وزير الإعلام العماني: الحرية والمسؤولية مفهومان متلازمان

وزير الإعلام العماني: الحرية والمسؤولية مفهومان متلازمان
TT

وزير الإعلام العماني: الحرية والمسؤولية مفهومان متلازمان

وزير الإعلام العماني: الحرية والمسؤولية مفهومان متلازمان

يشهد الإعلام في سلطنة عُمان، انفتاحاً واسعاً على المحيطين الإقليمي والدولي. وهذا الانفتاح يمثل استراتيجية لرؤية عُمان الجديدة التي تسعى لتعزيز حضورها على المسرح الإقليمي خصوصاً، وهي التي اعتادت على لعب أدوار سياسية عادة ما ينظر إليها باعتبارها مساهمة في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين.
ومن مكتبه في العاصمة العُمانية مسقط، حدثنا وزير الإعلام الدكتور عبد الله بن ناصر الحراصي عن رؤيته للدور الذي يلعبه الإعلام العُماني، بينما تعمل السلطنة لجذب الاستثمارات وتعزيز الشراكة، مع دول الخليج خصوصاً والعالم بشكل عام.
للعلم، أسست أول وزارة للإعلام في عُمان خلال ديسمبر (كانون الأول) 1970 تحت اسم «وزارة الإعلام والشؤون الاجتماعية والعمل»، وتولّى هذه الوزارة المرحوم الأديب والشاعر عبد الله بن محمد الطائي. وعام 1972، فُصلت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن الإعلام، وأوكلت شؤون والإعلام إلى مديرية الإعلام، ثم إلى مديرية الإعلام والسياحة.
أما بالنسبة للوزير الحالي الدكتور عبد الله بن ناصر الحراصي، فقد تولى المنصب منذ 18 أغسطس (آب) 2020. وسبق أن كان رئيس «الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون» بمرتبة وزير بين 2011 و2020، ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير في «مشروع الموسوعة العمانية»، وأستاذاً مساعداً في جامعة السلطان قابوس، وعضواً مشاركاً في جامعة أكسفورد بين 2011 و2012. وهو يحمل «بكالوريوس» في اللغة الإنجليزية عام 1992 و«ماجستير» في دراسات اللغة والترجمة عام 1995 من جامعة السلطان قابوس، و«دكتوراه» في الترجمة عام 2000 من جامعة أستون البريطانية.
وفيما يلي نص الحوار:

