فينيشيا بورتر و33 عاماً في حضرة الفن العربي والإسلامي

تتقاعد من المتحف البريطاني... وتتطلع لقراءة أشعار أدونيس ودرويش بالعربية

عمل «مغناطيسية» للفنان أحمد ماطر في معرض «الحج... رحلة إلى قلب الإسلام» بالمتحف البريطاني (الشرق الأوسط)
عمل «مغناطيسية» للفنان أحمد ماطر في معرض «الحج... رحلة إلى قلب الإسلام» بالمتحف البريطاني (الشرق الأوسط)
TT

فينيشيا بورتر و33 عاماً في حضرة الفن العربي والإسلامي

عمل «مغناطيسية» للفنان أحمد ماطر في معرض «الحج... رحلة إلى قلب الإسلام» بالمتحف البريطاني (الشرق الأوسط)
عمل «مغناطيسية» للفنان أحمد ماطر في معرض «الحج... رحلة إلى قلب الإسلام» بالمتحف البريطاني (الشرق الأوسط)

«المغادرة صعبة»... تبدأ القيمة بالمتحف البريطاني فينيشيا بورتر حديثها معي بمناسبة نهاية مرحلة في حياتها العملية، حيث تتقاعد من وظيفتها في المتحف العريق لتستعد لمرحلة جديدة مع الفن العربي المعاصر. نجلس في مكانها المفضل على مقعد خشبي جميل الصنع في قاعة البخاري للفن الإسلامي، تحت ساتر خشبي تفنن الفنان السعودي أحمد عنقاوي في صنعه. تعود بالذاكرة لأهم المحطات والمعارض والأسماء التي مرت عليها في هذا المكان. أسألها: بماذا تحسين في هذه اللحظة؟ تدور بعينيها في أرجاء القاعة وتقول بفخر: «أشعر بسعادة وأنا أرى الزوار يأتون لهذه القاعة ويتمهلون أمام القطع المختلفة»، غير أنها أيضاً تشعر بنوع من الحزن «بعد 33 عاماً من العمل هنا، من الصعب المغادرة، هنا كانت حياتي كلها، ولكني أغادر وقد قدمت معرضاً عن موضوعي الأثير وهو (دفاتر الفنانين) وأشرفت على عملية ضم أعمال كثيرة لمجموعة مقتنيات المتحف، وذلك بفضل أشخاص رائعين. لا أعرف ماذا سيكون شعوري في الأول من شهر يناير (كانون الثاني)».
هل تذكرين أول مشروع مهم في رحلتك مع المتحف البريطاني؟ تقول: «هناك أشياء كثيرة ومختلفة منذ أن التحقت بالعمل هنا في 1989 كان زملائي يعملون على إنشاء قاعات الفن الإسلامي القديمة، كان أمراً حماسياً ومثيراً، كنت أبدأ في ذلك الوقت وأتلمس خطواتي، عملت وقتها في قسم العملات النقدية وأيضاً في قسم الفن الشرقي، وكنت أتعلم الكثير طوال الوقت، عن الخزف وعن الفخار».
أذكر أني قرأت لك مقالاً عن بداياتك تحدثت فيه عن عشقك لقطع الخزف ترد: «بالفعل، درست فنون الخزف الإسلامي في الجامعة، الطريقة التي تعلمت بها على يد معلمي ورائدي جيمس آلان هي باللمس، يمكنك أن تحسي بالقطع عبر لمسها ومنها تعلمت، لا يمكن أن تنسي ما تعلمتيه بلمس القطع المتكسرة، أرى أن ذلك مثل ركوب الدراجة، لا تنسين مهارة قيادتها أبداً. يمكنك دائماً معرفة أين صنعت القطع عبر لمسها».

