«أسبوع الأزياء الراقية» يدفع ثمن فتح أبوابه للجميع

الابتكارات الغريبة تواجه انتقادات... والتفرد يفوز

للمرة الثالثة تتعاون فيرجيني فيار مصممة دار «شانيل» مع الفنان زافييه فيلهان لتصميم ديكور مميز (أ.ب)
للمرة الثالثة تتعاون فيرجيني فيار مصممة دار «شانيل» مع الفنان زافييه فيلهان لتصميم ديكور مميز (أ.ب)
TT

«أسبوع الأزياء الراقية» يدفع ثمن فتح أبوابه للجميع

للمرة الثالثة تتعاون فيرجيني فيار مصممة دار «شانيل» مع الفنان زافييه فيلهان لتصميم ديكور مميز (أ.ب)
للمرة الثالثة تتعاون فيرجيني فيار مصممة دار «شانيل» مع الفنان زافييه فيلهان لتصميم ديكور مميز (أ.ب)

انقسم أسبوع الـ«هوت كوتور» لربيع وصيف 2023 في الأسبوع الماضي إلى فريقين. فريق أبدع تصاميم فخمة ورفيعة، وفريق أثار الجدل وغذى وسائل التواصل الاجتماعي، بشكل مقصود حيناً، وغير مقصود حيناً آخر. فهذا الموسم، قبل أن يفتح أبوابه للجميع من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، كان في وقت من الأوقات بمثابة نادٍ خاص جداً لا تدخله سوى حُفنة من الزبونات النخبويات والمقتدرات. وعلى ما يبدو، فإن هذه الوسائل التي فرضت على المصممين أن يُلونوا تصاميمهم بكل ما هو صارخ ومتضارب لكي تكتسب الصورة على «إنستغرام» تأثيراً أكبر، بدأت تُؤثر على عملية الإبداع، تحت تسميات مختلفة. في الأسبوع الماضي، مثلاً فتحت النيران على بعض المصممين بتهمة انفصالهم عن الواقع وما يجري من حولهم. دار «سكاباريللي» كانت لها حصة الأسد من الانتقادات والجدل. السبب أن مصممها دانييل روزبيري قدم ثلاثة تصاميم تُجسد رؤوس حيوانات مُحنطة تبدو من بعيد وكأنها حقيقية رآها البعض تشجيعاً أو «تمجيداً لصيد الحيوانات».
الثنائي رولف سنورين وفيكتور هورستينغ، مؤسسا علامة «فيكتور أند رولف» قدما بدورهما عرضاً لا يقل إثارة للجدل، قلبا فيه معايير الموضة المتعارف عليها...حرفياً. بعد العرض، اعترفا أنهما تعمدا ذلك، أولاً لإبراز الحرفية التي يتضمنها أي تصميم، وثانياً لتسليط الضوء على مدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على حياتنا ونظرتنا للأمور. أسلوبهما في إيصال هذه الفكرة جمع الشقاوة بالمرح، لكنه لم يشفع لهما عند البعض ممن لا يُقدرون أن خط الـ«هوت كوتور» تحديداً هو مختبر للتجارب والأفكار الجديدة. بيير باولو بيكيولي، مصمم دار «فالنتينو» لخَص هذه الحقيقة بقوله: «إنه وسيلة لتحقيق المستحيلات ولتحدّي الأفكار والمفاهيم السائدة، ولابتكار وقائع جديدة وجريئة».
لكن بالنسبة للمتابع العاشق للموضة، فإن الأسبوع الباريسي كان انفصالاً مُرحباً به عن الواقع، من ناحية أنه كان فرصة لعدم متابعة الأخبار المتداولة حول دخول الحرب الأوكرانية مرحلة جديدة من التصعيد، والتهديدات البيولوجية وانتشار الأسلحة الـنـوويـة، وأيضاً استمـرار أزمـة المناخ وهلم جرا. ذكَرنا بأن الحياة جميلة، عندما تتلقى جرعات قوية من الإبداع والابتكار والفن. لمدة ثلاثة أيام نقل المصممون المشاركون عشاق الموضة إلى بُرج الـ«هوت كوتور» العاجي بكل أبعاده وبُعده عن الواقع الاقتصادي والسياسي المضطرب. فمقابل الشطحات السريالية، كان هناك كم هائل من الأناقة الراقية في عروض «شانيل» و«جامباتيستا فالي» و«إيلي صعب» و«فالنتينو» و«ديور» و«جيورجيو أرماني» وستيفان رولان وغيرهم.

من عرض «شانيل» (أ.ف.ب)   -   من عرض سيتفان رولان (أ.ف.ب)

