يهدد برفع مستوى سطح البحر بأكثر من 3 أمتار.
وبينما كان تركيز العلماء لعقود من الزمن على «جليدية ثويتس» والغطاء الجليدي في غرب القطب الجنوبي، كشفت الخرائط المحسّنة للقارة عن تعرّض أجزاء كبيرة من الغطاء الجليدي البحري في شرق أنتاركتيكا لغياب الاستقرار. وفي حين تبدو الأنهار الجليدية الممتدة عميقاً في شرق القارة بعيدة جداً عن الوصول إلى نقطة تحول حالياً، فإن استمرار احترار المحيطات وتغلغل المياه الدافئة عميقاً تحت الرفوف الجليدية الحاملة قد يؤديان في نهاية المطاف إلى زعزعة استقرارها.
وتسجّل مساحة الجليد البحري في القطب الجنوبي مستويات قياسية منخفضة للمرة الثانية خلال عامين، وسط قلق العلماء من أن انحسار رقعة الجليد إشارة واضحة إلى مدى تأثير تغيُّر المناخ في هذه المنطقة الشاسعة والمعقّدة والمعزولة. ويمثّل شهر فبراير (شباط) في عامي 2022 و2023 الفترة الوحيدة التي انخفضت فيها مساحة الجليد البحري في القطب الجنوبي إلى أقل من مليوني كيلومتر مربع منذ بدأت الأقمار الاصطناعية في الرصد.
ويترك ذوبان جليد أنتاركتيكا أثره على الحياة البريّة، بما فيها الكائنات الحيّة الدقيقة والطحالب التي تدعم السلاسل الغذائية، مثل قشريات الكريل التي تغذي بدورها الحيتان في المنطقة. كما تعتمد طيور البطريق والفقمات على الجليد البحري من أجل التغذية والراحة.
أصبحت هشاشة الجليد البحري والأنهار الجليدية في القطبين الشمالي والجنوبي مسألة محسومة لدى العلماء. وتبقى التساؤلات الكبرى: متى يصل ذوبان الجليد في القطبين إلى نقطة التحوّل التي لا رجعة عنها؟ وهل سيصمد جليد القطبين إلى حين تحقيق الانبعاثات الصفرية وباقي الأهداف المناخية الموعودة؟



«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)

تواصل موجة حر شديدة اجتياح غرب أوروبا، متسببة في وفاة أكثر من 40 شخصاً في فرنسا وحدها، وذلك بفعل ظاهرة جوية تعرف باسم «حاجز أوميغا».

إليك ما ينبغي معرفته عن ظاهرة «حاجز أوميغا» وما إذا كان تغيّر المناخ يعني أنها قد تصبح أكثر تواتراً في السنوات المقبلة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

ما ظاهرة «حاجز أوميغا»؟

تستمد الظاهرة الجوية اسمها من شكل الحرف اليوناني Ω، وتنحصر فيها كتلة مستقرة من الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع بين نظامين من الضغط المنخفض الأكثر برودة.

ويشير عنصر «الحجز» إلى كيفية احتجاز منطقة الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع. ففي الظروف العادية، ينقل التيار النفاث الأنظمة الجوية بثبات من الغرب إلى الشرق.

ولكن خلال حدوث ظاهرة «حاجز أوميغا»، يتعطل هذا التدفق وقد ينحرف بنحو كبير شمالاً وجنوباً؛ ما يؤدي إلى عزل أنظمة الضغط. ويسهم ضعف الرياح والتباينات في درجات حرارة الغلاف الجوي في ظهور هذه الأنماط المستقرة بطيئة الحركة.

ونتيجة ذلك، يستقر الهواء الساخن فوق المنطقة نفسها. وعادة ما تستمر ظاهرة «حاجز أوميغا» ما بين ثلاثة إلى عشرة أيام، لكنها قد تستمر أسابيع.

