غلاف الكتاب العربي في سوق نشر ضعيفة

ينافس فنياً رغم محدودية الإمكانات (1 من 2)

«دار الساقي» كانت أغلفتها بقرار جماعي
«دار الساقي» كانت أغلفتها بقرار جماعي
TT

غلاف الكتاب العربي في سوق نشر ضعيفة

«دار الساقي» كانت أغلفتها بقرار جماعي
«دار الساقي» كانت أغلفتها بقرار جماعي

يزداد اهتمام دور النشر العربية بأغلفة كتبها، مع مجاراتها لتطور فنون التصميم في العالم أجمع. لكن الناشرين اللبنانيين يؤكدون أن الاهتمام بالأغلفة ليس جديداً، فثمة تجارب عربية مهمة في القرن الماضي، والمصممون ليسوا مقطوعين من شجرة، بل لهم جذور ومصادر إلهام ضاربة في التاريخ.
يتفق الناشرون على أن أغلفة الكتب التي يقدمونها للقراء، تبلور بمرور الزمن، وبفعل التراكم، هوية الدار التي يديرونها. ومع ذلك، لا يزال الكتاب العربي من حيث التصميم والغلاف أقل جمالية من الكتب الغربية، رغم محاولات حثيثة لإضفاء لمسات فنية عليه. «هذا عائد إلى ضعف سوق النشر العربية مقارنة بالغرب. هناك فرق بين السوقين، فحين تتطور السوق تطور معها أدواتها». يقول الشاعر الفلسطيني خالد سليمان الناصري، صاحب «منشورات المتوسط»: «إن الغلاف له جانب تسويقي، وهو يزدهر في أزمنة الرفاهية والبحبوحة».
وتدفع الدور العربية ما بين 100 و500 دولار لمصمم الغلاف. وهو مبلغ زهيد إذا ما قيس بما تدفعه دار فرنسية مثل «روبير لافون» على سبيل المثال، التي تنتج أكثر من 200 كتاب في السنة. إذ تقول مديرة الدار إلسا لافون: «إن الغلاف الواحد يكلف الدار ما بين 600 يورو و5 آلاف يورو». أي أن السعر يبدأ حيث تنتهي ميزانية الغلاف العربي. وتنفق دار «روبير لافون» أكثر من 300 ألف يورو سنوياً على الرسامين، وتوظف 4 مصممي غرافيك بدوام كامل، وعشرات المصممين المستقلين.