- «شانيل»
الفن كان محوراً مهماً في عرضها لربيع وصيف 2023. فهذه هي المرة الثالثة التي تتعاون فيها المصممة فيرجيني فيار مع الفنان زافييه فيلهان لتصميم ديكور يتماشى مع رؤية دار عودتنا على الديكورات الضخمة والمثيرة. قام الفنان بزيارة لشقة الآنسة كوكو شانيل بشارع غامبون، ليستلهم منها. أثار انتباهه فيها عدد المنحوتات المتناثرة على الطاولات على شكل حيوانات مصنوعة من المرمر أو الخشب جمَعتها عبر السنين. ومن هنا تفتقت مخيلته على تحويل «لوغران باليه»، مسرح العرض، إلى ما يشبه السيرك أو قرية تحتضن مهرجاناً. صنع مجسمات من الكرتون أخذت أشكالاً ضمَت فيلاً وزرافة وتمساحاً وجملاً وحصاناً وغزالاً، يبلغ ارتفاع بعضها نحو 3 أمتار تقريباً.
بدأ العرض بدخول هذه المجسمات مجرورة على عجلات. ما إن استقر كل واحد منها في المكان المرسوم لها، حتى خرجت منها عارضات بأزياء أبعد ما تكون عن فانتازية الأجواء. فبقدر ما كانت هذه الحيوانات الكارتونية تبدو ساذجة وطفولية، كانت الأزياء راقية وناضجة بحرفيتها وتقنياتها، وإن كان أغلبها موجهاً لصبية في مقتبل العمر. كانت هناك تنورات قصيرة جداً، وبعدد غير مسبوق، إلى جانب رموز تعودنا عليها وعشقناها مثل تايورات وفساتين من التويد المغزول بخيوط تلمع تصل إلى الركبة وفساتين سهرة منسابة بتطريزات خفيفة جداً. كان من الطبيعي ألا تتجاهل فيرجيني فيار فكرة الفنان زافييه فيلهان، وأن تأخذها بعين الاعتبار، حيث استعملتها كتيمة تربط العرض من البداية إلى النهاية. البداية كانت ببطاقة الدعوة التي تلقاها الحضور وكانت من الكرتون المزيّن ببروشات صغيرة تجسد بعض الحيوانات، والنهاية بخروج العارضة الألمانية أنا إيوورز من فيل ضخم، بفستان عرس ناعم وقصير يصل إلى الركبة مطرز هو الآخر بأشكال عصافير وطيور.

- ديور
اليوم الأول من الأسبوع يكون دائماً من نصيب «ديور». وكالعادة كانت تيمته متوقعة، تدور حول الأنوثة. فمصممة الدار، ماريا غراتزيا تشيوري تحرص منذ دخولها «ديور» على إبراز أعمال فنانات، إما بالتعاون المباشر معهن أو بالاستلهام منهن. رأيها أن «النساء عموماً والفنانات العظميات تحديداً لا يحتفلن بأنفسهن كفاية، وأنا مهووسة بإبرازهن ودفعهن إلى الواجهة».
هذه المرة لم يختلف الأمر بالنسبة لها. مُلهمتها كانت الفنانة الأميركية من أصول أفريقية جوزفين بايكر، التي ألهبت مسارح باريس في العشرينات من القرن الماضي وجعلت عالم الكباريهات يكتسب صبغة فنية ثائرة على الأحكام المسبقة والصور النمطية. فساتين بشراشيب وأحجار الكريستال وأخرى للمساء والسهرة من الساتان أو المخمل الخفيف أو المجعَد والمبطن اكتسبت قوة ورومانسية بفضل التطريز. وحتى لا تضيع الفكرة، استحضرت الأزرار الفضية الصغيرة والترتر والشراشيب إلى جانب موسيقى الجاز وأجواء الكباريهات فترة زمنية مهمة في تاريخ الحركة النسوية والفن. الفرق الواضح فيها أنها جاءت بأطوال تغطي الركبة لتصل إلى الكاحل، الأمر الذي أخرجها من أجواء الكباريهات وأضفى عليها أناقة راقية.

- إيلي صعب
مثل العديد من الناس بعد الجائحة، لا يخفي إيلي صعب أن هناك توقاً شديداً لكي نعيش الحياة بشكل طبيعي ولذيذ. لهذا لم يكن غريباً أن تأتي التشكيلة التي قدمها لربيع وصيف 2023 دعوة صريحة للحياة بكل مُتعها ومتاعها تلُف المرأة والرجل على حد سواء بالحرائر وخيوط الذهب. 69 قطعة بالتمام والكمال لم يبخل على أي واحدة منها بالتطريز والتفصيل الذي يرتقي بأي امرأة إلى مصاف الأميرات. «فجر ذهبي»، هو العنوان الذي أطلقه عليها، موضحاً أنها ولدت في عالم خيالي لا تغرب شمسه أبداً، الأمر الذي يفسر أن اللون الذهبي ومشتقاته كان الغالب فيها. هذا العالم هو تايلاند الغني بثقافته وألوانه ودفئه وجمال قصوره وبلاطاته. لم تكن الأزياء فانتازية بقدر ما كانت تتحدى الخيال برومانسيتها وفخامتها. عنصران لصيقان بأسلوب مصمم لا يؤمن بما قل ودل. بيد أن ما يُحسب له دائماً، وعلى العكس من دانييل روزبيري مثلاً، الذي شعر أنه يحتاج لتقديم تصاميم فخمة وصادمة لدار «سكاباريللي» أو الثنائي سنورين وهورتينغ وما قدماه من تصاميم فخمة قلبت المعايير المتعارف عليها وخلقت جدلاً كبيراً، ثقته أنه لا يحتاج إلى شطحات مماثلة لكي يصيب الهدف ويُحقق المبتغى. فهو يعرف زبونته جيداً. يعرف مكامن قوتها وضعفها، ويلعب دائماً على وترها الحساس في الحصول على كل ما يجعلها متألقة ومتميزة، وهذا تحديداً ما قدمه لها على طبق من ذهب يوم الأربعاء الماضي. كل فستان كان يُنافس الآخر بتفاصيله المبتكرة وتطريزاته السخية على أقمشة مترفة تلونت بدرجات تفتح النفس على الحياة وتتوق لحفلات وأعراس الصيف.
للمرة الثانية، لم ينس الرجل. قدم له مجموعة، قد تكون قليلة تُحسب على أصابع اليد، إلا أنه اختزل فيها كل الجماليات التي يحتاجها ليلفت الأنظار. تمثلت في بدلات مفصلة و«كابات» مطرزة تنسدل من على الأكتاف لتلامس الأرض وكأنها تتحدى قانون الجاذبية. الجميل فيها أنه من السهل على المرأة سرقتها من خزانة الرجل لتتألق فيها بدلاً منه.

