شيراك حذّر بوش من إطاحة صدام... ورايس اشترطت «رحيله» لمنع الحرب

السفير موريس غوردو مونتاني يكشف بعض أسرار حرب الخليج الثانية واستقبال باريس للخميني... ومنبع الأزمة الأوكرانية

بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)
بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)
TT

شيراك حذّر بوش من إطاحة صدام... ورايس اشترطت «رحيله» لمنع الحرب

بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)
بوش وشيراك... خلاف كبير على حرب العراق (غيتي)

ليس كتاب موريس غوردو مونتاني كتاب مذكرات سفير عادي من نوع الكتب التي تحفل بها المكتبات الفرنسية والتي تزداد أعدادها عاماً بعد عام ومع انتهاء الخدمة الدبلوماسية الفعلية لأصحابها. ذلك أن صاحب كتاب «الآخرون لا يفكرون مثلنا» ليس سفيراً عادياً، وكتابه ليس تفتيشاً في أركان الذاكرة عن أحداث عاصرها وعايشها وأراد أن يستفيد منها ليبيّن أنه لعب دوراً ما يُحسب له في حياته المهنية. غوردو مونتاني، المتقاعد راهناً، شغل أعلى المراتب الدبلوماسية، متنقلاً من سفارة إلى سفارة، قبل أن ينتهي به المطاف أميناً عاماً لوزارة الخارجية. بيد أن الموقع الدبلوماسي، الاستراتيجي والحساس، الذي شغله وامتد لسنوات تَمثّل في كونه مستشاراً دبلوماسياً للرئيس السابق جاك شيراك ما بين 2002 و2007، كما كان «شيربا» الرئيس، أي ممثله في مجموعتَي «السبع» و«العشرين». وقبل ذلك، تنقل غوردو مونتاني سفيراً في طوكيو وبكين وبرلين ولندن، ناهيك بأنه كان مدير مكتب رئيس الوزراء ألان جوبيه طيلة عامين. وباختصار، شغل المؤلف مناصب استثنائية مكّنته من أن يكون في قلب الحدث الدبلوماسي والاستراتيجي في دولة تحتل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي وتعد إحدى الدول النووية الخمس «الشرعية»، وهي تمتلك ثالث أكبر تمثيل دبلوماسي في العالم (بعد الولايات المتحدة والصين)، وتشكّل مع ألمانيا «قاطرة» الاتحاد الأوروبي.

كوندوليزا رايس (غيتي)  -   فلاديمير بوتين (غيتي)   -  المرشد الإيراني الخميني (غيتي)

يمكن القول، باختصار، إن المواقع التي شغلها غوردو مونتاني أهّلته لأن يرى من الداخل ومن أرفع المناصب تحولات السياسة الدولية وخفاياها. من هنا، فإن كتابه ليس مجرد مذكرات بل هو تجوال وترحال في السياسة الدولية وفي مطابخها، ما يمكّن غالباً المؤلف من كشف الكثير من خباياها ومن إلقاء الضوء على أحداث وتطورات لم يعرف سوى النذر القليل من مكنوناتها يوم حصولها. وفي 392 صفحة و17 فصلاً، يرسم لنا غوردو مونتاني صورة للدبلوماسية العالمية من خلال الأزمات المتلاحقة التي عايشها، وكان، من موقعه خصوصاً زمن وجوده إلى جانب الرئيس شيراك، أحد المؤثرين عليها والفاعلين فيها.
يحتل الفصل الرابع من الكتاب الذي كرّسه المؤلف للحرب على العراق موقعاً متميزاً لأنه يرمي الضوء على خلفيات السياسات الأميركية زمن الرئيس جورج بوش الابن وكيفية تعاطي الإدارة الأميركية مع العواصم الأوروبية وعلى رأسها باريس. ويكتب المؤلف أنه منذ بداية عام 2002، وخطاب الرئيس بوش حول «محور الشر» الذي يضم العراق والذي ألقاه في الأكاديمية العسكرية «ويست بوينت»، بدا واضحاً أن بوش يحضّر الرأي العام الداخلي الأميركي للحرب وأن الهدف هو نظام صدام حسين بحجة امتلاكه المزعوم لأسلحة الدمار الشامل. ويضيف غوردو مونتاني أن شيراك «فهم سريعاً المخاطر المترتبة على هذه السياسة التي من شأنها نسف وحدة العالم الغربي والتوازنات الإقليمية فضلاً عن استجرار مواجهة مع العالم الإسلامي». فضلاً عن ذلك، فإن شيراك يرى أن الإطاحة بالنظام العراقي من خلال عملية عسكرية ستُفضي بلا شك إلى قلب موازين القوى داخل العالم الإسلامي لصالح الشيعة المحسوبين على نظام الحكم في إيران وعلى حساب السُّنة، وسيفضي إلى توترات لاحقة. وحسب القراءة الفرنسية، فإن الحرب «ستُفضي إلى تفكيك الموزاييك الهش وإنها ستشكّل خطأ استراتيجياً رئيسياً». ولذا، فإن الرئيس الفرنسي سعى طيلة النصف الثاني من العام 2022 للوقوف في وجهها. ويكشف الكاتب أن البعض من المعروفين بميولهم «الأطلسية» في وزارة الخارجية سعى إلى تعطيل السياسة الرئاسية ولكن دون طائل.