> ما الاستراتيجية الإعلامية لسلطنة عُمان في ظل «رؤية عُمان 2040»؟
- الحديث عن التجربة الإعلامية لسلطنة عُمان يطول، لكن يمكن استعراضه في عنوانين أساسيين هما «مرآة صادقة» و«رسالة أمينة». إذ نشأ الإعلام العُماني بشكله الحديث مع فجر النهضة الحديثة لعُمان في العقد السبعيني من القرن الماضي. وكانت وزارة الإعلام من أوائل الوزارات التي نشأت إيماناً من القيادة العُمانية ممثلة حينذاك بمؤسس النهضة الحديثة في السلطنة السلطان قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه - بدور الإعلام، ليس فقط في رصد الإنجازات التي تتحقق وتقديمها للمجتمع، وتحفيز العمل والإنتاجية، بل أيضاً في صناعة الوعي المجتمعي والتنوير، والمحافظة على الهوية العُمانية ببعدها الحضاري والإنساني، وتعزيز الروح الوطنية التي أسهمت بتوطيد مسيرة التقدم والتطور والنماء وصنعت التحولات على مختلف الصعد. وظل الإعلام العُماني رسالة إلهام ومورد معرفة وأداة بناء، معبّراً بموضوعية عن طبيعة الشخصية العُمانية وسماتها ودورها الحضاري عبر الزمن ومد جسور الأخوة والصداقة مع سائر الدول والشعوب، وفق سياسة متزنة بعيدة كل البُعد عن مظاهر الغلو والمبالغات.
> «رؤية عُمان 2040» تؤكد مبادئ الحوكمة والشفافية والإفصاح، هل ترون أن الإعلام العُماني مؤهل للقيام بهذا الدور؟
- المسار الإعلامي أساسي في رؤية عمان 2040، فمنذ المؤتمر الوطني للرؤية الذي صاغ مستهدفات رؤية عمان 2040 بإشراف جلالة السلطان هيثم نفسه كان دور الإعلام أساسياً وضرورياً. ونذكر في تلك اللحظات الأولى لانطلاقة مؤتمر الرؤية كنا «إعلامياً» في بث حي ومباشر وشفاف لكل ما يدور من مناقشات حوارية، وكل ما يحدد من رؤى لمستهدفات رؤية عمان 2040. ولقد تناول الإعلام العُماني بشكل مركّز المحاور الأربعة للرؤية، وهي: مجتمع إنسانه مبدع، واقتصاد بنيته تنافسية، ودولة أجهزتها مسؤولة، وبيئة عناصرها مستدامة، بنقاش وتحليلات وتفاعلية عالية لامست الفرص والتحديات والمعالجات والأولويات المرتبطة بمحور الحوكمة والأداء المؤسسي. وكذا أخذ الإعلام دوره الفاعل في حفز البرامج التنفيذية المسرعة التي تستهدف إيجاد حلول عاجلة ومستدامة للمسارات ذات الأولوية كالوضع المالي والاقتصادي، والتنويع الاقتصادي، وجلب الاستثمارات الأجنبية، وسط ظروف دولية استثنائية.
> ماذا تعني بـ«الظروف الاستثنائية»؟ وماذا أعددتم لها على الصعيد الإعلامي؟
- ظروف مثل «كوفيد - 19»، وانخفاض أسعار النفط بشكل حاد، والأزمات السياسية التي شهدها العالم أخيراً وتأثرت بها دول العالم بأشكال مختلفة. هذه تحديات لا بد أن تصاغ لها حلول وطنية ذكية بدعم المجتمع وبتسريع الأداء. وهنا كان الدور الإعلامي متفاعلاً ومحفزاً وأساسياً في نقل وقائع ما يدور من عمل وخطط وبرامج وحلول لدى الحكومة بكل نقاشاته. لدينا برامج إعلامية حوارية متخصصة تجمع متخذي القرار مع راصدي الأداء من المحللين والخبراء والأكاديميين والمتخصصين في تفاعلية ثرية ومسؤولة لمتابعة أداء القطاعات المستهدفة بالنمو، ولدينا قناة تواصل مستمرة مع وحدة متابعة تنفيذ رؤية عمان 2040 من أجل هذه الغاية.
> ألا يستلزم ذلك، برأيكم، ضخّ مزيد من الحرية وتخفيف القيود؟
