شيراك حذّر بوش من إطاحة صدام... ورايس اشترطت «رحيله» لمنع الحرب

السفير موريس غوردو مونتاني يكشف بعض أسرار حرب الخليج الثانية واستقبال باريس للخميني... ومنبع الأزمة الأوكرانية

بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)
بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)
TT

شيراك حذّر بوش من إطاحة صدام... ورايس اشترطت «رحيله» لمنع الحرب

بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)
بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)

ليس كتاب موريس غوردو مونتاني كتاب مذكرات سفير عادي من نوع الكتب التي تحفل بها المكتبات الفرنسية والتي تزداد أعدادها عاماً بعد عام ومع انتهاء الخدمة الدبلوماسية الفعلية لأصحابها. ذلك أن صاحب كتاب «الآخرون لا يفكرون مثلنا» ليس سفيراً عادياً، وكتابه ليس تفتيشاً في أركان الذاكرة عن أحداث عاصرها وعايشها وأراد أن يستفيد منها ليبيّن أنه لعب دوراً ما يُحسب له في حياته المهنية. غوردو مونتاني، المتقاعد راهناً، شغل أعلى المراتب الدبلوماسية، متنقلاً من سفارة إلى سفارة، قبل أن ينتهي به المطاف أميناً عاماً لوزارة الخارجية. بيد أن الموقع الدبلوماسي، الاستراتيجي والحساس، الذي شغله وامتد لسنوات تَمثّل في كونه مستشاراً دبلوماسياً للرئيس السابق جاك شيراك ما بين 2002 و2007، كما كان «شيربا» الرئيس، أي ممثله في مجموعتَي «السبع» و«العشرين». وقبل ذلك، تنقل غوردو مونتاني سفيراً في طوكيو وبكين وبرلين ولندن، ناهيك بأنه كان مدير مكتب رئيس الوزراء ألان جوبيه طيلة عامين. وباختصار، شغل المؤلف مناصب استثنائية مكّنته من أن يكون في قلب الحدث الدبلوماسي والاستراتيجي في دولة تحتل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي وتعد إحدى الدول النووية الخمس «الشرعية»، وهي تمتلك ثالث أكبر تمثيل دبلوماسي في العالم (بعد الولايات المتحدة والصين)، وتشكّل مع ألمانيا «قاطرة» الاتحاد الأوروبي.

كوندوليزا رايس (غيتي)  -   فلاديمير بوتين (غيتي)   -  المرشد الإيراني الخميني (غيتي)

يمكن القول، باختصار، إن المواقع التي شغلها غوردو مونتاني أهّلته لأن يرى من الداخل ومن أرفع المناصب تحولات السياسة الدولية وخفاياها. من هنا، فإن كتابه ليس مجرد مذكرات بل هو تجوال وترحال في السياسة الدولية وفي مطابخها، ما يمكّن غالباً المؤلف من كشف الكثير من خباياها ومن إلقاء الضوء على أحداث وتطورات لم يعرف سوى النذر القليل من مكنوناتها يوم حصولها. وفي 392 صفحة و17 فصلاً، يرسم لنا غوردو مونتاني صورة للدبلوماسية العالمية من خلال الأزمات المتلاحقة التي عايشها، وكان، من موقعه خصوصاً زمن وجوده إلى جانب الرئيس شيراك، أحد المؤثرين عليها والفاعلين فيها.
يحتل الفصل الرابع من الكتاب الذي كرّسه المؤلف للحرب على العراق موقعاً متميزاً لأنه يرمي الضوء على خلفيات السياسات الأميركية زمن الرئيس جورج بوش الابن وكيفية تعاطي الإدارة الأميركية مع العواصم الأوروبية وعلى رأسها باريس. ويكتب المؤلف أنه منذ بداية عام 2002، وخطاب الرئيس بوش حول «محور الشر» الذي يضم العراق والذي ألقاه في الأكاديمية العسكرية «ويست بوينت»، بدا واضحاً أن بوش يحضّر الرأي العام الداخلي الأميركي للحرب وأن الهدف هو نظام صدام حسين بحجة امتلاكه المزعوم لأسلحة الدمار الشامل. ويضيف غوردو مونتاني أن شيراك «فهم سريعاً المخاطر المترتبة على هذه السياسة التي من شأنها نسف وحدة العالم الغربي والتوازنات الإقليمية فضلاً عن استجرار مواجهة مع العالم الإسلامي». فضلاً عن ذلك، فإن شيراك يرى أن الإطاحة بالنظام العراقي من خلال عملية عسكرية ستُفضي بلا شك إلى قلب موازين القوى داخل العالم الإسلامي لصالح الشيعة المحسوبين على نظام الحكم في إيران وعلى حساب السُّنة، وسيفضي إلى توترات لاحقة. وحسب القراءة الفرنسية، فإن الحرب «ستُفضي إلى تفكيك الموزاييك الهش وإنها ستشكّل خطأ استراتيجياً رئيسياً». ولذا، فإن الرئيس الفرنسي سعى طيلة النصف الثاني من العام 2022 للوقوف في وجهها. ويكشف الكاتب أن البعض من المعروفين بميولهم «الأطلسية» في وزارة الخارجية سعى إلى تعطيل السياسة الرئاسية ولكن دون طائل.

