كارل بوبر... سيرة ذاتية حافلة بـ«أطايب» الأمزجة الفكرية والاستكشافات الفلسفية

يعدُّ أحد أعمدة فلسفة المنهج العلمي

كارل بوبر (متحف البورتريه الوطني - بريطانيا)
كارل بوبر (متحف البورتريه الوطني - بريطانيا)
TT

كارل بوبر... سيرة ذاتية حافلة بـ«أطايب» الأمزجة الفكرية والاستكشافات الفلسفية

كارل بوبر (متحف البورتريه الوطني - بريطانيا)
كارل بوبر (متحف البورتريه الوطني - بريطانيا)

منذ قرابة عقدين من السنوات وقراءةُ كتاب في السيرة الذاتية صارت تقليداً ثابتاً لديّ أحرصُ عليه ولا أفارقه. قد لا أقرأ رواية أو مسرحية أو كتاباً فلسفياً أو علمياً لبضعة أسابيع؛ لكنْ لا يمكنُ إلا أن يكون في قائمة مقروئاتي كتابٌ يتناول سيرة ذاتية (أو سيرة أحياناً) منشورة حديثاً بلغة إنجليزية أو عربية.
أظنُّ أنّ منبع الاهتمام الفائق بأدب السيرة الذاتية يكمنُ في حقيقة أننا كائنات مصيرها الانطفاء بعد حين قد يطول أو يقصر، وتزخر الفترة الزمنية بين لحظتي الولادة والانطفاء بصراعات وتحوّلات فكرية ومفاهيمية لا يمكن تحصيلها إلا بمشقة، وليس من المنطقي أو المعقول تركها تذبل وتذوي في قعر النسيان مع غياب صاحبها عن مسرح الوجود البشري. تدوين السيرة الذاتية بهذا السياق هو نوعٌ من محاولة ترك بصمة في هذا العالم، فضلاً عن كون هذا التدوين ينطوي على فعل كرم وطيب روح: أنت تسعى لتمرير خبرتك المتحصلة بمشقة إلى آخرين بكيفية أشبه بخبرة جاهزة حتى توفّر عليهم بعضاً من الأثمان الفكرية التي يمكن تجاوزها. ثمة أمرٌ آخر: يتاحُ للمرء في العادة وهو يدوّن سيرته الذاتية الإفصاح عن وقائع وقناعات فكرية وأطروحات مفاهيمية، ربما ما كان متاحاً له الإفصاح عنها في أماكن أخرى .
كلّ هذه التفاصيل نراها متجسدة في السيرة الذاتية التي نشرها فيلسوف العلم كارل بوبر Karl Popper عام 1976 بعنوان: بحثٌ لم ينتهِ: سيرة ذاتية فكرية Unended Quest: Intellectual Autobiography
صدرت الترجمة العربية لهذه السيرة الذاتية عام 2022 عن دار المدى. تأخّرت الترجمة العربية كثيراً بالطبع وخاصة أنها لفيلسوف منهج علمي ذائع عالمياً؛ أعني بذلك مبدأ قابلية الدحض Refutability وقابلية التكذيب Falsifiability، وهما المبدآن اللذان يميزان كل معرفة علمية حقيقية عن معرفة زائفة (أو آيديولوجيا إذا شئنا الحديث بلغة منهجية البحث العلمي)؛ لكن يبدو أنّ دور النشر العربية رأت في هذه السيرة الذاتية كتاباً ثقيلاً عسيراً على بلوغ مستويات قرائية مقبولة. تمكّن بوبر في هذه السيرة الذاتية من تعشيق وقائع سيرته مع الخط التطوري للفلسفة العلمية، ويجب في هذا الشأن عدم نسيان أنّ بوبر أكبر من فيلسوف علم؛ فهو مؤرخ وسوسيولوجي ذو إلمام واسع بالرياضيات والفيزياء والموسيقى والتعليم .