العارضة إيرينا شايك في عرض «سكاباريللي» (أ.ب)    -   من عرض فيكتور أند رولف (إ.ب.أ)

- سكاباريللي
افتتحت الدار الأسبوع بأسلوب جمع الإثارة الصادمة بالأناقة الفنية. أقل ما يمكن أن يقال عن العرض إنه أجَج وسائل التواصل الاجتماعي، فاتحاً باب الجدل على مصراعيه بين معجب ومستنكر. القصة أن المصمم دانييل روزبيري أرسل ثلاث عارضات هن شالوم هارلو بفستان يزينه رأس فهد، وإيرنا الشايك برأس أسد وناعومي كامبل برأس ذئب.
أطلق المصمم على تشكيلته عنوان «الجحيم» Inferno، مُفسراً أنه استلهمها من الملحمة الشعرية التي ألفها دانتي أليغيري في القرن الرابع عشر. كانت الملحمة عبارة عن رحلة خيالية إلى الجحيم، تعرف فيها على نفسيات بشرية متنوعة تأخذ مجازياً أشكال حيوانات. الفهد مثلاً يُمثل الشهوة، والأسد الكبرياء، والذئب الجشع والبُخل. كانت رؤوس هذه الحيوانات الثلاثة مُحنطة بأحجام وأشكال جد واقعية، جعلت المستنكرين لا يرون فيها سوى الجانب الاحتفالي بصيد الحيوانات و«تمجيده كهواية» حسب تصريح لمنظمة بيتا المدافعة عن حقوق الحيوان. روزبيري دافع عن نفسه مؤكداً أنّ هذه الرؤوس صُنّعت من الريزين ومواد صناعية أخرى، مُصرحاً بعد العرض أن نيَته كانت الاحتفال بالمرأة القوية، موضِحاً أننا في زمن يختلف عن كل ما سبقه، ولم يعد يتقبل ما قل ودل «وأنا أحب المرأة الحقيقية والطبيعية التي تريد أن تزأر مثل الأسد ليصل صوتها إلى العالم». ما يشفع للمصمم إلى جانب أن باقي التشكيلة كانت في أرقى حالاتها وتعكس مفهوم الـ«هوت كوتور» بشكل رائع، أنه يمشي على خطى المرأة التي تحمل الدار اسمها: إلسا سكاباريللي. كانت مصممة متمردة، تعشق الفن ولا تخاف من آراء الآخرين إلى حد أنها فضَلت الإفلاس عن التنازل عن رؤيتها الفنية للموضة. قد لا يصل الأمر بروزبيري إلى الانسحاب أو الاعتذار. فرغم الضجة التي أثارها، حصل على تغطيات لم يحصل عليها غيره.

من عرض «ديور» (أ.ب)   -    من عرض «إيلي صعب»

- فيكتور أند رولف
الثنائي الهولندي رولف سنورين وفيكتور هورستينغ معروفان بتقديم عروض سريالية يستعرضان فيها مهاراتهما الفذة. لكنهما لم يكونا يتوقعان حجم الضجة التي أثارها عرضهما الأخير. فقد تباينت الآراء حوله هو الآخر بين معجب ومستنكر. ربما يكون السبب أن الـ«هوت كوتور» أصبح مفتوحاً على الجميع، بمن فيهم من لا يعرفون أن هذا الخط تحديداً قائم على الرُقي والجمال في «أغلى» حالاته وتصاميمه الفريدة بالنسبة للزبونات، وبالنسبة للمصمم هو مختبر يُطلق فيه العنان لخياله وأفكاره دون قيد أو شرط. المصممان فيكتور ورولف يؤمنان بهذه الفكرة منذ بدايتهما، بل وصنعا اسميهما على هذا الأساس، إلا أن دراما طريقة العرض هذه المرة كانت جديدة وغريبة بعض الشيء.
لا يختلف اثنان على أنهما قدما 18 قطعة مفصلة بطريقة أنثوية وبتقنيات عالية، تجسدت في فساتين بكورسيهات ضيقة وتنورات من التول بألوان ناعمة، جاء بعضها مرصعاً بأحجار الكريستال. كل ما فيها يستحضر صورة أميرة أو سندريلا. المشكلة بالنسبة للمنتقدين، أنها لبست العارضات عوض أن يلبسنها، وبذلك قلبا مفهوم الأناقة رأساً على عقب. فقد ظهرت مثلاً عارضة بفستان غطَت تنورته صدرها ووجهها تماماً، بحيث كانت تتلمس طريقها على منصة العرض، بواسطة تعليمات صوتية. ظهرت أخريات وهن يلبسن فساتين بشكل عرضي، وعارضة تبدو وكأنها تسير إلى جانب فستان غطى نصفها الأيمن فقط، فيما كان النصف الأيسر بملابس داخلية.
الكثير من التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن إيجابية، لكن المصممان شرحا بعد العرض أنهما أرادا أن يلعبا على ثقافة مواقع الإنترنت بكل أنواعها. فهي حسب قولهما تستنزف طاقتنا باستهلاكها كماً هائلاً من الصور تخضع للتغيير، إما بتجميلها أو العكس «وهو ما شوه إحساسنا بالواقع»، حسب قول سنورين، مضيفاً: «هناك انفصام بين ما نراه على هذه المواقع، وحقيقة المنتج». يلتقط منه فيكتور هورستينغ خيط الحديث قائلاً: «ثم لا ننسى تلك الحالة غير المنطقية التي تنقلنا من متابعة عرض أزياء على الهاتف إلى خبر عن قتل جماعي، ومن صنع كعكة موز إلى الحرب في أوكرانيا». إنه عالم مجنون يحتاج إلى جُرعة من الشقاوة والمرح لنخرج من حالة الفوضى التي نعيشها.