بداية الغزو 20 مارس 2003 (أ.ف.ب)

- كوندوليزا رايس: تخلِّينا عن الحرب ثمنه رحيل صدام
كان المؤلف حاضراً في القمة التي جمعت الرئيسين شيراك وبوش في براغ، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2002. وكتب ما حرفيته: «كان الوفدان جالسين وجهاً لوجه. أجواء التوتر ملموسة. وما سمعناه، كلٌّ يغنّي على ليلاه. بوش غارق في قناعاته، لا بل إنه (عندما يتكلم) لم يكن ينظر إلى شيراك». وجاء جواب الأخير سريعاً. فقال: «إن الحرب ستضرب الاستقرار في المنطقة، وستفضي إلى تسلّم الشيعة المقربين من إيران الحكم في بغداد، وستقوّي نفوذ إيران في سوريا وفي لبنان عبر (حزب الله)». وأضاف شيراك: «هذه الحرب لن تكون شرعية وستُحدث انقساماً داخل الأسرة الدولية، وستُفقد الغرب مصداقيته، وستكون مصدر الفوضى التي ستنبثق منها موجة إرهاب سيصعب السيطرة عليها».
لكنّ حجج الرئيس الفرنسي لم يكن لها أي أثر على الفريق الأميركي. ورغم ذلك، أراد شيراك أن يعرف المزيد عن نيات واشنطن، فأرسل إليها، في الأيام الأولى من العام 2003، غوردو مونتاني الذي التقى نظيرته كوندوليزا رايس. طرح عليها الموفد الفرنسي، السؤال الجوهري: «ما الذي يمكنه أن يجعلكم تتخلون عن خطة الحرب؟ ما الشروط التي تريدونها لذلك؟». وجاء جواب رايس قاطعاً: «أن يتخلى صدام عن السلطة».
بعد رايس، التقى غوردو مونتاني بول وولفوويتز، نائب وزير الدفاع الأميركي. ويصف الأول اللقاء بأنه أمضى خلاله إحدى أسوأ لحظات حياته في مهنته الدبلوماسية الطويلة. وبعد أن جعله ينتظر طويلاً قبل أن يستقبله، أبدى وولفوويتز «عجرفة» أميركية، كما يقول الكاتب، إذ لم يستمع لحجج الزائر وكان كلامه مسيئاً بحق فرنسا التي اتهمها بـ«المراوغة»، مؤكداً أن واشنطن «تعلم ما تعلمون»، والمقصود أن العراق يملك أسلحة نووية وأن باريس تدّعي الجهل. وخلاصة المؤلف أنه عاد من رحلته إلى واشنطن بقناعة مفادها أن الأميركيين «يريدون أن يكونوا أحراراً عسكرياً ودبلوماسياً ولا يريدون تحالفاً يعمل وفق تكليف أممي، وأن واشنطن (ليست بحاجة لأحد)».
وبطبيعة الحال، لم تأخذ واشنطن بنصيحة شيراك بالتزام «الصبر». لذا سعى الرئيس الفرنسي إلى بناء تحالف دولي بوجه الأميركيين بالاستناد إلى ألمانيا وروسيا. وعن روسيا، نقل المؤلف عن الرئيس الأسبق قوله: «روسيا ليست الممسحة التي نمسح عليها أرجلنا»، مضيفاً أن شيراك كان يحظى بدعم وثقة الرئيس فلاديمير بوتين. أما بقية القصة فمعروفة، إذ هددت فرنسا باللجوء إلى حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن إذا سعت واشنطن للحصول على تفويض أممي لحربها على العراق. وكثيرون ما زالوا يتذكرون خطاب وزير الخارجية دومينيك دو فيلبان، الشهير والتصفيق الذي حازه. وكانت النتيجة أن القوات الأميركية، مدعومةً من القوات البريطانية، قامت بغزو العراق وأسقطت بغداد وقضت على نظام صدام حسين الذي كانت نهايته على حبل المشنقة.
لم تصل العلاقات الفرنسية - الأميركية إلى حد الطلاق رغم الخلافات العميقة بين البلدين. فرنسا كانت تعي أن مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي سعت إليه واشنطن، مصيره الفشل. ومجدداً أُرسل المؤلف إلى واشنطن لإبلاغ «كوندي» (كوندوليزا رايس) بأن باريس تريد قلب صفحة الخلاف وتريد أن ترى كيف تستطيع المساهمة من أجل إعادة بناء العراق وتوفير الاستقرار. وجاء رد «كوندي» قاطعاً: «لسنا بحاجة إليكم... نحن صرفنا أموالنا ودفعنا الثمن من دماء جنودنا وسوف نتصرف بعيداً عنكم». بيد أن الأمور أخذت تتحسن شيئاً فشيئاً بعد الحملة الشعبية على فرنسا ومقاطعة بضائعها. ونجح الطرفان في العمل معاً ليس فقط بخصوص الملفين اللبناني والسوري، حيث أبرز ما أنتجاه معاً قرار مجلس الأمن الرقم «1449» الذي يطلب انسحاب القوات السورية من لبنان، ولكن أيضاً بخصوص إيران، حيث إن باريس كانت بالتعاون مع برلين ولندن قد أطلقت أولى المفاوضات مع طهران بشأن برنامجها النووي، الأمر الذي أثار اهتمام واشنطن.

