تقرير: كيف تتجسس الصين على الولايات المتحدة؟

صورة دلالية عن التجسس الصيني (بي بي سي)
صورة دلالية عن التجسس الصيني (بي بي سي)
TT

تقرير: كيف تتجسس الصين على الولايات المتحدة؟

صورة دلالية عن التجسس الصيني (بي بي سي)
صورة دلالية عن التجسس الصيني (بي بي سي)

أثار منطاد يشتبه أن الصين استخدمته للتجسس على الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، غضباً دبلوماسياً واسعاً، وأعاد إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بكيفية جمع بكين المعلومات الاستخباراتية عن أكبر خصم استراتيجي لها، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.
وقال مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كريستوفر راي عام 2020 إن التجسس الصيني يمثّل «أكبر تهديد بعيد الأمد لممتلكات بلدنا المعلوماتية والفكرية، ولحيويتنا الاقتصادية».
وأفادت وزارة الخارجية الصينية في بيان لوكالة الصحافة الفرنسية، بأنها «تعارض بحزم» عمليات التجسس، مشيرة إلى أن الاتهامات الأميركية «مبنية على معلومات كاذبة ومآرب سياسية خبيثة».
ولدى الولايات المتحدة كذلك طرقها الخاصة للتجسس على الصين، وتستخدم تقنيات للمراقبة والتنصت، إضافة إلى شبكات مخبرين.
قال الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عام 2015 إن نظيره الصيني شي جينبينغ تعهد عدم القيام بأي عمليات تجسس إلكتروني تجارية. لكن تصريحات صدرت لاحقاً من واشنطن أكدت تواصل الممارسة.
فيما يلي بعض الوسائل التي طوّرتها بكين في السنوات الأخيرة للتجسس على الولايات المتحدة:
حذّرت الولايات المتحدة في تقييم سنوي مهم عام 2022 من أن العملاق الآسيوي يمثّل «التهديد الإلكتروني المرتبط بالتجسس الأوسع والأكثر نشاطاً وثباتاً» للقطاعين العام والخاص.
وبحسب باحثين ومسؤولين استخباراتيين غربيين، باتت الصين ماهرة في قرصنة الأنظمة الحاسوبية للدول المعادية لسرقة الأسرار الصناعية والتجارية.
عام 2021 أفادت الولايات المتحدة وبلدان حلف شمال الأطلسي وحلفاء آخرون بأن الصين وظّفت «قراصنة بعقود» لاستغلال ثغرة في أنظمة البريد الإلكتروني التابعة لـ«مايكروسوفت»، ما منح عناصر أمن الدولة قدرة على الوصول إلى رسائل البريد الإلكتروني وبيانات الشركات وغير ذلك من المعلومات الحساسة.
كما قرصن جواسيس إلكترونيون صينيون وزارة الطاقة الأميركية وشركات المرافق العامة والاتصالات والجامعات، بحسب بيانات الحكومة الأميركية وتقارير إعلامية.
تغلغلت المخاوف من التهديد الصيني في قطاع التكنولوجيا وسط مخاوف من أن الشركات المرتبطة بالدولة ستكون ملزمة مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع الحكومة الصينية.
عام 2019 اتّهمت وزارة العدل الأميركية مجموعة «هواوي» العملاقة للتكنولوجيا بالتآمر لسرقة بيانات تجارية أميركية، والالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران وغير ذلك من الجرائم.
وحظرت واشنطن استخدام أي معدات أو تكنولوجيا تابعة للشركة في أنظمة الحكومة الأميركية، وأثنت القطاع الخاص عن استخدام معداتها إثر المخاوف المرتبطة بالتجسس، فيما تنفي «هواوي» بدورها التهم.
تثير مخاوف مشابهة حيال تيك توك جدلاً سياسياً في الغرب، حيث دعا بعض النواب إلى حظر مباشر للتطبيق الذي يحظى بشعبية واسعة وطوّرته شركة «بايت دانس» الصينية إثر مخاوف مرتبطة بالبيانات.