أعترف أنّ قراءة سيرة بوبر الذاتية عمل شاق بمثل ما هي عملية منعشة للعقل، ويبدو أنّ بوبر حدس بطبيعة موضوعاته التي تنطوي على قدر غير قليل من التعقيد المفاهيمي فارتأى أن يوزّع السيرة على موضوعات قصيرة بعناوين محدّدة حتى لا تتحوّل الوقائع المتداخلة إلى كتلة صلبة غير متجانسة تثقلُ كاهل القارئ غير الصبور وغير المتمرّس بأدبيات فلسفة المنهج العلمي. توزّعت السيرة على أربعين جزءاً قصيراً (يتراوح الجزء الواحد بين خمس وعشر صفحات) أتبعها بوبر بتذييل عن الماركسية. الكتاب بمجمله لا يتجاوز الثلاثمائة صفحة إلا ببضع صفحات؛ وبهذا فهو مما يمكن قراءته بهدوء ومتعة. يمكن للقارئ أن يختار ما يشاء من أجزاء بغير ترتيب مسبق من غير أن يتوجّس من ضياع السلسلة الفكرية لأجزاء السيرة.
تتناول الأجزاء العشرة الأولى جوانب من طفولة وشباب وتعليم بوبر في المدرسة والجامعة، ثم تعقبها أربعة فصول عن الموسيقى؛ أما الفصول المتبقية فتتوزع بين موضوعات فلسفية محدّدة (مثل: نظرية المعرفة ومنطق الاكتشاف العلمي، والواقعية ونظرية الكم، والموضوعية والفيزياء، المجتمع المفتوح وعقم المذهب التاريخي) . يتناول الجزء الثلاثون نقاشات بوبر مع الفيزيائي اللامع إرفين شرودنغر، وثمة أيضاً موضوعات فيزيائية ذات إشكالية فلسفية كبرى (مثل: الإنتروبيا وسهم الزمن)، ولن ننسى بالطبع زيارة بوبر الأولى إلى الولايات المتحدة ولقاءه مع آينشتاين. إنها سيرة ذاتية حافلة بأطايب الأمزجة الفكرية والاستكشافات الفلسفية.
يرسم بوبر في فصل (التأثيرات المبكرة) صورة حية عن الجو الذي نشأ فيه: «كان الجو الذي نشأت فيه مليئاً بالكتب. فقد كان والدي الدكتور سيمون سيغموند كارل بوبر، مثل شقيقيه، دكتوراً في القانون في جامعة فيينا ولديه مكتبة كبيرة، وثمة كتب في كل مكان باستثناء غرفة الطعام، حيث كان هناك بيانو حفلات ضخم... كان هناك العديد من أعمال باخ وهايدن وبيتهوفن وشوبرت وبرامز... اهتم والدي اهتماما كبيرا بالفلسفة؛ فما زلت أمتلك من مكتبته أعمال أفلاطون وبيكون وديكارت وسبينوزا ولوك وكانت وشوبنهاور... كانت الكتب جزءاً من حياتي قبل وقت طويل من قدرتي على قراءتها...». لن ينسى بوبر الإشارة بتوقير خاص لكتاب (مغامرات نيلز الرائعة) للكاتبة السويدية اللامعة سلمى لاغيرلوف.
يوجّه بوبر نقداً شديداً لمدرسته الأولى المعروفة بالجمنازيوم، وعلى عكس توقعنا بأنه كان طالباً متفوقاً في مدرسته، فقد فكر كثيراً بترك المدرسة، وتركها بالفعل ليعود لاحقاً ويلتحق بالجامعة. كانت المدرسة بالنسبة له مكاناً لإضاعة الوقت بشكل صادم ويبعث على الملل لأقصى الحدود المتصورة: «كان هناك موضوع واحد فقط لدينا فيه معلم مبدع وملهم حقاً، الموضوع هو الرياضيات... عندما عدتُ للمدرسة بعد مرض استمرّ لأكثر من شهرين وجدتُ أنّ صفي لم يحرز أي تقدّم تقريباً