مقالات ذات صلة

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

لمسات الموضة تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

صناعة الرفاهية لم تعد محصورة في المُنتج، ولا حتى في فرادة المكان والمعمار فحسب، فهناك عنصر أكثر أهمية، لا يمكن شراؤه بسهولة، ألا وهو الخبرة البشرية.

جميلة حلفيشي (بيدمونت - ميلانو)
لمسات الموضة لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)

بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

أخذ شون ماكغير عذابات الراحل لي ماكوين ومخاوفه وتناقضاته، وحوّلها من مصدر للاضطراب إلى مادة للإبداع، ومن مصدر للألم إلى لغة جديدة تتميز بها الدار اليوم

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «فستان الانتقام» في دار «سوذبيز» للمزادات (رويترز) p-circle

«فستان الانتقام» يكشف الجاذبية الطاغية للأميرة ديانا بعد عقود من وفاتها

عُرض «فستان الانتقام» للأميرة ديانا في لندن، الجمعة، بعد أيام من ظهور مزاعم جديدة تتعلق بردّ فعل الملك تشارلز على وفاتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»،.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة من عرض «رالف لورين» (أ.ب)

أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

تزامُن انتعاش الأسبوع مع وصول ممداني إلى السلطة يجعل من الصعب فصل الموضة عن المدينة نفسها. كلاهما يتحرك بديناميكية ورغبة في استعادة المكانة المهمة

جميلة حلفيشي (لندن)

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
TT

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)

سيبقى يوم 18 من شهر سبتمبر (أيلول) 2026 تاريخياً بالنسبة لدار «لورو بيانا». ففي هذا اليوم افتتحت مركزها الجديد في «غيمي» بمنطقة بيدمونت الإيطالية، على بعد 45 دقيقة تقريباً من وسط ميلانو. وهو مركز متخصص في صناعة الملابس المحبوكة يجمع كل عمليات الدار تحت سقف واحد، بدءاً من البحث والتطوير ووصولاً إلى المنتجات النهائية، مروراً بمساحة متخصصة للتدريب ونقل المهارات إلى الأجيال المقبلة.

أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري وتراعي مفهوم الاستدامة بشكل جدي (لورو بيانا)

حضر الافتتاح فريديريك أرنو، الرئيس التنفيذي، وبير لويجي لورو بيانا، نائب رئيس مجلس الإدارة وأحد أفراد الجيل السادس من عائلة لورو بيانا، إلى جانب أدولفو أورسو، وزير الشركات و«صنع في إيطاليا».

وكما قال أرنو، في كلمة الافتتاح فإن «مصنع غيمي ليس مجرد منشأة جديدة، بل يمثل محطة استراتيجية مهمة تجمع بين تطوير أساليب التصنيع ودعم خططنا للنمو وتطلعاتنا على المدى الطويل».

أهم ما في هذه الخطوة أنها تجمع بين الاستثمار الصناعي والحفاظ على الحرفة وتطويرها وتأتي في وقت أصبحت فيه مسألة الاستمرارية أكثر إلحاحاً في صناعة الرفاهية عموماً والموضة خصوصاً.

يعد المشروع أكبر استثمار صناعي في تاريخ لورو بيانا لكنه أيضاً استثمار في الخبرة (لورو بيانا)

ما تشعر به خلال الجولة التي دعت فيها الدار الإيطالية «الشرق الأوسط» لمشاركتها هذا الحدث، إلى جانب باقة من الشخصيات ووسائل الإعلام، هو أن صناعة الرفاهية لم تعد محصورة في المُنتج ولا حتى في فرادة المكان والمعمار وحدها، فهناك عنصر أكثر أهمية، لا يمكن شراؤه بسهولة، ألا وهو الخبرة البشرية.

فالخيط يمكن الحصول عليه، والآلة يمكن تطويرها، والمبنى يمكن تصميمه، لكن معرفة كيفية التعامل مع مادة نادرة، وتحويلها إلى قطعة فخمة ومريحة، تحتاج إلى أشخاص وخبرة ووقت. فالحرفي لا يتعامل مع الخيط باعتباره مادة ثابتة، بل يفهم سلوكه ومدى مرونته خلال العمل. وتلك معرفة تتكون مع الوقت والممارسة، ولا يمكن اختصارها في مواصفات تقنية للآلة وحدها.

يتم اختبار الغرز والخيوط والبنية إلى جانب كل التفاصيل في كل مرحلة من الإنتاج (لورو بيانا)

من هذه الزاوية، يمثل المصنع الجديد استثماراً في المستقبل البشري بقدر ما هو استثمار في التصنيع. وهو وفق رؤية الدار البعيدة، محاولة لإبقاء الحرفة داخل المؤسسة، بتوثيقها وتعليمها، ثم نقلها إلى أشخاص قادرين على الإبقاء عليها لعقود، إن لم نقل قروناً.

استثمار في الحرفة

من الناحية الصناعية، يُمثِل المشروع أكبر استثمار لـ«لورو بيانا» حتى الآن. استغرق تطويره ثلاث سنوات، ويمتد على مساحة تزيد على 8 آلاف متر مربع. والهدف منه منذ البداية كان جمع المعرفة المتراكمة، والحرفية الإيطالية، والخبرة في التعامل مع المواد النادرة، ثم نقل هذه الخبرة إلى جيل جديد. في هذا السياق، يُوضِح أرنو، أن المركز سيضم خلال السنوات المقبلة نحو 300 شخص، في خطوة تعكس بحسبه «الاستثمار في الجيل التالي من الحرفيين والعاملين في هذا المجال». وأضاف: «غيمي لا يقدم نفسه بوصفه مجرد مصنع جديد، وإنَما يمثل محطة استراتيجية باعتباره جزءاً من الطريقة التي تريد الدار أن تبنى بها مستقبلها».

