رنين الشعّار... صوت وصفته أحلام بـ«العظيم»

الفنانة اللبنانية لـ «الشرق الأوسط»: لا تكافؤ في الفرص بين المغنّين

الفنانة اللبنانية رنين الشعار (الشرق الأوسط)
الفنانة اللبنانية رنين الشعار (الشرق الأوسط)
TT

رنين الشعّار... صوت وصفته أحلام بـ«العظيم»

الفنانة اللبنانية رنين الشعار (الشرق الأوسط)
الفنانة اللبنانية رنين الشعار (الشرق الأوسط)

عن سابق عشق للموسيقى، أطلق عبد الكريم الشعار على ابنته اسم رنين. لم يكن يعرف الفنان اللبناني من صوتها حينذاك سوى بكاء الأطفال حديثي الولادة، ولم يضمن أنها ستكبر لتصبح اسماً على مسمى.
حملت في صوتها الكثير من حرفة الوالد وطاقاته الطربية، لكنها لم تثقل كتفيها بعبء الوراثة. تخبر المطربة رنين الشعار «الشرق الأوسط» أن والدها لم يعلمها الغناء ولم يرغمها على دراسة الموسيقى، لا بل اعترض بشدة على انغماسها في الفن. تقول: «أحببت الموسيقى حتى قبل أن أغني، ففي بيتنا النغم كالخبز. لم يتعامل أبي مع الموضوع وكأنه فرض، اكتفى بملاحظة واحدة وهي ضرورة أن أمسك بالإيقاعين اللحني واللفظي. أما المقامات فقد تشبعت منها بالفطرة وليس من خلال الدراسة. صحيح أنه اعترض بدايةً على خوضي المجال، لكنه انتهى بملاحظة إصراري والاعتراف بخياراتي الفنية الراقية، ثم إنني لم أرتكب ما يخجل به».
يحلو لها أن تناديه «عبود» وأن تصور إلى جانبه فيديوهات عفوية يغنيان فيها معاً. رغم أنه ليس كثير المديح، إلا أن رنين باتت شريكته الفنية المفضلة. غالباً ما يطلان سوياً في الحفلات والسهرات الطربية، كما جمعتهما تجربة تقديم تلفزيوني استثنائية على «التلفزيون العربي» تحت عنوان «أهل الطرب».


الفنان عبد الكريم الشعار وابنته رنين (إنستغرام)
تعاملت رنين الشعار مع موهبتها الغنائية على أنها هواية. خاضت غمار برامج الهواة، لكن منذ أول «آه» اتضح أنها ليست هاوية. كان لا بد من محطة «سوبر ستار» عام 2004 حتى يتعرف الناس عليها، ثم جاءت محطة «ذا فويس» للتذكير بوجودها، لكنها تقر بأن التجربتين لم تثمرا إنتاجياً ولم تكونا على قدر الطموحات ولا على قدر ما يليق بإمكانياتها الفنية.
من حسن الحظ أن عصر السوشيال ميديا مد جسوراً مباشرة بين المواهب والمتلقين، ورنين الشعار تحترف اللعبة من دون افتعال ولا تكلف. بينها وبين متابعيها على منصات التواصل الاجتماعي رابط وثيق عززته من خلال الفيديوهات التي تنشرها وهي تغني أجمل الطرب. حتى أنها لفتت أنظار كبار النجوم إليها بواسطة تلك الفيديوهات، آخرهم الفنانة أحلام التي أعادت نشر أحدها معلقةً بالقول: «ايش هذا! انتي من جدك؟ انتي من وين؟ ايش هالصوت العظيم!».
https://twitter.com/AhlamAlShamsi/status/1612097749503348736?s=20&t=FAKKBISdc5HJfXGMPx6_aw
تفاعل متابعو أحلام مع التغريدة وأبدوا إعجابهم بالصوت الذي سمعوه. أما رنين فقد ردت شاكرةً أحلام، وبادلتها التحية ناشرةً فيديو يضم مجموعة من أجمل أغاني الفنانة الإماراتية. تعلق على اللفتة المميزة بالقول: «جميل جداً أن يصدر هكذا تصرف عن فنانة بأهمية أحلام. لقد عبر ذلك عن أصل طيب. أحترم كثيراً الفنانين الذين يعترفون بموهبة الآخر».
https://twitter.com/AhlamAlShamsi/status/1614726303751745537?s=20&t=kn4LaMUf-CWCQEV5wGfLsA
يلفتها تقدير الناس لصوتها ويؤثر بها، خصوصاً أنها لم تنله من شركات الإنتاج. تقول: «أنا أمشي تحت ألطاف الله. لم يساعدني أحد يوماً... لا شركة إنتاج ولا قناة تلفزيونية ولا إدارة أعمال. لذلك فإن تفاعل الناس مع فيديوهاتي ودعواتهم لي يعني لي الكثير. أشعر بأنهم واكبوا مسيرتي التي كانت بريئة وخالية من أي استراتيجيات وتملق».