ولا حتى في الرياضيات. شكّل هذا الحدث نقطة فارقة أنارت بصيرتي وجعلتني أتوق إلى ترك المدرسة...». أرى أنّ بوبر في هذا الموضوع يضع إصبعه على مسألة إشكالية شديدة الخطورة؛ إذ لطالما قرأنا أنّ معظم صنّاع الفكر والثقافة كانوا ممّن يميلون للتعليم الذاتي ولم يكونوا يتوافقون مع النُظُم المدرسية التقليدية. ترك بوبر المدرسة لاحقا وعمل نجاراً، ويصف تجربته الحِرَفية لاحقاً في سيرته بأنها كانت عونا فكريا عظيما له؛ لأنها كشفت له عن أماكن من الفكر لم يكن ليستطيع بلوغها في سياق تطوره الأكاديمي التقليدي.
نشأ بوبر ماركسياً، وعدّ الماركسية دوماً أحد المعالم المفصلية في تطوره الفكري، ثمّ أدرك بعدئذ أنه إنما كان يطاردُ حلماً يوتوبياً جميلاً، وهو يصفُ هذه المغامرة الفكرية بالعبارات الحاسمة التالية: «بقيتُ اشتراكياً لعدة سنوات حتى بعد رفضي للماركسية، وإذا كان من الممكن وجود شيء من قبيل الاشتراكية مقترنة بالحرية الفردية فكنت سأظل اشتراكياً؛ إذ لا شيء يمكن أن يكون أفضل من عيش حياة بسيطة وحرة في مجتمع قائم على المساواة. استغرق الأمر مني بعض الوقت لأدرك أن هذا ليس أكثر من حلم جميل، وأنّ الحرية أهم من المساواة، وأنّ محاولة تحقيق المساواة تعرّض الحرية للخطر، وأنه إذا ضاعت الحرية فلن تكون هناك مساواة حتى بين غير الأحرار...».
كان بوبر في فورة شبابه في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى بكلّ أوزارها الثقيلة، ويصف تلك السنوات وصفاً درامياً رائعاً: «لم نكن حينها سعداء، وما كان لدى معظمنا آمال أو خطط؛ فقد عشنا في بلد فقير للغاية... كنا في معظم الوقت مكتئبين ومحبطين ومشمئزين؛ لكننا كنا نتعلّم، وعقولنا نشطة وتنمو. كنا نقرأ بشراهة ونهم ونتناقش، ونغيّر آراءنا... كنا نستمع إلى الموسيقى ونذهب إلى الجبال النمساوية الجميلة لنتنزه، ونحلم بعالم أفضل...».
بوبر شخصية فكرية متعشقة الاهتمامات، وللموسيقى نصيب عظيم في تطوره الفكري، وهو عندما يتحدث عن الموسيقى فهو يقرن الرؤى الفلسفية بالمعرفة الموسيقية تاريخاً وتقنيات. من الوقائع المثيرة التي يذكرها بوبر ويستفيض في شرح تفاصيلها هي تفضيله باخ، ووضعه في مقام أعلى من بيتهوفن وفاغنر: «شعرتُ أنّ بيتهوفن جعل الموسيقى أداة للتعبير عن الذات، وبالنسبة له في يأسه ربما كانت هذه هي الطريقة الوحيدة له للاستمرار في العيش... شعرتُ أن ليس هناك خطر أكبر على الموسيقى من محاولة جعل طرق بيتهوفن مثالاً أو معياراً أو نموذجاً...».
السيرة الذاتية لكارل بوبر عملٌ جليل فخم زاخر بالمتعة العقلية الفائقة لأنها نتاجُ عقل فلسفي رصين يعدُّ أحد أعمدة فلسفة المنهج العلمي الذي طوّر أسسه في كتابه المرجعي (منطق الاكتشاف العلمي)، كما ترك لنا كتبا مرجعية أخرى مثل (المجتمع المفتوح وأعداؤه) أودعها ذخيرة عقله الشغوف.