بداية الغزو 20 مارس 2003 (أ.ف.ب)

- كوندوليزا رايس: تخلِّينا عن الحرب ثمنه رحيل صدام
كان المؤلف حاضراً في القمة التي جمعت الرئيسين شيراك وبوش في براغ، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2002. وكتب ما حرفيته: «كان الوفدان جالسين وجهاً لوجه. أجواء التوتر ملموسة. وما سمعناه، كلٌّ يغنّي على ليلاه. بوش غارق في قناعاته، لا بل إنه (عندما يتكلم) لم يكن ينظر إلى شيراك». وجاء جواب الأخير سريعاً. فقال: «إن الحرب ستضرب الاستقرار في المنطقة، وستفضي إلى تسلّم الشيعة المقربين من إيران الحكم في بغداد، وستقوّي نفوذ إيران في سوريا وفي لبنان عبر (حزب الله)». وأضاف شيراك: «هذه الحرب لن تكون شرعية وستُحدث انقساماً داخل الأسرة الدولية، وستُفقد الغرب مصداقيته، وستكون مصدر الفوضى التي ستنبثق منها موجة إرهاب سيصعب السيطرة عليها».
لكنّ حجج الرئيس الفرنسي لم يكن لها أي أثر على الفريق الأميركي. ورغم ذلك، أراد شيراك أن يعرف المزيد عن نيات واشنطن، فأرسل إليها، في الأيام الأولى من العام 2003، غوردو مونتاني الذي التقى نظيرته كوندوليزا رايس. طرح عليها الموفد الفرنسي، السؤال الجوهري: «ما الذي يمكنه أن يجعلكم تتخلون عن خطة الحرب؟ ما الشروط التي تريدونها لذلك؟». وجاء جواب رايس قاطعاً: «أن يتخلى صدام عن السلطة».
بعد رايس، التقى غوردو مونتاني بول وولفوويتز، نائب وزير الدفاع الأميركي. ويصف الأول اللقاء بأنه أمضى خلاله إحدى أسوأ لحظات حياته في مهنته الدبلوماسية الطويلة. وبعد أن جعله ينتظر طويلاً قبل أن يستقبله، أبدى وولفوويتز «عجرفة» أميركية، كما يقول الكاتب، إذ لم يستمع لحجج الزائر وكان كلامه مسيئاً بحق فرنسا التي اتهمها بـ«المراوغة»، مؤكداً أن واشنطن «تعلم ما تعلمون»، والمقصود أن العراق يملك أسلحة نووية وأن باريس تدّعي الجهل. وخلاصة المؤلف أنه عاد من رحلته إلى واشنطن بقناعة مفادها أن الأميركيين «يريدون أن يكونوا أحراراً عسكرياً ودبلوماسياً ولا يريدون تحالفاً يعمل وفق تكليف أممي، وأن واشنطن (ليست بحاجة لأحد)».
وبطبيعة الحال، لم تأخذ واشنطن بنصيحة شيراك بالتزام «الصبر». لذا سعى الرئيس الفرنسي إلى بناء تحالف دولي بوجه الأميركيين بالاستناد إلى ألمانيا وروسيا. وعن روسيا، نقل المؤلف عن الرئيس الأسبق قوله: «روسيا ليست الممسحة التي نمسح عليها أرجلنا»، مضيفاً أن شيراك كان يحظى بدعم وثقة الرئيس فلاديمير بوتين. أما بقية القصة فمعروفة، إذ هددت فرنسا باللجوء إلى حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن إذا سعت واشنطن للحصول على تفويض أممي لحربها على العراق. وكثيرون ما زالوا يتذكرون خطاب وزير الخارجية دومينيك دو فيلبان، الشهير والتصفيق الذي حازه. وكانت النتيجة أن القوات الأميركية، مدعومةً من القوات البريطانية، قامت بغزو العراق وأسقطت بغداد وقضت على نظام صدام حسين الذي كانت نهايته على حبل المشنقة.
لم تصل العلاقات الفرنسية - الأميركية إلى حد الطلاق رغم الخلافات العميقة بين البلدين. فرنسا كانت تعي أن مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي سعت إليه واشنطن، مصيره الفشل. ومجدداً أُرسل المؤلف إلى واشنطن لإبلاغ «كوندي» (كوندوليزا رايس) بأن باريس تريد قلب صفحة الخلاف وتريد أن ترى كيف تستطيع المساهمة من أجل إعادة بناء العراق وتوفير الاستقرار. وجاء رد «كوندي» قاطعاً: «لسنا بحاجة إليكم... نحن صرفنا أموالنا ودفعنا الثمن من دماء جنودنا وسوف نتصرف بعيداً عنكم». بيد أن الأمور أخذت تتحسن شيئاً فشيئاً بعد الحملة الشعبية على فرنسا ومقاطعة بضائعها. ونجح الطرفان في العمل معاً ليس فقط بخصوص الملفين اللبناني والسوري، حيث أبرز ما أنتجاه معاً قرار مجلس الأمن الرقم «1449» الذي يطلب انسحاب القوات السورية من لبنان، ولكن أيضاً بخصوص إيران، حيث إن باريس كانت بالتعاون مع برلين ولندن قد أطلقت أولى المفاوضات مع طهران بشأن برنامجها النووي، الأمر الذي أثار اهتمام واشنطن.