رنين الشعار (الشرق الأوسط)
تعترف الشعار بأنها في بداياتها لم تتعامل مع الفن كمهنة، ولم تضع خطة طريق لمشروعها. أما حالياً فالموسيقى هي مالئة وقتها ومصدر رزقها. 19 سنة في المجال اكتفت خلالها بـ5 أغنيات خاصة، وعرفت في المقابل من خلال أدائها روائع أم كلثوم وفيروز ووردة وعبد الحليم ووديع الصافي وملحم بركات وغيرهم من أعمدة الطرب العربي. عن هذا الشح في الأعمال الخاصة تقول: «أغنياتي الخاصة تعد على أصابع اليد الواحدة ليس لأنني لم أرغب في تكوين ريبرتوار خاص بي، إنما لأنه لا تكافؤ في الفرص بين الفنانين على مستوى الإنتاج. وأنا لا أستطيع تحقيق ذلك من دون شركة إنتاج تسندني وتمنحني ما يليق بالمحتوى الذي أقدم». وتضيف: «أنا لا أطلب ولا أستعطي ولا أقدم تنازلات فنية، أي أنني لن أؤدي ما لا يشبهني».
قريباً يبصر النور ما يشبه رنين ويحمل اسمها على هيئة ميني ألبوم يضم 5 أغنيات كتبتها ولحنتها بنفسها، والأهم أنها هي من أنتجت العمل بعد أن اقتنعت بعدم جدوى الانتظار. تتنوع أغاني الألبوم بين الفصحى واللهجتين اللبنانية والمصرية التي ترغب الشعار في اختبارها ليس غناءً فحسب بل كتابةً أيضاً.
لن تكون تلك محطتها الأولى مع التلحين والكتابة، فهي خاضت سابقاً تجربة تأليف الزفات للأعراس، وقد انتشرت من بين هذه الزفات أغنيتا «هللي» و«تمايلي». تكرس الشعار لهذا المشروع مجهوداً كبيراً لناحية اختيار العازفين والتوزيع الأوركسترالي الضخم. لا تقفل الشعار أبوابها في وجه التجارب الجديدة، شرط أن تتوافق مع قناعاتها الفنية؛ وهي قدمت منذ فترة أغنية باللهجة العراقية من ألحان نور الزين وكلمات قصي عيسى.

من الخبرات المميزة التي طبعت مسيرة الشعار خلال الأشهر الماضية، وضع صوتها على مجموعة من أغاني أفلام ديزني الكلاسيكية بنسختها العربية في القاهرة، وهي أول صوت لبناني يخوض تلك التجربة. ومن الأعمال التي تفخر بها «أوبرا كليلة ودمنة»، وهي أول أوبرا فرنسية عربية لعبت فيها الشعار دور كليلة وجالت بها حول مسارح فرنسا.
تضع في أعلى قائمة الإنجازات كذلك، مشاركتها في مهرجانات بيت الدين اللبنانية حيث كرمت عبر صوتها الفنان الراحل زكي ناصيف. أما المحطة التي كرست طاقاتها الغنائية فهي البرنامج التلفزيوني الرمضاني الذي قدمته العام الماضي وأدت على امتداد حلقاته الـ30 أكثر من 150 أغنية مباشرةً على الهواء.
تستعد الشعار لحفلين ضخمين في الربيع المقبل، أولهما في تكساس الأميركية حيث ستقف إلى جانب الأوركسترا الوطنية العربية، أما الحفل الثاني فسيكون في العاصمة النمساوية فيينا برفقة أوركسترا «ناي» الشرقية. وبالانتظار، تبقى مواعيد رنين ثابتة مع الفيديوهات العفوية التي ينتظرها محبوها «لأنهم يريدون ما هو حقيقي وطبيعي»، على ما تقول الشعار.