مقالات ذات صلة

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

ثقافة وفنون «أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون نبوءة جورج أورويل المخيفة

نبوءة جورج أورويل المخيفة

السيطرة على البشر وتوجيههم عن طريق التحكم في الخلايا العصبية والشرائح الذكية نبوءة رأيناها تتحقق في أفلام الخيال العلمي، بل قرأنا عنها في أدب وأفلام الديستوبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية.

د. ماهر شفيق فريد
كتب رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

يقدم الكتاب مفهوم «السلطة السريرية» بوصفه إطاراً يحافظ على الدور القيادي للطبيب في اتخاذ القرار

«الشرق الأوسط» (لندن)

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية
TT

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية. والأمثلة ليست بحاجة إلى تذكرة: رفاعة الطهطاوي، توفيق الحكيم، يحيى حقي، الطيب صالح، سهيل إدريس.. إلخ. لكن ماذا عن موسم الهجرة من الجنوب إلى الجنوب، من بلد عربي أفريقي أو آسيوي إلى دول الخليج؟

سؤال يجيب عنه كتاب صادر باللغة الإنجليزية هذا الصيف هو كتاب «الهجرة إلى الخليج في الرواية العربية» (Migration to the Gulf in the Arabic Novel) (مطبعة جامعة إدنبرة 2026، 271 صفحة) من تأليف نادين دقاق (Nadeen Dakkak) المحاضرة في قسم اللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة إكستر البريطانية. والكتاب هو أحدث إصدارات سلسلة «دراسات إدنبرة في الأدب العربي الحديث» التي يشرف عليها الدكتور رشيد العناني. وقد صدر منها حتى الآن - اعتباراً من عام 2013 - أكثر من 30 كتاباً.

كان انبثاق النفط من رمال الصحراء - وما تبعه من تحديث متسارع الخطى - إيذاناً بتغيرات جيو - سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة طالت الحياة في دول الخليج وجعلتها محط أنظار ومعقد آمال آلاف يحلمون بـ«عقد عمل» يعودون بعده إلى بلادهم وقد غدوا أقدر على مواجهة تكاليف العيش والضغوط الاقتصادية الواقعة عليهم وعلى من يعيلون.

عالج موضوع الهجرة، خلال سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، كتاب مصريون وفلسطينيون، أو فلسطينيون أردنيون، ولبنانيون، وأريتري. من هذه الأعمال خماسية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، «رسالة البصائر في المصائر» لجمال الغيطاني، «اهبطوا مصر» و«صمت الرمل» لمحمد عبد السلام العمري، ثلاثية «أطفال بلا دموع» لعلاء الديب، «مسك الغزال» وأقصوصتان من المجموعة القصصية «وردة الصحراء» لحنان الشيخ، «بيع نفس بشرية» لمحمد المنسي قنديل وغيرها.

من الأعمال التي يتوقف عندها كتاب نادين دقاق رواية «براري الحمى» (1985) لإبراهيم نصر الله وهي عن مدرس شاب يعمل في بلد عربي بعقد مؤقت. ونحن نراه ممدداً في فراشه في حالة هلاس متولد من الحمى عقب لدغة بعوضة. إنها رؤية كافكاوية ناجمة عن شعور بالعجز والاضطهاد.

وهناك رواية إبراهيم عبد المجيد «البلدة الأخرى» (1991) وبطلها خريج قسم فلسفة يعمل في وظيفة إدارية بإحدى الشركات في بلدة عربية. تروى الأحداث بضمير المتكلم على لسانه. وإذ يفدحه الشعور بركود حياته يحاول كتابة يوميات ويصبح مدمناً على برامج تافهة ومسلسلات أميركية على شاشات التلفزيون. ولكن عودته إلى مصر بعد عام من الاغتراب لا تنبئ بما هو أفضل. ويعدد الدكتور محمد بدوي تقنيات الروائي هنا، وهي التشويق ولغة السرد التي تركز على تفاصيل دون أخرى ومنظور المراقب للأحداث.

و«سمراوية» (2012) رواية للقاص الأريتري حاجي جابر تصور حيرة الجيل الثاني من المهاجرين. إن عمر يلتقي في مقهى بأسمرة فتاة تدعى سمراوية، ويقع في حبها من أول نظرة. وتتحرك الرواية في نقطة وسط بين الخيال والواقع مجسدة اقتلاع الأريتري من أرضه. فوالد عمر وأجداده يضطرون إلى الهجرة من بلدهم عقب الصراعات السياسية العنيفة في حرب استقلال أريتريا عن إثيوبيا. والحكي في الرواية لا يتخذ شكل خط مستقيم وإنما يمثل تنقلاً بين الطفولة والرشد وسفراً عبر عدة مدن.

وفي خلفية هذه الأعمال تتخايل رواية الأديب الفلسطيني غسان كنفاني «رجال في الشمس» (1962) التي تعزف نغمة مأسوية، إذ تصور محنة الاقتلاع من الوطن السليب والحلم الذي يتحول إلى كابوس وذلك من خلال ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت عبر صحراء العراق فيكون مآلهم الموت اختناقاً داخل صهريج الشاحنة التي تقلهم في وقدة القيظ.