- «روسيا بوتين» في 2006
كم يبدو بعيداً الزمن، حيث كانت روسيا عضواً في مجموعة الثمانية، لا بل إن فلاديمير بوتين ترأسها في العام 2006، وكانت المرة الوحيدة التي أُتيحت لروسيا هذه الفرصة. ذلك أن دورها حلّ مجدداً لرئاسة المجموعة في العام 2014، إلا أن غزوها شبه جزيرة القرم وضمها هذه المنطقة إليها في العام المذكور أخرجها من المجموعة التي تقلصت مجدداً إلى مجموعة السبع. وينقل المؤلف عن شيراك رغبته في «ضم روسيا إلى الأسرة الدولية»، وهو الخط الذي التزم به الرئيس إيمانويل ماكرون منذ عام 2017، ويؤكد المؤلف أن شيراك كان دائم التنبه إلى مطالب روسيا، وراغباً في التقارب معها، لذا دعا بوتين إلى المجيء إلى فرنسا مرة أولى في عام 2004 للمشاركة في الاحتفال السنوي لنزول الحلفاء في منطقة النورماندي. ورأى الرئيس الفرنسي أن أفضل منصة لذلك هي مجموعة الثمانية الكبار التي تضم الدول الصناعية الكبرى. ويروي غوردو مونتاني تفاصيل بعض الطرائف التي رافقت اجتماعات مستشاري القادة الثمانية للتحضير للقمة ومنها أن مستشار بوتين، واسمه إيغور شوفالوف، دعا أقرانه لصيد السمك على نهر الفولغا. وكان الاتفاق المسبق على رمي كل سمكة في النهر بعد اصطيادها، والبديل كان، كل مرة، كأساً من الفودكا. ويقول المؤلف إن حظه كان كبيراً لأن مجموعته لم تنجح في اصطياد الكثير من الأسماك. وجرت القمة في مدينة سانت بطرسبرغ في أجواء مريحة، ما دفع شيرك لاعتبار أن «الثقة تتعزز بين روسيا والغرب»، خصوصاً مع فرنسا وألمانيا.
بيد أن رغبة الحلف الأطلسي في التمدد إلى وسط أوروبا وشرقها كانت منذ انهيار حلف وارسو تثير قلق موسكو. ويؤكد الكاتب أن شيراك كان يعرف قول هنري كيسنجر الذي يرى أن «أوكرانيا لن تكون أبداً بلداً كأي بلد آخر بالنسبة إلى روسيا والعكس بالعكس»، أو ما كتبه زبيغينيو بريجينسكي في كتابه «أميركا وبقية العالم» حيث رأى أن روسيا من غير أوكرانيا «لا يمكن أن تكون قوة عظمى». ويؤكد غوردو مونتاني أن وزير الخارجية الأميركي وقتها جيمس بيكر، تعهد للرئيس ميخائيل غورباتشوف، بأن الحلف الأطلسي «لن يتمدد بوصة واحدة» باتجاه روسيا، وهو ما ينفيه الأميركيون اليوم، علماً بأن وزير الخارجية الفرنسي الأسبق رولاند دوما، أكد حصول هذا التعهد في مذكراته. ووفق الدبلوماسية الفرنسية، فإن انتصار الديمقراطيات الغربية على الأنظمة التوتاليتارية «أنساها أن الأمن مسألة جماعية وليس شريعة المنتصر، بل يتعين التوصل إليه من خلال الحوار والتفاوض». ومنذ البداية، كانت باريس تنظر، وفق المؤلف، إلى أن من حق أوكرانيا المحافظة على أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها، لكن، في الوقت عينه، يجب الأخذ بعين الاعتبار المصالح المشروعة لكل طرف بما في ذلك روسيا. ومجدداً، سعت فرنسا إلى إيجاد حل وسط، فاقترحت «حماية أطلسية - روسية مشتركة» لأوكرانيا. لكن ألمانيا بدت مترددة، فيما كان الرد الأميركي قاطعاً، إذ قالت «كوندي» للمؤلف: «كلاً. أبداً. أنتم الفرنسيون سعيتم لمنع توسع الحلف في المرحلة الأولى وها أنتم تسعون لمنعه في المرة الثانية»، بمعنى أن من حق أوكرانيا، كغيرها، الانضمام إلى النادي الأطلسي. من هنا، فإن قمة الأطلسي عام 2008 في بوخارست نص بيانها النهائي على انضمام أوكرانيا وجورجيا. إلا أن معارضة باريس وبرلين ربطت هذا الانضمام بتوافر الظروف لذلك. وبعد 15 عاماً، ما زال الملف عالقاً، وقد كان إحدى الحجج الروسية لـ«عمليتها العسكرية الخاصة».
- الخميني... «حزب الله» واستقرار لبنان