إعلان نجاح العملية الانتخابية في حلب والحسكة ومقاعد السويداء ستبقى شاغرة

أعضاء الهيئات الانتخابية يصوّتون لاختيار مرشحي البرلمان السوري الجديد في الحسكة (رويترز)
أعضاء الهيئات الانتخابية يصوّتون لاختيار مرشحي البرلمان السوري الجديد في الحسكة (رويترز)
TT

إعلان نجاح العملية الانتخابية في حلب والحسكة ومقاعد السويداء ستبقى شاغرة

أعضاء الهيئات الانتخابية يصوّتون لاختيار مرشحي البرلمان السوري الجديد في الحسكة (رويترز)
أعضاء الهيئات الانتخابية يصوّتون لاختيار مرشحي البرلمان السوري الجديد في الحسكة (رويترز)

أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا «نجاح العملية الانتخابية في محافظة الحسكة ومنطقة عين العرب». وقال المتحدث باسم اللجنة، نوار نجمة، أنه بعد استكمال انتخابات الحسكة وعين العرب، بات الطريق ممهداً بالكامل لانعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب، وذلك فور صدور المرسوم الرئاسي المتضمن تسمية أعضاء الثلث المعين من قبل رئيس الجمهورية.

ومع استكمال الانتخابات في محافظتي الحسكة وحلب تبقى الانتخابات مؤجلة في محافظة السويداء. وقال نجمة إنه من المرجح الاحتفاظ بمقاعد محافظة السويداء وعددها ثلاثة مقاعد شاغرة إلى حين توفر الظروف الأمنية والسياسية المناسبة لإجراء الانتخابات فيها، لافتاً إلى أنه سيتم قريباً الإعلان عن أسماء الأعضاء السبعين المعينين بقرار من رئيس الجمهورية.

وكان الشيخ حكمت الهجري أحد زعماء طائفة الدروز في السويداء، والمعارض للحكومة قد جدد الأسبوع الماضي تمسكه بفصل السويداء عن مركزية دمشق و«حق تقرير المصير»، وقال إنه «أصبح خياراً لا رجعة عنه». و «لا ولاية ولا قيادة على هذا الجبل إلا لمن يختاره أهله (..) نحن الأدرى بتدبير شؤوننا وإدارة منطقتنا عبر أبنائنا الشرفاء».

وكانت اللجنة العليا للانتخابات قد أعلنت في أكتوبر (تشرين الأول) أسماء 119 عضواً في مجلس الشعب الجديد، من أصل 140 عضواً يفترض اختيارهم عبر هيئات مناطقية، وفق آلية غير مباشرة نصّ عليها الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية. وبقي حينها 21 مقعداً شاغراً عن محافظات الحسكة والرقة والسويداء لأسباب قالت اللجنة إنها «أمنية».

وفي مارس( آذار) الماضي، أجريت انتخابات محافظة الرقة، وفاز 4 مرشحين بعد تسجيل نسبة مشاركة تجاوزت 90 في المائة.

ووسط انتشار أمني كثيف في محيط المراكز الانتخابية بدء الاقتراع صباح الأحد، لاختيار ممثلي محافظتي الحسكة (شمال شرق) وحلب (شمال) في مجلس الشعب إتمام العملية الانتخابية، وقال المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة: إن أبناء هذه المناطق «أثبتوا رغبتهم الحقيقية وإرادتهم الوطنية في المشاركة بالعملية السياسية وبناء المؤسسات التشريعية في سوريا». وذلك عقب انتهاء عملية فرز الأصوات وإعلان النتائج الأولية لأسماء الفائزين.

