مصر تعد العالم باحتفال لا ينسى في افتتاح قناة السويس الجديدة

خطط أمنية محكمة واستعدادات مكثفة.. وعملات تذكارية ذهبية في استقبال الضيوف

وضع اللمسات الأخيرة على قناة السويس الجديدة قبل أسبوع واحد فقط من حفل الافتتاح المقرر الخميس المقبل (أ.ب)
وضع اللمسات الأخيرة على قناة السويس الجديدة قبل أسبوع واحد فقط من حفل الافتتاح المقرر الخميس المقبل (أ.ب)
TT

مصر تعد العالم باحتفال لا ينسى في افتتاح قناة السويس الجديدة

وضع اللمسات الأخيرة على قناة السويس الجديدة قبل أسبوع واحد فقط من حفل الافتتاح المقرر الخميس المقبل (أ.ب)
وضع اللمسات الأخيرة على قناة السويس الجديدة قبل أسبوع واحد فقط من حفل الافتتاح المقرر الخميس المقبل (أ.ب)

قبل أسبوع واحد فقط من حفل الافتتاح المقرر لقناة السويس الجديدة، الذي يجري الخميس المقبل، تشهد مصر استعدادات مكثفة على كل المستويات لاستقبال الحدث، الذي وصفته دوائر سياسية محلية ودولية بأنه سيكون الأكبر في الأجندة المصرية منذ انطلاق الألفية الثالثة.
وشهدت القناة يوم السبت الماضي تشغيلا تجريبيا بمرور ثلاث سفن عملاقة للمجرى الملاحي الجديد، بينما تستعد كل محافظات مصر لاحتفالات موازية للحفل الرئيسي الذي سيقام على ضفة القناة، بينما أكدت مصادر على صلة بالاحتفالية أن موانئ وسفن العالم ستطلق أبواقها في نفس التوقيت بالتزامن مع افتتاح القناة، احتفالا بهذا الإنجاز التاريخي.
وبالأمس أعلن الفريق مهاب مميش، رئس هيئة قناة السويس، في مؤتمر صحافي عن انتهاء عمليات الحفر في قناة السويس الجديدة، مشيرا إلى أن القناة أصبحت جاهزة الآن لاستقبال أضخم السفن والحاويات، وخدمة الملاحة العالمية. كما أكد أن «قناة السويس آمنة تمامًا لعبور جميع أنواع السفن، بعد تجهيزها بأعلى درجات الأمان وتدريب المرشدين على اصطحاب السفن العملاقة لتعبر من القناة».
وقال مميش بهذا الخصوص: «نحن الآن أوفينا بالوعد، فقد وعدنا أن ننجز المشروع خلال عام، وها نحن الآن على أعتاب الاحتفال لافتتاح المشروع»، مؤكدًا أن قناة السويس «تشكل هدية مصر للعالم لأنها ستخدم جميع دول العالم.. لقد استطعنا القضاء على فترات الانتظار في القناة، والآن ستصل جميع البضائع والوقود أسرع لكل مكان في العالم».
وتستعد الحكومة المصرية بكل أجهزتها للحدث الهام، حيث تشهد مختلف الوزارات حالة استثنائية ليكون افتتاح القناة على «أكمل وجه». وبهذا الخصوص قال مصدر حكومي مسؤول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأحداث من هذا النوع وهذا الحجم لا تجري كل يوم، ومصر مُصرّة على خروج الحدث الأبرز في الألفية الجديدة بأفضل ما يمكن، لأن الأمر يتعدى اهتمام الإدارة المصرية بمشروع القناة، وهو إنجاز تاريخي في حد ذاته، لكنه يحمل رسائل سياسية واقتصادية لا تقل أهمية عن دور مصر، وقدرتها على تنفيذ خططها وطموحاتها المستقبلية واستقلاليتها في قراراتها».
ورغم ما تشهده مصر من «قلاقل أمنية متفرقة» منذ أكثر من عامين، فإن المسؤول الحكومي أكد أن «الوضع بأكمله تحت السيطرة، وسيرى العالم أن مصر قادرة على تحقيق مفاهيم الأمن، وأن التهديدات الإرهابية رغم خطورتها العالمية، لكنها لا ولن تستطيع هدم الدولة المصرية أبدا».