امرأة تستخدم مظلة لحماية نفسها من الشمس في أثناء سيرها في شارع أكسفورد حيث تشهد بريطانيا درجات حرارة قياسية... لندن يوم 23 يونيو 2026 (رويترز)

ماذا يحدث خلال «حاجز أوميغا»؟

أسفل منطقة الضغط المرتفع في الوسط، تصبح الأحوال الجوية حارة وجافة. ويمنع الضغط المرتفع أيضا تشكّل السحب؛ ما يؤدي إلى سماء صافية ومشمسة تسمح بارتفاع درجات الحرارة.

وهذه الظروف هي التي تسبب موجة الحر الشديدة في فرنسا وإسبانيا حيث تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تشهد المناطق الواقعة في مناطق الضغط المنخفض المحيطة بموجة الحر ظروفاً أكثر برودة وأمطاراً.

وتقع بريطانيا على الحدود بين نظام الضغط المرتفع والهواء الأكثر برودة في شمال الغرب. ويقول مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إن ذلك يؤدي إلى حرارة شديدة في الجنوب والشرق، وظروف أكثر برودة ورطوبة في الشمال والغرب.

هل تغيّر المناخ هو السبب؟

لم يتفق العلماء بعد على كيفية تأثير تغيّر المناخ على تواتر ظواهر الحواجز الجوية مثل «حاجز أوميغا».

ومع ذلك، فإن الإجماع العلمي العالمي يؤكد أن تغيّر المناخ يزيد من تواتر موجات الحرارة وشدتها.

وأدت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، الناجمة في الأساس من حرق الفحم والنفط والغاز، إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بنحو 1.3 درجة مئوية منذ عصر ما قبل الثورة الصناعية.

ويعني هذا الارتفاع في درجة الحرارة أن موجات الطقس الحار تصل إلى درجات حرارة أعلى.

وقالت كلير بارنز، الباحثة المشاركة في مجال الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة في «إمبريال كوليدج لندن»، إن أوروبا تشهد حالياً موجات حرارة أعلى بمقدار درجتين إلى 4 درجات مئوية عما كانت لتصبح عليه لولا الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية.

ونتيجة ذلك، عندما تحدث ظواهر مثل «حاجز أوميغا»، قد تكون الحرارة الناتجة أشد بنحو ملحوظ.


علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)
TT

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)

ما أتعس الحشرة التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

فعندما يدفعها حظها العاثر لملامسة تراكيب شبيهة بالشعيرات على جسم هذا النبات العجيب، سرعان ما يطبق عليها بأوراق تشبه الفك المفترس، ثم يفرز أنزيمات تساعده على الهضم.

وتمكن العلماء الآن من كشف الآلية الفيزيائية الكامنة وراء إطباق النبات أوراقه على الحشرات.

وقال باحثون إن التجارب أظهرت أن انغلاق مصيدة نبتة «فينوس» يبدأ بتليين سريع يحدث في جدران الخلايا في الطبقة الخارجية للمصيدة، وهي عبارة عن ورقة متحورة بدرجة كبيرة وممتدة في شكل فصين يشبهان فكين تبرز منهما أسنان.

وعلى مدى أكثر من قرن، كانت الفرضية السائدة تفيد بأن انغلاق المصيدة يحدث بفعل إعادة توزيع سريعة للماء داخل الورقة؛ إذ ينتقل الماء بين الخلايا مسبباً انتفاخاً في أحد جانبَي الورقة. لكن البحث الجديد يشير إلى آلية بيولوجية مختلفة.

وقال الفيزيائي يوئيل فورتير، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس) وجامعة إيكس مارسيليا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت الخميس في مجلة «ساينس»: «أحد أشهر النباتات في العالم لا يزال قادراً على إدهاشنا. فبعد أكثر من قرن من البحث، ما زلنا نكتشف أشياء جديدة جوهرية حول طريقة عمله». وينمو هذا النبات الصغير المفترس في منطقة محدودة من ولايتَي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا في الولايات المتحدة. وكغيره من النباتات المفترسة التي تتغذى على اللحوم، ينمو النبات في بيئات فقيرة محرومة من العناصر الغذائية، ويعوض ذلك باصطياد الحشرات وهضمها.