وفاز بعضوية مجلس الشعب عن منطقة عين العرب التابعة لدائرة محافظة حلب الانتخابية، كل من (فرهاد أنور شاهين) و(شواخ إبراهيم العساف) عن منطقة عين العرب التابعة لدائرة محافظة حلب الانتخابية، و(إبراهيم مصطفى العلي)، و(عمر عيسى هايس)، و(فصلة يوسف) عن دائرة محافظة الحسكة الانتخابية. و (كيم حسين إبراهيم)، و(رضوان عثمان سيدو)، و(عبد الحليم خضر العلي)، ‏و(محمود ماضي العلي) عن دائرة القامشلي.

ووصلت نسبة التصويت في محافظة الحسكة إلى 75 في المائة من ‏أعضاء الهيئة الناخبة في دائرة القامشلي، و92 في المائة في دائرة الحسكة، بينما ‏وصلت إلى 95 في المائة في دائرة عين العرب بمحافظة حلب. وفق المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات.

وتأتي الانتخابات في المناطق التي كانت تسيطر عليها الإدارة الذاتية قبل التوصل إلى اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن مسار الدمج المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية في شمال شرق البلاد ضمن هياكل الدولة السورية بموجب الاتفاق.

واعتبر عضو اللجنة العليا للانتخابات، أنس العبدة، في تصريح للإعلام إن العملية الانتخابية «خطوة محورية في مسار الاندماج الوطني» و«ثمرة للحوار الإيجابي بين مختلف الأطراف».

وقال: «الانتخابات تمنح أهالي الحسكة بمختلف مكوناتهم فرصة للمشاركة في صناعة القرار الوطني، بما يعزز التمثيل والتنوع داخل مؤسسات الدولة السورية».

وحددت اللجنة العليا للانتخابات مراكز الاقتراع في مبنى إدارة محافظة الحسكة، والمركز الثقافي القديم في الحسكة لدائرة القامشلي، إضافة إلى المركز الثقافي في عين العرب.

كما تفقدت اللجنة، السبت، مراكز الاقتراع للتأكد من الجاهزية اللوجستية وتوفير غرف الاقتراع السري وتأمين حضور وسائل الإعلام المحلية والأجنبية لمتابعة العملية الانتخابية.

‏وتنافس على المقعدين المخصصين لمنطقة عين عرب 12 مرشحاً، ‏ فيما تنافس على ثلاثة مقاعد في الحسكة 13 مرشحاً وفي القامشلي تنافس 7 مرشحين على 4 مقاعد. ‏ أما في دائرة المالكية فقد حصل المرشحان على المقعدين المخصصين.


الحرب الإسرائيلية تعيد تسمية الأماكن والمناطق في لبنان

شاب يحمل ألعابا من أحد المواقع التي استهدفت في منطقة صور في جنوب لبنان (رويترز)
شاب يحمل ألعابا من أحد المواقع التي استهدفت في منطقة صور في جنوب لبنان (رويترز)
TT

الحرب الإسرائيلية تعيد تسمية الأماكن والمناطق في لبنان

شاب يحمل ألعابا من أحد المواقع التي استهدفت في منطقة صور في جنوب لبنان (رويترز)
شاب يحمل ألعابا من أحد المواقع التي استهدفت في منطقة صور في جنوب لبنان (رويترز)

تعيد الحرب الإسرائيلية على لبنان رسم الجغرافيا على أرضه وفي ذاكرة أبنائها؛ ففي الجنوب، لم تعد أسماء الأماكن تعريفات جغرافية، بل مفردات ترتبط بالخوف والنزوح والحدود، بعدما انتقلت خطوط ونقاط عسكرية من الخرائط إلى الحياة اليومية.

قبل سنوات، كان الليطاني نهراً، ولم يكن كثيرون يعرفون وادي الحجير أو «الخط الأصفر». أما اليوم، فقد ارتبطت هذه الأسماء بالمعارك والحدود، لتصبح امتداداً لمفردات سبقتها، مثل «الشريط الحدودي» و«الحزام الأمني»، إبان الاحتلال الإسرائيلي من 1978 إلى 2000؛ حيث يكتسب تغيّر أسماء الأماكن أبعاداً تتجاوز الجغرافيا نفسها.