- «روسيا بوتين» في 2006
كم يبدو بعيداً الزمن، حيث كانت روسيا عضواً في مجموعة الثمانية، لا بل إن فلاديمير بوتين ترأسها في العام 2006، وكانت المرة الوحيدة التي أُتيحت لروسيا هذه الفرصة. ذلك أن دورها حلّ مجدداً لرئاسة المجموعة في العام 2014، إلا أن غزوها شبه جزيرة القرم وضمها هذه المنطقة إليها في العام المذكور أخرجها من المجموعة التي تقلصت مجدداً إلى مجموعة السبع. وينقل المؤلف عن شيراك رغبته في «ضم روسيا إلى الأسرة الدولية»، وهو الخط الذي التزم به الرئيس إيمانويل ماكرون منذ عام 2017، ويؤكد المؤلف أن شيراك كان دائم التنبه إلى مطالب روسيا، وراغباً في التقارب معها، لذا دعا بوتين إلى المجيء إلى فرنسا مرة أولى في عام 2004 للمشاركة في الاحتفال السنوي لنزول الحلفاء في منطقة النورماندي. ورأى الرئيس الفرنسي أن أفضل منصة لذلك هي مجموعة الثمانية الكبار التي تضم الدول الصناعية الكبرى. ويروي غوردو مونتاني تفاصيل بعض الطرائف التي رافقت اجتماعات مستشاري القادة الثمانية للتحضير للقمة ومنها أن مستشار بوتين، واسمه إيغور شوفالوف، دعا أقرانه لصيد السمك على نهر الفولغا. وكان الاتفاق المسبق على رمي كل سمكة في النهر بعد اصطيادها، والبديل كان، كل مرة، كأساً من الفودكا. ويقول المؤلف إن حظه كان كبيراً لأن مجموعته لم تنجح في اصطياد الكثير من الأسماك. وجرت القمة في مدينة سانت بطرسبرغ في أجواء مريحة، ما دفع شيرك لاعتبار أن «الثقة تتعزز بين روسيا والغرب»، خصوصاً مع فرنسا وألمانيا.
بيد أن رغبة الحلف الأطلسي في التمدد إلى وسط أوروبا وشرقها كانت منذ انهيار حلف وارسو تثير قلق موسكو. ويؤكد الكاتب أن شيراك كان يعرف قول هنري كيسنجر الذي يرى أن «أوكرانيا لن تكون أبداً بلداً كأي بلد آخر بالنسبة إلى روسيا والعكس بالعكس»، أو ما كتبه زبيغينيو بريجينسكي في كتابه «أميركا وبقية العالم» حيث رأى أن روسيا من غير أوكرانيا «لا يمكن أن تكون قوة عظمى». ويؤكد غوردو مونتاني أن وزير الخارجية الأميركي وقتها جيمس بيكر، تعهد للرئيس ميخائيل غورباتشوف، بأن الحلف الأطلسي «لن يتمدد بوصة واحدة» باتجاه روسيا، وهو ما ينفيه الأميركيون اليوم، علماً بأن وزير الخارجية الفرنسي الأسبق رولاند دوما، أكد حصول هذا التعهد في مذكراته. ووفق الدبلوماسية الفرنسية، فإن انتصار الديمقراطيات الغربية على الأنظمة التوتاليتارية «أنساها أن الأمن مسألة جماعية وليس شريعة المنتصر، بل يتعين التوصل إليه من خلال الحوار والتفاوض». ومنذ البداية، كانت باريس تنظر، وفق المؤلف، إلى أن من حق أوكرانيا المحافظة على أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها، لكن، في الوقت عينه، يجب الأخذ بعين الاعتبار المصالح المشروعة لكل طرف بما في ذلك روسيا. ومجدداً، سعت فرنسا إلى إيجاد حل وسط، فاقترحت «حماية أطلسية - روسية مشتركة» لأوكرانيا. لكن ألمانيا بدت