تقويم المدارس خطوة لعلاج فقر التعلم

معظم الخطط التنموية استهدفت التعليم باعتباره محركاً للاقتصاد (غيتي)
معظم الخطط التنموية استهدفت التعليم باعتباره محركاً للاقتصاد (غيتي)
TT

تقويم المدارس خطوة لعلاج فقر التعلم

معظم الخطط التنموية استهدفت التعليم باعتباره محركاً للاقتصاد (غيتي)
معظم الخطط التنموية استهدفت التعليم باعتباره محركاً للاقتصاد (غيتي)

في عام 2015، أطلقت الأمم المتحدة «خطة التنمية المستدامة (2030)»، التي وعدت فيها بالقضاء على الفقر في العالم. وكان هدفها الرابع «ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع».
وتبعاً لذلك، أطلقت العديد من دول العالم (من بينها السعودية) خططها التنموية للوصول إلى عام 2030. معظم هذه الخطط استهدف التعليم باعتباره محركاً للاقتصاد، فعدَّته السعودية محوراً وركيزة أساسية نحو تقليل الاعتماد على النفط. وفي سبيل ذلك، وضعت العديد من الأهداف التي تمكّن التعليم السعودي من أن يكون رافداً للاقتصاد.
ومع انطلاق هذه الجهود واجهت دول العالم أزمة «كوفيد - 19» التي أصبحت فيما بعد أزمة التعليم، وفقاً لما أشار إليه تقرير الأمم المتحدة الصادر عن «قمة التحول في التعليم (2022)»، الذي نُشر الشهر الماضي، وكشف أن فقر التعلم الذي كان قد وصل إلى نسبة 57 في المائة عام 2019، عاود الارتفاع إلى 70 في المائة بسبب الجائحة.
هذه الأخبار المقلقة تصبح أكثر من محزنة عندما نتحدث عن أطفال العالم العربي، ونجد أنهم من أكثر الأطفال في العالم معاناة من فقر التعلم، حيث تصل النسبة عربياً إلى 63 في المائة (38 في المائة في السعودية)، في مقابل 4 في المائة في بريطانيا على سبيل المثال. والمقصود بفقر التعلم عدم قدرة الأطفال في سن العاشرة على فهم نص قصير يتكون من 80 كلمة.
ويشير التقرير إلى أن هؤلاء الأطفال سيخسرون - إذا لم تُحَل مشكلتهم - ما قيمته 17 تريليون دولار من دخلهم السنوي، ولن يتمكنوا من الالتحاق بوظائف جيدة؛ كون فهم المقروء يساهم في فهم بقية المواد الدراسية، مما يؤثر في اكتسابهم المهارات والقدرات التي تجعلهم منافسين لأقرانهم في الحصول على مستقبل بعيد عن شبح الفقر المادي.
كما أشارت دراسة أُجريت العام الماضي، وأشار إليها «صندوق النقد الدولي» (Gust, Hanushek & Ludger; 2022) إلى أن 70 في المائة من الأطفال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يستطيعون الوصول إلى مستوى المهارات الأساسية، وهي المهارات اللازمة للمشاركة المنتجة في الاقتصادات الحديثة.
وتشير الدراسة نفسها إلى أن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذا تمكنت من ردم هذه الفجوة في المهارات، فإنها ستستطيع أن تضيف إلى دخلها المحلي ما يساوي 886 في المائة، مما يعني تحقيق نمو اقتصادي كبير وواعد، والرفاه للمجتمعات العربية.
إن هذه الأرقام المبشرة بالحلول نتاج دراسات امتدت لعشرات السنين قام بها العديد من الباحثين، ومنها دراسة لإريك هانوشك ولودجر ووزمان في 2015، رصدت الارتباط بين نواتج التعلم وزيادة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة منذ 1960 وحتى سنة 2000. وللتوضيح، يُقصَد بنواتج التعلم المهارات المعرفية والسلوكية والقيم التي يكتسبها الفرد من التعلُّم وتظهر في تصرفاته وسلوكه وأدائه العملي. لذلك تشير المنظمات العالمية المهتمة بالاقتصاد والتعليم إلى أهمية اعتبار نواتج التعلم أولوية، وأن يستهدفها إصلاح التعليم وسياساته. كما أشارت إلى ضرورة المشاركة في الاختبارات الدولية التي تُعدّ نتائجها مؤشراً على تحسُّن نواتج التعلم، وبالتالي اكتساب الأفراد للمهارات التي سترتبط مستقبلاً بزيادة دخلهم، ومن ثم تحقيق النمو الاقتصادي.