عمل للفنان ناصر السالم في معرض «حروف وإضاءات» بالمدينة المنورة عام 2014 (الشرق الأوسط)
أول محطة هامة في حياتها مع المتحف ترجعها لعام 2006: «أعتقد أن أكبر مشروع قمت به كان معرض (الكلمة إلى الفن) في 2006. جاء المعرض نتيجة لعملية الاقتناء التي أطلقها المتحف، لم أدرك مغزى وضع تلك القطع في معرض عام مجاني في عام 2006، كان ذلك في شهر مايو (أيار) وتزامن مع الحرب الأهلية اللبنانية. الكثير من الأعمال في العرض كانت سياسية الطابع ظهر ذلك في أعمال فنانين من لبنان ومن العراق.
في المعرض استخدمت فكرة النص والكلمة في الفن، لم يكن معرضاً تقليدياً عن فنون الخط، بل كان عن استخدام الفنانين للنص. بعض الأعمال كانت كلاسيكية الطابع وتناولت فن الخط العربي، أيضاً كانت هناك أعمال حروفية مثل عمل الفنان نجا المهداوي. لكن القسم الأخير من المعرض كانت معظم الأعمال تتناول السياسة مثل أعمال لفنانين عراقيين مثل عزاوي ومن لبنان محمد رواس، وكانت هي اللحظة التي أدركت فيها أن هذه الأعمال تستطيع الحديث عن الأوضاع المعاصرة. المعرض خلق نوعاً من الإدراك في المتحف بأهمية هذا النوع من الأعمال، وهو ما أدى لتكوين مبادرة اقتناء القطع الفنية الحديثة والمعاصرة من الشرق الأوسط (كاميا) CaMMEA في 2009 وجاء معها أشخاص كرماء للغاية ساندوا عملية الاقتناء لتتوسع وتتفرع في اتجاهات مختلفة، لاقتناء أعمال تتحدث عن واقعها وزمنها».

معرض «الحج...رحلة إلى قلب الإسلام»

تنتقل لمحطة أخرى هامة في حياتها المهنية، ومعرض «الحج... رحلة في قلب الإسلام» في 2012. تصفه بأنه معرض مفصلي غير من طريقة إقامة المعارض، وترجع ذلك لأكثر من سبب: «بسبب مغزاه أولاً، وأيضاً بسبب أنه يرتبط بفكرة دين الإسلام وأهمية أن نقدم معرضاً يتحدث لكل المسلمين، أن يحسوا بالراحة والألفة عند حضورهم، كان مهماً أيضاً أن يتواصل العرض مع غير المسلمين. من خلال المعرض أدركت أهمية مزج الأعمال الكلاسيكية بالأعمال المعاصرة».
في معرض «الحج... رحلة إلى قلب الإسلام» كان هناك عمل أساسي جسد المضمون في عمل عابر للأزمنة ويمس قلب المعنى تمثل في عمل «مغناطيسية» للفنان السعودي أحمد ماطر. أتركها لتتحدث عن المعرض الشهير: «منذ البداية كنت أعرف أني احتاج لقطعتين أساسيتين، الأولى كانت (مقامات الحريري) من المكتبة الوطنية الفرنسية والآخر كان (مغناطيسية) لأحمد ماطر، كنت على يقين أنني إذا ضمنت وجود القطعتين فكل شيء سيكون يسيراً بعد ذلك، كنت محظوظة أن المكتبة الفرنسية كانت سخية جداً وسمحت باستعارة المخطوطة».