مترددة، فيما كان الرد الأميركي قاطعاً، إذ قالت «كوندي» للمؤلف: «كلاً. أبداً. أنتم الفرنسيون سعيتم لمنع توسع الحلف في المرحلة الأولى وها أنتم تسعون لمنعه في المرة الثانية»، بمعنى أن من حق أوكرانيا، كغيرها، الانضمام إلى النادي الأطلسي. من هنا، فإن قمة الأطلسي عام 2008 في بوخارست نص بيانها النهائي على انضمام أوكرانيا وجورجيا. إلا أن معارضة باريس وبرلين ربطت هذا الانضمام بتوافر الظروف لذلك. وبعد 15 عاماً، ما زال الملف عالقاً، وقد كان إحدى الحجج الروسية لـ«عمليتها العسكرية الخاصة».
- الخميني... «حزب الله» واستقرار لبنان
يروي المؤلف أن الرئيس صدام حسين بعث برسالة عام 1978 إلى «صديقه» جاك شيراك يحذّره فيها من استقبال الإمام الخميني الذي كان لاجئاً في العراق ويرغب في الانتقال منه إلى بلد وهو متردد في اختياره ما بين باريس وطرابلس. وطلب صدام من شيراك أن ينبه الرئيس جيسكار ديستان من استقبال الخميني. وحمل شيراك الرسالة إلى جيسكار، غير أن الأخير رأى العكس، معتبراً أن مصلحة فرنسا تكمن في المحافظة على العقود المبرمة مع إيران والمحافظة على آفاق التعاون التي انطلقت مع حكم الشاه الضعيف اليوم سياسياً. وهكذا كان. ويضيف الكاتب ساخراً أن الأمر الوحيد الذي حصلت عليه فرنسا من الخميني هو إطلاق اسم «نوفل لوشاتو»، وهي البلدة التي استضافت الخميني، على الشارع حيث تقع السفارة الفرنسية في طهران. ويضيف المؤلف: «منذ تلك الفترة، تسبب النظام الإيراني لنا بالصداع وعلاقتنا به تؤثر على سياستنا في الشرق الأوسط». بيد أن الواقعية السياسية دفعت باريس لإعادة التواصل مع طهران منذ العام 2003، وذلك، وفق الرئيس الفرنسي وقتها، لثلاثة أسباب: الأول، احتواء طموح طهران بالحصول على السلاح النووي وتجنب السباق من أجل التسلح في المنطقة، وثانيها النظر في إمكانيات تعزيز التعاون الاقتصادي معها، وثالثها الدفع باتجاه تبني إيران سياسة إيجابية تجاه لبنان. ويلخص المؤلف الرؤية الفرنسية بأن الانفتاح على طهران هدفه «التوصل إلى إطار إقليمي ثابت يوفر السلام والاستقرار والازدهار» للجميع. ويحتل استقرار لبنان هدفاً دائماً لفرنسا الخائفة من تصاعد نفوذ «حزب الله» ومن تغيّر التوازنات الديمغرافية والطائفية. من هنا، يقول الكاتب إن باريس رأت «وجود قناة تواصل مباشرة مع إيران يمثّل أفضل وسيلة للحد من نزعة السيطرة عند (حزب الله) ومن نفوذه».
ويروي الكاتب ولادة المبادرة الفرنسية للتواصل مع إيران والتي ضمّت ألمانيا وبريطانيا أيضاً، وما توصلت إليه من حمل طهران، بعد زيارة جماعية لوزراء الدول الثلاث، على قبول تجميد برنامجها النووي مقابل تعاون بينها وبين الاتحاد الأوروبي لتطوير الصناعة النووية السلمية الإيرانية. ويؤكد غوردو مونتاني أن ما تحقق كان المدماك الأول للاتفاق النووي بين مجموعة «5 زائد 1» وإيران للعام 2015. كما يروي الكاتب تفاصيل الزيارة السرية