كما تظهر الدراسات أن تحسين نواتج التعلم يحتاج إلى جهود كبيرة؛ فدولة مثل إندونيسيا - بحسب ورقة «البنك الدولي» - ستحتاج إلى 74 سنة حتى تصل إلى كفاءة أداء دول «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» (OECD)، مثل بريطانيا في نتائج القراءة، و48 سنة للرياضيات.
وتعلق شويلتنا سابراوال، وهي «خبير اقتصادي أول» في «البنك الدولي»، ومسؤولة عن ممارسات التعليم، بأن أول الجهود لتحقيق تحسن في نواتج التعلم - وبالتالي النمو الاقتصادي - تعريض هذه النواتج للقياس بشكل دوري حتى تكون نتائج هذا القياس القائدَ والموجه لسياسات التعليم. وينسجم هذا مع دعوة «البنك الدولي» دول العالم إلى بناء نظام تقويم لمهارات الأطفال بصفة دورية.
في السعودية، أنشأ النظام التعليمي هيئة تقويم التعليم والتدريب، التي تقود أهم مبادرتين تتعلقان بالمهارات واكتسابها في برنامج تنمية القدرات البشرية، وهي إطار المهارات الوطني ونظام التعرف على المهارات، وتستهدف تحديد المهارات المطلوبة لمختلف الوظائف، ووضع نظام لتقويم مهارات الأفراد. كما أنها تقود أيضاً مبادرة البحث والتطوير والابتكار في مهارات المستقبل؛ لتحديد المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل، وسد الفجوات بين العرض والطلب.
وتجري الهيئة حزمة من الاختبارات التي تقيس جودة أداء الطلاب والطالبات في مواد الرياضيات والعلوم والقراءة، وهي المواد التي تعكس المهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد لنموه، إضافة إلى اختبارات رُخَص المعلمين وأعمال تقويم أداء المدارس الحكومية واعتماد المدارس الأهلية والعالمية.
ويستخدم برنامج «تنمية القدرات البشرية» نتائج كل ما سبق كمؤشرات لجودة التعليم في السعودية. كما تُنشر هذه البيانات لتحقيق الشفافية ودفع أهل المصلحة من الآباء والأمهات والباحثين والإعلاميين والاقتصاديين، لمعرفة درجة تحسُّن فرص اكتساب المهارات التي يساهم بها التعليم السعودي من جهة، أو حتى دعم قرار إبقاء التلميذ في هذه المدرسة أو نقله لأخرى، وكذلك مراجعة مساحة مشاركة الأهل في رحلة أبنائهم التعليمية، خصوصاً أن «البنك الدولي» في تقريره عن حالة التعليم سنة 2021، أشار بوضوح إلى أن مساهمة الأسرة في منح أبنائها فرص التعلم تقارب 70 في المائة.
ويحتوي «مؤشر ترتيب» الذي أُطلقت النسخة الثانية منه، مطلع الشهر الحالي، على قوائم عدة تضم إدارات التعليم ومكاتب التعليم والمدارس، وترتب فيها هذه المؤسسات حسب أداء الطلاب والطالبات في الاختبارات التحصيلية واختبار القدرات العامة، على أن تُضاف نتائج الاختبارات الوطنية في النسخ المقبلة، وتليها الرخص وتقويم واعتماد المدارس.
وإضافة إلى السماح بالرقابة المجتمعية على التعليم لتحسينه، تمكِّن البيانات والمعلومات التي يقدمها «المؤشر» من رصد تطور القضاء على فقر التعلُّم الذي وضعت الأمم المتحدة تقليله إلى النصف هدفاً لدول العالم بحلول 2030. هذا بخلاف دعم تحسين فرص نمو الاقتصاد، عبر تحسُّن نواتج التعليم التي قدرتها دراسة «هانوشك» في حالة السعودية بزيادة تصل إلى 965 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

- باحثة سعودية في مجال التعليم


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
تحقيقات وقضايا هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي.

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

جهود ليبية لاسترداد 100 مليون دولار إلى أرصدتها المجمدة في بلجيكا

أعضاء اللجنة الليبية المكلفة بمتابعة الأموال المجمدة خلال لقاء مع نائبة وزير الخارجية اليوناني في يناير (كانون الثاني) الماضي (مجلس النواب)
أعضاء اللجنة الليبية المكلفة بمتابعة الأموال المجمدة خلال لقاء مع نائبة وزير الخارجية اليوناني في يناير (كانون الثاني) الماضي (مجلس النواب)
TT

جهود ليبية لاسترداد 100 مليون دولار إلى أرصدتها المجمدة في بلجيكا

أعضاء اللجنة الليبية المكلفة بمتابعة الأموال المجمدة خلال لقاء مع نائبة وزير الخارجية اليوناني في يناير (كانون الثاني) الماضي (مجلس النواب)
أعضاء اللجنة الليبية المكلفة بمتابعة الأموال المجمدة خلال لقاء مع نائبة وزير الخارجية اليوناني في يناير (كانون الثاني) الماضي (مجلس النواب)

​تتمسك «لجنة ليبية» معنية بمتابعة الأصول المجمدة في الخارج، باسترداد 100 مليون دولار من الأموال الليبية المجمدة في بلجيكا، وقالت في إفادة، السبت، إن «بروكسل حصلت عليها منذ عام 2011 تحت غطاء تقديم مساعدات إنسانية، من دون أن تثبت لاحقاً تحويلها إلى الشعب الليبي، أو الجهات المصرح لها بتلقيها».

وتعود تفاصيل القضية إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2011، حين وافق مجلس الأمن الدولي على منح بلجيكا إذناً استثنائياً، يسمح لها بتسييل مبلغ 100 مليون دولار من الأموال الليبية المجمدة لديها، على أن «يُستخدم بالكامل في تقديم مساعدات إنسانية عاجلة لليبيين، عقب سقوط نظام معمر القذافي»، وفق مسؤول في «لجنة وطنية» شكلها مجلس النواب الليبي بهذا الشأن.

مجلس الأمن الدولي منح بلجيكا إذناً استثنائياً يسمح لها بتسييل مبلغ 100 مليون دولار من الأموال الليبية المجمدة (المجلس)

لكن اللجنة الوطنية الليبية المخصصة لمتابعة الأصول المجمدة، تتمسك باسترداد هذا المبلغ، استناداً إلى ما وصفها عضو اللجنة، السفير مراد حميمة، بأنها «وثائق ومراسلات رسمية»، وقال إن «بلجيكا حصلت على الأموال من دون أن تقدم مساعدات إنسانية تذكر، أو تثبت تحويل المبلغ إلى الجهات الليبية المصرح لها، أو إنفاقه لصالح الشعب الليبي».

وأضاف حميمة موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن ما حدث يمثل «إساءة استخدام للثقة الدولية»، وخرقاً للشروط التي سُمح بموجبها بتسييل الأموال المجمدة.

وجُمّدت الأرصدة الليبية بالخارج منذ اندلاع الانتفاضة ضد نظام القذافي، بموجب قرارين صادرين عن مجلس الأمن، وتشمل ودائع وصناديق سيادية، واستثمارات مالية قُدّرت بنحو 200 مليار دولار، موزعة على مصارف ومؤسسات مالية عالمية، غير أن المجلس الرئاسي الليبي السابق أعلن لاحقاً، أن حجم هذه الأرصدة تقلص إلى نحو 67 مليار دولار.

وتُعدّ بلجيكا من أبرز محطات الجدل المرتبطة بهذا الملف، بعدما دخلت في نزاعات قضائية ممتدة مع السلطات الليبية، بشأن أرصدة مجمدة تتجاوز قيمتها 15 مليار يورو. وسبق أن اتهم رئيس حكومة «الوحدة» الليبية، عبد الحميد الدبيبة، بلجيكا، بـ«محاولة الاستيلاء على أموال ليبيا المجمدة»، قائلاً إن السلطات البلجيكية «تقوم بمحاولة جديدة للاستيلاء على أموال الليبيين الموجودة لديها».

رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة اتهم بلجيكا بـ«محاولة الاستيلاء على أموال ليبيا المجمدة» (الوحدة)

كما تحدثت وسائل إعلام بلجيكية في عام 2024، عن تحقيقات تتعلق بمصير نحو 2.3 مليار دولار من فوائد الأموال الليبية المجمدة، بعدما تبين الإفراج عنها بصورة غير قانونية بين عامي 2012 و2017.

