زلزال جديد يوقع ضحايا ويثير رعباً في تركيا

بعد مباشرة إزالة الأنقاض ووعد إردوغان بمساكن آمنة وتحديد مواعيد بدء الدراسة

الرئيس إردوغان وإلى جانبه دولت بهشلي في هاتاي (رويترز)
الرئيس إردوغان وإلى جانبه دولت بهشلي في هاتاي (رويترز)
TT

زلزال جديد يوقع ضحايا ويثير رعباً في تركيا

الرئيس إردوغان وإلى جانبه دولت بهشلي في هاتاي (رويترز)
الرئيس إردوغان وإلى جانبه دولت بهشلي في هاتاي (رويترز)

في اليوم الخامس عشر على الزلزالين اللذين ضربا جنوب تركيا وشمال سوريا، وفيما أعلن في أنقرة رسمياً عن انتهاء أعمال الانقاذ وبدء مرحلة ازالة الركام وبعدها اعادة الإعمار، ضرب زلزال جديد بقوة 6.4 درجة على مقياس ريختر في منطقة دفنة بولاية هاتاي مساء أمس (الاثنين)، ما أدى إلى سقوط ضحايا وأبنية، وسط حالة من الرعب بين السكان.
وسُمع صوت انفجار شديد وأصوات انهيار مبانٍ في مدينة أنطاكيا بالتزامن مع الزلزال الجديد.
وشعر سكان سوريا ولبنان وفلسطين والعراق بالزلزال الذي أعقبته هزة شديدة بقوة 5.8 ريختر في منطقة صامان يولو في هاتاي أيضاً.
وغادر نزلاء بعض الفنادق في مركز هاتاي إلى الشوارع بعد أن شعروا بهزة قوية كما تحطّم بعض واجهات المنازل. وشوهد مسعفون ينقلون بعض المصابين. وحوصر بعض الأشخاص تحت أنقاض مبانٍ انهارت نتيجة للزلزال والهزة التي أعقبته.
وأكدت إدارة الكوارث والزلازل أن الزلزال وصلت قوته إلى 6.4 درجة ووقع في تمام الساعة 20:04 بالتوقيت المحلي (تغ 3)، في ولاية هاتاي، إحدى الولايات العشر التي ضربها زلزالان قويان مركزهما كهرمان ماراش في 6 فبراير (شباط) الحالي، بقوة 7.7 و7.6 أديا إلى مقتل 41 ألفاً و156 شخصاً، وانهيار 118 ألف مبنى، مع إصابة أكثر من 800 ألف مبنى بأضرار متفاوتة.
وأفيد من الشمال السوري بأن الزلزال الجديد أدى إلى سقوط عدد من الأبنية السكنية في مناطق الأتارب وسلقين وجنديرس وأعزاز بريفي حلب وإدلب، وعلق مدنيون تحت الأنقاض، فيما شهد معظم المدن والمناطق في شمال غربي سوريا، خروج المواطنين إلى الشوارع خشية تساقط الأبنية عليهم، وسط حالة من الخوف والرعب، الذي ترافق مع سماع دوي سيارات الإسعاف واستنفار القوى الأمنية على الطرق ومداخل المدن الرئيسية في الباب وأعزاز وسرمدا وجنديرس وسلقين وحارم والدانا شمال غربي سوريا.
وكانت الولايات المنكوبة بزلزالي 6 فبراير (شباط) في تركيا في اليوم الخامس عشر لوقوع الكارثة شهدت تسارعاً في حركة إزالة الركام والمباني التي تحتاج إلى إزالة. وتواصلت على نحو سريع أيضاً إقامة تجمعات الحاويات في كهرمان ماراش وهاتاي وولايات أخرى، وتزويدها بالكهرباء والتدفئة عبر وحدات الطاقة الشمسية، وتوزيعها على الأسر المتضررة مع إعطاء الأولوية لكبار السن والمعاقين، وتوفير الخدمات الطبية والاحتياجات الأساسية فيها. واستؤنفت الدراسة، الاثنين، في 71 ولاية تركية بعد انتهاء إجازة نصف العام الدراسي التي تم تمديدها من 6 إلى 20 فبراير بسبب وقوع الزلزال، بينما ستستأنف الدراسة في 10 ولايات منكوبة في مواعيد مختلفة خلال شهر مارس (آذار) المقبل حسب الوضع في كل ولاية.
وأعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي زار هاتاي ومعه شريكه في «تحالف الشعب» رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي الذي يزور للمرة الأولى إحدى الولايات المنكوبة، أن زلزالي 6 فبراير «تسببا في انهيار 118 ألف مبنى، وتم إخلاء 412 ألف وحدة مستقلة (شقة) على وجه السرعة، كما تمت إزالة حطام أكثر من 71 ألف وحدة مستقلة، كما تم نقل مواطنينا في أكثر من 133 ألف وحدة مستقلة في أكثر من 24 ألف بناية ذات أضرار متوسطة إلى ملاجئ مؤقتة أو أماكن آمنة».
وأضاف إردوغان «أنه تم تحديد 3 ملايين و108 آلاف وحدة مستقلة على أنها متضررة بشكل طفيف أو غير تالفة»، مشيراً إلى أن «عملية تقييم الأضرار التي تجريها وزارة البيئة والتطوير العمراني والتحضر، على وشك الانتهاء، ويمكن لمواطنينا الوصول إلى معلوماتهم حول حالة الأضرار التي لحقت بمنازلهم من خلال موقع الحكومة الإلكتروني».
