فرنسا باتت رهينة علاقة مثلثة فرنسية - جزائرية - مغربية متأرجحة

«التطبيع» الفرنسي ــ الجزائري في مهب الريح... وزيارة تبون إلى باريس موضع تساؤل

فرنسا باتت رهينة علاقة مثلثة فرنسية - جزائرية - مغربية متأرجحة
TT

فرنسا باتت رهينة علاقة مثلثة فرنسية - جزائرية - مغربية متأرجحة

فرنسا باتت رهينة علاقة مثلثة فرنسية - جزائرية - مغربية متأرجحة

السؤال المطروح بقوة اليوم في أروقة الدبلوماسية الفرنسية هو: هل قيام القنصلية الفرنسية في تونس بإجلاء الناشطة الجزائرية أميرة بوراوي، الممنوعة من السفر في بلادها، إلى فرنسا بإذن مباشر من الرئيس قيس سعيد سيطيح بالجهود التي بذلها الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته في الأشهر الثمانية الماضية من أجل «تطبيع» العلاقات بين البلدين، ونقلها إلى مرحلة من التعاون والدفء؟ وهل يعني ذلك أن زيارة الدولة المرتقبة، التي من المفترض أن يقوم بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى باريس في مايو (أيار) المقبل قد أصبحت في خبر كان؟
يقول سفير فرنسي سابق في منطقة المغرب العربي إن العلاقات بين باريس والجزائر «عرفت مطبات هوائية كثيرة»، موضحاً أن كل مبادرة، أو تصريح من جانب باريس، يتم تحليله والنظر في دوافعه ومستهدفاته، خصوصاً أن القضايا الخلافية بين الطرفين منها ما هو مزمن ومنها المستجد؛ ولذا فإن أي خلاف بينهما يعيد طرح إشكالية العلاقة.
ووفق السفير نفسه، فإن المثير للدهشة في التوتر المستجد بين الطرفين هو أنه يحل في زمن يسعى فيه الطرفان لـ«فتح صفحة جديدة، والتعاون إلى أقصى الحدود». وقد برزت هذه الرغبة بوضوح خلال زيارة الأيام الثلاثة التي أمضاها الرئيس ماكرون في أغسطس (آب) الماضي، والتي أعقبتها بعد شهر واحد زيارة رئيسة الحكومة إليزابيث بورن وبمعيتها 15 وزيراً، أي ما يزيد على نصف حكومتها إلى الجزائر، والتي أفضت إلى توقيع عشرات الاتفاقيات متعددة الأشكال. وهناك أيضاً مؤشران إضافيان على الرغبة الصادقة من الجانبين للتقارب الجدي: فمن جهة، توصل الطرفان مؤخراً إلى اتفاق بشأن تشكيل لجنة المؤرخين المشتركة التي أنيط بها بحث القضايا المرتبطة بمرحلة الاستعمار الفرنسي للجزائر، التي دامت 132 عاماً، وحرب الاستقلال الجزائرية من أجل تبيان الحقيقة التاريخية، والتوصل إلى ما يسميه ماكرون «مصالحة الذاكرات». أما المؤشر الثاني فهو الزيارة التي قام بها مؤخراً رئيس الأركان الجزائري، السعيد شنقريحة، إلى باريس حيث استقبله الرئيس ماكرون في قصر الإليزيه، كما اجتمع بنظيره رئيس الأركان الفرنسي، وبوزير الدفاع ونواب وأعضاء في مجلس الشيوخ. وتكمن أهمية هذه الزيارة في أنها تعيد إطلاق العلاقات الدفاعية والأمنية بين الجانبين، بما في ذلك التعاون في منطقة الساحل الأفريقي حيت أصيب الحضور الفرنسي بنكسة واضحة.
اليوم، أصبحت تفاصيل وصول الطبيبة والناشطة أميرة بوراوي معروفة، بدءاً من خروجها من الجزائر خلسة، بحكم أنها ممنوعة من المغادرة بقرار قضائي ووصولها إلى تونس وتوقيفها، ثم إطلاق سراحها وتدخل القنصلية الفرنسية، على أساس أن بوراوي تحمل الجنسية الفرنسية، وتتمتع بالحماية القنصلية، ووضعها بعد ذلك في طائرة متوجهة إلى مدينة ليون، حيث لم تتأخر وسائل الإعلام الفرنسية في فتح صفحاتها وشاشاتها لـ«الهاربة» حديثاً.
وجاءت ردود الفعل من الجانبين متباينة؛ فمن جهة اكتفت باريس بتصريح صدر الخميس عن فرنسوا ديلماس، الناطق المساعد باسم الخارجية الفرنسية، قلل فيه من أهمية ما حصل، مكتفياً بقول إنه «حالة فردية»، و«إجراء لا يخرج عن المألوف»، مشيراً إلى أن بوراوي «مواطنة فرنسية، وبناءً على ذلك مارست السلطات الفرنسية الحماية القنصلية»، وامتنع عن «تبرير» ما قامت به السلطات القنصلية في تونس، لكنه أكد اعتزام فرنسا «مواصلة العمل لتعميق علاقاتنا الثنائية بشراكة متجددة». أما بخصوص سحب السفير الجزائري، فإنه «قرار جزائري»، حسبه. ويعكس هذا الكلام رغبة فرنسية مزدوجة: وجهها الأول التقليل من أهمية ما حصل، وعدّه إلى حد ما أمراً روتينياً لا يستحق التوقف عنده أكثر من ذلك، والتأكيد في وجهه الثاني على السعي لقلب صفحة الخلاف بأسرع وقت ممكن. وخلفية هذه المقاربة أن العلاقات الثنائية عرفت في الماضي أزمات أكبر، لكن الطرفين نجحا في التغلب عليها، ولا شيء يعوق تناسي الحادثة الأخيرة. وعلى أي حال، رفضت الخارجية التكهن بمصير زيارة الدولة للرئيس تبون.