وبهذا الخصوص يقول حميمة إن «القضية لا تتعلق فقط بالمبلغ الأصلي، البالغ 100 مليون دولار؛ بل تشمل أيضاً الفوائد والعوائد، التي كان يمكن تحقيقها لو بقيت الأموال ضمن الأصول المجمدة، أو استثمرت وفق الأطر القانونية المعتمدة»، مشيراً إلى أن ليبيا «تطالب باسترداد كامل المبلغ مع الأرباح والفوائد المتراكمة طوال السنوات الماضية».

وقبل نحو 8 سنوات، انطلقت تحركات ليبية لإعادة فتح ملف الأصول المجمدة، المقدّرة بمليارات الدولارات، والموزعة على عدد من الدول والمؤسسات المالية، خصوصاً في أوروبا، وذلك عبر لجنة شكّلها مجلس النواب عام 2018 لمتابعة هذا الملف. لكن عمل هذه اللجنة تعثر مع اندلاع الحرب على العاصمة طرابلس بين عامي 2019 و2020، قبل أن تستأنف نشاطها العام الماضي، من خلال جولات شملت عدداً من الدول، التي تحتضن هذه الأصول، وذلك في إطار مساعٍ لإعادة تحريك ومتابعة أوضاع الأموال الليبية المجمدة.

ويشير حميمة إلى أن اللجنة رصدت ما وصفته بـ«تآكل ممنهج» لقيمة الأصول المجمدة؛ ليس فقط نتيجة تعطيلها لفترات طويلة، بل أيضاً بسبب ممارسات مالية اتبعها بعض البنوك والمؤسسات الحائزة لهذه الأموال.

وأوضح حميمة أن مؤسسات مالية أوروبية فرضت رسوماً إدارية، ومصاريف تشغيلية مرتفعة على الحسابات الليبية المجمدة، كما أخضعتها في بعض الحالات لسياسات الفائدة السلبية المطبقة في أوروبا خلال السنوات الماضية، ما أدى، حسبه، إلى انخفاض فعلي في القيمة الحقيقية للأصول الليبية.

وتقول اللجنة إنها اكتشفت أيضاً قيام بعض البنوك بتحويل الأرباح والعوائد، الناتجة عن إدارة هذه الأموال إلى جهات أخرى، بدلاً من إبقائها ضمن الحسابات المجمدة لصالح ليبيا، وهو ما دفعها إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية والقانونية مع الأمم المتحدة والدول المعنية.

مجلس النواب شكل منذ عام 2018 لجنة لمتابعة ملف الأموال الليبية المجمدة (مجلس النواب)

وتبنى مجلس الأمن في 14 أبريل (نيسان) الماضي، القرار 2819 لعام 2026، الذي ينص على تعيين شركة تدقيق دولية مستقلة لإجراء مراجعة شاملة لجميع الأصول الليبية المجمدة منذ عام 2011. وبحسب معلومات اللجنة الليبية، ستتولى شركة التدقيق فحص الرسوم والفوائد والعوائد، التي جرى اقتطاعها أو تحقيقها من الأموال المجمدة، والتحقق من أي انتهاكات محتملة، بما في ذلك استخدام الأصول ضماناتٍ لعمليات مالية خاصة، أو إجراء استثمارات غير مصرح بها، إضافة إلى مراجعة مدى التزام المؤسسات المالية بتقديم البيانات المطلوبة للسلطات الدولية والليبية.

كما يُلزم القرار، وفق اللجنة، جميع الدول والمؤسسات المالية، التي تحتفظ بأصول ليبية مجمدة بالتعاون الكامل مع شركة التدقيق، وتوفير الوثائق والسجلات الإلكترونية المطلوبة.

وتوقع عضو اللجنة أن يفتح القرار الباب أمام ملاحقات قانونية، ومطالبات بتعويضات مالية ضد مؤسسات، أو دول يثبت تورطها في سوء إدارة الأصول الليبية أو تحقيق أرباح غير مشروعة منها. وعدّه «تحولاً جوهرياً من نظام يعتمد على الإبلاغ الطوعي إلى آلية مساءلة حقيقية»، مؤكداً أن ليبيا «لن تتخلى عن حقها في استعادة أموالها، ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها في الإضرار بالثروة السيادية للشعب الليبي».