وإذا كان من الممكن أن نعتبر روايات الهجرة إلى الخليج جنساً أدبياً قائماً بذاته - وإن يكن على نطاق محدود - فما هو المستقبل الذي ينتظر هذا الجنس الأدبي؟ تختم نادين دقاق كتابها بأن تقول: من الصعب أن نرجم بالظنون عن المستقبل المنظور، وهل سيشهد مزيداً من الإضافات إلى هذا الجنس، ولكن المؤشرات تومئ لأن الاتجاه نحو التعددية قد يكون الاتجاه الغالب على المدى الطويل، بما يعكس التعدد على أرض الواقع وتشابك خيوطه. تشهد بهذا كثير من الكتابات في المجلات الأدبية الصادرة في دول الخليج ومدونات الفضاء الإلكتروني.

ما من كتاب واحد يمكنه أن يغطي كل ما يمكن أن يقال في موضوعه. وليس من العدل أن نطالب نادين دقاق بأن تذكر كل ما كتب عن الخليج. ولكني افتقدت عملاً واحداً أحسب أنه لا يمكن إغفاله في هذا السياق، حيث إنه يقع من موضوع المؤلفة في الصميم. إنه رواية «الخليج» للروائي المصري محمد جبريل. بطل الرواية رؤوف العشري صحافي يعمل في منطقة الخليج إبان الغزو العراقي للكويت. وتنتقل بنا المشاهد بين الكويت ومسقط والإسكندرية، فللمكان حضور بارز في هذا العمل، حيث تتجاور نقائض الحداثة والتراث، وتنهض أحدث مخترعات الغرب التكنولوجية في مواجهة قيم تقليدية تراثية تحكم دوافع السلوك وأنماط العيش. وفيما عدا هذا النقص ليس لدى إلا الثناء على كتاب يجمع - مثل سائر كتب السلسلة التي تضمه - بين دقة البحث العلمي ونفاذ البصر النقدي وإتقان الإخراج الطباعي.


رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ
TT

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»، يحمل عنواناً فرعياً هو «رحلة الإنسان والقائد وباني نهضة الصين نحو المستقبل»، ويقدّم سيرة فكرية وإنسانية للرئيس الصيني شي جينبينغ من خلال مائة قصة وقصة، تجمع بين السرد الأدبي والتوثيق التاريخي والتحليل السياسي.

لا يقدّم الكتاب سيرة تقليدية تكتفي بتسجيل المحطات الزمنية أو استعراض الإنجازات، بل يسعى إلى الاقتراب من التجربة الإنسانية التي أسهمت في تكوين شخصية شي جينبينغ، وتتبع العوامل المختلفة التي رافقت انتقاله من طفولة اتسمت بالتحديات، إلى تجربة قاسية في الريف الصيني، ثم إلى مواقع المسؤولية، وصولاً إلى قيادة الصين في مرحلة تشهد تحولات واسعة.

ينطلق قميحة من أن الكتابة عن القادة الكبار ليست أمراً يسيراً؛ لأنها تتطلب محاولة لفهم روح التجربة الإنسانية والظروف التي صنعتها. ويرى أن الكتابة عن شي جينبينغ تضع الكاتب أمام تحديين متلازمين: تحدي الفهم وتحدي الإنصاف، ولا سيما أن تجربته القيادية نشأت في سياق صيني خاص، يختلف في جذوره الفكرية والتاريخية والسياسية عن النماذج الغربية السائدة.

ومن هنا، يعود الكتاب إلى البدايات الأولى في حياة شي جينبينغ، وإلى البيئة العائلية التي نشأ فيها والقيم التي تلقاها، قبل أن يتوقف عند تجربة إبعاده في سنوات شبابه إلى قرية ليانغجياخه الريفية. وهناك واجه الفقر والعمل الشاق وقسوة الظروف الطبيعية والاجتماعية، واختبر بصورة مباشرة تفاصيل حياة المزارعين وتطلعات الفئات الأكثر احتياجاً.

وتكشف القصص كيف أسهمت سنوات الطفولة والشباب في بناء إرادة قوية مكّنت شي جينبينغ من مواجهة الصعوبات والاستمرار في مسيرته السياسية. كما تتناول انخراطه المبكر في العمل العام، وبدايات مسيرته داخل الحزب الشيوعي الصيني، والتجارب الإدارية التي خاضها في المناطق المحلية، حيث تعرّف عن قرب إلى تحديات التنمية والفقر والبنية التحتية والتعليم والإدارة العامة.

