سمير جعجع: إيران عطلت الانتخابات اللبنانية وحزب الله يتلقى الأوامر منها

رئيس حزب القوات اللبنانية لـ «الشرق الأوسط»: موقف الرياض ثابت تجاه لبنان

سمير جعجع خلال حواره مع «الشرق الاوسط» أمس (تصوير: غازي مهدي)
سمير جعجع خلال حواره مع «الشرق الاوسط» أمس (تصوير: غازي مهدي)
TT

سمير جعجع: إيران عطلت الانتخابات اللبنانية وحزب الله يتلقى الأوامر منها

سمير جعجع خلال حواره مع «الشرق الاوسط» أمس (تصوير: غازي مهدي)
سمير جعجع خلال حواره مع «الشرق الاوسط» أمس (تصوير: غازي مهدي)

أقر سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية، أن إيران هي المسؤولة عن تعطيل الانتخابات الرئاسية في لبنان، موضحًا أن ذلك يأتي عبر استخدامها لحزب الله اللبناني الذي يتلقى أوامره من وراء الحدود. وقال خلال حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» في جدة، بعد زيارته خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أمس، إن «إيران أدت إلى تعطل الانتخابات الرئاسية في لبنان حتى إشعار آخر، مستخدمة في ذلك حزب الله اللبناني، الذي يتلقى أوامره من وراء الحدود، وينفذ المطلوب كما ينبغي من الطرف الذي يدعمه ويموّله» وفي ما يلي نص الحوار:

* ماذا تم في لقائكم بخادم الحرمين الشريفين، وما هي الأمور التي ناقشتموها؟
- تحدثنا عن الخطوط العريضة التي تخص لبنان، والتي طالت بقية الأحداث في المنطقة، ومنها سوريا، والتوسع في هذه الأمور والدخول في التفاصيل كان مع المسؤولين السعوديين، التي تحدثنا من خلالها عما يتعلق بالوضعية اللبنانية.
والسعودية، كما هو معروف، تتعامل مع لبنان الدولة ككيان، ولم تنحز يومًا إلى حزب أو ميليشيات، ولم تدعم هذا أو ذاك، وبوضوح تام لم تقفز السعودية على الدولة في لبنان لتمول ميليشيا أو تنظيم مسلح، فهي دائمًا تقدم كل الجهود وكل المساعدات للدولة اللبنانية. ونحن الآن نجد السعودية تقف مع لبنان والحفاظ على حدوده والبنية التحتية في البلاد، كما عهدناها على اختلاف المراحل والظروف التي مرت بها البلاد.
* متى ستكون الانتخابات الرئاسية في لبنان؟ وما الذي ينبغي أن يحدث لكي تتم هذه الخطوة؟
- كنت أتمنى أن تطرحي هذا السؤال على السلطات الإيرانية، فهي التي بمقدورها الإجابة أفضل مني، لأن من يعطل الانتخابات الرئاسية في لبنان، هي إيران. وعلى الرغم من متابعتي للأوضاع اللبنانية عن كثب، فإنني وبكل صراحة لا أدري متى ستتم الانتخابات في بلادي.
* قلت قبل أشهر إنك «مشروع رئيس حتى النهاية».. وإن «ملائكة اللحظة الرئاسية ستكون حاضرة».. هل ما زلت مؤمنًا بهذه العبارات؟
- دائمًا مشروع «ملائكة اللحظة» موجودة، لكن لا أحد يستطيع التكهن بما سيحدث بالضبط، ولا مشكلة في ذلك، فالمشكلة تأتي من أشياء أخرى ومؤثرات أخرى. نعم توجد عوامل داخلية مؤثرة في تشكيل الوضع النهائي، لكن تأثيراتها تظل ثانوية قياسًا بتأثير عوامل خارجية. وعلى سبيل المثال، إيران أدت إلى تعطل الانتخابات الرئاسية حتى إشعار آخر، مستخدمة في ذلك حزب الله اللبناني، وهو الحزب الموجود على الأرض اللبنانية، بينما يتلقى أوامره من وراء الحدود، وينفذ المطلوب كما ينبغي من الطرف الذي يدعمه ويموله.
* عقدتم سلسلة لقاءات مع عون خلال الأسابيع الأخيرة، إلى أي نتائج أفضت هذه الاجتماعات؟
- الاجتماعات التي تمت مع عون في الفترة القريبة الماضية، أدت إلى التخلص من إرث ثقيل وسيء استمر في الثلاثين عامًا الأخيرة بين حزبين. كان من الممكن أن تكون بيننا خصومة سياسية، لكن هذا لا يبرر الوصول إلى ما وصلنا إليه من الحدّية والعداء. وبمجرد أن يتم التخلص من إرث العداوة والخصام الحاد، نطوي صفحة الماضي، ونفتح صفحة جديدة للمستقبل، عنوانها في أسوأ الحالات «الخصام السياسي الشريف لا يتعارض مع الديمقراطية»، وفي أفضل الحالات سيكون العنوان، هو «التعاون على أكبر عدد ممكن من النقاط السياسية». وحتى الآن توصلنا إلى خطوة سياسية واحدة، وهي ضرورة إقرار قانون انتخابات جديد، ونعمل جاهدين على أن يشمل الاتفاق نقاطًا أخرى، مع علمنا أن أمامنا الكثير من العمل، لكن نستطيع القول إن القطار انطلق على الأقل.
* هل يمكن أن يكون للاتفاق النووي الأخير انعكاس إيجابي على موضوع الرئاسة اللبنانية؟
- صعب جدًا التكهن، لكن أنا شخصيًا أميل إلى أن العكس هو الذي سيحدث، وأتمنى أن أكون مخطئًا. أعتقد أن الاتفاق الذي أبرمته إيران بخصوص الملف النووي سيطلق يدها ويمنحها حرية أوسع في تدخلاتها الخارجية؛ مما يؤدي في النهاية إلى أن مجمل الأزمات في المنطقة ستستعر. قطعًا، سيكون للتحالف الذي تقوده السعودية لتحرير اليمن تأثير على الأوضاع في المنطقة، وسيحدّ من التدخلات الإيرانية، ولكي نحصل على حلول لأي مشكلات علينا أن نضمن توازن القوى أولاً، فهذه لغة التاريخ. وبكل بساطة، قبل بدء عمليات التحالف العربي، لم يكن هناك توازن قوي في المنطقة، ولم نشهد شيئًا من التوازن إلا بعد هذا التحالف الذي يناصر الشرعية في اليمن تلبية لنداء أطلقته القيادة الشرعية هناك. وبالتالي، فإن التحالف العربي هو عامل مساعد في عودة الأمل لإيجاد الحلول لبعض الأزمات التي تمر بها المنطقة، وهذا لا يعني أن الأمل بالحلول لم يكن موجودًا قبل هذا التحالف، لكن ما أريد قوله إن الأمل تضاعف الآن.
* تدخل حزب الله في سوريا.. هل هو بهدف تأييد النظام في دمشق؟ أم خوفًا من تداعيات الأزمة وتأثيراتها؟
- برأيي، لا هذا ولا ذاك، فالتدخل جاء تنفيذًا لاستراتيجية ضمن مشروع كبير لتكريس ولاية الفقيه، ليس في لبنان أو سوريا فحسب، بل يشمل المنطقة بشكل كامل.
* تقصد محاولة لإحياء الإمبراطورية الفارسية؟
- لا.. ليس بالضرورة. ما يجري هو بالأحرى يستهدف خدمة ولاية الفقيه، وفي نهاية الأمر تؤدي إلى النتيجة نفسها.
* في حال أحرقت «الكروت» الرابحة لإيران في المنطقة العربية، أمثال عبد الملك الحوثي، نتيجة ما تقوم به قوات التحالف من تطهير للأراضي اليمنية والحد من التمدد الفارسي، هل ستتخلى إيران عن الحوثي؟ أم ماذا تتوقع أن تفعل معه؟
- أتوقع أنها ستحاول الحفاظ عليه حتى اللحظة الأخيرة، فإيران لها سنوات طويلة تستثمر في عبد الملك الحوثي، ولن يتخلوا عنه بسهولة، وسيحاولون دعمه حتى اللحظة الأخيرة، وإن سقط سيأخذونه إلى إيران بانتظار أيام أفضل.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، بعض قيادات القاعدة احتفظت بهم إيران في طهران، ليس محبة ولا تأييدًا، ولكن لاستخدامهم سياسيًا، والاتكال عليهم في مهام أخرى. وقت الثورات العربية.
* هل كانت ثورات شعبية؟ أم مؤامرة؟
