للمرة الأولى في تاريخها.. «شاعر الولايات المتحدة» لاتيني الأصل

جمع هيريرا بين ثقافتين إنجليزية وإسبانية وبين هويتين أميركية ومكسيكية

خوان فيليب هيريرا
خوان فيليب هيريرا
TT

للمرة الأولى في تاريخها.. «شاعر الولايات المتحدة» لاتيني الأصل

خوان فيليب هيريرا
خوان فيليب هيريرا

لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، أصبح لاتيني تربى على اللغة الإسبانية، مستشار الكونغرس للشعر، ليكون أول شاعر غير غربي يشغل هذا المنصب. الاسم الرسمي للمنصب هو «مستشار الشعر في مكتبة الكونغرس»، وعادة يسمى «شاعر الولايات المتحدة»، ويبقى صاحبه لمدة عام، حسب قانون أصدره الكونغرس سنة 1936.
وخوان فليبي هيريرا (67 سنة) كاتب تقدمي، ومؤلف قصص أطفال، وممثل.. وطبعا شاعر. ولد في فرولار (ولاية كاليفورنيا) لوالدين مهاجرين من المكسيك، كانا يعملان في مزرعة للخضراوات، مع مئات غيرهم من المهاجرين.
وهو صغير، نظم فريقا من أولاد وبنات المزارعين، وأسسوا «سنترو كلثرال دي لا رازا» (المركز الثقافي اللاتيني)، وذلك داخل صهريج ماء قديم عملاق. وبدأوا بأن ملأوا جدرانه الداخلية بالرسومات والعبارات والشعارات، باللغة الإسبانية.
في وقت لاحق، أجاد اللغة الإنجليزية، ودرس الشعر والأدب والفن في جامعتي جنوب كاليفورنيا (لوس أنجليس) وستانفورد (ولاية كاليفورنيا). وصار يقرض الشعر باللغتين الإسبانية والإنجليزية.
في الوقت الحاضر، وصل رصيده من دواوين الشعر، والقصص القصيرة، وكتب الأطفال، إلى أربعة عشر كتابا. ومن أشهر كتبه: «187 سببا تجعل المكسيكيين يعبرون الحدود بطرق غير قانونية إلى الولايات المتحدة».
في عام 2011، صار رئيسا لأكاديمية الشعر الأميركية، وفي عام 2012 عينه حاكم ولاية كاليفورنيا شاعرا فخريا للولاية. وفي هذا العام، اختاره الكونغرس شاعرا فخريا للولايات المتحدة (لفترة سنة).
بعد اختياره، كتب عنه ستيفن بيرت، محرر الشؤون الأدبية في صحيفة «نيويورك تايمز»: «استطاع هيريرا الجمع بين ثقافتين: إنجليزية وإسبانية. وبين أدبين: مكتوب وشفهي. وبين هويتين: أميركية ومكسيكية.. فردية وجماعية».
وتوضح بعض أسماء كتبه هذه الخلطة: «منفيون يدفعهم الشغف» و«مذكرات مهاجر» و«جذور ألف هوية» و«حب بعد المظاهرات» و«أحلام عبور الحدود».
وعندما أسس الكونغرس المنصب، كان الشعر يلعب دورا أكبر في الحياة الثقافية الأميركية. وكانت تلك سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية، أثناء حكم الرئيس فرانكلين روزفلت. وحسب موقع مكتبة الكونغرس، لعبت إلينور روزفلت دورا في تأسيس المنصب.
خلال سنته في منصبه، لا بد أن يتبع هيريرا قانون الكونغرس الذي ينص على أن مستشار الشعر «سيعمل في مكتبة الكونغرس، وسيكون حافزا رسميا لإشعال روح الشعر وسط الأميركيين، ولزيادة الوعي الوطني نحو تقدير أكثر لقراءة الشعر وكتابته».