وذكر إردوغان، أن حصيلة القتلى بلغت 41 ألفاً و156 مواطناً، وبلغ عدد المصابين 114 ألفاً و834 شخصاً، وسيتم إعلان الأرقام النهائية بعد الانتهاء من إزالة الركام.
وتابع، أن عملية البناء ستبدأ قريباً جداً، وسيكون ارتفاع المباني من 3 إلى 4 طوابق فقط. ومع تقييم الأضرار سيزداد عدد المساكن في كل ولاية، ويتم تحديد نوعية الأرض والمسافة من خطوط الصدع بواسطة المتخصصين والأكاديميين، لتحديد أفضل المناطق لبناء المساكن الجديدة.
وبينما تسعى الحكومة التركية إلى الإسراع بالبدء في أعمال إعادة البناء، حذر العضو المؤسس لأكاديمية العلوم عالم الجيولوجيا ناجي غورور، «من البدء سريعاً في إقامة منشآت خرسانية في المناطق التي تعرضت لأضرار كبيرة جراء الزلزالين العنيفين».
ومع بدء عملية إزالة الأنقاض على قدم وساق في الولايات المنكوبة تمهيداً للبدء بإعادة البناء، قال غورور، وهو خبير بارز في علم الزلازل في تركيا، إنه «إذا لم تستخدم الخرسانة المسلحة مسبقة الصب، والمعدة منذ فترة، فلا تلجأوا لصب الخرسانة في الإنشاءات إلا بعد فترة من الوقت؛ لأن توابع الزلزال الصغيرة والكبيرة لا تزال تحدث في كثير من الأحيان». وأعلن وزير البيئة والتطوير العمراني والتحضر مراد كوروم، الاثنين «أن أكبر عملية بناء للمساكن في تاريخ البلاد ستجري في عام واحد، في الولايات المتضررة».
وحول مواعيد استئناف الدراسة بالولايات المنكوبة، قال إردوغان «قمنا بتقييم حالة كل من مدارسنا الابتدائية والثانوية، وحددنا موعد استئناف الدراسة في 1 مارس في أضنة وديار بكر وكيليس وشانلي أورفا، و13 مارس في غازي عنتاب وعثمانية، و27 مارس في هاتاي وكهرمان ماراش، ونقدم جميع سبل الراحة لطلابنا الذين يرغبون في الانتقال إلى ولايات أخرى، حيث سيكون بمقدورهم التحويل إلى المدارس الداخلية لمواصلة تعليمهم».
واستؤنفت الدراسة، أمس (الاثنين)، في 71 ولاية بعد أن تأجل استئناف الدراسة في النصف الثاني للعام الدراسي من 6 فبراير إلى 20 فبراير بسبب وقوع كارثة الزلزال.
ولا يأبه بعض المواطنين بخطر الانهيارات، ويتدافعون لنقل محتويات منازلهم إلى منازل أخرى استأجروها في ولايات أخرى، أو إلى مخازن حتى يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم بعد بنائها من جديد.
ويستمر نزوح المواطنين من الولايات المنكوبة إلى ولايات أخرى، حيث قرروا العيش مع أقاربهم، أو استئجار منازل في ولايات بعيدة عن موطنهم الأصلي، إلى حين الانتهاء من بناء بيوتهم.
في الوقت ذاته، أعلن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، انطلاق سفينة من إيطاليا تحمل دفعة أولى من منازل متنقلة (حاويات السكن) خصصها الحلف للإسهام في إيواء المتضررين من الزلزال في تركيا.
وبحسب بيان لحلف «الناتو»، ليل الأحد، انطلقت السفينة من ميناء تارانتو الإيطالي، وعلى متنها 600 منزل متنقل من أصل أكثر من ألف منزل مجهز، قرر الحلف إرسالها إلى تركيا، في سياق هدفه توفير مأوى مؤقت لنحو 4 آلاف شخص على الأقل.
وبدوره، أعلن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن «أن الولايات المتحدة ستواصل دعم حليفتها تركيا طالما اقتضى الأمر، في أعقاب كارثة الزلزالين المدمرين»، معلناً دعماً بمبلغ 100 مليون دولار للمساعدة في مواجهة آثار الكارثة.
وقال بلينكن، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو عقب مباحثاتهما في أنقرة الاثنين، إنه شاهد «مأساة في المناطق المنكوبة خلال جولة فيها بالطائرة مع نظيره التركي، فقد دمرت آلاف المباني، وفقد المواطنون منازلهم وعائلاتهم وسيطرت مأساة كبيرة في تلك المناطق».
وأضاف، أنه تمكن بالكاد من الدخول من باب السفارة الأميركية في أنقرة «بسبب تكدس المساعدات التي سترسل إلى المناطق المنكوبة بالزلزال».


