تقويم المدارس خطوة لعلاج فقر التعلم

معظم الخطط التنموية استهدفت التعليم باعتباره محركاً للاقتصاد (غيتي)
معظم الخطط التنموية استهدفت التعليم باعتباره محركاً للاقتصاد (غيتي)
TT

تقويم المدارس خطوة لعلاج فقر التعلم

معظم الخطط التنموية استهدفت التعليم باعتباره محركاً للاقتصاد (غيتي)
معظم الخطط التنموية استهدفت التعليم باعتباره محركاً للاقتصاد (غيتي)

في عام 2015، أطلقت الأمم المتحدة «خطة التنمية المستدامة (2030)»، التي وعدت فيها بالقضاء على الفقر في العالم. وكان هدفها الرابع «ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع».
وتبعاً لذلك، أطلقت العديد من دول العالم (من بينها السعودية) خططها التنموية للوصول إلى عام 2030. معظم هذه الخطط استهدف التعليم باعتباره محركاً للاقتصاد، فعدَّته السعودية محوراً وركيزة أساسية نحو تقليل الاعتماد على النفط. وفي سبيل ذلك، وضعت العديد من الأهداف التي تمكّن التعليم السعودي من أن يكون رافداً للاقتصاد.
ومع انطلاق هذه الجهود واجهت دول العالم أزمة «كوفيد - 19» التي أصبحت فيما بعد أزمة التعليم، وفقاً لما أشار إليه تقرير الأمم المتحدة الصادر عن «قمة التحول في التعليم (2022)»، الذي نُشر الشهر الماضي، وكشف أن فقر التعلم الذي كان قد وصل إلى نسبة 57 في المائة عام 2019، عاود الارتفاع إلى 70 في المائة بسبب الجائحة.
هذه الأخبار المقلقة تصبح أكثر من محزنة عندما نتحدث عن أطفال العالم العربي، ونجد أنهم من أكثر الأطفال في العالم معاناة من فقر التعلم، حيث تصل النسبة عربياً إلى 63 في المائة (38 في المائة في السعودية)، في مقابل 4 في المائة في بريطانيا على سبيل المثال. والمقصود بفقر التعلم عدم قدرة الأطفال في سن العاشرة على فهم نص قصير يتكون من 80 كلمة.
ويشير التقرير إلى أن هؤلاء الأطفال سيخسرون - إذا لم تُحَل مشكلتهم - ما قيمته 17 تريليون دولار من دخلهم السنوي، ولن يتمكنوا من الالتحاق بوظائف جيدة؛ كون فهم المقروء يساهم في فهم بقية المواد الدراسية، مما يؤثر في اكتسابهم المهارات والقدرات التي تجعلهم منافسين لأقرانهم في الحصول على مستقبل بعيد عن شبح الفقر المادي.
كما أشارت دراسة أُجريت العام الماضي، وأشار إليها «صندوق النقد الدولي» (Gust, Hanushek & Ludger; 2022) إلى أن 70 في المائة من الأطفال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يستطيعون الوصول إلى مستوى المهارات الأساسية، وهي المهارات اللازمة للمشاركة المنتجة في الاقتصادات الحديثة.
وتشير الدراسة نفسها إلى أن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذا تمكنت من ردم هذه الفجوة في المهارات، فإنها ستستطيع أن تضيف إلى دخلها المحلي ما يساوي 886 في المائة، مما يعني تحقيق نمو اقتصادي كبير وواعد، والرفاه للمجتمعات العربية.
إن هذه الأرقام المبشرة بالحلول نتاج دراسات امتدت لعشرات السنين قام بها العديد من الباحثين، ومنها دراسة لإريك هانوشك ولودجر ووزمان في 2015، رصدت الارتباط بين نواتج التعلم وزيادة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة منذ 1960 وحتى سنة 2000. وللتوضيح، يُقصَد بنواتج التعلم المهارات المعرفية والسلوكية والقيم التي يكتسبها الفرد من التعلُّم وتظهر في تصرفاته وسلوكه وأدائه العملي. لذلك تشير المنظمات العالمية المهتمة بالاقتصاد والتعليم إلى أهمية اعتبار نواتج التعلم أولوية، وأن يستهدفها إصلاح التعليم وسياساته. كما أشارت إلى ضرورة المشاركة في الاختبارات الدولية التي تُعدّ نتائجها مؤشراً على تحسُّن نواتج التعلم، وبالتالي اكتساب الأفراد للمهارات التي سترتبط مستقبلاً بزيادة دخلهم، ومن ثم تحقيق النمو الاقتصادي.