وفي مقابل «البرودة» الفرنسية، جاءت ردة الفعل الجزائرية متنوعة وعنيفة؛ فالبيان الرئاسي ندد بانتهاك السيادة الجزائرية، فيما تقرر الاستدعاء الفوري للسفير في باريس للتشاور. وترافق ذلك مع حملة إعلامية شعواء على فرنسا، أعنفها ما جاءت به وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية. ووفق المصدر الفرنسي المشار إليه، فإن اللافت في البيان المذكور أمران: الأول اتهام «المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي»، أي المخابرات الخارجية، وبعض الدبلوماسيين والمستشارين بـ«السعي لإحداث قطيعة في العلاقات الفرنسية ــ الجزائرية»، تبعاً لـ«خطة» موضوعة، وهي مدفوعة لذلك بسبب «ولعهم وتبجيلهم» للمغرب.
أما الأمر الثاني فهو الإشارة الغريبة في تحذير الوكالة لهؤلاء بأن يدركوا أنه «إذا فكرت فرنسا في تكرار سيناريو خليج الخنازير فإنهم أخطأوا العنوان». والمقصود بذلك الخطة التي أعدتها المخابرات الأميركية لإسقاط نظام كاسترو في كوبا، من خلال إنزال معارضين مسلحين في خليج الخنازير في كوبا في 17 من أبريل (نيسان) 1961. وفي هذا السياق، تساءل الدبلوماسي السابق عن «المؤشرات» التي تسمح للوكالة الناطقة باسم الحكومة بالحديث عن سيناريو مشابه. وبنظره، فإن «المغالاة إلى هذا الحد المضحك تنزع الصدقية والجدية»، عما يصدر عن الجانب الجزائري. ثم إن العلاقات الفرنسية ــ المغربية تمر راهناً بأزمة صامتة، لعل أبرز مؤشراتها أن الزيارة التي ينوي الرئيس ماكرون القيام بها إلى الرباط لم تعد قيد التداول، رغم المهمة التي قامت بها وزيرة الخارجية كاترين كولونا إلى المغرب في 16 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والتي كان غرضها تحديداً التحضير لها.
ويعي جُل المراقبين أنه ليست لباريس علاقات ثنائية من جهة مع الجزائر، ومن جهة أخرى مع المغرب، بل هناك علاقة ثلاثية الأضلع، ذلك أن ما يقع في جانب ينعكس آلياً على الجانب الآخر، مؤكدين أن رغبة باريس في المحافظة على التوازن ليست مهمة سهلة. وليس سراً أن الرباط لا تنظر بعين الارتياح إلى التقارب الفرنسي ــ الجزائري، خصوصاً أن لديها «مآخذ» على الدبلوماسية الفرنسية، حيث إن باريس لا تبدو راغبة بالسير على الخطى الأميركية لجهة الاعتراف بـ«مغربية» الصحراء، كما فعلت إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، مقابل تطبيع العلاقات المغربية ــ الإسرائيلية، أو الاقتداء بما فعلته مدريد وبرلين لجهة الاقتراب من هذا الاعتراف.
والواقع اليوم كما تقول مصادر عربية في باريس أن المغرب الذي يعد الشريك الاقتصادي والتجاري الأول لفرنسا في المنطقة، يريد تنويع علاقاته، ما يعني عملياً إفساح المجال لآخرين لتعزيز مواقعهم. وثمة من يرى في التزامن بين إنهاء مهام السفير المغربي في باريس، محمد بن شعبون، في 19 من يناير (كانون الثاني) الماضي، وبين التوصية التي صوت عليها البرلمان الأوروبي في اليوم نفسه، والمنددة بأوضاع حرية الصحافة «علاقة سببية». وقد اتهمت أوساط إعلامية مغربية فرنسا بالوقوف وراء قرار البرلمان الأوروبي. وذهب رئيس اللجنة البرلمانية المشتركة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، لحسن حداد، في الاتجاه نفسه، إذ أكد أن «جزءاً من الدولة العميقة الفرنسية» يقف وراء تبني تلك التوصية. لكن جاء الرد من سفير فرنسا في الرباط، كريستوف لوكوتورييه، الذي أكد في حوار مع مجلة «تيل كيل» نهاية الأسبوع الماضي، أن توصية البرلمان الأوروبي «لا تلزم أبداً فرنسا»، وأن الحكومة الفرنسية «لا يمكن أن تعد مسؤولة عن البرلمانيين الأوروبيين».
هذه هي حال العلاقات الفرنسية ــ الجزائرية ــ المغربية، التي امتدت تداعياتها إلى تونس وعلى الرئيس التونسي قيس سعيد شخصياً، حيث تؤكد مصادر إعلامية فرنسية أنه هو من أعطى الإذن بترحيل أميرة بوراوي إلى فرنسا. أما قضية زيارة تبون إلى باريس وزيارة ماكرون إلى الرباط، فتبقى رهن اتجاه الريح، وتطورات علاقات معقدة تتسم بـ«حساسية» بالغة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.