المواقع الإخبارية الإلكترونية في لبنان... ظاهرة تتمدد

مع أن انتشارها لم يسهم في تعزيز صدقيتها

المواقع الإخبارية الإلكترونية في لبنان... ظاهرة تتمدد
TT

المواقع الإخبارية الإلكترونية في لبنان... ظاهرة تتمدد

المواقع الإخبارية الإلكترونية في لبنان... ظاهرة تتمدد

منذ نحو 10 سنوات، بدأت المواقع الإخبارية الإلكترونية تشق طريقها بقوة في لبنان. ودفع انتشار هذه المواقع ببعض الأحزاب السياسية ومحطات التلفزيون ووسائل إعلام مكتوبة ومسموعة إلى إنشاء مواقعها الخاصة، التي عبرها ركبوا الموجة التي لا بد منها لمواكبة الخبر السريع.
«ليبانون فايلز» و«ليبانون ديبايت» و«النشرة» و«نبض» و«بصراحة» وغيرها، بالإضافة إلى مواقع أخرى خاصة بالصحف كـ«النهار» و«الأخبار» و«الديار»، باتت من المواقع المعروفة. وبالتوازي، نشطت المواقع الحزبية كتلك التابعة لـ«التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية» و«الكتائب»، ناهيك بتلك التابعة لمحطات تلفزيونية كـ«المؤسسة اللبنانية للإرسال» و«الجديد» و«إم تي في» وغيرها.
غير أن هذه الطفرة للمواقع الإلكترونية التي اجتاحت لبنان، كانت بمثابة سيف ذي حدين. فهي من ناحية أسهمت في إيصال الأخبار بسرعة إلى الناس، لكنها من ناحية ثانية أثارت جدلاً - ولا تزال - على الساحة حول مستوى صدقيتها.

آراء حول فاعليتها
معظم الإعلاميين والصحافيين اللبنانيين يتفقون على أن هذه المواقع الإخبارية الكثيرة، لا تشكل مصدراً موثوقاً بالنسبة لهم. بل بعضهم يرى في غالبيتها وسيلة سريعة لإيصال الأخبار الزائفة، بينما يعدّها آخرون مجرّد منصات تلفت نظر الصحافي إلى أحداث ومواضيع تستحق التحقق من مدى صحتها. بعض الصحافيين الذين التقتهم «الشرق الأوسط» يرون أن هذه المواقع لا تكلف نفسها أكثر من نقل أخبار التلفزيون على صفحاتها.
وبالفعل، تقول إحدى الصحافيات بصراحة، إنها لا تتابع سوى المواقع الإلكترونية الخاصة بالتلفزيونات، وإن المواقع الأخرى لا تعني لها الكثير، إلا في حال تمريرها خبراً لافتاً. قبل أن تضيف: «أعود إلى مصادر أخرى لدي ثقة أكبر بها كي أتأكد من الخبر الذي قرأته. وعادة ما تكون الوكالات الإعلامية من محلية وأجنبية هي وجهتي، أو أعود إلى المصدر الأساسي المرتبط الخبر باسمه». وأيضاً، بالنسبة للإعلاميين المهنيين يمكن لهذه المواقع أن تقنع المواطن العادي، ولكن ليس الصحافي المحترف. وهنا تتهم صحافية أخرى التقيناها: «غالبية هذه المواقع تعمل على سرقة الخبر من هنا وهناك، ثم إعادة نشره على صفحاتها». ثم توضح: «لا نستطيع في عملنا الاتكال على هذه المواقع، إذ لا رقابة عليها، حتى إنها تعمل بلا قوننة رسمياً. ولذا أفضل لنا العودة إلى المصدر الأساسي أو الوكالة الوطنية والوكالات الأجنبية».