وشغل المنصب، خلال السنوات الثمانين الماضية، أشهر الشعراء في أميركا. وركز كل واحد، خلال فترة عمله، على عقد ندوات شعرية في مكتبة الكونغرس، وزيارة الولايات لتشجيع قراءة الشعر وكتابته، وسن «مبادرة» تسمى باسمه.
وكان الشاعر جوزيف برودسكي، الروسي الأصل والحائز «نوبل» للآداب 1987، قد كرس عادة قراءة متطوعين للشعر في المطارات والمراكز التجارية والفنادق، وعقدت الشاعرة ماكسين كومين مؤتمرات خاصة بالشاعرات الأميركيات، وعملت الشاعرة غوندولين بروكز على زيارة المدارس الأولية لتشجيع التلاميذ على قراءة الشعر. أما الشاعرة السمراء ريتا دوف فنظمت عدة مؤتمرات للشعر الأفريقي، وعمل الشاعر روبرت هاس على تسجيل أشعار الريف التي كان يتم تناقلها شفاهة، بينما أجرى الشاعر روبرت بنسكي عدة مقابلات مع أناس عاديين، وسأل كل واحد عن قصيدته المفضلة، وقراءتها، وتسجيل القراءة.
ماذا يعمل شاعر الكونغرس؟
خلال سنته في منصبه، لا بد أن يتبع شاعر الكونغرس قانون الكونغرس الذي ينص على أن مستشار الشعر «سيعمل في مكتبة الكونغرس، وسيكون حافزا رسميا لإشعال روح الشعر وسط الأميركيين، ولزيادة الوعي الوطني نحو تقدير أكثر لقراءة الشعر وكتابته».
وشغل المنصب، خلال الثمانين سنة الماضية، أشهر الشعراء في أميركا. وركز كل واحد، خلال فترة عمله، على عقد ندوات شعرية في مكتبة الكونغرس، وزيارة الولايات لتشجيع قراءة وكتابة الشعر، وسن «مبادرة» تسمى باسمه.
ويعتبر المستشار الجديد، خوان فليبي هيريرا من أشهر الشعراء الأميركيين من أصل لاتيني يقرضون الشعر بالإسبانية والإنجليزية. وهو، أيضا، كاتب تقدمي، ومؤلف قصص أطفال، وممثل، ورسام.
ولد في عام 1948، في فرولار (ولاية كاليفورنيا) لوالدين مهاجرين من المكسيك، كانا يعملان في مزرعة للخضراوات، مع مئات غيرهم من المهاجرين. وهو صغير، نظم فريقا من أولاد وبنات المزارعين، وأسسوا «سنترو كلثرال دي لا رازا» (المركز الثقافي اللاتيني)، وذلك داخل صهريج ماء قديم عملاق. وبدأوا بان ملأوا جدرانه الداخلية بالرسومات والعبارات والشعارات، باللغة الإسبانية.
في عام 1968، مع إجادته اللغة الإنجليزية، بدأ دراسة الشعر والأدب والفن في جامعة جنوب كاليفورنيا (لوس أنجليس). وفي عام 1972، انتقل إلى جامعة ستانفورد (ولاية كاليفورنيا) للدراسات العليا. وصار يقرض الشعر باللغتين الإسبانية والإنجليزية.
في الوقت الحاضر، وصل رصيده من دواوين الشعر، والقصص القصيرة، وكتب الأطفال إلى أربعة عشر كتابا. ومن أشهر كتبه: «187 سببا يجعل المكسيكيين يعبرون الحدود بطرق غير قانونية إلى الولايات المتحدة.» وأيضا: «منفيون يدفعهم الشغف» و«مذكرات مهاجر» و«جذور ألف هوية» و«حب بعد المظاهرات» و«أحلام عبور الحدود».
في عام 2011، صار رئيسا لأكاديمية الشعر الأميركية. وفي عام 2012، عينه حاكم ولاية كاليفورنيا شاعرا فخريا للولاية. وفي الشهر الماضي، اختاره الكونغرس شاعرا فخريا للولايات المتحدة (لمدة عام).