- في عُمان إعلامنا ذو رسالة وطنية وإنسانية، ونعتز بتجربته الأصيلة والمنفتحة مع الآخرين بكل إيجابية. إنه ينقل الوقائع بكل شفافية ومهنية ومسؤولية، وهذا كان قرار القيادة منذ بداية فجر نهضة عُمان الحديثة. ولذا نجد أن مجتمعنا يثق بإعلامه ثقة كبيرة وفي الرسالة التي يعمل هذا الإعلام على تحقيقها. وعُمان - بحمد الله - تمتلك تجربة إعلامية ثرية جداً تؤدي دورها الأساسي في بناء الثقافة العامة للمواطن وبناء القيم المساندة للتطوّر والتحديث والفضائل، وتعميق فكرة السلام والمساواة والعدالة الاجتماعية والتسامح وقبول الآخر.
> تربط بين الحرية والمسؤولية... أيهما يأتي أولاً؟
- الحرية والمسؤولية مفهومان متلازمان. هذا هو الأساس، حيث المهنية الإعلامية سترة نجاة للحرية الإعلامية المسؤولة. ونحن في السلطنة يحظى إعلامنا بثقة المجتمع ضمن مساحة تعبير عالية، ونعدها الأجمل بقيمها المهنية المسؤولة. ويعبر المجتمع دائماً عن تقديره لهذا النهج الذي تشكل أصلاً من طبيعة الشخصية العُمانية والمجتمع العُماني والصالح الوطني بشكل عام.
> كيف ينعكس هذا على وسائل الإعلام العُمانية؟
- الناظر إلى وسائل الإعلام العُمانية يجد مساحة تعبير عالية حول مختلف المواضيع التي تهم مجتمعنا، والأهم في نظرنا هو منهج الطرح الإعلامي الذي يسمح بجميع الآراء التي تسهم في البناء وتعالج إشكالات الواقع دون تجريح أو إثارة لا تفيد أحداً. لدينا مثلاً برامج حوارية إذاعية وتلفزيونية تقدم سقفاً عالياً من حرية التعبير البنّاء، وننقل وجهات النظر كما هي، ولدينا في الصحافة ايضاً مقالات نقدية عالية الطرح.
> أنتم شخصياً، كنتَ صحافياً وإعلامياً قبل أن تُصبح وزيراً... ماذا حملتم للمنصب من هموم الصحافة التي تسعون لحلّها؟
- التجربة الصحافية في عُمان تتسم بالثراء، وكانت المؤسسات الصحافية قد انطلقت في سبعينات القرن الماضي، وصحافتنا في غالبيتها مملوكة للقطاع الخاص، باستثناء صحيفة «عُمان» التي تصدر باللغة العربية، وصحيفة «عُمان ديلي أوبزرفر» التي تصدر باللغة الإنجليزية. ثمة زخم تقدمه 7 صحف يومية باللغتين العربية والإنجليزية، بجانب الصحف والمجلات التي تأخذ الإصدار الدوري بين الأسبوعي والشهري. وتوفر هذه الصحف تغطية شاملة في مختلف الشؤون والمجالات، ولها دور كبير في تقديم المعلومة والمعرفة، وتتضمن كذلك مساحات للنقد البنّاء والتحليلات الموضوعية.
> هل تراجع الإعلام التقليدي أمام الإعلام الرقمي، برأيكم؟
- ازدادت أدوار الصحافة نظراً إلى انتشار منصات الإعلام الاجتماعي والإلكتروني المتسارعة، ويتوقع من الصحافة مضاعفة جهودها في نشر الوعي ونشر مختلف رسائلها السامية، والكلمة الصادقة المسؤولة ستصل للجمهور وإن بدا على السطح ما يخالف ذلك. ولكن مسؤولية الصحافة تتجسد برفع الوعي الفردي والمجتمعي لا أن تتحول إلى منافس للإعلام الاجتماعي الذي تغلب عليه الرؤى الفردية وتفاعلاتها.
> وماذا أضفتم للمحتوى الإعلامي والثقافي تحديداً؟
- عزّزنا في جريدة «عُمان»، مثلاً، مقالات الرأي التي يكتبها كتّاب معروفون من عُمان والعالم العربي والعالم، كما أصدرت الجريدة منذ مطلع عام 2022 «ملحق جريدة عمان الثقافي» الذي أخذ محلّه اللائق في الصحافة الثقافية العربية، ونستمر كذلك في إصدار مجلة «نزوى» الثقافية - إضافة إلى القناة الثقافية في تلفزيون سلطنة عُمان -. هذا يأتي في إطار تعزيز الكلمة المسؤولة والإبداع الأدبي والثقافي، ونحن موقنون بأن التمسك بمسؤولية الكلمة ودعم النشر الثقافي والأدبي الجادّ مناهج ستؤتي أكلها ولو بعد حين على شكل وعي فردي ومجتمعي عالٍ.