غلاف الكتاب اللبناني ينهل من المخطوطات كما التكنولوجيا
«غلاف رديء قد يتسبب في سوء تسويق كتاب جيد جداً»، تقول رانيا المعلم، مديرة تحرير «دار الساقي»، شارحة لنا كيف أن الغلاف الجذاب لا يقل أهمية عن العنوان. فأن تتمكن «دار النشر» من التوصل إلى إنتاج أغلفة كتب تبقى في ذاكرة القراء لهو عنصر أساسي في صناعة الكتاب. لهذا فإن «دار الساقي» لا تستخف باختيار أغلفتها، بل تعطيها حيزاً مهماً من وقتها وعنايتها. بعد أن يقدم المصمم اقتراحه، تعقد الدار اجتماعاً تشارك فيه هيئة التحرير وقسم التوزيع، لأن الموزع يعرف ذوق القارئ. «نحن ندرك أن الكتاب في النهاية هو سلعة، يجب أن يقدم بشكل لائق. فالغلاف هو الواجهة، وهو أول ما تقع عليه عين القارئ، إن لم يستحسنه انصرف عنه، بصرف النظر عن مضمونه». لكن في الوقت نفسه، تشرح رانيا المعلم بأن «ثمة حرصاً على عدم رفع تكلفة الغلاف، لأن ذلك ينعكس ارتفاعاً في سعر الكتاب، ويحمّل القارئ أعباء ترهقه. أي أن المسألة تحتاج موازنة، لكن من دون مساومة بين الجمالية، والجاذبية، والتكلفة المعقولة».
«الجديد» كلاسيكية ولكن...
هل بهدف التوفير، استخدمت «دار الجديد» منذ تأسيسها الأغلفة المتقشفة، الكلاسيكية، البسيطة والأنيقة، التي تتبع خطاً واحداً؟ تجيب صاحبة الدار رشا الأمير، بأن هذا الخيار لم يكن سببه التوفير، ولا الاستسهال، لأن العمل على تصميم وتطوير هذا الغلاف الأبيض بخطوط حمراء، مستمر ودائم، وليس مستقراً على حال واحدة. «أردنا غلافاً يشبه شخصية الدار. وعندنا نمطان؛ واحد بالأبيض مع خطوط حمراء، هو الذي يغلّف دواوين أنسي الحاج ومحمود درويش وكتب عبد الله العلايلي، وهذا حاول كثيرون تقليده على بساطته. ونمط آخر أكثر تنوعاً، نلجأ من خلاله إلى رسم أو صورة أو تصميم يخلط بين أكثر من عنصر». وتعتبر رشا الأمير أن الدور العربية التي رسمت لنفسها خطاً ومشت عليه، حيث يمكننا معرفة كتبها من أغلفتها، قليلة جداً. عشرات الأسماء من مصممين، ورسامين، وخطاطين، وفنانين، تعاونت معهم «دار الجديد» منذ انطلاقتها، من بين آخرهم الأردني تامر الأحمر، الذي صمم النسخة الأولى لغلاف كتاب إسكندر رياشي «نسوان من لبنان»، والفنان المصري أحمد بدر.
الغلاف العربي ضارب في القدم
رشا الأمير تقول إن «مرجعيتنا في صناعة الأغلفة تعود إلى أجدادنا أيام كانوا يجلّدون المخطوطات، وتلك كانت حرفة فنية». ولا يزال التجليد موجوداً، وإن قلّ عدد العاملين في المهنة. وتعود الأمير إلى المخطوطات وهوامشها لأنها تحب أن تستوحي منها في صناعة كتبها، وترى في ذلك فائدة جليلة.
وتلفت مديرة «دار الآداب» رنا إدريس إلى أن اهتمام دارها بالأغلفة بدأ من يوم أسسها والدها الأديب الراحل سهيل إدريس. «كانت للمصريين تجربة مهمة في هذا المجال في الستينات والسبعينات. وارتأى والدي أن يصمم بعض أغلفته في مصر، أيام إصدار كتب عدلي رزق الله وإدوارد الخراط. هذا يظهر مدى الاهتمام بالغلاف، رغم أن التواصل لم يكن سهلاً ويحتاج أياماً».
نجاح طاهر وهوية «الآداب»
تروي رنا إدريس أن الروائية حنان الشيخ جاءت إلى «دار الآداب» نهاية الثمانينات، ومعها مخطوطة روايتها «مسك الغزال»: «يومها، أخبرتنا أنها تحب رسومات الفنانة نجاح طاهر، وتريدها أن تصمم لها الغلاف. من حينها، والفنانة طاهر تصمم أغلفتنا، وتعطي لكتبنا هويتها الفنية».
تعود رنا إدريس بالذاكرة إلى أيام كانت تعمل فيها الفنانة نجاح طاهر في غرفة زجاجية، خصصتها كمشغل لها في منزلها في الرملة البيضاء. هناك كانت السيدتان تناقشان معاً أمر أغلفة كتب «دار الآداب»، قبل أن تنتقل نجاح طاهر إلى مقرها الجديد في «الزاوية». تقول رنا إدريس: «نجاح فنانةٌ تقرأ النص قبل أن تستوحي غلافها. عندها تذوق أدبي رفيع. ونحن في (دار الآداب) نحب هذا، وأنا شخصياً أحب شغل نجاح، لأنها أعطت لـ(دار الآداب) طابعها الخاص. صارت لكتبنا بفضل أغلفتها صيغة معينة، وشخصية خاصة».
تتميز «منشورات المتوسط» بأن مؤسسها وصاحبها خالد سليمان الناصري، إضافة إلى أنه شاعر، هو مصمم أيضاً، صمم كتباً لدور عربية كثيرة، منها «دار المدى»، ثم عمل مع دور نشر إيطالية، قبل أن تصبح له داره، ويعنى بأغلفتها. ويعتبر الناصري أن «المتوسط» تمكنت من أن تجعل الغلاف يُحكى عنه، ويخرج من نمطيته. الغلاف بالنسبة له قد يكون سبباً لجذب القراء. فغلاف كتاب «سيمفونية الموتى» لصاحبه المؤلف الإيراني غير المعروف، عباس معروفي، كان سبباً في بيع الكتاب ورواجه. الغلاف عبارة عن صفحة نوتات موسيقية على شكل أجساد بشرية، لفتت النظر بشكل كبير، وهناك من طلب أن يستخدم الغلاف كبوستر. لكن الناصري لا ينكر أنه بعد الفرح بالغلاف، إما أن يكون النص على مستوى جيد وإما لا يكون.
«المتوسط» على ضفتين
مع تجربته على الضفتين، يعتقد الناصري أن بعض الدور الإيطالية لها أغلفة ممتازة وعظيمة، لكن ثمة دوراً أخرى لا تلقي بالاً للأمر. أما أجمل الأغلفة التي أقيمت حولها دراسات فهي أغلفة «دار بنغوين» الإنجليزية، و«يجب ألا نغمط من سبقونا حقهم. ففي مصر تجربة مهمة مع محيي الدين اللباد وحلمي التوني، و(دار الريس) قدمت أغلفة مهمة أيضاً».
موضوع الغلاف تقام حوله الأطاريح والأبحاث. ومع هذا، يلفت صاحب «منشورات المتوسط» إلى أنه تخصص غير موجود في الجامعات العربية، باستثناء فرع واحد في جامعة الرباط بالمغرب.
غلاف الكتاب يتألف من تركيبة معقدة من العناصر، حسب رشا الأمير. وهو فن له تطوره التاريخي، وعناصره المتغيرة، وتحولاته في الزمن الذي نحن فيه؛ حيث دخلت على صناعته التكنولوجيا بشكل كبير. وهي تأنف من الأغلفة البشعة التي تُصنع بروح تجارية، وتقول: «حين أضطر إلى قراءة كتاب غلافه بشع، أنزع الغلاف وأرميه في أول مزبلة، بكل راحة ضمير، كي أتمكن من إكمال القراءة. لست مضطرة إلى تحمل ألوان وأشكال مزعجة».