ويتابع الكتاب انتقال شي جينبينغ بين مواقع المسؤولية في عدد من المقاطعات الصينية، مستعرضاً كيف تطورت رؤيته للإدارة والإصلاح من خلال العمل الميداني والتواصل المباشر مع المزارعين والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة.

ويقول المؤلف إن الكتاب، رغم تركيزه على سيرة قائد، لا ينظر إلى القيادة بوصفها فعلاً فردياً معزولاً، ولا إلى التاريخ بصفته صناعة شخص واحد. فالتجربة التي يتناولها نشأت داخل إطار جماعي واسع، كان فيه الحزب الشيوعي الصيني القوة التنظيمية والفكرية التي رافقت مسيرة التحديث، في حين كان الشعب الصيني شريكاً فاعلاً في البناء والتحول، لا مجرد متلقٍ للسياسات.

وعلى هذا الأساس، يقدّم المؤلف مسيرة الصين بوصفها نتيجة تفاعل مستمر بين القيادة والرؤية، وبين التنظيم الحزبي والإرادة الشعبية.

ولا تتوقف القصص عند سيرة شي جينبينغ، بل تنتقل إلى دراسة أبرز ملامح فكره في الحكم وإدارة الدولة، وفي مقدمتها مفهوم الحلم الصيني والنهضة الوطنية والازدهار المشترك والعدالة الاجتماعية. كما تتناول رؤيته لتحديث الحوكمة، وتعزيز الانضباط داخل الحزب، ومكافحة الفساد.

ويرصد الكتاب حرص شي جينبينغ على الجمع بين عناصر من الفكر الصيني التقليدي ومتطلبات الدولة الحديثة. ففي خطابه السياسي تبرز مفاهيم مستمدة من التراث الحضاري الصيني، مثل الانسجام والمسؤولية الأخلاقية واحترام المعرفة وأولوية المصلحة العامة، إلى جانب مقاربات حديثة في الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا والتخطيط الاستراتيجي.

ويضيء المؤلف على العلاقة بين حكمة التراث الصيني وروح الثورة ومقتضيات العصر، موضحاً كيف حافظت القيادة الصينية على عناصر الهوية الثقافية الوطنية، بالتوازي مع الانفتاح على الابتكار العلمي والتكنولوجي وتطوير أدوات الحوكمة.

ويخصص الكتاب مساحة واسعة للتحولات التي شهدتها الصين في العصر الجديد، وفي مقدمتها مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية، وتنمية المناطق الريفية، وتحديث البنية التحتية، ودعم التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي، وتطوير الصناعات والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.

كما يتناول تجربة الصين في تحقيق قدر أكبر من التوازن بين المدن والأرياف، ودعم المشاريع المحلية، وتحديث الزراعة والصناعة، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الموارد الطبيعية، والمحافظة على البيئة. ويربط الكتاب هذه التحولات بفكرة أساسية مفادها أن التنمية لا ينبغي أن تُقاس بحجم الاقتصاد وحده، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس وتوسيع فرصهم وتعزيز شعورهم بالأمان والاستقرار.

ويتوقف قميحة عند التحول الذي قاد الصين من «ورشة عمل عملاقة» إلى قوة علمية وتكنولوجية ومختبر لتجربة تنموية وحضارية تسعى إلى تقديم رؤيتها الخاصة للعالم. ولا يتعامل الكتاب مع هذه التجربة بوصفها نموذجاً يجب استنساخه، بل بوصفها مساراً تشكل خارج النموذج الغربي التقليدي ويستحق أن يُقرأ ويُفهم ضمن سياقه التاريخي والثقافي.

ويتناول الكتاب كذلك المكانة المتنامية للصين، وكيف انتقلت في ظل قيادة شي جينبينغ إلى دور أكثر حضوراً في مناقشة مستقبل النظام العالمي. ويعرض في هذا السياق المبادرات الخمس الكبرى التي طرحها الرئيس الصيني، وهي مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية.

ومن خلال هذه المبادرات، يبرز الكتاب رؤية شي جينبينغ إلى مستقبل الصين ودورها الدولي، ليس بوصفها دولة تبحث عن تنميتها الخاصة فقط، بل قوة تدعو إلى التعاون والمنفعة المتبادلة وتقاسم فرص التنمية مع العالم، ولا سيما مع دول الجنوب العالمي.