اعتمدت بكين على المواطنين الصينيين في الخارج للمساعدة في جمع المعلومات الاستخباراتية وسرقة التكنولوجيا الحساسة، بحسب الخبراء والنواب الأميركيين وتقارير إعلامية.
ولعل واحدة من أبرز القضايا كانت قضية جي تشاوكون الذي حُكم عليه في يناير (كانون الثاني) بالسجن ثماني سنوات في الولايات المتحدة لتمريره معلومات عن تجنيد أهداف محتملين لصالح الاستخبارات الصينية.
اتُّهم جي الذي وصل إلى الولايات المتحدة بتأشيرة طالب عام 2013 وانضم لاحقاً إلى صفوف قوات الاحتياط في الجيش، بتزويد وزارة أمن الدولة التابعة لمقاطعة جيانغسو الصينية، وهي وحدة استخباراتية متّهمة بسرقة أسرار تجارية أميركية، بمعلومات عن ثمانية أشخاص.
والعام الماضي، قضت محكمة أميركية بسجن ضابط استخبارات صيني 20 عاماً لسرقته تكنولوجيا من شركات صناعات جو - فضائية أميركية وفرنسية.
وأُدين الرجل واسمه شو يانجون بلعب دور بارز في خطة دعمتها الدولة الصينية مدّتها خمس سنوات لسرقة أسرار تجارية من «جي إي للطيران» (GE Aviation)، التي تُعد إحدى مجموعات صناعة محركات الطائرات الأبرز في العالم، و«مجموعة سافران» الفرنسية.
وعام 2020، قضت محكمة أميركية بسجن المهندس لدى «رايثيون» ويي سون، وهو صيني حصل على الجنسية الأميركية، على خلفية نقله معلومات حساسة عن نظام صاروخي أميركي إلى الصين، عبر حاسوب محمول تابع لإحدى الشركات.
يشتبه بأن العملاء الصينيين تقربوا من نخب سياسية واجتماعية وتجارية أميركية خدمة لمصالح بكين.
ونشر موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي تحقيقاً عام 2020 ذكر أن طالباً صينياً مسجلاً في جامعة في كاليفورنيا طوّر علاقات مع مجموعة من السياسيين الأميركيين برعاية وكالة التجسس المدني الرئيسية التابعة لبكين.
واستخدم الطالب المدعو فانغ فانغ تمويل الحملات وتطوير الصداقات وحتى العلاقات الجنسية لاستهداف شخصيات سياسية صاعدة بين عامي 2011 و2015، بحسب التقرير.
استخدم عملاء الصين وسيلة أخرى تقوم على الترويج لامتلاكهم معلومات عن نشاطات الحزب الشيوعي الداخلية الغامضة، وإغراء كبار القادة بإمكانية الوصول إليها من أجل جذب شخصيات غربية عالية المستوى، بحسب باحثين.
وقال المؤلف الصيني الأسترالي أليكس جوسك في كتابه (باللغة الإنجليزية) «جواسيس وأكاذيب: كيف خدعت كبرى العمليات السرية الصينية العالم»، إن الهدف كان «تضليل قادة العالم بشأن طموحات» بكين، ودفعهم للتصديق بأن «الصين ستنهض بشكل سلمي، أو لربما حتى بشكل ديمقراطي».
مارست بكين أيضاً ضغوطاً على مجتمعات صينية في الخارج، ومنظمات إعلامية لدعم سياساتها بشأن تايوان وإسكات أي انتقادات للحملات الأمنية في هونغ كونغ وشينجيانغ.
وفي سبتمبر (أيلول) 2022 قالت منظمة «سيفغارد ديفيندرز» غير الحكومية التي تتخذ من إسبانيا مقراً، إن الصين أقامت 54 مركز شرطة حول العالم، في خطوة يشتبه أن الهدف منها استهداف معارضي الحزب الشيوعي. ونفت بكين الاتهامات.
بدورها، أمرت هولندا الصين بإغلاق «مركزي شرطة» على أراضيها في نوفمبر (تشرين الثاني). وبعد شهر، أفادت جمهورية التشيك بأن الصين أغلقت مركزين من هذا النوع في براغ.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».