«تشات جي بي تي» تقنية «مفيدة» محفوفة بمخاطر «التضليل»

نظام «تشات جي بي تي» قيد الاستخدام (د.ب.أ)
نظام «تشات جي بي تي» قيد الاستخدام (د.ب.أ)
TT

«تشات جي بي تي» تقنية «مفيدة» محفوفة بمخاطر «التضليل»

نظام «تشات جي بي تي» قيد الاستخدام (د.ب.أ)
نظام «تشات جي بي تي» قيد الاستخدام (د.ب.أ)

في الوقت الذي جذب فيه نظام الذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» اهتمام العالم، لا سيما عشاق التكنولوجيا، لتبدأ محاولات استخدامه في إنتاج محتوى رقمي عالي الجودة، قد يقلل الاعتماد على العنصر البشري مستقبلا. حذر علماء وباحثون من إمكانية أن يسهم روبوت «تشات جي بي تي» في انتشار «الأخبار الزائفة». وبينما يشير خبراء إلى فائدة تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل عام في «تسريع» عملية تدقيق المحتوى؛ إلا أنهم يخشون من أن يكون لنظام «تشات جي بي تي» دور في زيادة نشر «المعلومات الزائفة»، لا سيما مع تقديمها «في قوالب عالية الجودة، ما يجعل من الصعب تدقيقها». وحذروا من إمكانية أن تلعب دوراً في «التلاعب» بالرأي العام، ما يؤدي إلى «تعطيل الديمقراطية».
و«تشات جي بي تي» هي تقنية تم طرحها للاستخدام المجاني في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ولفتت التقنية التي طورتها شركة أبحاث الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» الأميركية، انتباه عشاق التكنولوجيا. وهي عبارة عن روبوت أو برنامج ذكاء اصطناعي، يستطيع الإجابة على ما يطرح عليه من أسئلة بشكل تفصيلي ودقيق، ويمكنه كتابة موضوعات صحافية كاملة اعتماداً على ما يقدمه المستخدم من مدخلات.
ووفقاً لتقرير أصدرته جامعة جورج تاون ومرصد ستانفورد للإنترنت و«أوبن إيه آي» في يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن «(تشات جي بي تي) سوف يسهل عملية نشر (المعلومات الزائفة) على الإنترنت». وقال التقرير إن «تقنيات الذكاء الاصطناعي تطورت بشكل كبير، ما يسهم في إنتاج محتوى متنوع، لكنها في نفس الوقت قد تحمل آثاراً سلبية، عبر كونها وسيلة قد تساعد في صناعة (البروباغندا)، عبر إنتاج (معلومات زائفة)، للتأثير على الرأي العام».

قدرات متباينة

حقاً، يبدو المحتوى الذي ينتجه روبوت «تشات جي بي تي»، دقيقاً إلى درجة يصفها مراقبون بـ«المخيفة». وفقاً لدراسة نشرت نهاية العام الماضي على موقع المسودات البحثية «بيور أركايف» فإن «تشات جي بي تي» استطاع كتابة ملخصات بحثية «مقنعة بحيث لم يستطع العلماء كشف زيفها»، لا سيما بعد «اجتياز هذه الأبحاث اختبار كشف الانتحال، مسجلة نسبة أصالة 100 في المائة». وأبدت ساندرا واشتر، التي تدرس التكنولوجيا وتنظيم استخدامها في جامعة أوكسفورد البريطانية، «قلقها». وقالت إن «عواقب ذلك ستكون وخيمة على البحث العلمي والمجتمع ككل».
لكن الأمر مختلف على مستوى الصور، حيث تتباين قدرات الذكاء الاصطناعي في هذا المجال. وهذا ما كشفته صورة معدة بالذكاء الاصطناعي، لمشهد غير حقيقي يظهر منقذا يونانيا يحتضن طفلا تركيا. ويقول مدقق المعلومات المصري، حسام الهندي، الذي حقق هذه الصورة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك عدة عوامل تثبت أنها غير حقيقية منها أن ملابس الطفل والمنقذ نظيفة، رغم وجودهما في وسط الأنقاض، والأهم أن اليد اليسرى للمنقذ تظهر بها 6 أصابع». رغم ذلك يرى الهندي أن «الذكاء الاصطناعي سوف يتطور وسيتمكن من حل هذه المشكلة».
وأظهر تقرير نشره معهد «بوينتر» الأميركي المتخصص في علوم الإعلام، منتصف فبراير (شباط) الجاري، قدرة «تشات جي بي تي» على إنتاج «محتوى زائف»، منسوب لصحافية غير حقيقية، وصحيفة غير موجودة بالأساس، حيث طلب من «تشات جي بي تي» كتابة تقرير يقول إن «الفنانة بيونسيه تعرضت لعملية مطاردة من قبل جمل بعد حفلتها في دبي، منسوب لصحيفة تدعى (دبي كرونيكل)، وباسم الصحافية سارة أحمد»، وفي ثوانٍ أنهى «تشات جي بي تي» تقريراً كاملاً بعنوان «جمل يطارد بيونسيه بعد حفلها في دبي».