مشكلة «قوننة» المواقع
وهنا، في ظل انتشار المواقع الإلكترونية في لبنان، اللافت هو عملها من دون التمتع بقانون رسمي يحفظ حمايتها أو حتى عملية انتشارها. وعلى الرغم من تكرار مطالبات العاملين في هذه المواقع بمعاملتهم محررين، فإن تشريعها لم يتحقق بعد. وبالتالي، لم تلقَ محاولات نقابة المحررين منذ سنوات حتى اليوم، من أجل تغيير قانون الإعلام وتعديله - وهو الصادر منذ عام 1962 - آذاناً صاغية.
في هذا الصدد، يقول جوزيف القصيفي، نقيب المحرّرين في لبنان لـ«الشرق الأوسط»، إن النقابة منذ عام 1994 تعمل على قانون جديد للإعلام، إلا أن هناك دائماً من يضع العصا في الدواليب لتنفيذه. ويوضح: «هذا القانون استغرق منا جهداً وعملاً حثيثاً من دون التوصل إلى نتيجة إيجابية. كانت اللجان التي تحول إليه ترميه إلى أخرى، ويتقاذفونه من دون جدوى ومن ثم ينسفونه... وكلما وصل القانون إلى يدي وزير إعلام جديد يبقى دون بت، ثم بعد انقضاء عهده ويذهب إلى وزير آخر، نعود إلى نقطة الصفر بحجة ضرورة المراجعة وإبداء الملاحظات».
ويشدد القصيفي على ضرورة إيقاف هذه الفوضى في التعامل بقانون الإعلام الجديد «الذي أوردنا فيه مادة تضع جميع وسائل الإعلام مع الرقمية منها تحت سقف القانون». ويستطرد: «ولكن، مع الأسف لا نزال نعمل اليوم تحت سقف قانون المطبوعات الذي عفا عليه الزمن... كيف لنا أن نعيش في زمن الرقمي بموجب قانون وضع في الستينات وعدّل لمرتين من دون الغوص في أمور أساسية يستوجبها؟ هذه جريمة ترتكب في حق الإعلام بسبب المماطلة والفوضى المواكبتين لمهمة وضع قانون إعلام جديد».
أما فيما يخص المحررين في المواقع الإلكترونية، فيشير نقيب المحررين إلى أن «النقابة مرتاحة الضمير، ونحن نتعامل معهم بمرونة لجهة التنسيق مع المسموع والمرئي والمكتوب، ونضغط في اتجاه أخذ القانون إلى المجلس النيابي لإقراره. إننا نقبل تحت سقف النقابة العاملين في وسائل الإعلام، ومنها الإلكترونية، الذين تتوفر فيهم شروط الانتساب إلى نقابة المحررين».

مشكلة المال السياسي
يعدّ موقع «ليبانون فايلز» الإلكتروني، هو السبّاق في دخوله الساحة الإعلامية من باب العالم الرقمي. ربيع الهَبر، صاحب الموقع، قرر في عام 2008، أن يستحدث هذه المنصة بهدف مواكبة عصر الإعلام الإلكتروني. لكن الهَبر يرى اليوم أن «أوضاع المواقع الإلكترونية مُزرية، وباتت لا تعيش من دون المال السياسي. عندنا في لبنان آلاف المواقع، قلة منها استطاعت البروز والمقاومة».
الهَبر يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن تمويل «ليبانون فايلز» يعتمد على الإعلانات التجارية وعلى مردود مادي تحقّقه من خلال «غوغل آدز» وموقع «يوتيوب». ويضيف: «مصاريف المواقع الإلكترونية لا يستهان بها، ويتألف الفريق العامل معنا من نحو 35 شخصاً. لكنني حالياً أستعين بإيرادات شركتي الأخرى (ستاتيستيك ليبانون)، كي أسدد مصاريف الموقع».
وعمّا إذا المواقع الإلكترونية آيلة إلى الأفول في المستقبل، يجيب: «أبداً، على العكس تماماً، فهي باتت تشكل الإعلام التقليدي لعصرنا هذا. عمرها طويل ولكن بقدرات أقل ومداخيل مادية تتراجع في بلادنا يوماً بعد يوم». وعلى مَن يتهم المواقع الإلكترونية بانعدام الصدقية يقول: «الساحة غربلت بشكل مباشر المواقع الموثوق بها عن غيرها. لقد تعبنا وجاهدنا كي نصل إلى ما نحن عليه اليوم. لذلك لا يمكن التعميم في هذا الموضوع، لا سيما أن المواقع الإلكترونية الشهيرة ذات الصدقية لا تتجاوز أصابع اليدين».