يروي المؤلف أن الرئيس صدام حسين بعث برسالة عام 1978 إلى «صديقه» جاك شيراك يحذّره فيها من استقبال الإمام الخميني الذي كان لاجئاً في العراق ويرغب في الانتقال منه إلى بلد وهو متردد في اختياره ما بين باريس وطرابلس. وطلب صدام من شيراك أن ينبه الرئيس جيسكار ديستان من استقبال الخميني. وحمل شيراك الرسالة إلى جيسكار، غير أن الأخير رأى العكس، معتبراً أن مصلحة فرنسا تكمن في المحافظة على العقود المبرمة مع إيران والمحافظة على آفاق التعاون التي انطلقت مع حكم الشاه الضعيف اليوم سياسياً. وهكذا كان. ويضيف الكاتب ساخراً أن الأمر الوحيد الذي حصلت عليه فرنسا من الخميني هو إطلاق اسم «نوفل لوشاتو»، وهي البلدة التي استضافت الخميني، على الشارع حيث تقع السفارة الفرنسية في طهران. ويضيف المؤلف: «منذ تلك الفترة، تسبب النظام الإيراني لنا بالصداع وعلاقتنا به تؤثر على سياستنا في الشرق الأوسط». بيد أن الواقعية السياسية دفعت باريس لإعادة التواصل مع طهران منذ العام 2003، وذلك، وفق الرئيس الفرنسي وقتها، لثلاثة أسباب: الأول، احتواء طموح طهران بالحصول على السلاح النووي وتجنب السباق من أجل التسلح في المنطقة، وثانيها النظر في إمكانيات تعزيز التعاون الاقتصادي معها، وثالثها الدفع باتجاه تبني إيران سياسة إيجابية تجاه لبنان. ويلخص المؤلف الرؤية الفرنسية بأن الانفتاح على طهران هدفه «التوصل إلى إطار إقليمي ثابت يوفر السلام والاستقرار والازدهار» للجميع. ويحتل استقرار لبنان هدفاً دائماً لفرنسا الخائفة من تصاعد نفوذ «حزب الله» ومن تغيّر التوازنات الديمغرافية والطائفية. من هنا، يقول الكاتب إن باريس رأت «وجود قناة تواصل مباشرة مع إيران يمثّل أفضل وسيلة للحد من نزعة السيطرة عند (حزب الله) ومن نفوذه».
ويروي الكاتب ولادة المبادرة الفرنسية للتواصل مع إيران والتي ضمّت ألمانيا وبريطانيا أيضاً، وما توصلت إليه من حمل طهران، بعد زيارة جماعية لوزراء الدول الثلاث، على قبول تجميد برنامجها النووي مقابل تعاون بينها وبين الاتحاد الأوروبي لتطوير الصناعة النووية السلمية الإيرانية. ويؤكد غوردو مونتاني أن ما تحقق كان المدماك الأول للاتفاق النووي بين مجموعة «5 زائد 1» وإيران للعام 2015. كما يروي الكاتب تفاصيل الزيارة السرية التي قام بها إلى طهران في العام 2005 ولقائه كبار المسؤولين، والخلاصة التي توصل إليها، وقوامها أن ما يهم الإيرانيين هو «الاعتراف بموقع ودور إيران الإقليمي، ورفضهم التهميش على المسرح العالمي، واستعدادهم لبذل جهود جدية من أجل التعامل مع بلادهم على أنها قوة محترمة». وما لفت نظره أن أياً من المسؤولين لم ينطق بكلمة عن إسرائيل التي تعدها الآيديولوجيا الإيرانية «الشيطان الأصغر» إلى جانب الولايات المتحدة «الشيطان الأكبر». ويعالج الكتاب تفاصيل المناقشات الخاصة بالملف النووي خصوصاً خلال زيارة حسن روحاني، المولج وقتها بهذا الملف، إلى باريس، مركّزاً على «واقعيته وديناميته»، كما يقول، ومشيراً إلى تركيزه على ضرورة «تعريف الضمانات الموضوعية» التي تثبت سلمية برنامج إيران النووي.
أفضى انتخاب أحمدي نجاد رئيساً للجمهورية الإسلامية، إلى تجميد التواصل مع طهران. لكنَّ باريس كانت مصرة على مواصلته، وتم ذلك من خلال اجتماع غوردو مونتاني السرّي في جنيف مع مستشار نجاد الخاص واسمه مجتبى ساماريه هاشمي. والخلاصة التي توصل إليها المبعوث الفرنسي من خلال المناقشات التي تركزت على «شروط الاستقرار الإقليمي»، أي في لبنان والعراق وسوريا والخليج، أن «إحراز أي تقدم في الملف النووي مرهون بالموقع الذي سيُعترف لإيران به في توازنات الشرق الأوسط وليس التهديدات غير المفيدة أو المفاوضات التقنية». لكن نهاية عهد شيراك في العام 2007 طرحت غلالة على المشاريع الفرنسية التي لم تعد إلى الواجهة إلا مع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض وفرنسوا هولاند إلى قصر الإليزيه والمفاوضات الجماعية التي انطلقت مع إيران لتكون نهايتها الناجحة في فيينا صيف العام 2015.
لكن الاتفاق المذكور لم يذهب حتى خواتيمه بعد أن نقضته إدارة الرئيس دونالد ترمب في العام 2018. أما اليوم، فالمفاوضات دخلت طريقاً مسدودة واختلط الحابل النووي بالنابل الإقليمي والإنساني والأوكراني ليصبح الملف أكثر تعقيداً.
ما سبق ليس سوى غيض من فيض ما يحتويه كتاب غوردو مونتاني من معلومات وتحليلات يضيق المكان بها.