> مع أن مرسوماً صدر عام 2004 بمنح ترخيص لقناة تلفزيونية خاصة، وكذلك إذاعة خاصة، فإن نسبة النمو في الإعلام الفضائي والإذاعي الخاص ما زالت محدودة قياساً بالمحيط الخليجي مثلاً... ما تفسيركم؟
- الاستثمار في المجال الإذاعي جيد، أما فيما يتعلق بالقنوات التلفزيونية فثمة مساعٍ من قبل القطاع الخاص للدخول في الاستثمار في صناعة الإعلام المرئي ولقيت هذه المحاولات التسهيلات والدعم من الحكومة. نحن من جانبنا ندعم هذا المسار، لكن هذا يعود إلى قرار القطاع الخاص نفسه والمجال متاح في ضوء القوانين المنظمة. أما عن الاستثمار في الإذاعات الخاصة فيبدو جيداً، فهناك ثماني إذاعات fm ناطقة باللغتين العربية والإنجليزية. وهنا نشير إلى أن القطاع الخاص توجه أخيراً للاستثمار في مجال الإعلام الإلكتروني، ومُنح عدد من التراخيص لمنصات إلكترونية ولإذاعات وقنوات مرئية إلكترونية.
> برأيكم، كيف يخاطب الإعلام العُماني العالم... بينما تنشط السلطنة في فتح الأبواب للاستثمارات وجذب الشركات وعقد الشراكات واستقطاب السياح؟
- جلب الاستثمارات الأجنبية وتطوير صناعة السياحة من الملفات الأساسية في رؤية عُمان 2040 وبرامجها الوطنية. وضمن أدوارنا وضع عُمان أمام العالم وتبيان ما تزخر به من مقوّمات استثنائية تشكل نقط استقطاب استثماري وسياحي. وإننا نركز حالياً على الإعلام الاقتصادي الداعم لهذه المسارات ونسند دور الجهات المتصلة بالتطوير الاقتصادي لنشر المعلومة الكافية عن السلطنة والفرص المتاحة فيها. وسواء في العمل الإعلامي الإذاعي أو التلفزيوني أو الصحافي أو الإلكتروني لدينا برامج متخصصة ذات طابع حواري تفاعلي تجسد هذا الدور وتترجمه، وتحظى بمتابعة داخل السلطنة وخارجها. كذلك نركز اليوم على مخرجات الدبلوماسية الاقتصادية ومتابعة المشاريع والاتفاقيات والتفاهمات التي ترتبط بها السلطنة مع الشركاء الخارجيين، ونرصد الفعاليات الاقتصادية لجميع القطاعات التي تشتغل في منظومة التطوير الاقتصادي. وفي الجانب السياحي نخصص برامج إعلامية غايتها التنشيط السياحي في مختلف المواسم، كما نرصد حركة السياحة الآتية على متن السفن السياحية العملاقة من كل دول العالم، وهذه المتابعة تنطوي على العمل الإخباري اليومي في جميع وسائل الإعلام. وتشكّل نشرة الأخبار الاقتصادية اليومية في تلفزيون السلطنة نافذة مهمة للتعريف على الاقتصاد العُماني والفرص المتاحة به ومنظومة التشريعات والقوانين المنظمة للاستثمار الأجنبي والتسهيلات التي تُقدَّم للمستثمرين. أيضاً بدأنا خطوة جيدة على طريق رفع كفاءة وأداء الإعلام الخارجي في الوزارة، لمضاعفة أدوارنا في هذا المجال المهم لرؤية عُمان 2040، إذ نستقبل كثيراً من الصحافيين والإعلاميين من مختلف دول العالم الذين يزورن سلطنة عمان للتعريف بها وبمجتمعها وبطبيعتها وبمشاريع التنمية فيها، إضافة إلى الفرص الاستثمارية الواعدة في مختلف القطاعات.