من يختار الغلاف؟
تميل دور النشر العربية عموماً للتفاهم مع الكاتب حول الغلاف الذي تقرره. هي تعرف أفضل منه كيف يجب أن يكون العنوان، أو ما هو شكل الغلاف الأكثر جذباً. وإذا كانت «دار الساقي» تقرر مع فريق عملها شكل الغلاف، وكذلك «دار الجديد»، و«دار الآداب» لها فنانتها، فإن الكاتب تبقى له كلمته. أما الناصري فيقول إن الكلمة النهائية حول الغلاف في «منشورات المتوسط» تعود للدار: «بالنسبة لي، أعتقد أنني أعرف أكثر من الكاتب ما يمكن أن يساعد على لفت النظر إلى الكتاب، إلا إذا كان للكاتب رأي آخر، وتصميم استطاع أن يقنع الدار به. أما إذا لم نقتنع فالقرار للدار».

الكتب المترجمة... أي أغلفة؟
بينما تعتبر «دار الآداب» أن الكتاب المترجم يجب أن ينقل إلى العربية بروح مختلفة وبغلاف خاص، لأنه يعيش حياة ثانية حين ينتقل إلى لغة أخرى، نجد «دار الجديد» أقل تشدداً، وتترك الأمر لظروفه. «في عمليات النشر، كثير من الاتفاقات والتفاهمات التي تتم حول تفاصيل صغيرة، أو أمور أكبر، ومن بينها الغلاف، الذي يمكن أن يتغير، أو يتم الاحتفاظ به عند الترجمة»، كما تقول الأمير. وهو أيضاً رأي «منشورات المتوسط» التي تعمل على أغلفة جديدة لترجماتها إلى اللغة العربية: «لكن يحدث أن يكون الاحتفاظ بغلاف الكتاب الأصل أكثر جذباً للقارئ، خصوصاً في حال الكتب المشهورة». وتشرح لنا رنا إدريس بأن استخدام غلاف الكتاب الأجنبي عند ترجمته إلى العربية ليس بالأمر المتاح دائماً. شراء حقوق الترجمة والنشر لا يتضمن حقوق استعمال الغلاف: «حين استفسرت عن حقوق استخدام غلاف رواية (أيها العالم الجميل أين أنت؟) للروائية الشهيرة سالي روني، أُخبرت أن عليّ أن أتواصل مع 3 جهات مختلفة: الرسام، والمصمم، ومن طبع الغلاف، وأدفع لكل منهم حقوقه، هذا عدا الجهد المطلوب للمراسلة والنقاشات». وتضيف: «مع سوق النشر العربية الضعيفة التي تعاني فوضى القرصنة، لا يمكن لأي دار عربية أن تدفع على الغلاف، كما دار نشر أجنبية. من بين كل 10 كتب مترجمة، بالكاد تباع بشكل جيد 3 عناوين. ومن بين كل 20 كتاباً عربياً جديداً يطبع، نعرف سلفاً أن عنواناً أو اثنين لا أكثر، يمكن أن يصلا إلى الطبعة الثانية».



«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.