- أنا، وبخلاف الكثير من الآراء التي تطرح: نظرية المؤامرة التي نعرف إلى أي مدى هي متداولة في المنطقة، وإلى أي مدى هي سيئة. لكن أوضاعًا كثيرة في المنطقة تجعلنا نقبل بكل النظريات، فلا تقولوا لي إن النظام الذي وضع في سوريا كان هو الطبيعي، وهو الذي كان يجب أن يكون الحاكم وليس غيره. شخصيًا كنت أنتظر ثورة في سوريا منذ زمن بعيد. صحيح أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد تمكن من السيطرة على الأوضاع، وكانت له شخصية مختلفة. لكن بعد وفاته بقيت الأوضاع نحو خمسة أعوام عائمة ولا أحد قادر على الإمساك بها، فالنظام لم يعد هو النظام السائد في عهد الأب. هناك شعب يريد العيش ككل الشعوب، لكن لا يجد أوضاعًا طبيعية تمكنه من ذلك في سوريا، ولذا حدث ما حدث عند ظهور أول فرصة لقيام ثورة. والثورة السورية بدأت سلمية، ومع ذلك راح ضحيتها عشرات آلاف سوري في أول ستة أشهر، قبل أن يحمل الثوار أسلحتهم في وجه النظام بعد مرور الأشهر الستة الأولى. وما حدث في تونس هو نتاج ما فعله النظام هناك، وحسنا فعل زين العابدين الذي فضل الخروج من الحكم ومغادرة البلاد. وما يجري في المنطقة هو مخاض كان يجب أن يجري منذ زمن بعيد، لكنه تأخر إلى أن انفجر بحادثة بوعزيزي في تونس، لتنفجر بعد ذلك الأسباب في المنطقة. لكن، هذا لا يعني أن باستطاعة أحد أن يفتعل أزمة ويبدأ تنفيذ ثورة ليسقط أي نظام حاكم، كما كان يحدث في القرن الماضي. وأعتقد أن الشرق الأوسط تجري صناعته من جديد الآن، فالمخاض لم ينته، والملاحظ أن العامل الأساسي في كل الثورات التي شهدتها المنطقة العربية، هو الاستناد إلى القوى المحلية وليس الخارجية، في البدايات على الأقل. ومع ذلك، أقول إن الأوضاع ليست طبيعية بالمطلق وغير مقبولة، وكنت أتمنى ألا أرى هذا المخاض دمويًا، فالذي يحدث من مواجهات دموية لا يليق حدوثه في القرون الوسطى.
* هل ترى أن تنظيم داعش يقوم بحرب بالوكالة عن دول أخرى؟ وكيف يمكن القضاء عليه؟
- لا أرى أن تنظيم داعش يقوم بالحرب نيابة عن الآخرين، فـ«داعش» يخوض حربه، فلو عدنا إلى الخلف قليلا قبل أن يوجد تنظيم داعش، كان يوجد تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ولم يكن ليوجد هناك لولا وجود الفوضى، فأينما وجدت الفوضى وانعدمت الحلول السياسية تظهر التنظيمات المتطرفة. لو افترضنا من بعد الغزو الأميركي للعراق وجد حل سياسي متوازن بين كافة مكونات الشعب العراقي، هل كنا شاهدنا ظهورًا للقاعدة؟ وحتى إن ظهرت القاعدة، ستكون على مدى أضيق بكثير وكان تم القضاء عليها والانتهاء منها، ولكن تدهور القوى السياسية في العراق خلق بيئة خاصة لوجود تنظيمات إرهابية أخرى إلى جانب القاعدة أمثال «داعش». وفي الوقت الذي اندلعت فيه الثورة في سوريا ودبت الفوضى في أرجاء البلاد، انتقلت خلايا «داعش» الموجودة في العراق إلى سوريا، ولو كان هناك تدخل عسكري في سوريا في الستة أشهر الأولى، لم يكن هناك مجال لـ«داعش» الذي ولد في العراق وتربى في سوريا وأصبح يافعًا في كليهما، لولا وجود الفوضى. والقضاء عليه لن يتم إلا بمحاربته عسكريًا، إلى جانب إصلاح الأوضاع وإيجاد الحلول السياسية، لأنه إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه ولم توجد مناخات سياسية وقيام دول حقيقية في العراق وسوريا، سيولد تنظيم أسوأ من «داعش».
* هل تعتقد بمصداقية الشعار المرفوع الآن في عدد من الأوساط المسيحية اللبنانية ومفاده: أن هناك تغولاً على الحقوق المسيحية؟ بلغة أخرى ماذا يريد المسيحيون في الدستور والقوانين المنظمة للانتخابات؟
- هناك عدد من الأحزاب المسيحية أكثريتها أحزاب وطنية، بكل معنى الكلمة وكيانية، قد يطرح البعض الأمور بشكل غير لائق ويجب أن يطرح بشكل أو آخر.
النظام السوري الذي حاول أن يقمع الأكثرية في سوريا بين سنة 1990 حتى 2005، أبعد المسيحيين كليًا، وأصبحت أماكنهم فارغة، مما دفع الآخرين بحكم قوانين الطبيعة إلى ملء هذا الفراغ، والآن يجب إعادة «ما لقيصر لقيصر»، والقيام ببعض الخطوات التي من خلالها يستعيد المسيحيون مواقعهم الفعلية في الدولة، بطريقة سلسة ومن دون صدام مع الآخرين، فنحن لدينا ما يكفي من صدامات ومشكلات في المنطقة. المشكلة ليست صعبة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، قانون الانتخابات الجديد وقانون استعادة الجنسية، يؤديان الكثير مما هو مطلوب، ولم يتبق سوى بعض الخطوات الأخرى التي تطالها اليد بالتفاهم مع الفرقاء لكي يرتاح الشارع كليًا.
* كيف تنظرون إلى ما قدمته حكومة التوافق حتى الآن؟
- في حالة الفراغ كالتي نحن فيها، مهما قدمت أي حكومة تكون مشكورة. ولكن نحن لم نكن مع تشكيل هذه الحكومة، تحديدًا، وبقينا خارجها، فالحكومة هي سلطة تنفيذية يجب أن تعمل كل يوم وليست طاولة للحوار. ونحن كان لدينا رأي وهو أن تتشكل حكومة تكنوقراط لكي تقوم مقام رئيس الجمهورية في حال الفراغ، ولكن بنهاية المطاف، لأن هذه الحكومة التي تحمل كل تناقضات الدنيا وتتخبط شمالاً ويمينًا، رغم وجود عناصر جيدة فإن وجودهم بحد ذاته لا يكفي، فنحن بحاجة إلى الحد الأدنى من الانسجام لتتمكن هذه الحكومة وأي حكومة، من الوفاق. ورغم محاولة حكومة التوافق، فإنها غير قادرة، نظرًا لتركيبتها المشوهة خلقيًا.
* كيف تقرأون التحرك الأخير للتيار الوطني الحر بزعامة ميشيل عون على مستوى الشارع والحكومة؟
- نحن الآن في مرحلة حوار مع التيار الوطني الحر ومتفقون منذ البداية، وأعتقد أنه من الحكمة المحافظة على الاستقرار في الوقت الحالي.
* كيف ترى الحل في سوريا؟ هل هو عسكري أم سياسي؟
- النظام في سوريا نظام غير معقول على الإطلاق، فنحن في لبنان عشنا معاناة بسببهم مدة 35 سنة. عشناها بشكل مباشر، وما يعانيه الشعب السوري اليوم أضعاف مضاعفة عما عشناه، ومن المفترض ألا يكون لهذا النظام وجود في الحياة، والمشكلة الحالية التي يجب إيجاد حلها، هي الفوضى التي تعيشها سوريا، ولا بد من إيجاد وضعية بديلة. النظام كنظام أصبح وجوده واجهة فقط، أما فعليًا وعلى مستوى التأثير، فلم يعد في سوريا نظام إلا كممثل فقط. والعامل الفعلي في سوريا هو إيران، وحزب الله شريان لها، ومن يمسك بزمام الأمور فعليًا في دمشق، هي إيران.



الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.


الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد
TT

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

في أول مقابلة له بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية، أعلن رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن حكومته ستنتقل قريباً إلى عدن، مؤكداً أن الوجود داخل البلاد ليس خطوة رمزية، بل هو شرط لفاعلية القرار واستعادة انتظام مؤسسات الدولة.

وقال الزنداني، خلال اللقاء الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» في الرياض، إن المرحلة «لا تحتمل خطاباً واسعاً»، وإنما تتطلب عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة ويثبت الإيقاع المؤسسي، مشدداً على أن تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي تمثل أولويات عاجلة.

وبرر رئيس الوزراء اليمني احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بالحاجة إلى استكمال إصلاحات تنظيمية ودبلوماسية بدأها سابقاًً.

وأوضح الزنداني أن تشكيل حكومته استند إلى معايير مهنية بعيداً عن المحاصصة، مع التركيز على الكفاءة، والتخصص، والتوازن الوطني.

اقتصادياً؛ تبنّى رئيس الحكومة اليمنية خطاباً واقعياً، متجنباً الوعود السريعة، مؤكداً أن التعافي يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وضبط الموارد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة.

وشدد على أن توحيد القرارين السياسي والعسكري يمكن مؤسسات الدولة من تطبيق القانون، ويجعل مبدأ المحاسبة ممكناً، كما يمنح الحكومة موقعاً تفاوضياً أشد تماسكاً في أي مسار سلام مقبل مع الحوثيين.