يتم إنتاج الجزء الأمامي والخلفي والأكمام والياقة والحواف بشكل منفصل ثم تبدأ مرحلة تجميع كل الأجزاء معاً (لورو بيانا)

كان من الممكن أن تُقوِي «لورو بيانا» حضورها وإيراداتها بزيادة عدد المتاجر أو طرح منتجات كثيرة، لكن الاستثمار هنا يتجه أولاً إلى ما تحتاجه للحفاظ على تميزها في عالم تشتد فيه المنافسة بين صناع الموضة، وذلك بخلق اكتفاء ذاتي في مهاراتها البشرية.

فالحرفيون هم من يُحوِلون الألياف النادرة إلى قطع نهائية، عبر عملية طويلة تجمع بين التكنولوجيا والحرفة، وبين الابتكار والتقاليد، وبين الدقة واللمسة الإنسانية. وتنسجم هذه الرؤية مع توجه فريديريك أرنو منذ توليه منصب الرئيس التنفيذي في يونيو (حزيران) 2025 خلفاً لدايمون برتراند، في تبنِي استراتيجية أوسع تستهدف نمواً مدروساً ومتدرِجاً.

المواد النادرة تحدد الإنتاج

ثم إن المواد التي تعتمد عليها الدار مثل صوف «Gift of Kings®» و«الفيكونا» لا تتوافر بكميات كبيرة أساساً، لهذا لا يمكن زيادة الإنتاج بسرعة.

تعتبر الألياف الطبيعية ونعومتها قوة بنت عليها الدار سمعتها عالمياً (لورو بيانا)

وكان برنار أرنو، الأب، ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة «إل في آم آش»، قد تحدث عن هذه المسألة خلال إعلان نتائج المجموعة لعام 2025، مشيراً إلى أن التحدي بالنسبة إلى «لورو بيانا» ليس تسريع النمو، وإنما الحفاظ على وتيرته ضمن حدود لا تؤثر في جودة المنتجات. وأضاف أن الدار لا تريد التوسع بسرعة كبيرة، بل إنها مستعدة للتدخل لكبح النمو عندما يصبح أسرع مما ينبغي، بهدف الحفاظ على مستوى الجودة الذي تقوم عليها العلامة.

هذه المقاربة تختلف عن نموذج التوسع السريع الذي يمكن أن تتبعه علامات الأزياء في قطاعات أخرى، هي أيضاً من الأفكار التي تظهر بوضوح خلال زيارة «غيمي». فما يبدو للوهلة الأولى استثماراً في مصنع لزيادة القدرة الإنتاجية، يتعلق في جانب أساسي منه بحماية الجودة والسيطرة على وتيرة النمو.

وصل أجزاء القطعة غرزة بغرزة عملية تحتاج إلى دقة ووقت عند التعامل مع خيوط رفيعة جداً (لورو بيانا)

ووفق ما تؤكد عليه الدار، فإن تحسين القدرة التصنيعية لا يعني بالضرورة إنتاج كميات ضخمة من كل منتج، وهو ما يرتبط بمفهوم الرفاهية التي تريد تسويقها للعالم. هذه الرفاهية يشعر بها المستهلك، ولا يلاحظها بسهولة، لأنها قد تكون مجرد غرزة محاكة بطريقة معينة، أو ملمس خيط فائق الدقة، أو طريقة التعامل مع الألياف الطبيعية أثناء تعرضها للحرارة والرطوبة. إضافة إلى ذلك، فإن بعض أنواع الصوف يتسم بألياف فائقة النعومة في علاقة حميمة بين المادة والتقنية. وخيط Royal Lightness أكبر مثال على ذلك.

فهو يجمع بين صوف ميرينو فائق النعومة وحرير Mulberry. وفيما يبلغ قطر ألياف الميرينو المستخدمة نحو 13.5 ميكرون، يبلغ سمك الحرير نحو 21 دينيراً، وهذا ما يجعل الخيط رفيعاً وناعماً للغاية، وفي الوقت ذاته، أكثر صعوبة في التعامل معه، إذ قد ينقطع بسهولة إذا لم يتم التحكم في عملية الحياكة بدرجة عالية من الدقة. وهنا تبرز أهمية تدريب الحرفيين، لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.

هذه الأهمية هي التي ساهمت في إطلاق الدار لأكاديمية الحرف في عام 2015، وتقع حالياً في مبنى أبيض بسقف أحمر كان في الماضي منزل حارس الموقع، قبل أن يخضع للترميم ويصبح جزءاً من المشروع الجديد.

كل شيء في المصنع من نوعية الخشب إلى النوافذ والإضاءة تأخذ بعين الاعتبار راحة الحرفي ومعايير الاستدامة (لورو بيانا)

في هذا المكان، يتم التدريب على عدد من المهارات الأساسية في صناعة الملابس المحبوكة، مثل برمجة تصنيع الملابس، وتجميع القطع، والتشطيب اليدوي، وإصلاح القطع، إلى جانب مسارات تدريب وتطوير أخرى. وتكتسب الأكاديمية أهميتها في أنها لا تنقل المعرفة من خلال تعليم نظري، وإنما من خلال الممارسة والعمل إلى جانب أصحاب الخبرة.