> إلى أي درجة تعتقدون أن الالتزام بـ«الخصوصية» المحلية أصبح قيداً أمام تطوّر وسائل الإعلام؟ هل ثمة معنى لـ«الخصوصية» تتبناه وزارة الإعلام وتسعى لإلزام الصحافة به؟
- ما نقصده بالخصوصية في تجربتنا شأن مختلف عما يفسره غيرنا. نحن نتناول المفهوم في قالب منظومة القيم والمبادئ والأعراف التي نشأ عليها الإنسان العُماني الذي هو أداة التنمية وهدفها وغايتها، وهو الفاعل الإعلامي أيضاً، فمن يحمل لواء الخطاب الإعلامي في وسائل إعلامنا الحكومية والخاصة هم شباب وشابات عُمانيون. وكلما كان الإعلام مترجماً لمبادئ وقيم مجتمعه كتب له النجاح والديمومة.
نحن مجتمع عربي أصيل ونسيجه متين لصيق جداً بمبادئه وقيمه وثقافته وتراثه، ولا يريد أن تؤثر المدنية الحديثة سلباً على جوهره القيمي والأخلاقي والثقافي. لذا كان قرارنا الوطني المزج بين الأصالة والمدنية في كل مظاهر الحياة العُمانية، ولا يريد المجتمع أن يرى إعلامه مختلفاً عن هذا القالب السامي الذي أثبت مع الزمن سلامته ونجاحه.
> وهل ترون أن الإعلام الخارجي للسلطنة يواكب النشاط السياسي الدؤوب لدبلوماسيتكم؟
- نعم، بجدارة وكفاءة تمكّن الإعلام العُماني من إيصال رسالة السلطنة السياسية إلى المجتمع الدولي، وتحركت الدبلوماسية العُمانية والإعلام العماني في خطين متوازيين من حيث مدّ جسور الأخوة والصداقة مع سائر الدول والشعوب.
> هل تفكّرون في إنشاء قناة إخبارية فضائية أو منصة أخبار إلكترونية تُعنى بهذا المجال؟
- بالنسبة لإنشاء قناة فضائية إخبارية، نعتقد أن لدينا راهناً مساحات إخبارية مناسبة وكافية في قنواتنا التلفزيونية الأربع وخدماتها ومنصاتها، ولكن إذا ظهرت الحاجة لأي قناة متخصصة أخرى، إخبارية أو غيرها، لتحقيق المصلحة الوطنية سيدرس الأمر، مع مراعاة الاستفادة من عالم الإعلام الإلكتروني الذي تغيرت فيه مفاهيم البث والنشر الإعلاميين، بل وحتى فكرة القناة التلفزيونية بمعناها التقليدي.
> قبل نحو 12 سنة أجرى وزير إعلام عُماني سابق دراسة عن الصحافة في السلطنة أثار فيها الحاجة لتطوير قانون المطبوعات والنشر. ألا تحتاج عُمان في ظلّ هذا الانفتاح إلى قانون جديد؟
- ندرك أن التطور المتسارع في صناعة الإعلام العالمي يقضي بأن نطور معه أدواتنا ووسائلنا وبيئة عملنا الإعلامي وتشريعاتها التي تناسب كل مرحلة. وحقاً ثمة تشريعات ولوائح منظمة نعمل في إطارها الآن، لكننا مع تطور وسائل الإعلام وجدنا الحاجة إلى تطوير هذه المظلة القانونية لتغدو أكثر شمولية واستجابة لمتغيرات العصر، فعملنا خلال الفترة الماضية فعلاً على مشروع قانون جديد للإعلام، وسيكون مع صدوره المرجعية القانونية والأرضية التي سيستند عليها إعلامنا في ضوء تطور تقنيات الإعلام الحديثة.


مقالات ذات صلة

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق بحث الطرفان خلال اللقاء أوجه التعاون الإعلامي والابتكار الرقمي (SRMG)

وفد قطري يطّلع على تطورات العمل بـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»

استقبلت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، بمقرها في الرياض، الشيخ حمد آل ثاني، المستشار بالمؤسسة القطرية للإعلام، يرافقه عدد من القيادات الإعلامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».