مقالات ذات صلة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

كتب «الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة.

شرف الدين ماجدولين
كتب حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

أمضى الصحافي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل

عمر شهريار

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة
TT

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة، بالتوازي مع شرط الترحل الملازم لحياتها، ومسالك الجدل بين مدونتين متقابلتين من المفردات، باعتباره قدراً يحتمه محيط التواصل من جهة، وأيضاً بما هو اختيار واعٍ يعتمده المتكلم زمنياً عبر محطات مساره. فتُعْمِلُ الفكر في الوجود الأول حيث يدرك الفرد العالم عبر مفردات لا يختارها، وإنما توهب له مع المولد والنشأة والتدرج في سلم الإدراك، وحين يعي محدودية اللغة الواحدة، تتنامى تدريجياً مسيرة ترويض الوعي اللغوي، والتنازل عما كان قدراً بدئياً لصالح الاختيارات الطارئة.

تؤكد الساردة في مطلع السيرة أن الطفلة التي ولدت في «دكار» بالسنغال، لأبوين لبنانيين، كانت تتحدث في البدء بالفرنسية، كباقي السنغاليين، كما أن أمها كانت تتحدث بالإضافة إلى الفرنسية، العربية والإنجليزية، ولغة المحليين «الوُلف»، أما الأب الذي رغم هواه العروبي الناصري فكان يكلمها وأختها (ناريمان) وأخوها (سعيد)، في البيت والشارع بالفرنسية، كسلاً و«استعجالاً». فتجلَّت الفرنسية بوصفها بداهة لا فكاك منها، أما العربية التي تنبهق من أسطوانات محمد عبد الوهاب ونقاشات الأبوين، فكانت أقرب لأرشيف عائلي خاص، يستعمل باقتصاد شديد، ويٌتلقى لوقعه، مفعماً بالمشاعر الغامضة، ومبهماً. بدت الفرنسية أداة طيعة في امتلاك المعنى، وصوغه، وسرعان ما شكلت القاعدة في الإدراك والمرجع في المقارنة، والمنطلق الذهني لتكوين المفردات، حتى في اللغات الأخرى. قبل أن تطل العربية فجأة، على نحو أقرب للوقائع اليومية، حين انتقلت العائلة إلى الدار البيضاء للإقامة والعمل في التجارة.

صحيح أن الطفلة التقطت عبر رحلات عابرة إلى صيدا وبيروت بعضاً من فيض الرطانات اللبنانية، غير مساكنة العربية، على نحو مسترسل، لأزيد من أربع سنوات، فلم يتيسر إلا بعد الاستقرار في الدار البيضاء، إذ اختزنت فيها أصداء مفردات اللهجة المغربية المدببة، وتشربتها، وهي تنهمر من أعطاف الأزقة، بين المنزل والمدرسة «الليسيه ميرابو Mirabeau»، حيث تجلى الكون اللغوي، وكأنما في قطعة من فرنسا: «كل شيء فرنسي: المعلمون، المنهج، وباللهجة الباريسية الصافية. نسمع أحياناً اللهجة المغربية التي يتكلمها المغاربة فيما بينهم. وهم على كل حال أقلية، إذا ما قورنوا بالفرنسيين. وعدد قليل من اليهود» (ص 20).

تتدرج وقائع السيرة وفصولها، على إيقاع التعلُّم والنضال السياسي، ثم التخرج والتعليم الجامعي العابر، ثم التأليف والكتابة للصحافة بالعربية. وكان الخيط الناظم في تطور وقائع الحياة الغنية والطريفة، للوافدة من المهجر، إلى بيروت التنوع اللغوي والثقافي والطائفي، ثم مدينة الحرب الأهلية؛ هكذا تتدرج على سلم الرغبة في الخروج من الفرنسية، بأصول تعبيرها ومفرداتها، (دون مرجعياتها ونسقها الذهني)، إلى العربية التلقائية المستوعبة لما حولها. لم تكن البطلة، التي تحكي عن وجودها عبر المفردات، مسيحية، حتى تكون فرنسيتها جزءاً من أركان انتمائها اللبناني، بل منحدرة من بيت مسلم ضم المذهبين، أب سني وأم شيعية، أصل يكرس الاعتقاد في العربية، مرجعاً في التنشئة والتعليم، وسبيلاً إلى التكوين الفكري والوجداني.

وتدريجياً تجلَّى السعي اللغوي إلى الخروج من القدر إلى الاختيار، ومن سنن النخبة إلى اللسان الاجتماعي، بما هو جزء من أبجدية التزام سياسي، رسمت ملامحه رحلة الانغمار في التنظيم اليساري الجذري: «منظمة العمل الشيوعي اللبناني»، خلاياها ولجانها ومدارجها التنظيمية، وما اتصل بتلك المدارات الحياتية والذهنية من نقاش آيديولوجي يومي، واشتباك سياسي... والتطلع إلى أخذ الكلمة أمام الجمهور باللغة المشتركة المعجونة بالعرق والجهد والأحلام، جنباً إلى جنب مع السعي إلى إثبات الذات العربية في صفوف الرفاق وفي أتون الشغب النضالي. كانت المفردات تبدو أشبه ببلورات تنحت على مهل قادمة من قعر سحيق إلى سطح متقلب، سرعان ما تتبدد فيه تحت أمواج الكلام الهادر.

