جشع قيادات حوثية يهوي باقتصاد اليمن ويُقصي التجار

الميليشيات مكّنت أتباعها من الاستحواذ على الأعمال

عنصر حوثي يغلق متجراً في صنعاء (إعلام حوثي)
عنصر حوثي يغلق متجراً في صنعاء (إعلام حوثي)
TT

جشع قيادات حوثية يهوي باقتصاد اليمن ويُقصي التجار

عنصر حوثي يغلق متجراً في صنعاء (إعلام حوثي)
عنصر حوثي يغلق متجراً في صنعاء (إعلام حوثي)

تسارعت عمليات نزوح التجار ورجال الأعمال من مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية إلى المناطق المحررة، نتيجة الأعباء التي يتحملونها بعد فرض الميليشيات الكثير من الجبايات والإتاوات، وإجبارهم على التبرع بصفة دائمة لتمويل الاحتفالات والمناسبات والحملات التي تنظمها الميليشيات، وتسيير قوافل لدعم المقاتلين في الجبهات، إلى جانب منافسة قادة الميليشيات لهم تجارياً.
وبسبب هذا النزوح، تأثرت الحركة التجارية في مناطق سيطرة الميليشيات كثيراً، بحسب مراقبين اقتصاديين، رغم محاولة الميليشيات، منذ سنوات، منافسة التجار ورجال الأعمال بتمكين عدد من قادتها من مزاولة التجارة، بعد إثرائهم خلال الحرب من نهب موارد المؤسسات العامة، وفرض الإتاوات على التجار والشركات والمؤسسات الخاصة، والاستيلاء على عدد منها.
وأغلقت الميليشيات منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عدداً من شركات إنتاج واستيراد المواد الغذائية، وأنذرت عدداً آخر منها ومن تجار الجملة والمولات التجارية بالإغلاق؛ بمزاعم مخالفة القائمة السعرية للسلع الأساسية المقرة، وجاءت هذه الإجراءات، وفق مصادر في قطاع الصناعة والتجارة الخاضع للميليشيات، لمعاقبة الشركات التي رفضت الاستجابة لمطالبها وشروطها.
وأوضحت المصادر لـ«الشرق الأوسط» كيف ضاعفت الميليشيات من الإجراءات والشروط بشكل غير قانوني، وبما يتعارض مع أسس ومبادئ مهام الحكومة في إدارة العمليات الاقتصادية، ما جعل الكثير من التجار ورجال الأعمال يوقفون بعض أنشطتهم التجارية، أو يلجأون إلى النزوح إلى المناطق المحررة.
- شروط مجحفة
منذ تعيين الميليشيات القيادي محمد شرف المطهر، منتصف العام الماضي وزيراً للصناعة والتجارة في حكومة الانقلاب التي لا يعترف بها أحد، بدأت ممارسة ضغوط على التجار من خلال طلبات وشروط غير قانونية عند تقدمهم لتسجيل العلامات التجارية لمحلاتهم ومنتجاتهم الجديدة.
ومن تلك الطلبات والشروط، بحسب المصادر، حصول التجار على البطاقة الضريبية، وهو من اختصاص ومهام مصلحة الضرائب؛ حيث تعمل الوزارة الحوثية على منافسة المصلحة، وكلتاهما تحت سيطرة الميليشيات، على تحصيل بعض الضرائب من التجار والشركات، بمسميات وبنود غير قانونية.
وإضافة إلى ذلك، تشترط الميليشيات على التجار والشركات والمحال التجارية، الحصول على البطاقة الزكوية، وهو شرط ابتكرته دون نص قانوني؛ حيث منحت عدداً من الجهات، بينها وزارة الصناعة والتجارة، صلاحية الجباية من خلال هذا الشرط، لتوقف منح التراخيص للوكالات التجارية وتسجيل العلامات الجديدة، أو استخراج سجل تجاري لكل من يرفض الاستجابة والدفع.
وأدت هذه الإجراءات، طبقاً للمصادر، إلى تراجع إيرادات هذا القطاع بشكل كبير، نتيجة إحجام التجار والشركات عن تجديد السجلات، أو التقدم بطلبات جديدة لتسجيل العلامات والوكالات التجارية، ما دفع الميليشيات إلى فتح الملفات القديمة للجهات الممتنعة؛ للبحث عن نواقص فيها، واتخاذها مبرراً لابتزازها، وفرض الجبايات عليها.
وتبعاً لذلك، عمدت الميليشيات إلى إجبار ملاك المحلات وأصحاب الشركات على السماح للجان ميدانية تابعة لها تحت مسمى لجان من وزارة الصناعة والتجارة، بزيارة مقراتها ومراجعة مستنداتها ودوراتها المالية، وإلزامهم بتحمل نفقات ومصاريف واستضافة هذه اللجان خلال فترة نزولها، إضافة إلى فرض رسوم جديدة مبتكرة بمبالغ كبيرة، لتعويض تراجع الإيرادات.
- تعديلات غير قانونية
تسعى الميليشيات إلى تنفيذ تعديلات غير قانونية على عدد من القوانين التي تخص تنظيم الأنشطة التجارية والصناعية في اليمن. ورغم أنه لم يتم الكشف عن ماهية هذه التعديلات حتى الآن، فإن المصادر تتوقع أن تكون هذه التعديلات لتمكين الميليشيات من السيطرة على الأنشطة التجارية، وتجييرها لصالحها.
وأعلنت الميليشيات، أواخر العام الماضي، عن نواياها لإجراء هذه التعديلات من خلال اجتماع عقده وزيرها للصناعة والتجارة، في حكومتها غير المعترف بها، مع عدد من معاونيه؛ لمناقشة ما قالت إنه «مشروعات التعديلات القانونية الخاصة بتطوير آليات العمل في الوزارة»، بغرض القضاء على الاختلالات وتبسيط الإجراءات، وسرعة إنجاز المعاملات، وتطوير الخدمات كما ذكرت وسائل إعلامها.
كما وجه القيادي المطهر في أغسطس (آب) الماضي، بإنشاء مركز معلومات تابع لقطاع التجارة الداخلية وربطه مع مكاتب الصناعة ومصلحة الجمارك والهيئة العامة للمواصفات والمقاييس وهيئة النقل البري وكافة الجهات التي تديرها الميليشيات.
وبينما أعلنت الميليشيات أن الغرض من هذا المركز، تكوين قاعدة بيانات دقيقة حول حركة انسياب السلع والأسعار في الأسواق المحلية والعالمية، ذكرت المصادر أن الميليشيات تسعى لمراقبة مختلف الأنشطة التجارية، واستكشاف طرق ووسائل عمل الشركات والمؤسسات التجارية الكبرى؛ تمهيداً لمنافستها والاستحواذ على وكالاتها.
- اختلال الدورة النقدية
كشف تقرير صادر قبل عام عن مؤسسة «برتلسمان» حول «مؤشر التحول الخاص للعام 2022» عن توجه الميليشيات الحوثية لاحتكار تراخيص الاستيراد والتصدير والعملات الأجنبية لعناصرها فقط، بغرض السيطرة على السوق، الأمر الذي عقَّد ممارسة الأعمال التجارية في مناطق سيطرتها، بحسب التقرير. وبيّن التقرير أن الميليشيات أوقفت الإنفاق على الخدمات العامة الأساسية، وأحالت العديد من هذه الخدمات إلى القطاع الخاص التابع لها.
تقدر المصادر المبالغ التي تُحصلها الميليشيات عبر وزارة الصناعة والتجارة، ومن خلال الشروط التعسفية المستحدثة، بما يقارب مليار ريال شهرياً (الدولار يساوي 560 ريالاً في مناطق سيطرة الميليشيات)، إلا أنها تمتنع عن صرف رواتب موظفي الوزارة، وتكتفي بمنحهم مكافآت متفرقة بمبالغ ضئيلة على فترات متباعدة.
وتعليقاً على كل هذه الإجراءات يحذر أحد قيادات الوزارة، قبل انقلاب الميليشيات، من أن الدورات النقدية والتعاملات الاقتصادية تتجه إلى الانهيار جراء هذه الاختلالات التي تسببت بها إجراءات الميليشيات وممارساتها؛ من فرض الجبايات، والتضييق على القطاع الخاص، والاستيلاء على الوكالات التجارية، وحرف مؤسسات الدولة عن مهامها الخدمية إلى خدمة مشروع الميليشيات.
ويتابع القيادي في الوزارة، الذي أزاحته الميليشيات عن موقعه، وطلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على بياناته، أن الاقتصاد اليمني في مناطق سيطرة الميليشيات يتجه حالياً في مسار واحد، يراكم الأموال ويكدس الثروات في خزائن الميليشيات وقياداتها، ويمنع دورانها في السوق، ما ينذر بانهيار الاقتصاد، وتجويع ملايين اليمنيين.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.


العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن واستعادة الاستقرار في بلاده، وتهيئة بيئة مواتية لعمل مؤسسات الدولة، وتدفق المساعدات الدولية، وبناء شراكة موثوقة مع المجتمع الدولي، محذراً من أن تعدد الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة يعيد إنتاج الفوضى ويُغذّي التطرف.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، يرافقه سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن توماس شنايدر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، وآفاق تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب أولويات الدعم الألماني والأوروبي لتمكين الحكومة اليمنية من فرض الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد العليمي، وفق المصادر الرسمية، على أن القرارات السيادية التي اتخذتها بلاده، خلال الفترة الأخيرة، جاءت لمنع تكريس قوى موازية تنازع الدولة سلطاتها الحصرية، مؤكداً أن إنهاء ازدواجية القرار يمثل خطوة ضرورية لحماية السلم الداخلي، وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، وضمان فاعلية المؤسسات الرسمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتناول اللقاء الأبعاد الإقليمية والدولية للإصلاحات الأمنية والعسكرية الجارية، حيث أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن توحيد القرار المؤسسي يعزز الشراكة الدولية في مكافحة الإرهاب، ويحمي الأمن البحري وحرية الملاحة، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.

في السياق نفسه، أكد العليمي التزام الدولة اليمنية بالتعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر آليات مشتركة طويلة الأمد، تجمع بين العمل الأمني، وبناء الحوكمة، وتحسين الخدمات، بما يسهم في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتجفيف بيئته.

الأولوية للحل السياسي

وفيما يتعلق بمسار السلام، أوضح العليمي أن القيادة اليمنية لا تزال تمنح أولوية للحل السياسي، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك خيار القوة الرادعة، محذّراً من أن أي تراخٍ في هذا الجانب قد يُضعف فرص التسوية، ويشجع الميليشيات الحوثية على مواصلة التعنت.

كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن تقديره الموقف الألماني الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ولمساهمات ألمانيا الإنسانية، وعَدَّ أن هذا الدعم يعكس التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه الشعب اليمني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد العليمي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة للمجتمع الدولي للتعامل مع شريك مؤسسي واحد وقابل للمساءلة، مشدداً على أن دعم الدولة اليمنية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وإنسانياً يشكل استثماراً مباشراً في أمن واستقرار المنطقة والعالم.

Your Premium trial has ended