فينيشيا بورتر أثناء الإعداد لمعرض «الحج... رحلة إلى قلب الإسلام» بالمتحف البريطاني (الشرق الأوسط)
لمن حضر معرض الحج في لندن، كان أمراً مدهشاً وجود عدد من القطع الفنية المعاصرة التي تناثرت ما بين أرجاء قاعات العرض وبين الصالة الكبرى «غريت كورت» في المتحف، هناك اختارت بورتر وضع عمل استثنائي للفنان البريطاني إدريس خان. المزج بين الفن الكلاسيكي والقطع الأثرية مع الفن المعاصر كان تجربة مهمة بالنسبة لها: «كنت فخورة جداً بتضمين الفن المعاصر، أردت أن أقول للجمهور إن العرض لا يقدم نظرة (من زمان) على العرض، بل أردته أن يكون وقتياً أيضاً ضمن سياق تاريخ طويل. أردت أيضاً أن أخلق حالة شعورية و(موداً) بالحج، وهنا استعنت بإحدى الخبيرات في المتحف وكانت قامت بأداء الحج، عملنا سوياً، وكنا محظوظين أن أقمنا العرض في قاعة القراءة الملحقة بالمكتبة، واستطعنا خلق حالة خاصة بإذاعة (تلبية الحج) في بداية العرض قبل أن يصل الزائر للمعروضات، كان هناك ممر خافت الإضاءة صدحت فيه أصوات الحجاج وهم يرددون التلبية، كان ممتعاً سماع تعليقات الزوار وهم يصفون كيف اقشعرت جلودهم عند سماع التلبية ليخرجوا بعدها على رؤية ستارة الكعبة وبعدها أول نسخة من مصحف نادر من مجموعة المتحف».
من أهداف العرض كان التواصل مع الجاليات الإسلامية المختلفة في بريطانيا، «لم نعرف كيف سيتفاعل الزوار من الجاليات الإسلامية مع العرض، زميلتي كانت على تواصل مع كثير منهم. استطعنا إضافة جانب معاصر ومرتبط بالجاليات المسلمة في العرض عبر تسجيلات صوتية لمسلمين من بريطانيا قاموا بأداء الحج وتحدثوا عن تجربتهم ومشاعرهم. تلك التسجيلات الصوتية كانت أكثر من رائعة، إضافة لذلك حرصت على أن نضع كتباً للزوار لتسجيل ملاحظاتهم، وكنا نستبدلها كلما امتلأت، وهو أمر لم نفعله من قبل».
رغم اختلافه عن المعتاد تفاعل الجمهور مع العرض ليصبح من أكثر معارض المتحف شعبية: «أحب الناس العرض كثيراً، وأعتقد أنه جذب جمهوراً مختلفاً، لأننا عرضنا قطعاً تلمس الحياة اليومية لهم مثل دفتر مذكرات لفتاة صغيرة اسمها ساليتا، تواصلت معي والدتها قائلة إن ابنتها كتبت يومياتها خلال أدائها للحج مع والدتها، وسألتني إن كنت أرغب في إضافتها للعرض، ووافقت على الفور. وما تجديه في المعرض كان كالتالي، كنوز عتيقة مثل مخطوطة مقامات الحريري وأقدم نسخة مكتوبة للقرآن الكريم (القرن الثامن) بالخط الحجازي وستارة أثرية للكعبة والمحمل المصري وغيرها، ثم هناك عمل (مغناطيسية لأحمد ماطر) إلى جانب قطع متفرقة تتكون من بعض القطع التي ابتاعها الحجاج في الأماكن المقدسة مثل سجاجيد الصلاة وقوارير ماء زمزم والسبح. أعتقد أن الناس أعجبتهم الخلطة».