كما تظهر الدراسات أن تحسين نواتج التعلم يحتاج إلى جهود كبيرة؛ فدولة مثل إندونيسيا - بحسب ورقة «البنك الدولي» - ستحتاج إلى 74 سنة حتى تصل إلى كفاءة أداء دول «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» (OECD)، مثل بريطانيا في نتائج القراءة، و48 سنة للرياضيات.
وتعلق شويلتنا سابراوال، وهي «خبير اقتصادي أول» في «البنك الدولي»، ومسؤولة عن ممارسات التعليم، بأن أول الجهود لتحقيق تحسن في نواتج التعلم - وبالتالي النمو الاقتصادي - تعريض هذه النواتج للقياس بشكل دوري حتى تكون نتائج هذا القياس القائدَ والموجه لسياسات التعليم. وينسجم هذا مع دعوة «البنك الدولي» دول العالم إلى بناء نظام تقويم لمهارات الأطفال بصفة دورية.
في السعودية، أنشأ النظام التعليمي هيئة تقويم التعليم والتدريب، التي تقود أهم مبادرتين تتعلقان بالمهارات واكتسابها في برنامج تنمية القدرات البشرية، وهي إطار المهارات الوطني ونظام التعرف على المهارات، وتستهدف تحديد المهارات المطلوبة لمختلف الوظائف، ووضع نظام لتقويم مهارات الأفراد. كما أنها تقود أيضاً مبادرة البحث والتطوير والابتكار في مهارات المستقبل؛ لتحديد المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل، وسد الفجوات بين العرض والطلب.
وتجري الهيئة حزمة من الاختبارات التي تقيس جودة أداء الطلاب والطالبات في مواد الرياضيات والعلوم والقراءة، وهي المواد التي تعكس المهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد لنموه، إضافة إلى اختبارات رُخَص المعلمين وأعمال تقويم أداء المدارس الحكومية واعتماد المدارس الأهلية والعالمية.
ويستخدم برنامج «تنمية القدرات البشرية» نتائج كل ما سبق كمؤشرات لجودة التعليم في السعودية. كما تُنشر هذه البيانات لتحقيق الشفافية ودفع أهل المصلحة من الآباء والأمهات والباحثين والإعلاميين والاقتصاديين، لمعرفة درجة تحسُّن فرص اكتساب المهارات التي يساهم بها التعليم السعودي من جهة، أو حتى دعم قرار إبقاء التلميذ في هذه المدرسة أو نقله لأخرى، وكذلك مراجعة مساحة مشاركة الأهل في رحلة أبنائهم التعليمية، خصوصاً أن «البنك الدولي» في تقريره عن حالة التعليم سنة 2021، أشار بوضوح إلى أن مساهمة الأسرة في منح أبنائها فرص التعلم تقارب 70 في المائة.
ويحتوي «مؤشر ترتيب» الذي أُطلقت النسخة الثانية منه، مطلع الشهر الحالي، على قوائم عدة تضم إدارات التعليم ومكاتب التعليم والمدارس، وترتب فيها هذه المؤسسات حسب أداء الطلاب والطالبات في الاختبارات التحصيلية واختبار القدرات العامة، على أن تُضاف نتائج الاختبارات الوطنية في النسخ المقبلة، وتليها الرخص وتقويم واعتماد المدارس.
وإضافة إلى السماح بالرقابة المجتمعية على التعليم لتحسينه، تمكِّن البيانات والمعلومات التي يقدمها «المؤشر» من رصد تطور القضاء على فقر التعلُّم الذي وضعت الأمم المتحدة تقليله إلى النصف هدفاً لدول العالم بحلول 2030. هذا بخلاف دعم تحسين فرص نمو الاقتصاد، عبر تحسُّن نواتج التعليم التي قدرتها دراسة «هانوشك» في حالة السعودية بزيادة تصل إلى 965 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

- باحثة سعودية في مجال التعليم


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
تحقيقات وقضايا هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي.