وبقدر ما كان الخروج من الفرنسية مواكباً للنمو والارتقاء في التعليم والتدرج في مستويات الدراسة، من «مدرسة الفرانسيسكان»، إلى «مدرسة الراهبات الأنطونيات» ومن «ثانوية مدام عون» إلى «المدرسة الحسينية» ومن «المركز التربوي» إلى «الجامعة اللبنانية»، وهو التدرج الذي واكب النضج الفكري والسياسي، غير أنه تجلَّى أيضاً بوصفه سمة لتبديل المراتع والأوطان، والتقلب بين البلدان، ليس في اليفاعة فقط، التي تنقلت فيها الطفلة بين المدينتين الفرونكوفونيتين «دكار» و«الدار البيضاء»، وإنما أيضاً في سنوات التنقُّل بين العواصم المشرقية: بيروت والقاهرة والكويت، التي رعت مسارات التأليف والبحث والتدريس الجامعي، والكتابة للصحافة العربية.

لقد مثل التأرجح اللغوي وجهاً آخر للتنقل بين البلدان التي كان فيها اكتساب الهوية الثابتة «اللبنانية»، أساساً لرغبة تطويع العربية والتعبير بها، دون أن يلغي ذلك «الكينونة» الفرنسية الأصيلة، تقول: «أحب الفرنسية، أستمتع بأدبها وحتى بخطابات زعمائها، أناقة لغتهم وثرائها. وأستفيد كثيراً من ترجماتها.... وأنا أتنقل بين اللغتين، العربية والفرنسية. أبحث عن الكلمة الأصح والأدق... والمقصود من هذا التجول بين اللغتين إغناء عربيتي وتهذيبها، وأحياناً تخصيبها، ومع الوقت انقلبت الآية وبدل أن أبحث عن تفسير أو معنى لهذه الكلمة أو تلك من الفرنسية إلى العربية، صرت أبحث عن معنى من العربية إلى الفرنسية» (ص 196).

تثبت الساردة في كل مرة أن الوجود هبة للمفردات التي تصوغه، وتكيف أحواله، بالتوصيف والسرد، قولا وكتابة... ففي السيرة إيحاء لاعج برغبة النهوض من عطب التوصيل بلغة الأصل، بالمواجهة والمثابرة والتحدي، بعيداً عن ذهنية الأصوليات اللغوية العربية، وقريباً من اليومي المعجون بالتولع والاشتباك. إنها اللحظة التي تكون فيها العربية، ولهجاتها المترامية الأعطاف، «توأماً للحياة». وعلى النقيض مما كانه واقع الكتابة الفكرية العربية في النصف الثاني من القرن الماضي، عندما مثَّلت الكتابة بالفرنسية والإنجليزية نموذجاً للتفوق، ومدعاة للاهتمام والتبجيل بين المثقفين العرب؛ فإن سعي المؤلفة إلى تحقيق الذات عبر لغة المنشأ، المحدودة التأثير، والمحصورة الانتشار، في الجغرافيا اللغوية والمعرفية، مثَّل مظهراً سلوكياً لا يمكن فصله عن الطبيعة الشخصية لصاحبة السيرة، التي وسمها واضع مقدمتها الطاهر لبيب بـ«المتمردة» التي «لا تتردد في إظهار عدم الرضا عن الذات».

كتبت دلال البزري سيرتها بعد أن غادرت بيروت، إثر تفجير المرفأ، إلى تورنتو الكندية، بهدف الاستقرار النهائي، إلى جوار ابنتها. أنجزته لتستعيد خرائط مسار بات في عقده السابع، دون أن يتوقف عن تبديل المواطن والترحل بين المدن. خطته بعربية مكتسبة، لم تكن تمتلكها في البداية، وباتت هي مسكن وجودها. فسكبت في مفرداتها كل شفافيتها في قول الوقائع، حول الوطن الذي مزقته الحروب والصراع الطائفي، وتناسل أسباب التراجع في المحيط العربي الواسع، الذي عبرت تضاريسه الفكرية والاجتماعية. فتجلى النص الموضوع برائحة «الغار والزيتون»، لاسعاً، صريحاً، وغير مهادن. مقتصداً، كثيفاً، لا تزيُّد في كلماته. كتاب يشبه صاحبته، التي سرعان ما أعلنت، بعد نشره بأشهر قليلة، على صفحتها في «فيسبوك»، عن إصابتها بالسرطان، فمَثُل ككشف حساب، تخفَّفت فيه من وطأة السنين على الجسد واللسان.

* كاتب مغربي


حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة
TT

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»، في تجربة فكرية تنتقل إلى مساحة مختلفة من مشروعه البحثي في الشأن الصيني، وتفتح حواراً حضارياً بين فلسفة المدينة الفاضلة لدى أبي نصر الفارابي ورؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ للحوكمة والتنمية وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.

يقوم الكتاب على لقاء فكري بين عالمين تفصل بينهما أكثر من ألف سنة، وينطلق من سؤال محوري: كيف يمكن لفلسفة صاغها الفارابي قبل أكثر من ألف عام أن تتحاور مع مشروع الحوكمة الحديث في الصين المعاصرة؟ ويحاول المؤلف الإجابة عن هذا السؤال من خلال قراءة تحليلية لمفاهيم الإنسان وغاية الدولة، والقيادة المسؤولة، والأخلاق في الحكم، والعدالة الاجتماعية، والتنمية، والتعاون والانسجام المجتمعي.