وفي موازاة صورة القائد وصانع السياسات، يقترب الكتاب من شي الإنسان، من خلال قصص تتناول علاقته بالشعب وأسرته، وزياراته الميدانية، وشغفه بالقراءة والتاريخ، وطريقته في التواصل مع المواطنين والمسؤولين.

وتعتمد القصص على وقائع موثقة وخطابات رسمية وشهادات. وقد أعاد المؤلف صياغة هذه المادة بأسلوب قصصي وتأملي، محافظاً على التوازن بين جاذبية السرد الأدبي ومتطلبات الدقة التوثيقية.


«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية
TT

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

صدر العدد السادس عشر- من مجلة «الأديب الثقافية»، وقد تضمّن موضوعات عدة، منها: محور «التحولات الرقمية ما بعد المعلوماتية »، ابتداءً من إنترنت الأشياء، وصولاً إلى «الروبوت المفكر»، ومروراً بالمعلوماتية الفائقة ما بعد الافتراضية، بما في ذلك التحديات الجديدة في طور المجتمع الخامس، ومجتمع السايبر، واتجاهات المستقبل في التحوّلات الرقمية، والبودكاست في الخطاب الرقمي المعاصر، ومن بحوث هذا المحور:

«العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية العربية المعاصرة» للدكتورة وسن عبد المنعم ياسين، و«ما بعد الافتراضية: رقمنة الأدب وتشكيل الوعي الجديد» للدكتورة إيمان عبد دخيل، و«الحداثة السائلة وسلطة التأويل في عصر الذكاء الاصطناعي» للدكتورة أوراد محمد كاظم، و«السرد البصري وتحولات المعنى الرقمي» للدكتور عمر رعد أسعد، و«أزمات البحث عن الذات في زمن الحب السائل» للدكتورة إنصاف سلمان، و«الروبوت المفكر - الرقمنة بوصفها بنية مفكرنة» للناقد عباس عبد جاسم.

وفي حقل «بحوث» قدّمت الدكتورة سنا صباح علي أستاذة الفلسفة المعاصرة في جامعة البصرة دراسة عن «جدل الفضاء والمعنى في العمارة المعاصرة عند جان بودريارد»، وكتب الباحث المغربي حمزة بومليك عن «ضفاف النظر، لغة بصرية مشتركة في البحر المتوسط»، وقدّم الناقد الدكتور سمير الخليل «رؤية في مصطلح - ما وراء التجنيس - الميتاتجنيس»، وبحث الدكتور علي محمد ياسين في «الحداثة الشعرية -والخروج على سلطة النموذج - بنية التعليق في الجملة الشعرية»، وقدّمت الباحثة الدكتورة تبارك عمار حسن العزاوي دراسة عن «أنطولوجيا النص وتحولات الوعي» واتخذت من «الوعي الشقي» محوراً لدراستها الأنطولوجية.

وفي حقل «حوار» حاور الدكتور أحمد ضياء - المُنَظِّرة النسوية والأستاذة الجامعية التونسية الدكتورة آمال قرامي.

وتضمن حقل «قراءات» قراءة للدكتورة إنصاف سلمان لكتاب «الذات والدواة» للمفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي.

وكتب الناقد الدكتور حاتم الصكر عن «عطايا الماضي المستقبلية» من خلال قراءة في ديوان «ألواح الطين وأسرار القصيدة» للشاعرة العراقية المغتربة دنيا ميخائيل.

وقدَّم الدكتور قيس عمر محمد قراءة في «المرجعيات الثقافية» لرواية «يوليانا» لنزار عبد الستار.

وقدَّمت الدكتورة رغد محمد جمال البياتي «قراءة في النسق المتعالي» لكتاب «اللامفكر فيه في الفكر النقدي».

وفي حقل «نقطة ابتداء» كتبت الشاعرة والكاتبة العراقية المغتربة أمل الجبوري عن «أبي البركات البغدادي وفوكو - هل أزمتنا أزمة معرفة أم أزمة ضمير؟».

تصدر «الأديب الثقافية» عن «مركز تنوير للبحوث والدراسات التنموية» بطبعتين ورقية وإلكترونية.