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

Israel Defiance Minister Vows Troops to Stay in Lebanon, Syria, Gaza

A photograph taken from the southern Lebanese village of Chaqra shows the Israeli flag as it flutters on top of the nearby Crusaders Cital of Doubieh on August 11, 2026. (AFP)
A photograph taken from the southern Lebanese village of Chaqra shows the Israeli flag as it flutters on top of the nearby Crusaders Cital of Doubieh on August 11, 2026. (AFP)
TT

Israel Defiance Minister Vows Troops to Stay in Lebanon, Syria, Gaza

A photograph taken from the southern Lebanese village of Chaqra shows the Israeli flag as it flutters on top of the nearby Crusaders Cital of Doubieh on August 11, 2026. (AFP)
A photograph taken from the southern Lebanese village of Chaqra shows the Israeli flag as it flutters on top of the nearby Crusaders Cital of Doubieh on August 11, 2026. (AFP)

Israel's Defense Minister Israel Katz visited southern Lebanon on Wednesday, vowing to destroy infrastructure and keep troops in a so-called "security zone" as well as in Syria and Gaza.

The comments came almost two months after Israel and Lebanon agreed to a US-sponsored framework deal that involves the disarmament of the Iran-backed Hezbollah, a gradual withdrawal of Israeli forces from Lebanon's south and the deployment of the Lebanese army to the region, starting in test areas known as "pilot zones".

The United States plans new talks in early September in Rome between Israel and Lebanon.

Katz and Prime Minister Benjamin Netanyahu have repeatedly vowed not to withdraw from the occupied "security zone" in southern Lebanon -- a strip of territory where Israeli forces operate that reaches around 10 kilometers (six miles) into Lebanon.

"As the prime minister and I have clearly stated, we are not withdrawing from this security zone," Katz said during a visit to troops, according to a statement from his office.

The Israeli military "is here to protect the northern communities and its own forces. We will clear this area and guarantee the security of the residents of the north. We will in no way withdraw from the security zones: not in Lebanon, not in Syria, and not in Gaza," he added.

In southern Lebanon, Katz said the military was "destroying the underground infrastructure" in the area and "destroying all the houses".

Hezbollah drew Lebanon into the Middle East war in early March with rocket fire aimed at Israel to avenge the killing of Iran's supreme leader in US-Israeli strikes.

Israel responded with massive airstrikes and a ground invasion of southern Lebanon.

Israel has also carried out repeated incursions and bombings in Syria since the overthrow of longtime ruler Bashar al-Assad, saying it sought to establish a demilitarized zone in the country's south.

In Gaza, Israeli forces occupy more than 60 percent of the war-battered territory.

Last week, Netanyahu rejected a US-led plan for Gaza endorsed by Hamas, saying the Israeli military "will not carry out any withdrawal until Hamas is genuinely disarmed, and will continue to thwart threats against our forces and our citizens".


رحلة زوجة ممداني إلى سوريا ولبنان تفجر جدلاً في نيويورك

المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني وزوجته راما دواجي يلوحان للحشد بعد فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك (رويترز)
المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني وزوجته راما دواجي يلوحان للحشد بعد فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك (رويترز)
TT

رحلة زوجة ممداني إلى سوريا ولبنان تفجر جدلاً في نيويورك

المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني وزوجته راما دواجي يلوحان للحشد بعد فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك (رويترز)
المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني وزوجته راما دواجي يلوحان للحشد بعد فوز ممداني بعمادة مدينة نيويورك (رويترز)

تحولت رحلة عائلية تعتزم راما دواجي، زوجة عمدة نيويورك زهران ممداني، القيام بها إلى سوريا ولبنان، الشهر المقبل، إلى أزمة سياسية وأمنية داخل أكبر مدينة أميركية، بعد أن دخل مكتب العمدة وشرطة نيويورك في سجال علني حول توفير حماية أمنية لها من شرطة نيويورك من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، إضافة إلى تساؤلات عن تكلفة إرسال ضباط أميركيين إلى بلدين تصنفهما وزارة الخارجية ضمن أعلى مستويات التحذير من السفر، وقد رفضت شرطة نيويورك الطلب بعد جدل واسع.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست»، تخطط دواجي، وهي فنانة أميركية من أصول سورية تبلغ من العمر 29 عاماً، للسفر في 20 سبتمبر (أيلول) لزيارة أفراد عائلتها في سوريا ولبنان. ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع، أن الرحلة «ليست مهمة رسمية»، ولا ترتبط بأي أعمال لحكومة مدينة نيويورك.

رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني خلال احتفال بتخريج رجال شرطة في ماديسون سكوير الاثنين (أ.ب)

لكن الجدل انفجر عندما أعلنت المتحدثة باسم العمدة، دورا بيكيتش، أن فريق الحماية التابع لشرطة نيويورك سيرافق دواجي بناء على توصية قوية من الشرطة نفسها. ولم يستمر هذا الإعلان طويلاً؛ إذ سارعت شرطة نيويورك إلى نفيه بصورة قاطعة، مؤكدة أنها لا ترسل ضباطاً إلى دول خاضعة لتحذير سفر من المستوى الرابع في رحلات اختيارية لا ترتبط بمهام تحقيقية. وبالتالي لن يسافر أفراد من شرطة نيويورك إليها.

وفي تطور زاد من مستوى الإحراج السياسي، أقر ممداني لاحقاً بوجود «سوء تواصل» بين موظفي مكتبه وشرطة نيويورك، بعدما تبين أن ما أعلنته المتحدثة باسمه لا يتطابق مع موقف الشرطة. ما يعني اعترافاً أن دواجي لن تحصل على مرافقة من عناصر شرطة نيويورك خلال الرحلة، خلافاً للانطباع الذي قدمه مكتب العمدة في البداية.

«لا تسافر»

تكمن حساسية القضية في وجهتي الرحلة، فوزارة الخارجية الأميركية تصنف كلاً من سوريا ولبنان عند المستوى الرابع بتحذير واضح «لا تسافر»، وتحذر الأميركيين من السفر إلى سوريا ولبنان بسبب مخاطر الإرهاب والخطف واحتجاز الرهائن والاضطرابات والنزاع المسلح، كما أن الولايات المتحدة لا تزال تعلق عمليات سفارتها في دمشق منذ عام 2012. وكانت واشنطن قد أمرت في فبراير (شباط) الماضي بمغادرة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد عائلاتهم.

وقال مفوض شرطة نيويورك السابق بيل براتون، إن إرسال عناصر من شرطة المدينة في مثل هذه المهمة سيكون أمراً «غير حكيم»، محذراً من أنه سيعرض الضباط للخطر، وسيتطلب ترتيبات أمنية معقدة وتعاوناً واسعاً مع الحكومة الفيدرالية، فضلاً عن كلفته المرتفعة.

يضاف إلى ذلك عامل التوقيت؛ إذ تتزامن الرحلة مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وهي واحدة من أكثر فترات السنة ضغطاً على شرطة المدينة؛ بسبب وصول عشرات رؤساء الدول والحكومات والوفود الأجنبية، وما يتطلبه ذلك من انتشار أمني استثنائي.

راما دواجـي خلال موكب الاحتفال بفوز فريق «نيويورك نيكس» بلقب الدوري الأميركي للمحترفين لعام 2026 في 18 يونيو 2026 (غيتي)

وأثار الخلاف سؤالاً أوسع حول وضع زوجة العمدة نفسها. فقد حرص ممداني سابقاً على وصف دواجي بأنها شخصية مستقلة وخاصة، وليست مسؤولة منتخبة أو موظفة في حكومة المدينة. لكن منتقديه يقولون إن طلب توفير حماية ممولة من دافعي الضرائب لرحلة شخصية إلى منطقة عالية الخطورة يجعل الفصل بين المجالين الخاص والعام أكثر تعقيداً.

وتقول صحيفة «نيويورك بوست»، نقلاً عن مصدر مطلع، إن دواجي طلبت الحماية بعد رحلة خارجية سابقة قامت بها الشهر الماضي من دون مرافقة أمنية. غير أن شرطة نيويورك رسمت خطاً واضحاً بين الحماية التي قد تقدم داخل الولايات المتحدة وإرسال ضباط إلى دول تحذر الحكومة الفيدرالية مواطنيها من السفر إليها.

عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني خلال مؤتمر صحافي في الرابع من أغسطس (رويترز)

واستغل دوف هيكيند، العضو السابق في جمعية ولاية نيويورك ومؤسس منظمة «أميركيون ضد معاداة السامية» (وهو من أبرز منتقدي ممداني وزوجته بسبب مواقفهما تجاه إسرائيل )، القضية لمهاجمة دواجي، معتبراً أن المخاطر الأكبر ستقع على عناصر الشرطة إذا أُرسلوا إلى المنطقة.

ارتباطات عائلية

لا تمثل الرحلة بالنسبة لدواجي زيارة إلى منطقة غريبة عنها، فهي فنانة سورية - أميركية لها ارتباطات عائلية وثقافية بالمنطقة، وسبق أن أمضت إقامة فنية لمدة شهرين في بيروت مع مؤسسة «Haven for Artists»، وأقامت هناك معرضاً فردياً بعنوان «Face to Face»، بحسب مقابلة منشورة عام 2019 عن عودتها إلى دمشق بعد سنوات الحرب.

لكن هويتها الفنية والسياسية جعلت الرحلة عرضة لتفسيرات تتجاوز بعدها العائلي؛ فأعمال دواجي ومواقفها العلنية تناولت القضية الفلسطينية وانتقدت السياسات الإسرائيلية، كما تعرض نشاطها السابق على وسائل التواصل الاجتماعي لتدقيق واسع منذ وصول زوجها إلى منصب العمدة.

ولهذا، تداخل في الجدل الحالي ملفان مختلفان: سؤال مشروع حول من يتحمل مسؤولية حماية زوجة عمدة نيويورك عندما تسافر بصورة شخصية إلى منطقة عالية الخطورة، وصراع سياسي أوسع حول مواقف ممداني وزوجته من إسرائيل والشرق الأوسط. والأكثر إحراجاً للعمدة ربما ليس سفر زوجته بحد ذاته، بل التناقض العلني بين مكتبه وشرطة المدينة. فالقضية التي بدأت كسؤال عن حجم الحماية الأمنية تحولت سريعاً إلى اختبار للانضباط داخل الإدارة الجديدة وحدود سلطة المدينة على القرارات المهنية للشرطة.


حكاية مجلة عربية تحرس ذاكرة المتاحف

المتاحف المصرية في «متاحف»
المتاحف المصرية في «متاحف»
TT

حكاية مجلة عربية تحرس ذاكرة المتاحف

المتاحف المصرية في «متاحف»
المتاحف المصرية في «متاحف»

لم تصدر من مجلة «متاحف» سوى أربعة أعداد حتى الآن، لكنها نجحت في فتح نافذة واسعة على عالم المتاحف العربية، مقدمةً للقارئ خريطة ثقافية تتجاوز الحدود الجغرافية لكل بلد، نحو رؤية عربية شاملة للمؤسسات المتحفية ودورها في حفظ الذاكرة وصناعة المستقبل.

أسست اللبنانية ميشيل عنبر المجلة، في أكتوبر (تشرين الأول) 2025. وأشرفت منذ ذلك الحين على إصدار أربعة أعداد، خصص كل منها ملفاً رئيسياً لمتاحف دولة عربية بعينها؛ فمن لبنان إلى أبوظبي والسعودية ثم مصر، رصدت المجلة أبرز التجارب المتحفية في المنطقة، من خلال مقالات وتحليلات ومقابلات متخصصة، تفتح آفاقاً جديدة للتفكير في الواقع الفني والثقافي العربي.

وبمشاركة نخبة من الكتّاب والباحثين، وإسهام بارز من السعودية منى خزندار بصفتها كبيرة المحررين (Editor at Large)، تسعى «متاحف» إلى توثيق الحراك الثقافي العربي وربطه بالسياقات العالمية، مع التركيز على المتاحف بوصفها مؤسسات حية تتجاوز دورها التقليدي في حفظ المقتنيات.

المتاحف المصرية في «متاحف»

ويتنوع محتوى المجلة بين التقارير والتحقيقات والمقابلات والدراسات النقدية؛ ففي عددها الأخير مثلاً، يتجاور مقال عن المتحف المصري الكبير مع تحقيق حول آثار جنوب لبنان المهددة، وحوار مع الرئيسة الجديدة لـ«معهد العالم العربي» في باريس، فضلاً عن زيارة إلى متحف إل غريكو في طليطلة، وغيرها من الموضوعات التي تربط بين التراث والفن المعاصر.