وفي تجارب أُجريت في مرسيليا، استخدم الباحثون أدوات من بينها تقنية التصوير عالي السرعة وتطبيق القياسات الميكانيكية للطبقة الخارجية للنبات. كما أجروا قياسات لانتقال الماء داخل أنسجة النبات من أجل استبعاد كونه سبباً مؤثراً في عملية انغلاق المصيدة.

وقال فورتير: «تستخدم النبتة شعيرات حساسة متخصصة على السطح الداخلي للمصيدة. عندما تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، تحدث عملية الانغلاق. ويمكن أن يحدث الانغلاق في غضون بضعة أجزاء من الثانية».

وأضاف: «تفترض نظريتنا أن المصيدة تكون مشدودة ميكانيكياً مسبقاً، تماماً مثل الملف المعدني (الزنبرك). وعند تحفيز المصيدة، تلين جدران خلايا الطبقة الخارجية بسرعة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة تقريباً، مما يعني أن جدار الخلية يصبح أكثر مرونة. من شأن ذلك أن يحرر الضغوط الداخلية المخزنة في الأنسجة، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وحدوث الانغلاق. ويحدث هذا التليين في غضون ثانية واحدة تقريباً».

وبمجرد أن تنغلق المصيدة، تُحتجز الحشرة في الداخل لتبدأ عملية هضمها. وبعد أن تمتص النبتة السائل الغني بالعناصر الغذائية الناتج عن عملية الهضم، يُعاد فتح المصيدة من جديد.


علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

وكان السهل الخصب الواقع بين الفرات وجاره ورفيقه في رحلة أبدية، نهر دجلة، مهداً لواحدة من أعرق الحضارات البشرية.

وبالرجوع إلى الزمن السحيق، لأبعد بكثير من عصر هذه المراكز الحضرية العظيمة التي نشأت قبل آلاف السنين، تمكن باحثون من فك الشفرة ومعرفة السر وراء تشكل نهر الفرات لأول مرة.

واستناداً إلى صور زلزالية لرواسب مدفونة وبيانات أخرى، قالوا إن نهر الفرات ظهر إلى الوجود على ما يبدو منذ ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة عندما اندمج نظامان نهريان سابقان بسبب النشاط التكتوني في جبال طوروس بجنوب تركيا حالياً. ونهر الفرات هو أطول نهر في جنوب غربي آسيا ويمتد لنحو 2800 كيلومتر، إذ ينبع من تركيا، ويتدفق عبر سوريا والعراق قبل أن يصب في الخليج. وتشمل المدن الحالية على ضفاف نهر الفرات بيرجيك في تركيا والرقة في سوريا والرمادي والفلوجة والناصرية في العراق. ومن بين المدن القديمة على نهر الفرات أيضاً أور وماري.

غروب الشمس فوق نهر الفرات في الرقة شرقي سوريا، 30 أكتوبر 2013. (رويترز)

ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لمدة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضاً. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.

صياد يلقي شباكه في نهر الفرات بالفلوجة غربي بغداد، 2 مايو 2008. (رويترز)

واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات، وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت عندما جفت أجزاء كبيرة من البحر، وهو حدث يعرف باسم «أزمة الملوحة الميسينية». وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حالياً في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا، ويصبان في حوض البحر المتوسط.

قارب صيد على ضفاف أحد فروع نهر الفرات في ضواحي الحلة وسط العراق (أ.ف.ب)

ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، بينما انضم إليه لاحقاً سلف نهر قره صو، وقالوا إن هذا شكّل نظاماً نهرياً واحداً قوياً وهو نهر الفرات.

وكانت إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. ومن خلال هذا التصوير الزلزالي، تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.

وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية «نيتشر جيوساينس» برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون: «هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو، أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط، وتحولت إلى صخور».

سكان يسيرون وسط أراضٍ زراعية غمرتها مياه نهر الفرات قرب دير الزور السورية، 29 مايو 2026. (أسوشيتد برس)

وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.

وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.

وقال لانج: «لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية، واندمجا معاً لتشكيل ما يُعْرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول».

وأضاف: «اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة».

ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: «كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غرباً نحو كولومبيا وبيرو حالياً باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي».