فرنسا باتت رهينة علاقة مثلثة فرنسية - جزائرية - مغربية متأرجحة

«التطبيع» الفرنسي ــ الجزائري في مهب الريح... وزيارة تبون إلى باريس موضع تساؤل

فرنسا باتت رهينة علاقة مثلثة فرنسية - جزائرية - مغربية متأرجحة
TT

فرنسا باتت رهينة علاقة مثلثة فرنسية - جزائرية - مغربية متأرجحة

فرنسا باتت رهينة علاقة مثلثة فرنسية - جزائرية - مغربية متأرجحة

السؤال المطروح بقوة اليوم في أروقة الدبلوماسية الفرنسية هو: هل قيام القنصلية الفرنسية في تونس بإجلاء الناشطة الجزائرية أميرة بوراوي، الممنوعة من السفر في بلادها، إلى فرنسا بإذن مباشر من الرئيس قيس سعيد سيطيح بالجهود التي بذلها الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته في الأشهر الثمانية الماضية من أجل «تطبيع» العلاقات بين البلدين، ونقلها إلى مرحلة من التعاون والدفء؟ وهل يعني ذلك أن زيارة الدولة المرتقبة، التي من المفترض أن يقوم بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى باريس في مايو (أيار) المقبل قد أصبحت في خبر كان؟
يقول سفير فرنسي سابق في منطقة المغرب العربي إن العلاقات بين باريس والجزائر «عرفت مطبات هوائية كثيرة»، موضحاً أن كل مبادرة، أو تصريح من جانب باريس، يتم تحليله والنظر في دوافعه ومستهدفاته، خصوصاً أن القضايا الخلافية بين الطرفين منها ما هو مزمن ومنها المستجد؛ ولذا فإن أي خلاف بينهما يعيد طرح إشكالية العلاقة.
ووفق السفير نفسه، فإن المثير للدهشة في التوتر المستجد بين الطرفين هو أنه يحل في زمن يسعى فيه الطرفان لـ«فتح صفحة جديدة، والتعاون إلى أقصى الحدود». وقد برزت هذه الرغبة بوضوح خلال زيارة الأيام الثلاثة التي أمضاها الرئيس ماكرون في أغسطس (آب) الماضي، والتي أعقبتها بعد شهر واحد زيارة رئيسة الحكومة إليزابيث بورن وبمعيتها 15 وزيراً، أي ما يزيد على نصف حكومتها إلى الجزائر، والتي أفضت إلى توقيع عشرات الاتفاقيات متعددة الأشكال. وهناك أيضاً مؤشران إضافيان على الرغبة الصادقة من الجانبين للتقارب الجدي: فمن جهة، توصل الطرفان مؤخراً إلى اتفاق بشأن تشكيل لجنة المؤرخين المشتركة التي أنيط بها بحث القضايا المرتبطة بمرحلة الاستعمار الفرنسي للجزائر، التي دامت 132 عاماً، وحرب الاستقلال الجزائرية من أجل تبيان الحقيقة التاريخية، والتوصل إلى ما يسميه ماكرون «مصالحة الذاكرات». أما المؤشر الثاني فهو الزيارة التي قام بها مؤخراً رئيس الأركان الجزائري، السعيد شنقريحة، إلى باريس حيث استقبله الرئيس ماكرون في قصر الإليزيه، كما اجتمع بنظيره رئيس الأركان الفرنسي، وبوزير الدفاع ونواب وأعضاء في مجلس الشيوخ. وتكمن أهمية هذه الزيارة في أنها تعيد إطلاق العلاقات الدفاعية والأمنية بين الجانبين، بما في ذلك التعاون في منطقة الساحل الأفريقي حيت أصيب الحضور الفرنسي بنكسة واضحة.
اليوم، أصبحت تفاصيل وصول الطبيبة والناشطة أميرة بوراوي معروفة، بدءاً من خروجها من الجزائر خلسة، بحكم أنها ممنوعة من المغادرة بقرار قضائي ووصولها إلى تونس وتوقيفها، ثم إطلاق سراحها وتدخل القنصلية الفرنسية، على أساس أن بوراوي تحمل الجنسية الفرنسية، وتتمتع بالحماية القنصلية، ووضعها بعد ذلك في طائرة متوجهة إلى مدينة ليون، حيث لم تتأخر وسائل الإعلام الفرنسية في فتح صفحاتها وشاشاتها لـ«الهاربة» حديثاً.
وجاءت ردود الفعل من الجانبين متباينة؛ فمن جهة اكتفت باريس بتصريح صدر الخميس عن فرنسوا ديلماس، الناطق المساعد باسم الخارجية الفرنسية، قلل فيه من أهمية ما حصل، مكتفياً بقول إنه «حالة فردية»، و«إجراء لا يخرج عن المألوف»، مشيراً إلى أن بوراوي «مواطنة فرنسية، وبناءً على ذلك مارست السلطات الفرنسية الحماية القنصلية»، وامتنع عن «تبرير» ما قامت به السلطات القنصلية في تونس، لكنه أكد اعتزام فرنسا «مواصلة العمل لتعميق علاقاتنا الثنائية بشراكة متجددة». أما بخصوص سحب السفير الجزائري، فإنه «قرار جزائري»، حسبه. ويعكس هذا الكلام رغبة فرنسية مزدوجة: وجهها الأول التقليل من أهمية ما حصل، وعدّه إلى حد ما أمراً روتينياً لا يستحق التوقف عنده أكثر من ذلك، والتأكيد في وجهه الثاني على السعي لقلب صفحة الخلاف بأسرع وقت ممكن. وخلفية هذه المقاربة أن العلاقات الثنائية عرفت في الماضي أزمات أكبر، لكن الطرفين نجحا في التغلب عليها، ولا شيء يعوق تناسي الحادثة الأخيرة. وعلى أي حال، رفضت الخارجية التكهن بمصير زيارة الدولة للرئيس تبون.