أعمال معاصرة في مجموعة المتحف العريق

أقول لها: أرى فيك شخصاً قدم الأعمال المعاصرة في صرح ثقافي كهذا، هل كان ذلك أمراً مثيراً للنقاش في المتحف، هل كانت هناك صعوبات؟، تجيب قائلة: «كان أمراً مثيراً، خاصة بعد أن قدمنا معرض (الكلمة في الفن) بدا أن هناك تقبلاً واسعاً لهذا المزيج، وفعلنا ذلك أيضاً في معرض (الحج... رحلة إلى قلب الإسلام)، وبشكل قوي عند إقامة قاعة البخاري للفن الإسلامي، حيث حرصنا على ترك مساحة في نهاية قاعة العرض لإضافة القطع المعاصرة، كما استطعنا المزج بين المعاصر والأثري داخل خزانات العرض الأساسية. أيضاً حرصنا على أن يكون التصميم الأساسي للقاعة مازجاً بين المعاصر والعتيق، الغريب في الأمر هو أننا لم نحتَج لإقناع المسؤولين بتلك النقلة».
هل كنتم بحاجة لشخص يأخذ الفكرة وينفذها؟ تجيب: «نعم، وأن يتأكد أن هناك مكاناً لها. لدينا الإمكانية ولدينا مجموعة متميزة من القطع. المهم أيضاً، هو أن المساحة مبنية بشكل يتضمن اللمسة المعاصرة، لا يمكنك فعل ذلك في مساحات مبنية لغرض آخر، على سبيل المثال لم يمكننا فعل ذلك في قاعات الفن الإسلامي القديمة، أما هنا فعرض الفن المعاصر يبدو طبيعياً. الأمر الأساسي هنا هو أننا يمكن استخدام هذه الأعمال لمناقشة قضية ما... يمكنك فعل ذلك عبر القطع في حد ذاتها، هذا ما نفعله في أي متحف، لديك القطع التي تعرضها للجمهور، ولكن هي الطريقة التي ننظمها سوياً وما هي القصص التي تحكيها عبر ذلك».
أعلق قائلة: تتحدثين عن بناء هذه القاعة والإحساس بالعالم المعاصر مع التاريخ فيها، نحس بالمكان، قريب منا، النوافذ التي نفذها الفنان السعودي أحمد عنقاوي أحد تلك العناصر، الطريقة التي أدخلت بها لصميم تصميم القاعة، هي اللمسة المعاصرة التي تطل على قرون من التاريخ متمثلة في المعروضات. ترد قائلة: «تماماً، هذا هو المراد، كان تعاوناً جيداً، أولاً بيننا كأفراد فريق المتحف وأيضاً بين المصممين، في الأساس نحن أربعة من القيمين نعرض الأفكار والقصص والقطع على المصممين الذين كان على عاتقهم إبراز القطع بشكل مبدع، غير أن الأمر لم يكن سهلاً، فعلى سبيل المثال قد أقترح 50 قطعة لإحدى الخزانات سرعان ما يرفض المصمم ذلك، ويطلب إنقاص العدد لـ30 (تضحك) وهذا السبب في نجاح العرض، التصميم جميل وكذلك خزانات العرض، ففي نهاية الأمر لن يستطيع منسق العرض العمل بمفرده، يمكننا عرض القطع ولكن لن نعرف بالضرورة مدى ملائمة القطع للمساحة وللقطع الأخرى، يمكنك الوصول لفكرة ولكن ستحتاج إلى مصمم وأيضاً جهة داعمة وهو أمر أساسي، نحن محظوظون بمؤسسة البخاري التي دعمت هذا الجناح. وأشعر بسعادة خاصة أن قاعات البخاري مختلفة عن بقية قاعات المتحف، أيضاً لأن الزوار يتدفقون عليها، ربما لأننا جمعنا قطعاً مختلفة سوياً، عندما نزور متاحف أخرى نجد قسماً يحمل اسم الفن الإسلامي يتوقف في سرده في العادة عند عام 1850 وبهذا لن يحصل الزائر على بقية الصورة، الاستمرارية».
يطرح حديثها عن السرد المتواصل في فنون العالم الإسلامي نقطة هامة تدفعني للتساؤل: هل يمكننا القول إن مصطلح (الفن الإسلامي) يمر بتغير وإعادة تعريف؟. تجيب قائلة: «أمر صعب جداً، أتمنى لو لم يكن لدينا هذا الاسم، لأننا نعيش مع هذا الفن، أحاول دائماً ألا أستخدم هذه المصطلحات، ما أعنيه هو أننا هنا في هذه القاعة نتحدث عن العالم الإسلامي، وفي داخل هذا الإطار لدينا مراحل وحركات مختلفة. أعتقد أنه أمر مربك عندما نصل للفترة المعاصرة، لا أستخدم مصطلح الفن الإسلامي المعاصر، أفضل أن نتحدث عن موطن الفنان سواء كان سودانياً أو فلسطينياً أو مصرياً وهكذا... أيضاً لا أحبذ مصطلح (الشرق الأوسط) فهو برأيي مصطلح يعود لموجة الاستشراق».