كما تخصص المجلة زاوية ثابتة لمراجعات الكتب الفنية الحديثة؛ ما يضيف بُعداً معرفياً مهماً للباحثين والمهتمين بمتابعة أحدث الإصدارات في مجال الفن والمتاحف.

التقت «الشرق الأوسط» رئيسة تحرير «متاحف» ميشيل عنبر للحديث عن واقع المتاحف العربية، وتحديات الصحافة الثقافية المتخصصة.

ميشيل عنبر «الثقافة تجمعنا وهي ما سيبقى» (خاص)

البداية

انطلق حوارنا معها من الحديث عن مراحل إطلاق المجلة وأهدافها، ولنعرف منها رأيها حول تأثير الفنون والثقافة واستمراريتها، في ظل تغيرات تكنولوجية واجتماعية وسياسية.

نبدأ من نقطة الصفر، كيف جاءت فكرة إنشاء مجلة متخصصة في عالم المتاحف والفنون؟ تعود بنا عنبر إلى العام الماضي حين اتخذت قرار إصدار المجلة، بعد أن عملت سنوات في مجالات فنية مختلفة، تذكر منها متحف لبنان للفن الحديث وعملها في فريق برامج التنمية بمتحف مسك للتراث في الدرعية.

فكرة إصدار مجلة متخصصة في الفن قد تكون جاذبة في مضمونها، ولكن التحديات أمام أي إصدار صحافي جديد تظل قائمة، مع تراجع المؤسسات الصحافية عن الطباعة الورقية، وأيضاً بسبب ثقافة «الديجيتال» التي سحبت البساط من تحت أقدام كثير من المطبوعات، وتوجهت إلى القراء بمضمون مختصر وسريع ينافس على عين القارئ بقصص مصورة تختصر آلاف الكلمات في صور ومقاطع سريعة؛ فما الذي أرادت عنبر تحقيقه وكيف استعدت له؟ تشير مبدئياً إلى أن فكرة إصدار مجلة تُعنى بالمتاحف والفنون كانت جاذبة جداً لها، وتضيف: «توجد اليوم مجلات عن المتاحف قد تكون صادرة عن مؤسسات أكاديمية أو مسرحية، ولكنها كلها بلغات أجنبية ولم أجد مثلها عندنا. ما نحتاج إليه هو مطبوعة تتحدث عن المتاحف العربية والنهضة الفنية التي تعيشها بلادنا اليوم».

تقرير عن المتاحف في السعودية

ترى أن وظيفة المجلة تتجاوز الجانب الخبري: «تستحق المتاحف العربية وجود مجلة عنها تكون متخصصة تقيم الجسور بين الممارسين والعاملين في الثقافة».

وفي وقت تواجه فيه المطبوعات الورقية قرارات وجودية حاسمة تفرضها التكلفة المرتفعة، أصبح الإنترنت مجالاً للنشر، وأصبح العالم الرقمي هو الملاذ للمطبوعات عموماً. مجلة «متاحف» أسست للعالم الرقمي، ولكنها وجدت طريقها للنشر الورقي بأعداد محدودة، بغرض الإهداء والتوثيق والاقتناء: «كثيرون يحبون أن يحتفظوا بنسخ ورقية للرجوع إليها متى أحبوا. لا يمكننا إلا أن نطبع ورقياً، لأن الناس يحبون قراءة الورقي، وأنا من ضمنهم».

النشر الإلكتروني

ترى في العالم الرقمي مزايا تتيح للمجلة أن تصل إلى القراء من أنحاء العالم، وترصد دائماً دخول القراء على الموقع من بلاد مختلفة، خاصة أن موقع المجلة يقدم فرصة لتصفح كل الأعداد بالمجان. ميزة ثانية، وهي المجال الواسع للنشر: «على الموقع لا توجد حدود للمحتوى بعكس الورقي؛ فالمحتوى يزيد لأن هناك الكثير للحديث عنه، حتى إننا زدنا عدد الصفحات لأن هناك مضموناً مهماً جداً، ويجب أن يجد طريقه للنشر». والمضمون هنا متنوع؛ فالمجلة تضم أقساماً عن المتاحف وعن إدارتها وعن تنسيق المعارض والترميم والاقتناء، وأيضاً عن الكتب: «كل ما يتعلق بالمتاحف موجود بالمجلة».