مكان يهتم بالطبيعة والإنسان

هذا ويحمل موقع «غيمي» تاريخاً صناعياً طويلاً. فقد كان فيما مضى مصنعاً للورق ثم تحوّل إلى مصنع للقطن لأكثر من مائة عام. وفي عام 1987، استحوذت عليه لورو بيانا واستخدمته لاحقاً لغزل الصوف الممشط، وإنتاج خيوط لصناعة الأقمشة والملابس المحبوكة. ومع المشروع الجديد، أعيد تطوير الموقع مع الحفاظ على بعض عناصر القديمة، مثل برج المياه التاريخي ومنزل حارس العقار السابق، الذي تحوَل اليوم إلى مقر لأكاديمية الحرف.

تجري Loro Piana أبحاثاً واختبارات على الخيوط قبل استخدامها لتحديد الطريقة الأنسب لإظهار خصائصها (لورو بيانا)

يراعي تصميم متطلبات شهادة «LEED Gold»، ويضم نظماً لاستعادة مياه الأمطار، وألواحاً للطاقة الشمسية الكهروضوئية، إلى جانب أنظمة متقدّمة لإدارة الطاقة.

ويُصبح بذلك أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري. حتى النباتات والأشجار التي غُرست فيه تراعي عدم حاجتها إلى سقي مستمر، وبالتالي لا تستنزف المياه.

بينما تُتيح الواجهات الزجاجية الممتدة على مساحات واسعة بدخول أكبر قدر ممكن من ضوء النهار إلى المبنى، ما يحدّ من الحاجة إلى الإضاءة الاصطناعية، في حين يقوم نظام إضاءة ذكي بتعديل مستوى الإضاءة تلقائياً وفقاً للظروف وعدد الموجودين في المكان.

تظهر هذه الفكرة في المساحات المفتوحة، والحدائق، والساحات.

من الصوف إلى القطعة النهائية

تمثّل مرحلة المعاينة النهائية للتأكد من كل التفاصيل مرحلة مهمة في صناعة كل منتج (لورو بيانا)

داخل المصنع، مركز عمليات التنفيذ والإنتاج، تبدأ رحلة الملابس المحبوكة من مرحلة البحث والتطوير، وكل تصميم يبتكره قسم التصميم يمر بعدة مراحل. من الرسوم الأولية وتجارب الحياكة، إلى تطوير العينة واختبارها قبل انتقالها إلى المرحلة التالية من الإنتاج. بعد ذلك تبدأ البرمجة والحياكة بتطوير الغرز وبناء القطع اعتماداً على نظم التصميم بمساعدة الحاسوب (CAD) المتخصصة. وتُعد مرحلة تجميع الملابس مجالاً يجمع هو الآخر بين التخصص والعمل اليدوي، لتأتي المرحلة الأخيرة ألا وهي غسل الملابس وكيّها، وهما خطوتان أساسيتان للوصول إلى النعومة المطلوبة والحفاظ على شكل القطعة وثباتها وأبعادها.

أهمية التكنولوجيا لا تُقلِل من أهمية عين الإنسان وحرفيته اليدوية (لورو بيانا)

في نهاية الجولة، يصعب النظر إلى «غيمي» باعتباره مجرد مصنع ضخم. فالمشروع الذي يضع الإنسان في قلب هذه العملية ينظر إلى المستقبل ويستبق عصراً جديداً لصناعة الرفاهية، يتعامل مع التكنولوجيا كونها وسيلة للتطور والتطوير، لكن من دون إلغاء الجانب الإنساني الذي يحتاج إلى يد تُدير التكنولوجيا. أما قلبها النابض، فيبقى أولاً وأخيراً في أليافها الطبيعية التي قال رئيسها التنفيذي السابق داميان برتراند في لقاء خاص مع الشرق الأوسط إنها هي التي تجعل من «لورو بيانا» دار أزياء مختلفة عن غيرها. فإلى جانب تصاميمها التي لا تتبع موجات الموضة الموسمية، تتوجه بصوفها النادر للعارفين وأصحاب الذوق الرفيع لنُدرته وطرق غزله.


بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
TT

بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)

كان قرار لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لمجموعة «كيرينغ»، بإعادة «ماكوين» للعرض في موطنها الأصلي بلندن، بعد غياب دام نحو 4 سنوات، قراراً موفقاً، أسعد عشاق الدار والمشرفين على أسبوع الموضة في لندن على حد سواء؛ ففي فوضى لندن، بكل ما فيها من تناقضات، شيء ينسجم تماماً مع روح الدار التي أسسها الراحل ألكسندر ماكوين، المعروف بـ«لي ماكوين». مديرها الإبداعي الحالي شون ماكغير عبَّر عن هذه العودة بأن المجموعة «احتفاء بقوة لندن التي لا تتوقف عن الإلهام وكسر المتعارف عليه»، مضيفاً أن «(ماكوين) دار وُلدت في لندن، وأن موقف المدينة من الابتكار الذي لا يُساوم وروحها المتمردة يقعان في صميمها».

لمسات الدار الإبداعية تظهر واضحة في التفاصيل الدقيقة (ماكوين)

وتأتي عودة «ماكوين» إلى لندن في وقت تشهد فيه الدار إعادة ترتيب على المستوى الإداري والتجاري؛ ففي يونيو (حزيران)، عُيّن جيانفرانكو داتيس رئيساً تنفيذياً، بعد أن شغل سابقاً منصباً قيادياً في برادا، وكُلّف بتحسين الأداء المالي للدار وتعزيز موقعها في السوق. كما يأتي في وقت تحتاج فيه لندن إلى دعم من كل أبنائها لكي تستعيد بريقها، وهو ما عبَّر عنه عمدة المدينة، صادق خان، بحضوره العرض، ولورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس البريطاني للأزياء، بتصريحها بأن العرض جزء من مسعى أوسع لإعادة دور أزياء بريطانية المولد مثل «ماكوين» و«مالبيري» إلى برنامجها الرسمي.