بيروت مدينة المولد وعشق للغة العربية

تتعامل بورتر مع موضوعاتها بعشق واضح، تقول إنها تحضر لكتاب حول معرضها الأخير «دفاتر الرسامين»، تستطرد ضاحكة: «أعتقد أنه واجب علي، أصبحت مهووسة بهذه الأعمال، أحس أن هناك الكثير ليكتب عنها، الأشعار مبدعة جدا!» تلفتني إشارتها للأشعار فأسألها: هل تقرأين العربية إذن؟. تجيب بابتسامتها اللطيفة: «نعم ولكن ببطء الآن، اعتدت قراءة العربية، فقد درستها في بيروت وكنت أتحدثها في صغري، فأنا ولدت ببيروت وكانت مربيتي من سوريا، وكانت تتحدث معي دائماً بالعربية، كنت محظوظة جداً، نشأت على الحديث بثلاث لغات، الإنجليزية والفرنسية والعربية حتى أبعدت عن مربيتي وأنا في العاشرة، حيث أرسلت للدراسة في مدرسة داخلية بإنجلترا. تحدثت الفرنسية مع والدتي والإنجليزية مع والدي والعربية مع مربيتي، وكنت على مستوى جيد حتى أني درستها في الجامعة، للأسف الآن لست بنفس الطلاقة. زياراتي للسعودية أعادتني لها، أتحدث بشكل متزايد بالعربية هناك، من المشاريع التي أعد لها بعد تقاعدي هي أن أقرأ أكثر باللغة العربية، قرأت الكثير من الشعر العربي بترجمة إنجليزية، ولكني أريد أن أقرأ باللغة العربية، أريد أن أقرأ أدونيس ومحمود درويش باللغة الأصلية».
هل نبع حبك للفن العربي من نشأتك؟ تقول: «بالتأكيد، لأني قضيت أول 10 أعوام من حياتي في المنطقة، وأيضاً بسبب إقامة جدي وجدتي هناك، كنت أحرص على الزيارة. وجاء موضوع الفن المعاصر ليعيدني لهناك، أشعر وكأني أكملت الدائرة، والدتي التي كانت مصممة أزياء كانت أيضاً رسامة في لبنان وكانت تعرف كل هؤلاء الفنانين مثل عارف الريس وعبود وغيرغسيان وفاتح مدرس وغيرهم، استغرق الأمر وقتاً طويلاً لإكمال الدائرة. أحب اللغة وأحب السفر للعالم العربي، أحب الناس والطعام وسماع الناس وهم يتحدثون العربية».

معارض في السعودية

الحديث عن اللغة العربية والسفر يأخذنا تلقائياً لمعارض أشرفت عليها في السعودية مثل «حروف وإضاءات» في المدينة المنورة عام 2014 والمعرض الذي قدمته في جدة بداية هذا العام. تتحدث عن معرض «إضاءات وحروف» بوصفه حدثاً فريداً، تعود بالذاكرة لوقت تنظيم المعرض ومكان إقامته بمقر النادي الرياضي بفندق مريديان المدينة المنورة: «كان معرضاً استثنائياً، مجرد تحويل تلك القاعة بفندق المدينة لمعرض كان أمراً مدهشاً».
معرض أماكن ضمن فعالية 21.39 بجدة أيضاً كان متميزاً، خاصة أنه أقيم أثناء الجائحة: «(أماكن)، أمر فائق بالنسبة لي، خاصة أثناء كوفيد، كما أنها المرة الأولى التي أقوم فيها بتكليف فنانين مباشرة والحديث معهم وإجراء المناقشات، في المتحف البريطاني كان الأمر مختلفاً، في العادة يكون العمل من المقتنيات أو مستعاراً ونقوم بالتخطيط للمعرض على هذا الأساس. الجميل أيضاً أن المعرض انتقل بعد ذلك للعرض في مركز «إثراء» بالظهران، قدمنا العرض بطريقة مختلفة وأيضاً لجمهور مختلف، وهو أمر مثير جداً، في (إثراء) أيضاً استعننا بالفنان عبد الرحمن السليمان من المنطقة الشرقية لإضفاء لمسة قوية على العرض، أيضاً قمنا بتغيير تصميم المعرض ليواكب الموقع الجديد مع تسليط الضوء على فن المنطقة الشرقية. كأننا قمنا بتقديم أكثر من معرض».

عمل للفنانة فرح بهبهاني ضمن معرض «حروف وإضاءات» في المدينة المنورة عام 2014 (الشرق الأوسط)