التي قام بها إلى طهران في العام 2005 ولقائه كبار المسؤولين، والخلاصة التي توصل إليها، وقوامها أن ما يهم الإيرانيين هو «الاعتراف بموقع ودور إيران الإقليمي، ورفضهم التهميش على المسرح العالمي، واستعدادهم لبذل جهود جدية من أجل التعامل مع بلادهم على أنها قوة محترمة». وما لفت نظره أن أياً من المسؤولين لم ينطق بكلمة عن إسرائيل التي تعدها الآيديولوجيا الإيرانية «الشيطان الأصغر» إلى جانب الولايات المتحدة «الشيطان الأكبر». ويعالج الكتاب تفاصيل المناقشات الخاصة بالملف النووي خصوصاً خلال زيارة حسن روحاني، المولج وقتها بهذا الملف، إلى باريس، مركّزاً على «واقعيته وديناميته»، كما يقول، ومشيراً إلى تركيزه على ضرورة «تعريف الضمانات الموضوعية» التي تثبت سلمية برنامج إيران النووي.
أفضى انتخاب أحمدي نجاد رئيساً للجمهورية الإسلامية، إلى تجميد التواصل مع طهران. لكنَّ باريس كانت مصرة على مواصلته، وتم ذلك من خلال اجتماع غوردو مونتاني السرّي في جنيف مع مستشار نجاد الخاص واسمه مجتبى ساماريه هاشمي. والخلاصة التي توصل إليها المبعوث الفرنسي من خلال المناقشات التي تركزت على «شروط الاستقرار الإقليمي»، أي في لبنان والعراق وسوريا والخليج، أن «إحراز أي تقدم في الملف النووي مرهون بالموقع الذي سيُعترف لإيران به في توازنات الشرق الأوسط وليس التهديدات غير المفيدة أو المفاوضات التقنية». لكن نهاية عهد شيراك في العام 2007 طرحت غلالة على المشاريع الفرنسية التي لم تعد إلى الواجهة إلا مع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض وفرنسوا هولاند إلى قصر الإليزيه والمفاوضات الجماعية التي انطلقت مع إيران لتكون نهايتها الناجحة في فيينا صيف العام 2015.
لكن الاتفاق المذكور لم يذهب حتى خواتيمه بعد أن نقضته إدارة الرئيس دونالد ترمب في العام 2018. أما اليوم، فالمفاوضات دخلت طريقاً مسدودة واختلط الحابل النووي بالنابل الإقليمي والإنساني والأوكراني ليصبح الملف أكثر تعقيداً.
ما سبق ليس سوى غيض من فيض ما يحتويه كتاب غوردو مونتاني من معلومات وتحليلات يضيق المكان بها.


مقالات ذات صلة

صفعت والدها ودفعت بزوجته من أعلى السلّم... أسرار الأميرة ديانا في مذكّرات شقيقها

يوميات الشرق في «Swan Song» يكشف تشارلز سبنسر عن أسرار كثيرة في الحياة الخاصة لشقيقته (رويترز) p-circle 01:37

صفعت والدها ودفعت بزوجته من أعلى السلّم... أسرار الأميرة ديانا في مذكّرات شقيقها

«أغنية البجعة»، كتابٌ يتصدّر المبيعات حالياً في بريطانيا وحول العالم لما فيه من خفايا عن حياة الأميرة ديانا، يكشف عنها الكاتب وهو شقيقها تشارلز سبنسر.

كريستين حبيب ( بيروت)
ثقافة وفنون رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير.

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى.

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.