ولا يفترض الكتاب وجود تأثير مباشر أو اقتباس فكري بين الفارابي وشي جينبينغ، ولا يسعى إلى إقامة تطابق بين فلسفة نشأت في سياق تاريخي قديم وتجربة سياسية معاصرة، بل يقرأ المسافة الزمنية والحضارية بينهما بحثاً عن القيم والأسئلة الإنسانية التي يمكن أن تتقاطع رغم اختلاف الأزمنة والبيئات. فالفارابي رأى أن غاية السياسة تتجاوز إدارة الحكم إلى تحقيق سعادة الإنسان وبناء مجتمع تسوده الفضيلة والعدالة والتعاون، بينما يتناول الكتاب رؤية شي جينبينغ بوصفها مشروعاً معاصراً للحوكمة والسياسات العامة يضع خدمة الشعب والتنمية والنزاهة والانضباط في صميم بناء الدولة.

ويتوقف قميحة عند عدد من نقاط اللقاء والاختلاف، من مكانة الإنسان في الدولة وصفات القائد ودوره الأخلاقي والمعرفي، إلى العلاقة بين القانون والأخلاق والانسجام الاجتماعي والتنمية الموجهة نحو تحسين حياة الإنسان. كما ينتقل من حدود الدولة إلى المجال الدولي، مقارباً بين فكرة الاجتماع الإنساني الهادف إلى تحقيق السعادة عند الفارابي ورؤية بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية التي طرحها شي جينبينغ.

ويقول قميحة في كلمة المؤلف إن الكتاب لم يولد من رغبة في إجراء مقارنة سريعة بين اسمين تفصل بينهما قرون طويلة، ولا من محاولة للجمع بصورة مصطنعة بين الفلسفة والسياسة، وإنما من سؤال حول قدرة القيم الإنسانية التي صاغها الفكر الفلسفي في مراحل سابقة من التاريخ على المساهمة في قراءة قضايا الحاضر. ويشدد على أن العمل لا يسعى إلى تقديم تجربة سياسية بوصفها نموذجاً جاهزاً، بل إلى الفهم والتحليل وفتح مساحة للحوار بين التراث والواقع المعاصر.

كتب تقديم الكتاب الدكتور شوي تشينغ قوه، المعروف عربياً باسم بسّام، أستاذ كلية الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، ونائب رئيس جمعية دراسات الشرق الأوسط في الصين، وعضو اتحاد كتّاب الصين.

ووصف شوي الكتاب بأنه إنجاز فكري وإضافة جديدة إلى المكتبة العربية وإلى مسار الحوار الثقافي والفكري بين الصين والعالم العربي، مشيراً إلى أن التأمل في تصوّري الفارابي وشي جينبينغ للحوكمة والسياسة يكشف عن تقاطعات فكرية عميقة تتصل بالأخلاق والعدالة وخدمة الإنسان والقيادة والمسؤولية الاجتماعية.

وأوضح أن الفارابي ينطلق، في كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة»، من تصور يرى أن السياسة ليست مجرد تدبير لشؤون الحكم، بل علم غايته إسعاد الإنسان، وأن الدولة العادلة تقوم على الانسجام بين الفضيلة الفردية والنظام الجماعي. فالحاكم، وفق تصوره، لا يُقاس بقوة سلطته، بل بقدرته على توجيه المجتمع نحو الكمال الأخلاقي والعقلي.

وفي المقابل، يرى الدكتور شوي أن رؤية شي جينبينغ، التي تبلورت في مؤلفاته وخطاباته حول الحكم وإدارة الدولة، تؤكد أن الحوكمة الرشيدة لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية والنزاهة وخدمة الشعب، وأن مفهوم «الحوكمة من أجل الشعب» يشكل أساساً مهماً في ممارسة المسؤولية العامة.

ويتوقف التقديم عند صورة «الرئيس الفاضل» لدى الفارابي، الذي يجمع بين الحكمة والمعرفة والقدرة على القيادة ويكون قدوة أخلاقية قبل أن يكون صاحب سلطة، ويقارب ذلك مع نموذج القائد المسؤول في الدولة الصينية الحديثة، حيث يشدد شي جينبينغ على مسؤولية المسؤول تجاه الشعب، وعلى ضرورة مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين باعتبار ذلك شرطاً لاستقرار الدولة واستمرارها.

ويرى الدكتور شوي عدم وجود أدلة على أن شي جينبينغ اطّلع على كتابات الفارابي أو تأثر بها، موضحاً أن التقاطعات التي يتناولها الكتاب لا تقوم على فرضية الاقتباس أو التأثير المباشر. فالرؤية السياسية والأخلاقية لدى شي جينبينغ تستند أساساً إلى التراث الحضاري الصيني، حيث يظهر الأثر الكونفوشيوسي في التركيز على الحكم بالأخلاق ونزاهة المسؤول، وتحضر فكرة مركزية الشعب المتجذرة في الفكر الكونفوشيوسي، ولا سيما لدى منشيوس، إلى جانب التشديد على سيادة القانون والانضباط المؤسسي والجمع بين القانون والأخلاق.

ويرى الدكتور شوي أن حوكمة شي جينبينغ تمثل نموذجاً معاصراً لدمج التراث الفلسفي الصيني في مشروع سياسي حديث يعكس استمرارية حضارية أكثر مما يمثل قطيعة مع الماضي. وإذا كان الفارابي من أبرز ممثلي التراث العربي الإسلامي في الفكر السياسي، فإن شي جينبينغ يمثل وريثاً للتراث الصيني المتعلق بالسياسة والحكم، مع اختلاف جوهري يتمثل في أن شي قائد لدولة كبرى، مما يتيح له تحويل التصورات إلى سياسات وممارسات ملموسة.


رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»
TT

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

أمضى الصحافي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت الصحافة أضيق من أن تتسع لما خلّفته التجربة في الداخل الإنساني؛ الأمر الذي دفعه إلى الانتقال إلى الرواية. وفي باكور إنتاجه «كأن الريح تحتي»، يكتب أمين ما لا تستطيع التقارير قوله عن الخوف والفقد والاقتلاع، وعن إنسان فقد ثبات الأرض كما فقد استقرار المكان.

صدرت الرواية عام 2026 عن «دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع» بدمشق، واتخذت من زلزال فبراير (شباط) 2023 الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا لحظة مفصلية، تتكشف عندها حيوات شخصيات مثقلة أصلاً بالخوف والغربة، وفي مقدمتها محمود الغريب وندى الشوّا.

عنوان الرواية ليس تسمية عابرة، فهو يستدعي قول المتنبي:

على قلق كأن الريح تحتي

أوجهها جنوباً أو شمالاً

لكن القلق ينتقل هنا من حركة الشاعر وترحاله إلى حالة وجودية يعيشها السوري الذي لم تعد الأرض تحته مستقرة، لا بالمعنى الجغرافي ولا النفسي، حيث يحيل العنوان إلى تيه السوري بعد أن خلخلت سنوات الحرب والانتماء معنى المكان، ثم جاء الزلزال ليضاعف فقدان اليقين. كما تكشف التجربة عن انتقال أمين من لغة الصحافة إلى فضاء أرحب، من دون أن يتخلص كلياً من أثر المهنة، فحضر الأسلوب الصحافي في تقديم بعض الشخصيات والتفاصيل، بما يمنح السرد ملمحاً توثيقياً وواقعية قريبة من الحياة.

قوة الرواية الأساسية تقوم على جدلية زلزالين: زلزال طبيعي يهدم الجدران في فبراير 2023، وزلزال سياسي واجتماعي سبق ذلك بسنوات وأعاد تشكيل حياة السوريين ومصائرهم، فالحدث الطبيعي انتقل من كونه مجرد خلفية درامية، إلى لحظة فارقة تكشف عما تراكم في الشخصيات من خوف واغتراب وخيبات، فالزلزال، كما تقدمه الرواية، يحرّك الأرض ويوقظ الذاكرة.

ومن خلال هذا التداخل بين الحاضر وذاكرة الثورة، يتحول المكان في جنوب تركيا من ملاذ بعد النزوح إلى فضاء مهدد بدوره؛ وكأن الشخصية السورية تكتشف أن النجاة من مكان لا تعني الوصول إلى مكان آمن، وهي مفارقة تضع الرواية ضمن سرديات الكارثة واللجوء، لكن خصوصيتها تأتي من جعل الكارثة الطبيعية مرآة لكارثة إنسانية سبقتها.

في تصريح لـ«وكالة الأنباء السورية» (سانا)، أوضح محمد أمين أن الرواية تمثل تجربته الأولى في عالم السرد بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل الصحافي، وأنه كتبها على مدى عام في أربيل عقب انتقاله إليها بعد أيام من الزلزال. وقال: «كان لدي الكثير مما ولّد الزلزال وسنوات الغربة وفقدان الأمل في نفسي، فلم أجد إلا الرواية مجالاً أدبياً يسمح لي بأن أعبّر عن مكنوناتي الداخلية». وأشار إلى أن عدداً من شخصيات العمل يستند إلى تجارب إنسانية حقيقية عاش أصحابها تفاصيل الثورة واللجوء والزلزال، موضحاً أن الرواية تقوم على فكرة «الزلزالين»: زلزال الثورة وما أحدثه من تحولات إيجابية في الوطن، وزلزال الأرض وما خلّفه من أثر مباشر في الفرد. ويرى أمين أن إنقاذ بطلة الرواية من تحت الركام يحمل دلالة رمزية تتجاوز الحدث المباشر، ليحيل إلى إمكانية إنقاذ وطن كامل من آثار سنوات طويلة من الألم، مؤكداً أن الرواية، على الرغم من ثقل موضوعاتها، تبحث عن نور في نهاية النفق وعن قدرة الإنسان على النهوض.

وفي قلب الرواية يقف محمود الغريب وندى الشوّا، شخصيتان تحملان الخوف والحب والتردد والخيبة، وتمنحهما هذه الهشاشة بعداً إنسانياً يتجاوز تقسيم الشخصيات إلى منتصرين ومنكسرين.

على الرغم من ثقل الموت والغربة والخسارة، لا تنتهي الرواية عند الخراب، فنجاة إحدى شخصياتها من تحت الركام تفتح باباً رمزياً على إمكان النهوض، وتجعل الأمل فعلاً مضاداً للفقد لا خاتمة له.

وهكذا، تتحرك «كأن الريح تحتي» بين توثيق ذاكرة السوري وتخييلها، وبين صرامة الصحافي وحساسية الروائي، لتطرح سؤالاً أبعد من الزلزال ذاته: ماذا يبقى للإنسان حين تهتز الأرض التي يقف عليها والوطن الذي ينتمي إليه معاً؟ وربما تكمن إجابة الرواية في أن النجاة لا تعني الخروج من تحت الركام فحسب، بل القدرة على استعادة معنى الحياة بعده.