مقالات ذات صلة

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

آسيا مرشد سياحي في منطقة باهالغام بالشطر الهندي من كشمير (أرشيفية - أ.ب)

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

لقي شخص حتفه وانهارت منازل عدة بعدما ضرب زلزال بقوة ست درجات ‌كشمير بشمال ‌باكستان، الاثنين، ⁠حسبما ​أفاد ‌مسؤول والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أميركا اللاتينية لم ترد على الفور أي معلومات عن وقوع خسائر محتملة أو أضرار ناجمة عن الزلزال (رويترز)

زلزال بقوة 5.6 درجات يضرب جنوب المكسيك

أفادت الهيئة الوطنية المكسيكية لرصد الزلازل، الجمعة، بوقوع زلزال بقوة 5.6 درجات على مقياس ريختر بولاية كينتانا رو جنوب المكسيك.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)
المشرق العربي العاصمة الأردنية عمان (أرشيفية - بترا)

هزة أرضية بقوة 4.1 درجة تضرب الأردن

وقعت هزة أرضية بقوة 4.1 درجة على مقياس ريختر، شعر بها سكان مناطق مختلفة من الأردن، منها محافظتا عمان والبلقاء، صباح اليوم.

«الشرق الأوسط» (عمان)
شؤون إقليمية عناصر من الجيش الإسرائيلي (أ.ب)

تفعيل صافرات الإنذار في إسرائيل عقب زلزال بجنوب البلاد

أعلن الجيش الإسرائيلي تفعيل صافرات الإنذار في مدينة عراد بجنوب البلاد، وفي البحر الميت، نتيجة لوقوع زلزال، اليوم (الخميس).

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
آسيا تعد اليابان من البلاد ذات النشاط الزلزالي الأعلى في العالم (أرشيفية - رويترز)

زلزال بقوة 6.2 درجات يضرب قبالة سواحل غرب اليابان

ضرب زلزال بقوة 6.2 درجات ساحل غرب اليابان، اليوم الثلاثاء، وفق ما أفادت وكالة الأرصاد الجوية، دون إصدار أي تحذير من تسونامي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