وقبل يومين، أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري في لقاء مع إعلاميين غربيين في القاهرة أن مصر قادرة على حماية القناة وتأمين الملاحة فيها، مشيرا إلى ثقة المجتمع الدولي في هذه القدرة، وأنه من المتوقع مشاركة دولية في احتفالية افتتاح القناة، ما يعزز نظرة الثقة الدولية في مصر. كما أوضح أهمية هذا المشروع والمردود الإيجابي المتوقع له على المستوى الاقتصادي والتجاري محليا وإقليميا ودوليا.
وتأتي إشارات وزير الخارجية في وقت أكدت فيه مصادر أمنية وعسكرية لـ«الشرق الأوسط» أن «خطط تأمين الحفل انطلقت بالفعل قبل التشغيل التجريبي، وأن الحفل سيكون مؤمنا بشكل كامل، سواء على مستوى الشخصيات أو الفعاليات أو الوضع العام في كل محاور الجمهورية».
وفي السياق الاحتفال بهذا الحدث الكبير، أعلن وزير المالية المصري هاني قدري دميان أمس عن موافقة مجلس الوزراء على طلب هيئة قناة السويس سك إصدار تذكاري، على شكل قطع ذهبية من عيار 21 وبأوزان مختلفة، وذلك بمناسبة افتتاح القناة الجديدة، على أن تحمل على وجهها الأول شعار قناة السويس الجديدة، بجانب عبارة «قناة السويس الجديدة من مصر للعالم أجمع»، بينما يظهر على الوجه الآخر تصميم هندسي لسفينتين متقابلتين تعبران القناة على مجسم للكرة الأرضية، ترمز لازدواج الممر الملاحي للقناة، وتأثير ذلك الإيجابي على حركة الملاحة الدولية.
كما أشار دميان إلى توجه لإصدار جنيه معدني للتداول محليا يحمل التصميم الجديد لقناة السويس وتاريخ الافتتاح حتى يتمكن جميع المواطنين من الاحتفاظ بهذه العملة التذكارية لتخليد يوم عظيم من أيام مصر. وأكد الوزير أن مشروع تنمية محور قناة السويس، الذي يعد ازدواج القناة أحد عناصره الرئيسية، سيعزز من إمكانيات الاقتصاد المصري على مدى أكثر من 500 سنة. كما أن تطوير القناة سيسهم في زيادة نصيب مصر من حركة التجارة العالمية، وذلك من خلال زيادة عدد السفن والناقلات العابرة للقناة، وجذب سفن الحاويات العملاقة من الجيل الرابع، التي تعبر الآن القناة الجديدة للمرة الأولى، إلى جانب القضاء على فترات الانتظار لعبور القناة، وتخفيض زمن العبور، وهو ما تتوقع معه هيئة القناة زيادة عوائدها المباشرة من نحو 5 مليارات دولار حاليًا، إلى نحو 13 مليار دولار تدريجيًا خلال السنوات الثماني القادمة. وحول آخر مستجدات الاحتفالية، قال الدكتور سامي عبد العزيز، عضو اللجنة المنظمة لحفل افتتاح قناة السويس الجديدة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن الآن نضع اللمسات الأخيرة لملامح الاحتفال الكبير، الذي سيعتمد على الطابع المصري الأصيل، مع وجود لمسة عالمية، سواء من حيث الإخراج أو عرض أوبرا عايدة ليلة الافتتاح».
وعن تكاليف إقامة الحفل، وبعض الأصوات التي تحدثت عن وجود أعباء على خزينة الدولة، أكد الدكتور عبد العزيز أن «مصدر تمويل الحفل بشكل مباشر وأساسي هو الشركات التي شاركت في عمليات الحفر، سواء العالمية أو العربية أو المحلية، إلى جانب دعم سخي للغاية من رجال الأعمال والمواطنين المصريين، إضافة إلى الدعم اللوجيستي الذي تقدمه مؤسسات الدولة كافة»، نافيا بشدة أن تكون خزينة الدولة تحملت أي جزء من الأعباء، بقوله إن «كل التكاليف عبارة عن دعم ورعاية».
وعن الإشادة الإعلامية الدولية خلال اليومين الماضيين بالمشروع، عقب التشغيل التجريبي، رأى الدكتور عبد العزيز، عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق، أن «مشروع قناة السويس ليس مجرد حفر مجرى أو ممر مائي، بل هو عبارة عن نموذج للأداء المتكامل الملتزم، فقناة السويس الأساسية حفرت في 10 سنوات، لكننا الآن نتكلم عن 8760 ساعة فقط لحفر القناة الجديدة. وما حدث في الحفر هو بمثابة تحقيق الوعد كاملا».
وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد وعد عند الإعلان عن المشروع بتنفيذه في غضون عام واحد، بما يسمح بازدواجية حركة الملاحة في قناة السويس بأكملها.
ويوضح عبد العزيز أن «المقاييس التي نفذ بها المشروع، وأرقامه القياسية، تغير من صورة مصر لدى الأجانب، من حيث الاحتراف والالتزام والدقة، وهي مقاييس ربما كان العالم لا يرها لدينا، وكان انطباعه في هذه المناحي ليس جيدا. لكن اليوم غيرنا صورة مصر، بدليل أن صحيفة (التايمز) خصصت عددا كاملا عن القصة، وكذلك هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وغيرها، وهؤلاء بالتأكيد لا يرسلون مجرد رسائل طمأنة أو إملائية، بل يتحدثون على أرض الواقع، ولذلك أقول دائما إن الإنجاز الحقيقي الكبير يفرض نفسه ولن يكابر فيه أحد».
من جهته، أكد عضو اللجنة المنظمة أنه سيتم نقل الاحتفال عن طريق 80 كاميرا منتشرة في أرجاء القناة الجديدة، وأنه تم الاتفاق على بث فعاليات الاحتفال على الهواء مباشرة في شوارع لندن وموسكو وباريس، مشيرا إلى أن مجلة «الإيكونمست» ستصدر عددا خاصا عن القناة يوم افتتاحها بعنوان «هدية مصر للعالم»، وذلك بمبادرة من المجلة نفسها، كما أوضح مشاركة ما يقرب من 1300 شخصية في حفل تنظيم افتتاح القناة الجديدة، ووجود عدد هائل من الإعلاميين ووكالات الأنباء الأجنبية التي ستحضر حفل الافتتاح.
وعن الشخصيات الكبرى التي يتوقع حضورها، أشار الدكتور عبد العزيز إلى أن «هناك دعوات وجهت إلى مختلف دول العالم لحضور الزعماء، لكن لم تصل إلينا معلومات بعد عن أي تأكيدات لأن الرئاسة المصرية هي من يتولى الموضوع بصورة مباشرة، وكل الاتصالات تتم عن طريقها». وفي هذا السياق، أعلنت الخارجية الصينية أمس أن لوه شو غانغ، وزير الثقافة الصيني، سيحضر حفل الافتتاح كمبعوث خاص من الرئيس الصيني شي جين بينغ، وذلك بناء على دعوة من الرئيس السيسي.
ومن جانبه، أكد آموس هوكستين، المبعوث الخاص ومنسق شؤون الطاقة الدولية بوزارة الخارجية الأميركية، أهمية قناة السويس الجديدة، موضحا أنها ستشكل إضافة مهمة تسهم في خفض الأسعار الخاصة بنقل النفط العالمي، وهو الأمر الجيد والإيجابي لمصر والعالم. وقال هوكستين، وهو أحد كبار مستشاري وزير الخارجية الأميركي جون كيري، خلال لقاء مع عدد من الصحافيين المصريين، إن مصر تمكنت بفضل القيادة والعمل الفعلي من تجنب الأزمات التي كانت تواجهها في السنوات الماضية، مشيرا إلى أن الوضع كان أفضل هذا الصيف في مختلف المجالات، خصوصا ما يتصل منها بالطاقة.
وأكدت السفيرة ميرفت تلاوي، رئيس المجلس القومي للمرأة في مصر، أن العالم بأسره «يترقب افتتاح القناة الجديدة، وأنها تعد تجسيدا حيا لملحمة شعب وقائد حكيم». وقالت في تصريح إعلامي أمس إن «المصريين يوجهون رسالة إلى العالم مفادها أننا صامدون وقادرون على الإنجاز والبناء، مهما كانت التحديات التي تواجهنا.. وقادرون على تخطي كل العقبات»، مؤكدة أن قناة السويس الجديدة تعد استثمارا حقيقيا في مستقبل مصر، ومشروعا قوميا سيجلب الخير على البلاد ويحقق التنمية التي ينشدها المصريون جميعًا شأنها شأن السد العالي.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.