من قصائده

مظلتي في نيويورك
«أصبت بسكتة دماغية. لم أنتبه إلى ما حدث لك. سألتك امرأة: هل أنت مخمور؟ أنت لم تجب. لكن، كانت عيناك تتحركان يمينا ويسارا. أنت رجل أسود، وأنا رجل أسمر. أنا في عجلة من أمري. ذاهب إلى ندوة شعر. قميصي نظيف ومكوي. همي كله ألا يصيني أذى أو مطر. أرفع مظلتي في حذر. وأنت تتمتم بكلمات لا أفهمها. هناك عربة تبيع طعاما. هناك عربة تبيع فطائر الذرة. هناك عربة تبيع حبات سكر خضراء. أنا في عجلة من أمري. امرأة تلمسك. تسأل ما بك؟ وأنت لم تجب. أنا في عجلة من أمري. لا أستطيع أن أساعدك. همي ألا يبل المطر قميصي النظيف المكوي. ذاهب إلى ندوة شعر...».

من قصيدة «مهاجرون غير قانونيين» كتب:
«شجرة الخوخ تنمو. عصافير تأكل منها. وقوانين توضع عن جدران. عن سجون (للمهاجرين غير القانونيين). رجل وزوجته. وبنته التي تزوجت مواطنا (أميركيا). قانون جديد. مكسيكي في المنفى. هندي (أحمر) في المنفى. من يحش العشب غير هؤلاء؟ من يعرق غير هؤلاء؟ وشجرة الخوخ تنمو. وعصافير تأكل منها. أمس، ترك ألبرتو قريته. دون أوراق (هجرة). ذهب إلى دنفر (ولاية كلورادو). في حافلة (غيراي هاوند). قال: في دنفر، لا يسألون عن أوراقك. يمشي ويشقى. يمشي ويشقى. حياتنا معه. أفكارنا معه. وشجرة الخوخ تنمو..».
في الأسبوع الماضي، قدمت إذاعة «إن بي آر» (شبه حكومية) مقابلة مع هيريرا.. سألته عن إحساسه بعد أن اختير للمنصب الجديد، وأجاب: «شيء جميل، شيء جميل» (قالها مرة بالإنجليزية، ومرة بالإسبانية).
عن إحساسه كأول لاتيني يحتل المنصب، قال: «كلما انخرطنا نحن (الأميركيين اللاتينيين) في المجتمع الأميركي، زاد استعمال عبارة (أول لاتيني يفعل كذا) و(أول لاتيني كذا). لكن، يوما ما، ستختفي هذه العبارة».
وعن عدم شعبية الشعر وسط الأميركيين، قال: «بالنسبة لكثير من الناس، الشعر هوية عاجية في برج عاجي. لا يقرضه غير الأكاديميين. ولا يدرسه غير طلاب المدارس الثانوية. صار المكان الوحيد الذي يوجد فيه الشعر وسط عامة الناس هو في بيت أو بيتين من الشعر في بطاقات تهاني عيد الأب، أو عيد الأم، أو التخرج في جامعة».
عن الصورة النمطية للشعراء باعتبارهم نصف مجانين قال: «نحن مثل النساك. نعيش في غرف صغيرة، ولا نستحم، ولا نتنظف. عندما نريد أن نرفه عن أنفسنا، نمشي وسط المزارعين والعمال ومنظفي الشوارع وبنائي المنازل. ونرمي أنفسنا في صناديق الطماطم، والخضراوات. نأكل منها. ونتمرمغ فيها. حتى تصير ملابسنا حمراء في لون الطماطم. ثم نعود إلى غرفنا الصغيرة».
وذكر عن هواياته: «أحب التجول في (المراكز التجارية). وأحب زيارة محطات القطار، في سان فرانسيسكو، وفي لوس أنجليس. وأحب زيارة المعارض والمتاحف. أراقب الناس وأدرسهم. مع قلم ونوتة في يدي. أكتب، وأكتب، وأكتب».
أما عن الشعر السياسي، فقال: «بعد أن اختارني جيري بروان، حاكم ولاية كاليفورنيا، شاعرا للولاية، أعلنت بداية مشروع أكبر، وأحسن، وأعجب قصيدة عن الوحدة في العالم. لم أكمل المشروع، وسأعمل على إكماله في وظيفتي الجديدة. هل تذكرون حلم لغة عالمية واحدة (لغة سبرانتو)؟ هذا مثل حلم قصيدة عالمية واحدة عن وحدة العالم».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.