مساحة رمادية

رامي الطراونة، رئيس وحدة المنصات الرقمية في صحيفة «الاتحاد» الإماراتية، يرى أن صناعة المحتوى المعدل رقمياً باتت «أكثر سهولة ويسراً» مع سرعة تطور أدوات الذكاء الاصطناعي. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «(تشات جي بي تي) استطاع تطوير نصوص ومواضيع متقنة، وأقرب بتماسكها إلى النصوص البشرية»، إضافةً إلى وجود تطبيقات أخرى تتيح استنساخ نبرات الصوت مثل (voice.io)، وإنشاء الصور والتراكيب البصرية مثل (Midjourney)، و(DALL - E)، و(Linsa AI)، ومثلها للفيديو أيضاً.
ويضيف الطراونة أنه بهذه الأدوات أصبحت صناعة الخبر من نص وصوت وصورة، «قابلة للإنشاء والتعديل رقمياً». قد يبدو هذا «جيداً» للوهلة الأولى، لكنه بحسب الطراونة «يجعل كل ما هو معروض محل شك واستفهام، ويزيد المساحة الرمادية بين الحقيقة والزيف، لوجود أدوات قادرة، وبشكل متقن، على تعديل وصناعة أي شيء رقمياً». في نفس الوقت، يشير الطراونة إلى أن «جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي ما زالت في بداياتها، ولم تصل بعد لمرحلة النضوج الكامل، الذي سيجعل نتائجها أكثر إبهاراً وإقناعا في المستقبل».
بالفعل، دفعت هذه التطورات بعض الجهات لتطوير أدوات لكشف منتجات الذكاء الاصطناعي، من نص أو صورة، ما يراه الطراونة «أمراً مبشراً لما له من قدرة على ضبط جماح الذكاء الاصطناعي، وإرساء بعض القواعد التي من شأنها زيادة فوائده وتقليل مضاره».
هذه المخاوف من «تشات جي بي تي» امتدت إلى المؤسسات التعليمية، حيث أعلن معهد الدراسات السياسية في باريس (ساينس بو) في يناير الماضي، حظر استخدام «تشات جي بي تي» على طلابه، مهددا بعقوبات صارمة تصل حد الفصل. وقال المعهد، في رسالة وجهها لطلابه، إن «هذه الأداة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، (تشات جي بي تي) تثير مخاوف كبيرة لدى الجهات التعليمية والبحثية في مختلف أنحاء العالم بشأن الغش عموماً، والسرقة الأدبية خصوصاً».
ويوازي الاهتمام اللافت بالتقنية وقدراتها، التحذير من خطرها. حيث يشير خبراء التكنولوجيا إلى «قدرة نظام (تشات جي بي تي) على التلاعب بمستخدميها، وربما دفعهم للقيام بأشياء تتعارض ومصالحهم». بحسب تقرير نشره «معهد مودرن وار»، في فبراير الجاري، تحت عنوان «التضليل في عصر (تشات جي بي تي)». وحذر التقرير من تأثير هذه التقنية على أحداث مهمة مثل الانتخابات، ما «يسهم في تعطيل الديمقراطية». إضافةً إلى أن «تشات جي بي تي» يمكن أن «ينشر معلومات (زائفة) بشأن أمور من بينها جائحة (كوفيد - 19)، ما يؤثر سلبا على صحة المواطنين».
جوش غولدستاين، الباحث في مركز جورج تاون للأمن والتكنولوجيا الناشئة، يقول في تقرير نشرته «بي بي سي» أخيراً، إن «أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تحسن من جودة المحتوى، في حملات (التضليل) المنهجية، بشكل يجعله أكثر إقناعا، ما يؤدي إلى صعوبة تمييز صدقه من عدمه، بالنسبة للمواطن العادي».
وهنا يرى مراقبون أن تقنيات الذكاء الاصطناعي وبينها «تشات جي بي تي» مثلها مثل أي أداة جديدة، يمكن أن تكون «مفيدة» في بعض الأحيان. وفي أحيان أخرى قد تكون «ضارة»، بحسب الطريقة التي يتم استخدامها بها. وستثبت التجربة في الفترة المقبلة لأي كفة ستكون الغلبة.
ويبدو التنافس في مجال الذكاء الاصطناعي محتدما بين شركات التكنولوجيا. وأخيرا، كشفت شركة «ميتا»، المالكة لـ«فيسبوك»، عن نسختها الخاصة من الذكاء الاصطناعي، الشبيهة بـ«تشات جي بي تي»، والتي حملت اسم «لاما»، وهو برنامج ذكاء اصطناعي وصفته «ميتا» بأنه «أصغر وأفضل أداءً». وأوضحت «ميتا»، في بيان نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، أن «البرنامج صمم لمساعدة الباحثين على تطوير عملهم». ولفتت «ميتا» إلى أن «المشكلات التي أظهرها الذكاء الاصطناعي عبر روبوتات المحادثة، والتي شبهها البعض بالهلوسات، يمكن علاجها بشكل أفضل إذا تمكن الباحثون من تحسين الوصول إلى هذه التكنولوجيا باهظة الثمن». وقالت إن «البحث ما زال محدوداً بسبب ضخامة الموارد المطلوبة لتدريب هذه النماذج وتشغيلها، ما يعوق جهود تحسين قدرات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وتخفيف مشكلاتها، وعلى رأسها إمكانية إنتاج معلومات (مضللة)».
بينما أعلنت شركة «غوغل»، عن عزمها إطلاق نسختها الخاصة من الذكاء الاصطناعي، لا سيما أنها ترى في الشراكة بين «مايكروسفت» و«أوبن إيه آي»، «تهديدا لهيمنتها على عرش محركات البحث»، بعدما أعلنت «مايكروسوفت»، عزمها على «دمج (تشات جي بي تي) في محرك البحث الخاص بها (بينغ)، وكذلك متصفح (إيدج)».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.