هوفنهايم يجدّد التعاقد مع هدافه التاريخي كراماريتش

أندريه كراماريتش مهاجم هوفنهايم الألماني (أ.ف.ب)
أندريه كراماريتش مهاجم هوفنهايم الألماني (أ.ف.ب)
TT

هوفنهايم يجدّد التعاقد مع هدافه التاريخي كراماريتش

أندريه كراماريتش مهاجم هوفنهايم الألماني (أ.ف.ب)
أندريه كراماريتش مهاجم هوفنهايم الألماني (أ.ف.ب)

تأكد بقاء أندريه كراماريتش، مهاجم هوفنهايم الألماني بصفوف فريقه لما بعد نهاية الموسم الحالي.

أعلن النادي الألماني أن كراماريتش الذي سينتهي تعاقده في يونيو (حزيران)، وقَّع على عقد جديد قبل ساعات قليلة من مواجهة شتوتغارت، السبت، ضمن منافسات الدوري الألماني.

ولم يحدد بيان هوفنهايم مدة التعاقد الجديد.

وقال كراماريتش: «أنا فخور جداً بارتداء قميص هوفنهايم في المستقبل، الكل يعلم جيداً تقديري التام لهذا النادي، فهو بمثابة بيتي الثاني منذ زمن طويل؛ لذا أنا سعيد باستمرار هذه العلاقة».

ويلعب المهاجم الكرواتي البالغ من العمر 34 عاماً في هوفنهايم منذ عام 2016، وأصبح نجم الفريق وهدافه التاريخي.

ويطمع هوفنهايم في انتزاع بطاقة مؤهلة لدوري أبطال أوروبا في الموسم المقبل باحتلال أحد المراكز الأربعة الأولى، بعدما كان الفريق مهدداً بالهبوط في الموسم الماضي.


كوسارا ميتيتش: اخترت نهاية مفتوحة لـ«17» لندرة الحياة الواقعية

ركز الفيلم على نقل مشاعر الطلاب في مرحلة المراهقة (الشركة المنتجة)
ركز الفيلم على نقل مشاعر الطلاب في مرحلة المراهقة (الشركة المنتجة)
TT

كوسارا ميتيتش: اخترت نهاية مفتوحة لـ«17» لندرة الحياة الواقعية

ركز الفيلم على نقل مشاعر الطلاب في مرحلة المراهقة (الشركة المنتجة)
ركز الفيلم على نقل مشاعر الطلاب في مرحلة المراهقة (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة المقدونية كوسارا ميتيتش إن فيلمها «17» انطلق في الأساس من سؤال أكثر من كونه قصة جاهزة، موضحة أنها كانت تفكر في مرحلة المراهقة بوصفها نقطة انكسار في حياة الإنسان، تلك اللحظة التي لا يزال فيها الشاب أو الشابة في طور تشكيل هويتهما، لكنهما يجدان نفسيهما فجأة في مواجهة تجارب قاسية تتطلب نضجاً عاطفياً يفوق سنَّهما.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»، أن ما جذبها في هذه المرحلة العمرية هو الطريقة التي يتعلَّم فيها المراهقون الصمت مبكراً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالعنف أو التجارب الصادمة التي يُطلب منهم غالباً التقليل من شأنها أو تجاوزها بسرعة، لافتة إلى أن «العمل على الفيلم استند إلى فترة بحث طويلة سبقت التصوير، إذ أجرت لقاءات مطوَّلة مع طلاب في سن الـ16والـ17والـ18، واستمعـت إلى قصص حكاياتهم اليومية، وعلاقاتهم، وتجاربهم مع العنف، أو الضغوط الاجتماعية، وهي اللقاءات التي كشفت لها واقعاً أكثر تعقيداً مما كانت تتخيله».

فيلم «17» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، هو العمل الروائي الطويل الأول للمخرجة المقدونية كوسارا ميتيتش، ويقدم دراما إنسانية تدور في فضاء المراهقة بكل ما يحمله من هشاشة وتوترات خفية.