وفي مقابل «البرودة» الفرنسية، جاءت ردة الفعل الجزائرية متنوعة وعنيفة؛ فالبيان الرئاسي ندد بانتهاك السيادة الجزائرية، فيما تقرر الاستدعاء الفوري للسفير في باريس للتشاور. وترافق ذلك مع حملة إعلامية شعواء على فرنسا، أعنفها ما جاءت به وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية. ووفق المصدر الفرنسي المشار إليه، فإن اللافت في البيان المذكور أمران: الأول اتهام «المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي»، أي المخابرات الخارجية، وبعض الدبلوماسيين والمستشارين بـ«السعي لإحداث قطيعة في العلاقات الفرنسية ــ الجزائرية»، تبعاً لـ«خطة» موضوعة، وهي مدفوعة لذلك بسبب «ولعهم وتبجيلهم» للمغرب.
أما الأمر الثاني فهو الإشارة الغريبة في تحذير الوكالة لهؤلاء بأن يدركوا أنه «إذا فكرت فرنسا في تكرار سيناريو خليج الخنازير فإنهم أخطأوا العنوان». والمقصود بذلك الخطة التي أعدتها المخابرات الأميركية لإسقاط نظام كاسترو في كوبا، من خلال إنزال معارضين مسلحين في خليج الخنازير في كوبا في 17 من أبريل (نيسان) 1961. وفي هذا السياق، تساءل الدبلوماسي السابق عن «المؤشرات» التي تسمح للوكالة الناطقة باسم الحكومة بالحديث عن سيناريو مشابه. وبنظره، فإن «المغالاة إلى هذا الحد المضحك تنزع الصدقية والجدية»، عما يصدر عن الجانب الجزائري. ثم إن العلاقات الفرنسية ــ المغربية تمر راهناً بأزمة صامتة، لعل أبرز مؤشراتها أن الزيارة التي ينوي الرئيس ماكرون القيام بها إلى الرباط لم تعد قيد التداول، رغم المهمة التي قامت بها وزيرة الخارجية كاترين كولونا إلى المغرب في 16 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والتي كان غرضها تحديداً التحضير لها.
ويعي جُل المراقبين أنه ليست لباريس علاقات ثنائية من جهة مع الجزائر، ومن جهة أخرى مع المغرب، بل هناك علاقة ثلاثية الأضلع، ذلك أن ما يقع في جانب ينعكس آلياً على الجانب الآخر، مؤكدين أن رغبة باريس في المحافظة على التوازن ليست مهمة سهلة. وليس سراً أن الرباط لا تنظر بعين الارتياح إلى التقارب الفرنسي ــ الجزائري، خصوصاً أن لديها «مآخذ» على الدبلوماسية الفرنسية، حيث إن باريس لا تبدو راغبة بالسير على الخطى الأميركية لجهة الاعتراف بـ«مغربية» الصحراء، كما فعلت إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، مقابل تطبيع العلاقات المغربية ــ الإسرائيلية، أو الاقتداء بما فعلته مدريد وبرلين لجهة الاقتراب من هذا الاعتراف.
والواقع اليوم كما تقول مصادر عربية في باريس أن المغرب الذي يعد الشريك الاقتصادي والتجاري الأول لفرنسا في المنطقة، يريد تنويع علاقاته، ما يعني عملياً إفساح المجال لآخرين لتعزيز مواقعهم. وثمة من يرى في التزامن بين إنهاء مهام السفير المغربي في باريس، محمد بن شعبون، في 19 من يناير (كانون الثاني) الماضي، وبين التوصية التي صوت عليها البرلمان الأوروبي في اليوم نفسه، والمنددة بأوضاع حرية الصحافة «علاقة سببية». وقد اتهمت أوساط إعلامية مغربية فرنسا بالوقوف وراء قرار البرلمان الأوروبي. وذهب رئيس اللجنة البرلمانية المشتركة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، لحسن حداد، في الاتجاه نفسه، إذ أكد أن «جزءاً من الدولة العميقة الفرنسية» يقف وراء تبني تلك التوصية. لكن جاء الرد من سفير فرنسا في الرباط، كريستوف لوكوتورييه، الذي أكد في حوار مع مجلة «تيل كيل» نهاية الأسبوع الماضي، أن توصية البرلمان الأوروبي «لا تلزم أبداً فرنسا»، وأن الحكومة الفرنسية «لا يمكن أن تعد مسؤولة عن البرلمانيين الأوروبيين».
هذه هي حال العلاقات الفرنسية ــ الجزائرية ــ المغربية، التي امتدت تداعياتها إلى تونس وعلى الرئيس التونسي قيس سعيد شخصياً، حيث تؤكد مصادر إعلامية فرنسية أنه هو من أعطى الإذن بترحيل أميرة بوراوي إلى فرنسا. أما قضية زيارة تبون إلى باريس وزيارة ماكرون إلى الرباط، فتبقى رهن اتجاه الريح، وتطورات علاقات معقدة تتسم بـ«حساسية» بالغة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.