تحقيق عن الفنان عبد القادري وتجربة العمل مع الأطفال النازحين

تتوجه المجلة لقرائها بأكثر من لغة؛ فهناك موضوعات بالإنجليزية إلى جانب العربية، وأحياناً الفرنسية، وهو ما يدعو للتساؤل حول سبب ذلك. تجيبنا عنبر بأن بعض الموضوعات تكون بلغة معينة ثم تُترجم للعربية، ولكن الأمر أيضا يتوقف على «الشخصية التي نحاورها؛ فعلى سبيل المثال نشرنا مقابلة مع آن كلير لوجاندر، المديرة الجديدة لـ(معهد العالم العربي) بالفرنسية».

تنأى عنبر بالمجلة عن فكرة أنها تخص قطاعاً معيناً من المثقفين فقط، وتشير إلى تنوُّع جمهور قرائها، وتنوع المحتوى المنشور: «الموضوعات ليست كلها متخصصة، بل هناك مقالات تحكي قصصاً معينة؛ مثلاً نشرنا موضوعاً عن الفنان اللبناني عبد القادري وتجربة العمل مع الأطفال النازحين، بعنوان: (كيف حوّل عبد القادري الكارثة إلى عمل إصلاح جماعي)، وموضوع شامل عن المتاحف في السعودية بعنوان (بناء الزمن الطويل... المشهد المتحول للمتاحف في المملكة العربية السعودية)، وهناك تحقيق آخر حول ترميم الكتب الناجية من الحرب في مكتبة المسجد العمري بغزة».

تحقيق عن المتاحف السعودية

المتاحف العربية

بما أن المجلة تقدّم للقارئ المتاحف من جميع أنحاء العالم، يتجه السؤال إلى المتاحف العربية، فاعليتها ودورها في المجتمع. تقول: «أعتقد بشكل ما أن فكرة المتاحف في بلادنا لا تزال في بداياتها، صحيح لدينا متاحف، ولكنها تختلف عن المتاحف العالمية؛ ففي لندن أو باريس على سبيل المثال تزور الناس المتاحف باستمرار، لأن المتاحف تعتبر «أجواء موثوقاً بها، بحسب دراسة حديثة، يحب الناس الذهاب للمتحف حيث يحسون بالأمان، نريد أن يكون لدينا نفس التفكير». تستكمل: «أعتقد أننا يجب أن نسعى لجذب أعداد أكبر من الجمهور لزيارة متاحفنا، بحيث لا تكون للنخبة فقط، المتحف يجب أن يكون للجميع، وألا يكون مقتصراً على التراث». ترى المتاحف أيضاً من زاوية الاقتصاد القومي؛ فالمتحف يوفر دخلاً للبلد: «أحلم بأن تصبح المتاحف لدينا وجهات للسفر».

مجلة «متاحف» وغلاف يحمل رسماً للفنان الفلسطيني سليمان منصور

ما سيبقى

في كلمتها الافتتاحية للعدد الرابع، استخدمت عنبر عنوان «ما سيبقى»، أسألها: «هل هذا تساؤل أم تقرير واقع؟ لأننا في وقت الحضارة والتراث فيه مهددان بشكل كبير لأكثر من سبب، هل تساؤلك يعكس نبرة تفاؤل أم العكس؟»، فترد: «مسؤولية كل مَن يعمل بالثقافة هي أن يعمل للحفاظ عليها. نشرنا موضوعات عن التراث المهدَّد، وعن محاولات للتوثيق وأيضاً للتسجيل». تتحدث عن بلدها لبنان والتهديدات التي يواجهها وعن مجهودات وزير الثقافة المكثفة مع منظمة اليونيسكو لحماية التراث اللبناني المعرض للخطر، شملت طلبات لإدراج مواقع أثرية وقلاع تاريخية على لائحة التراث العالمي وقائمة التراث المهدد. «أعتقد أن هناك الكثير مما يمكننا عمله بالتعاون مع بعضنا، فالثقافة تجمعنا، وهي ما سيبقى».