المخرجة المقدونية (الشركة المنتجة)

يتتبّع الفيلم رحلة مجموعة من الطلاب في الـ17 من عمرهم خلال رحلة مدرسية بالحافلة من مقدونيا إلى اليونان، حيث تتحوّل هذه الرحلة تدريجياً من تجربة اعتيادية إلى فضاء مشحون بالصراعات والضغوط. ومع تصاعد الفوضى بين الطلاب وتراجع سلطة المعلمين، تجد البطلة سارة نفسها شاهدةً على حادثة اعتداء تتعرّض لها زميلتها لينا، لتبدأ بعدها سلسلة من التحوّلات النفسية العميقة لدى الشخصيتين.

تشير المخرجة المقدونية إلى أن العنف في حياة كثير من المراهقين لا يظهر دائماً في صورة درامية واضحة، بل قد يكون عادياً ومتكرراً إلى حدّ يجعله شبه غير مرئي، موضّحةً أن المجتمعات ذات الطابع الأبوي غالباً ما تتعامل مع بعض أشكال العنف بوصفها أمراً مألوفاً، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بالفتيات، اللواتي قد يمررن بتجارب مؤلمة من دون أن يجدن لغة للتعبير عنها أو مساحة للاعتراف بها.

صدمات اجتماعية

وأكدت أن الفيلم يحاول إظهار النتائج التي يخلّفها هذا الإهمال أو التجاهل في حياة الشباب، خصوصاً الفتيات؛ إذ إن الصدمات في مثل هذه البيئات قد تظل غير مرئية لفترة طويلة، نتيجة تجاهل الأنظمة الاجتماعية لها أو التعامل معها ببرود، مما يجعل آثارها تتراكم بصمت. وترى أن هذا الصمت نفسه يمكن أن يتحوّل إلى شكل آخر من أشكال العنف، لأنه يمنع الضحايا من التعبير عن تجاربهم أو فهمها.

وعن عملية اختيار الممثلين، أوضحت ميتيتش أنها لم تكن تبحث عن ممثلين محترفين بقدر ما كانت تبحث عن مراهقين يحملون صدق التجربة نفسها، ما جعل عملية الاختيار تستغرق وقتاً طويلاً عبر اختبارات مفتوحة وحوارات متعددة، بهدف تكوين مجموعة تبدو بالفعل كأنها صف دراسي حقيقي. وكان كثير من المشاركين طلاباً يعيشون تجارب قريبة من الشخصيات التي يؤدونها، وهو ما منح الأداء قدراً كبيراً من العفوية والواقعية.

كما أشارت إلى أن العمل مع هؤلاء الشباب اعتمد بدرجة كبيرة على بناء الثقة بينهم وبين فريق الفيلم؛ إذ خضعوا لفترة طويلة من التحضير قبل التصوير، ما أتاح لهم فهماً عميقاً للشخصيات التي يجسدونها. وأكدت أن هذا التحضير جعل عملية التصوير أكثر سلاسة، لأن الممثلين كانوا قد عاشوا مع الشخصيات لفترة طويلة قبل الوقوف أمام الكاميرا.

عُرض الفيلم المقدوني للمرة الأولى في «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)

وعن الأسلوب البصري للفيلم، قالت ميتيتش إنها اختارت أن تبقى الكاميرا قريبة من البطلة طوال الوقت تقريباً، وغالباً على مستوى نظرها أو خلفها مباشرة، لتجنب تحويل التجربة إلى مشهد مراقبة من الخارج، بحيث يعيش الجمهور الأحداث من داخل منظور الشخصية نفسها. وأضافت أن هذا الأسلوب منح الفيلم، من وجهة نظرها، «إحساساً بالحميمية»، لكنه في الوقت نفسه فرض حدوداً على ما يراه المشاهد، لأن معرفته بالعالم تظل مرتبطة بما تعرفه الشخصية.

وأكدت المخرجة المقدونية أنها تعمّدت أن تكون النهاية مفتوحة وغير حاسمة، لأن الحياة الواقعية نادراً ما تقدّم لحظات إغلاق واضحة بعد التجارب الصادمة؛ لذلك فضّلت أن تنتهي القصة عند لحظة تحوّل داخلي لدى البطلة، وهي لحظة قرارها بالمواجهة وتحمل المسؤولية، في عالم يبدو فيه الجميع وكأنهم يفضلون تجاهل ما حدث أو التهرب منه.

Your Premium trial has ended