كفاح لتثبيت الوجود
الحوارات مع أصحاب المواقع الإلكترونية اللبنانية، وبخاصة، الأوائل منهم، تعطي الانطباع بأن الفترة التي أطلقوا فيها مشاريعهم هذه كانت صعبة. ففي أوائل التسعينات كانت هذه الوسيلة الإعلامية غير معروفة ومن يفكر بها شبه مجنون. وكان الإعلامي يكافح ويجتهد كي يقنع من هم حوله قبل غيرهم بالتعاون معه. إلا أن هذه الصعوبات انتهت اليوم بفضل انتشار المواقع الإخبارية بشكل لافت. ثم إن العلاقة الوطيدة التي تربط بينها وبين وسائل التواصل الاجتماعي اختزلت كل هذا الطريق الصعب. وبفضلها صار التسويق لهذه المواقع أسرع وأسهل.
لم يكن شقّ الطريق إلى الإعلام الإلكتروني بالأمر السهل بالنسبة للصحافية باتريسيا هاشم، صاحبة موقع «بصراحة» للأخبار الفنية. فهي كافحت بقوة لإثبات وجود هذه المجلة الإلكترونية التي كانت الأولى من نوعها في لبنان. وهي تقول لـ«الشرق الأوسط»، عن تجربتها: «انطلقت بهذا الموقع في عز فورة المجلات الفنية من (الشبكة) و(نادين) و(الموعد) وغيرها، لكنني أخذت على عاتقي شق طريقي الصعب متمسكة بالصدقية، التي وحدها يمكن أن تحدث الفرق بين وسيلة إعلامية وأخرى».
الابتعاد عن الأخبار الفضائحية والزائفة والمحتوى القائم على التشهير، ركائز أساسية اتبعتها هاشم كي تستطيع إكمال رسالتها حتى اليوم. واليوم عمر موقعها الذي انطلق في عام 2009 بات 14 سنة. وهاشم فخورة بما حققته رغم عداوات كثيرة أفرزها هذا النجاح، «لقد استهجنت بعض المؤسسات الإعلامية الخطوة التي قمت بها، ولكن مع الوقت برز كثيرون غيري وصارت الساحة تعجّ بمواقع مختلفة». وعن موضوع عدم قوننة هذه المواقع تعلّق: «لا شك أننا كإعلاميين نشعر بالأمان عندما تصبح مواقعنا مقوننة. ولكن مع الأسف، لم يفلح قانون الإعلام حتى الآن بتحقيق هذا الإنجاز. وبالتالي فإننا لا نشعر بفراغ كبير من دونه، كونه يتقاعس في كثير من المرات عن الدفاع عن إعلامي ظلم. وهو أيضاً لم يقدم في يوم على معاقبة من ارتكب مخالفات إعلامية فاضحة».

أزمة افتقاد المهنية
من الإعلام المكتوب، انتقل الصحافي محمد نمر إلى تأسيس الموقع الإلكتروني «لبنان الكبير»، وهو موقع مستقل يعمل فيه صحافيون من مختلف المناطق اللبنانية على اختلاف مشاربهم كي يترجموا على الأرض اسم الموقع. وفي رأي نمر أن الانطباع السائد لدى الجميع هو «الصدقية نقطة قوة الصحافة المكتوبة». ولكن على الصعيد المهني نجحت بعض المواقع في إثبات وجودها على الساحة. ولـ«الشرق الأوسط»، قال شارحاً: «من أصل 2600 موقع إلكتروني موجودة على الساحة، بالكاد 15 منها معروفة. وهذا يعود إلى صفة المهنية التي يفتقدها كثير ممن يعملون في هذا المجال. على العاملين أن يتصفوا بشروط وأدوات الصحافة الأصيلة. ولكن بشكل عام للمواقع الإلكترونية حسنات كثيرة بينها الانتشار من دون حدود، وتأمينها مساحات للتعبير ذات فضاء واسع. كذلك فإنها توفر على أصحابها الكلفة الهائلة التي يتكبدها أصحاب المؤسسات الإعلامية من طباعة وفريق تقني وفني وغيرها».
واختتم نمر بأنه «آن الأوان لقوننة المواقع الإلكترونية... فتتطور وترتقي إلى المستوى المطلوب ضمن قانون إعلامي يحفظ لها حقوقها».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.