حين تصبح الخطوط لغة يومية

وفي هذا السياق، يقول أحد أبناء القرى الحدودية لـ«الشرق الأوسط» إن «الحديث عن الحروب أو عن أي مشاريع إسرائيلية تتعلق بالمناطق الحدودية لا يقتصر على الخسائر المادية أو حتى على آثارها النفسية المباشرة، بل يتجاوز ذلك إلى العلاقة العميقة بين الإنسان ومكانه وذاكرته وجغرافيته».

ويضيف: «عندما نتحدث عن الخط الأصفر أو ما كان يُعرف بالشريط الحدودي قبل عام 2000، فنحن لا نتحدث عن خط على الخريطة فقط، بل عن حالة كاملة من العزل والاغتراب القسري عاشها الناس لسنوات طويلة».

ويشير إلى أنه عاش تلك المرحلة بنفسه، قائلاً: «كان هناك شعور دائم بأنك معزول عن عمقك اللبناني، وكأنك تعيش في مساحة منفصلة عن بلدك. الناس الذين كانوا خلف ذلك الخط كانوا معرضين للتنكيل والاعتقال والضغط اليومي، وكانت حياتهم كلها معلّقة على الخوف والترقب. كان هناك سؤال دائم يرافق الجميع: متى تنتهي هذه المرحلة؟ ومتى يشعر الإنسان بأنه يعيش حياة طبيعية؟».

ويلفت إلى أن آثار تلك المرحلة لم تقتصر على من بقي داخل المنطقة المحتلة، بل طالت أيضاً من اضطروا إلى مغادرتها، موضحاً أن «هناك مَن عاش المعاناة داخل المنطقة، وهناك من عاشها خارجها، وهو يحمل رغبة العودة طوال الوقت. كان الجميع يشعر بأن جزءاً منه معلّق هناك».

عائلة لبنانية على دراجة نارية تمرّ أمام مبانٍ مدمّرة جرّاء غارات إسرائيلية سابقة في مدينة صور جنوب لبنان (د.ب.أ)

المرحلة نفسها عاشها مواطن جنوبي آخر، وهو يتحدث عن بعض المشاهد التي ما زالت حاضرة في ذاكرته، مبدياً قلقه من المرحلة المقبلة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «حتى في تشييع الوفيات كانت المعاناة حاضرة. كانوا يصلون بالجنازات إلى تبنين، فيما لا يستطيع كثيرون الدخول، وأحياناً كان يُسمح لكبار السن فقط بمرافقة الجنازة بينما يعود الآخرون»، مؤكداً أن «هذه ليست مجرد تفاصيل صغيرة، بل ذاكرة كاملة من القهر والاقتلاع».

من هنا يرى أن المخاوف الحالية من أي حديث عن أحزمة أمنية أو مناطق عازلة تعيد استحضار تلك الذاكرة مجدداً. لكنه يرى أن المشهد اليوم يبدو أكثر قسوة، موضحاً أن «هذه المرة الوضع أصعب بكثير، لأننا لا نتحدث فقط عن منطقة مغلقة أو محتلة، بل عن قرى جرى تدميرها وتجريفها بالكامل. جرى محو البيوت والمؤسسات وأماكن العبادة والمعالم التي تربط الناس بذاكرتهم وحياتهم اليومية».

ويقول: «الصدمة اليوم أعمق من السابق. بعد التحرير عام 2000 عاد الناس إلى قراهم وبيوتهم، أما اليوم فالخوف أن يعود الناس إلى مناطق لم تعد تشبه نفسها». ويضيف: «عندما يفقد الإنسان الساحة التي اعتاد الجلوس فيها، والحسينية أو الكنيسة أو المسجد أو حتى الشوارع التي يعرفها، يصبح كأنه فقد جزءاً من ذاكرته وهويته. اليوم لم يعد الناس يبحثون فقط عن بيوتهم، بل باتوا يبحثون عن ملامح قراهم نفسها».

تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية استهدفت بلدة كفرتبنيت في قضاء النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، يقول المعالج النفسي داود فرج لـ«الشرق الأوسط» إن «مصطلح (المنطقة الصفراء) لا يعبّر عن مساحة جغرافية أو توصيف أمني وعسكري فحسب، بل يحمل دلالات نفسية واجتماعية أعمق ترتبط بإعادة تشكيل علاقة الإنسان بالمكان»، موضحاً أن «الألوان والرموز والتسميات ليست أموراً محايدة، بل تشكل جزءاً من الذاكرة والانتماء والوعي الجمعي».

وأضاف أن «الجنوب شهد عبر العقود الماضية تبدلاً في توصيف مناطقه الحدودية من (المنطقة العازلة) إلى (الشريط الحدودي) و(الحزام الأمني)، وصولاً إلى ما بات يوصَف اليوم بـ(المنطقة الصفراء)؛ حيث تعكس كل تسمية تحولاً في طبيعة الواقع المفروض على الأرض».

حين يتحول اللون إلى ذاكرة

ويضيف فرج: «اللون الأصفر هنا لا يرتبط فقط بخريطة أو نطاق عسكري، بل يتحول إلى رمز لمنطقة أُزيلت منها الحياة البشرية وتحولت إلى مساحة فارغة من الناس»، مشيراً إلى أن «الخطورة تكمن في أن هذه المنطقة لا تبدو ثابتة الحدود، بل تتسع كلما توسعت عمليات التدمير وإزالة معالم الحياة من القرى والبلدات».

وأوضح أن ما يحدث اليوم «يتجاوز حدود الدمار المادي والعمليات العسكرية التقليدية، ليصل إلى مستوى أعمق يمسّ البنية النفسية والذاكرة الجمعية للسكان»، موضحاً أن «الإنسان يبني علاقته بالمكان عبر ما يُعرف بـ(الذاكرة الانطباعية)، وهي الصورة الأخيرة التي يحتفظ بها عن المكان الذي عاش فيه، وتتحول مع الوقت إلى مرجع نفسي وعاطفي دائم». وأوضح أنّ «المهجّرين يحملون معهم دائماً تلك الصورة الأخيرة لبيوتهم وأحيائهم وقراهم، وتبقى حاضرة في ذاكرتهم حتى بعد مغادرتهم المكان».

وأشار إلى أن المشكلة تبدأ عندما يتغير الواقع على الأرض بصورة جذرية من دون أن تتشكل لدى الفرد صورة جديدة عنه، لافتاً إلى أن «كثيرين ما زالوا يعيشون على صورة الجنوب كما تركوه، بينما بدأ آخرون في تكوين صور جديدة من خلال الخرائط الجوية والمشاهد المتداولة للقرى المدمرة؛ الأمر الذي قد يخفف من عنصر الصدمة عند العودة».

آلية عسكرية إسرائيلية تتحرك قرب الحدود (رويترز)

ورأى فرج أن ما يجري لا يقتصر على تدمير المنازل والمنشآت، بل يطال البنية الجغرافية ذاتها، قائلاً إن «الطرقات تتغير، والمعالم تختفي، وحتى الحدود المكانية التي اعتاد الناس التعرف من خلالها إلى مناطقهم قد تتبدل».

وتابع: «البيت ليس مجرد جدران، والقرية ليست مجموعة أبنية، بل هما جزء من ذاكرة اجتماعية متراكمة، وحين تُزال هذه المعالم يصبح الناس أمام واقع جديد يفرض عليهم بناء ذاكرة جديدة مختلفة عن تلك التي عاشوا عليها»، محذراً من أن «الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة تشكيل المكان، بل في إعادة تشكيل الوعي المرتبط به».


ماكرون ولوكاشنكو يبحثان هاتفياً العلاقات بين بيلاروسيا وفرنسا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

ماكرون ولوكاشنكو يبحثان هاتفياً العلاقات بين بيلاروسيا وفرنسا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

أجرى رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشنكو ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون مباحثات عبر الهاتف، اليوم الأحد، بمبادرة من باريس، وفق ما أفادت الرئاسة البيلاروسية في بيان.

وأورد البيان أن «الرئيسين ناقشا المشاكل الإقليمية، إضافة إلى علاقات بيلاروسيا بالاتحاد الأوروبي وبفرنسا خصوصاً»، من دون تفاصيل إضافية.