ظهرت بدلات ماكوين بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية (ماكوين)

عرض يستحضر الجذور

قدمت «ماكوين» عرضها لربيع وصيف 2027، في القبو السفلي لكنيسة لينكولن إن، وهي قاعة تعود إلى القرن السابع عشر، تحمل أرضيتها الحجرية أسماء رجال استخبارات ومحامين ووعاظ رحلوا منذ زمن، ودُفنت عظامهم تحتها، بينما ارتفع سقف قوطي بأقبية على شكل نجوم، في مشهد لافت بجماله.

وبعد أن أخذ المدعوون أماكنهم على المقاعد الخشبية البسيطة، وانطلقت موسيقى فرقة «شارد فويسز»، بدأ العرض مستحضراً روح «لي ماكوين» العالقة بين الظلام والنور؛ فمن خلال مجموعته الجديدة، قدّم شون ماكغير رؤيته الخاصة لإرث ماكوين، مستلهماً حرية لندن وتناقضاتها، ومستعيداً، في الوقت نفسه، شيئاً من روح ألكسندر ماكوين نفسه. ويختصر المصمم هذه الرؤية بقوله: «الأمر كله يتعلق بتصادم الأشياء».

الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإبداع في دار ماكوين، كذلك اللون الأسود (ماكوين)

كان هذا أول عرض يقدمه شون ماكغير لـ«ماكوين» في لندن، منذ توليه قيادة الدار. وقد جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة، حيث حاول الجمع بين عالمين متباعدين في رؤيته لـ«ماكوين»: القداسة ذات الطابع الكلاسيكي الجديد، والجانب الأكثر انفلاتاً وارتباطاً بكسر التقاليد. واستند في الطرف الأول إلى لوحة «معمودية المسيح» لبييرو ديلا فرانشيسكا، التي أثارت اهتمامه بشدة عندما كان طالباً وصل حديثاً إلى لندن، بينما استمد الطرف الآخر من حفلات النوادي الليلية التي تقام في الأقبية تحت الأرض.

تم تفصيل البدلات بمعايير «سافيل رو» وهانتسمان التي تتعامل معها الدار منذ سنوات (ماكوين)

ظهرت بدلات «ماكوين» بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية، تحت تسريحات شعر ذات قمتين، استوحيت من مظهر كيث فلينت، الموسيقي البريطاني المعروف بشخصيته المسرحية الصاخبة وشعره الملون والمصفف بطريقة حادة وفريدة من نوعها. وضمت المجموعة 3 إطلالات رجالية صُممت خصيصاً بالتعاون مع هانتسمان في سافيل رو، الذي كان يتولى تفصيل ملابس لي ماكوين نفسه وتعاملت معه الدار تقليداً. استخدمت في هذه الإطلالات أقمشة صوف بريطانية تقليدية، مع أكتاف مبالغ في حجمها وخصور مرتفعة وضيقة، لتعيد تقاليد الخياطة البريطانية إلى جانب النسب الطويلة والممتدة التي اعتمدها ماكغير.

بدت تداخلات الألوان في فساتين زُيّنت بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة (ماكوين)

طال هذا التناقض الفساتين التي تم تصميمها بأسلوب كلاسيكي وفخم فقط ليكسر المصمم أناقتها بإضافة لمسات فوضوية تتأرجح بين الغرابة والجرأة. من بينها أحزمة صممها شون لين، أحد المتعاونين الأوائل مع «ماكوين»، وأشكال مشوهة من أقمشة مطاطية امتدت فوق صدور فساتين الساتان اللامع، إلى جانب كورسيهات مفتوحة من الخلف تتجاوز خط الكتفين.

طال التناقض فساتين كلاسيكية وفخمة تعمّد المصمم كسر أناقتها بلمسات فوضوية لم تؤثر في جمالها (ماكوين)

أما تداخلات الألوان فبدت كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة على العين. وكان من أبرز القطع فستان مكوّن من جماجم معدنية مترابطة، مطرزة يدوياً، بحيث بدت كل جمجمة مختلفة عن الأخرى.

وزُيّنت بعض القطع بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام، وكأن الريح حملتها وأسقطتها فوق البدلات والفساتين. ودفع استخدام الشبك والجلد المثقب والسراويل والتنانير الرياضية المحبوكة ذات الحواف الملونة المجموعة أكثر نحو أزياء حفلات الـ«رايف» الصاخبة. أما أقمشة الجاكار، فغُيّمت نقوشها وتداخلت طبقاتها وتشوّهت تفاصيلها إلى درجة بدت معها على حافة فقدان تماسكها.

ظهرت هذه التناقضات أيضاً في خامات من التول الشفاف بدرجات دخانية وأورغانزا عاكسة للضوء، إلى جانب لوحة ألوان مستوحاة من البورتريهات الدينية وتفاصيل زهرية دقيقة.

جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة (ماكوين(

وفي الجانب الأكثر رقة من المجموعة، ظهرت طبعات زهرية بألوان متوهجة على الأورغانزا، بينما امتدت تطريزات دقيقة ونقوش جاكار مستوحاة من الليل إلى أقمشة شفافة. وجاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الخفيفة. ويبدو مما قدمه ماكغير أنه يعرف أن الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإلهام والإبداع في دار «ماكوين». لكن الفرق بينه وبين لي ماكوين أنه يستعمل هذا الظلام لغاية فنية بينما كان المؤسس يعيشه سوداويته بشكل شخصي. ماكغير عبَّر عن ذلك قائلاً: «يمكنك أن تتحدث عن الأشياء المظلمة، ويمكنك أن تدخلها في عملك، لكن لا تدعها تدخل حياتك. عليك أن تستمتع بوقتك». كانت ترجمته لهذه الفكرة واضحة من خلال تحرَك المجموعة بين الظلال، بحثاً عن لحظة من النشوة.

جاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الشفافة (ماكوين)

وهذا ما يُحسب لشون ماكغير في هذه المجموعة، أنه لم يحاول ترويض جنون لي ماكوين بقدر ما أعاد ضبطه، محتفظاً بتوتره وحدّته من دون الوقوع في محاكاته. أخذ عذابات لي ماكوين ومخاوفه وتناقضاته، وحوّلها من مصدر للاضطراب إلى مادة للإبداع، ومن الألم إلى لغة جديدة تتميز بها الدار اليوم.


داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
TT

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»، ومشرفاً على إكسسوارات «جورجيو أرماني»؛ مما يمنحه موطئ قدم أيضاً في قلب الخط الرئيسي والأهم.

ويُعدّ تعيينه أول تغيير كبير في القيادة الإبداعية لإمبراطورية «جورجيو أرماني» منذ تأسيسها عام 1975.

فقد ظل جورجيو أرماني يشرف شخصياً على التصميم والتنسيق والتوجيه الفني في مختلف أعماله حتى وفاته في سبتمبر (أيلول) 2025. ومنذ ذلك الحين، يتولى عدد من معاونيه وأفراد من عائلته، بينهم سيلفانا أرماني، رئيسة قسم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، المسؤول عن الأزياء الرجالية، إدارة استوديوهات الشركة، في محاولة للحفاظ على استمرارية أعمال تبلغ قيمتها ملياري يورو.

من هو داريو فيتالي؟

داريو فيتالي... تجربة طويلة قبل دخوله «إمبوريو أرماني» (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

قبل «أرماني» و«فيرساتشي»، أمضى فيتالي 14 عاماً خلف الكواليس في «ميوميو»، حيث انتهى به الأمر إلى تولي منصب مدير التصميم والصورة للعلامة. وجاء رحيله عن «فيرساتشي» في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، بعد يومين من إتمام «برادا» استحواذها على دار الأزياء الإيطالية مقابل 1.25 مليار يورو.

قدّم مجموعة واحدة فقط، في ديسمبر الماضي، تضمنت تصاميم مرحة تتحدى القوالب التقليدية بألوانها الزاهية وتنسيقاتها المتعددة الطبقات؛ الأمر الذي أبعد «فيرساتشي» عن عنصر الإغراء الذي ارتبط بها وأعطى الأمل في عهد جديد.

وهذا ما صرّحت به سيلفانا أرماني، رئيسة تصميم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، رئيس تصميم الأزياء الرجالية في «مجموعة أرماني» بالقول إن «إمبوريو أرماني» أكثر من مجرد خط أزياء؛ «إنها كيان نرتبط به بعمق، فقد تابعنا رحلتها وشاركنا فيها منذ بدايتها». ويضيفان أن تعيين فيتالي مهم جد؛ لأن المتوقع منه أن يُعبّر عن روحها باحترام وأصالة وفي الوقت نفسه ضخ دم جديد فيها، لا سيما أنه سيتمتع بمساحة شاسعة من الحرية للتجريب والابتكار.

«إمبوريو أرماني»... الخط الأصغر

يخاطب الخط عشاق الموضة ممن يتوقون لبصمات «أرماني» في التفصيل والدقة (إمبوريو أرماني)

تأسست «إمبوريو أرماني» عام 1981 لتقديم نسخة أعلى شباباً وعفوية، وأدنى مرتبة من خط الرفاهية الرئيسي؛ «جورجيو أرماني»، وبالتالي تستهدف قاعدة أوسع من عشاق الموضة. وقد توسعت لتضم بعض خطوط الشركة المتوسطة، بينها «أرماني جينز» و«أرماني كوليزوني»، بعد إعادة الهيكلة التي أجرتها الشركة عام 2017. ويأتي تعيين المصمم في وقت يواجه فيه هذا الخط ضغوطاً تجارية وحاجة إلى هوية أعلى تميزاً.

لكن اعتماد «إمبوريو» بدرجة أكبر على المنتجات ذات الأسعار الأدنى، إلى جانب شبكة توزيع تعتمد إلى حد كبير على المتاجر متعددة الأقسام ومتاجر الأزياء الرجالية الصغيرة التي تبيع علامات عدة، جعلها أكبر تعرضاً للضغوط التي أصابت القطاع المتوسط من سوق الموضة في السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها تراجع تجارة الجملة.

يتميز خط «إمبوريو أرماني» بالأناقة والتفصيل الإيطالي رغم سعره الأدنى من الخط الرئيسي (إمبوريو أرماني)

وخلال السنوات الأخيرة، حاولت الشركة إعادة «إمبوريو» إلى القيم الأساسية لـ«أرماني»: الأناقة غير المتكلفة. لتحقيق ذلك، جددت متاجرها الرئيسية، وقدمت عروضاً للأزياء ركزت على الأزياء المفصلة المريحة، بألوان متحفظة يغلب عليها الكحلي والرمادي المائل إلى البيج.

لهذا يُمثل وصوله بداية فصل جديد في تاريخ العلامة، ويفتح حواراً بين الابتكار والهوية، بما يعزز البنية الإبداعية للمجموعة ويدعم تطورها، مع الحفاظ على الرؤية الجمالية التي لطالما ميّزت اسم «جورجيو أرماني».