الفن السعودي تحت الأضواء

سأعود بك للفن السعودي، لك دور في تسليط الضوء على بعض الفنانين في السعودية مثل أحمد ماطر وأحمد عنقاوي، حدثينا عن ذلك. تقول: «كان أمراً مثيراً بالفعل، رأيت لوحة (الأشعة) لأحمد ماطر للمرة الأولى عبر الخبير الفني ستيفن ستابلتون أحد مؤسسي مبادرة (إدج أوف آرابيا)، أعتقد أني كنت محظوظة برؤية هذا العمل وقمنا على الفور بشرائه وضمه لمجموعة المتحف البريطاني، لم يحتَج رئيسي المباشر لإقناع، أحببت العمل كثيراً، كان رائعاً. باعتباره الأول في سلسلة (الأشعة) للفنان، يحمل كل الدلالات الطبية وفي قلب اللوحة كانت الكعبة، عمل رائع سيطر على حواسي ليس فقط بجماله، بل أيضاً بالأفكار خلفه، وكيف مزج ماطر بين عمله كطبيب مع فنه. عبر ماطر وستابلتون تعرفت أكثر على فناني (إدج أوف آرابيا) الرائعين مثل مها الملوح ومنال الضويان وأيمن يسري وغيرهم».
حماس بورتر لأعمال الفنان أحمد عنقاوي حملت أعماله للمتحف البريطاني، حيث تقيم ضمن قاعة البخاري للفن الإسلامي. تتحدث عن ذلك: «عندما كنا نعمل على إنشاء قاعة البخاري في المتحف البريطاني فكرنا بتصميم مختلف للنوافذ، ذلك الوقت كنت في جدة لحضور معرض 21.39 وقتها كان أحمد عنقاوي يقيم معرضاً منفرداً في منطقة البلد بجدة، وكانت هناك أعمال تستكشف حرفة المنجور (فن الرواشين الخشبية في جدة القديمة) التي انشغل بها الفنان. وقتها هتفت لنفسي قائلة: (وجدتها!) وهكذا كلفنا أحمد عنقاوي بعمل السواتر الخشبية للنوافذ في قاعة البخاري بالمتحف البريطاني وأذكر عندما أحضر أحمد الرسومات بالحجم الأصلي لاجتماعنا، وقام بفردها على طاولة الاجتماع، انبهر الجميع بعمله. هناك شيء مميز في عمل عنقاوي، يستخدم حرفة المنجور لتقديم أعمال تحمل بصمته الخاصة قدمها عبر تصميمات مختلفة ومعاصرة للنوافذ حولنا هنا، الأمر كله كان متعة خالصة».

تصميمات أحمد عنقاوي احتلت مكاناً أساسياً في قاعات الفن الإسلامي بالمتحف البريطاني (الشرق الأوسط)
أختم حوارنا الذي امتد لأكثر من ساعة بسؤالها عن مشروعاتها المقبلة. «الآن وقد أغلقت الباب على مرحلة كاملة من العمل بالمتحف البريطاني، ماذا ستفعلين؟». تجيب: «لقد منحني المتحف لقب شرفي كباحثة وهو ما يعني أني لن أتوقف عن مطاردة شغفي ولكن ذلك سيكون بطريقة مختلفة، سأستمر في الكتابة ولدي أكثر من مشروع قادم وأريد أن استمتع بوقتي وأن أسافر أكثر وأن أنعش لغتي العربية. أهم شيء بالنسبة لي أن أكون منتجة ونافعة وأن أنقل خبرتي لأجيال أخرى، ربما بالتدريس. أشعر بأني كنت محظوظة جداً وأريد أن أنفع غيري».

خطط للمستقبل

أختم حوارنا الذي إمتد لاكثر من ساعة بسؤالها عن مشروعاتها القادمة "الآن وقد أغلقت الباب على مرحلة كاملة من العمل بالمتحف البريطاني، ماذا ستفعلين؟ تجيب: "لقد منحني المتحف لقب شرفي كباحثة وهو ما يعني أني لن أتوقف عن مطاردة شغفي ولكن ذلك سيكون بطريقة مختلفة، سأستمر في الكتابة ولدي أكثر من مشروع قادم وأريد أن استمتع بوقتي وأن أسافر أكثر وأن أنعش لغتي العربية. أهم شيء بالنسبة لي أن أكون منتجة ونافعة وأن أنقل خبرتي لأجيال أخرى ربما بالتدريس، أشعر باني كنت محظوظة جدا وأريد أن أنفع غيري".


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

أطلقت السعودية خدمة التأشيرة الإلكترونية كمرحلة أولى في 7 دول من خلال إلغاء لاصق التأشيرة على جواز سفر المستفيد والتحول إلى التأشيرة الإلكترونية وقراءة بياناتها عبر رمز الاستجابة السريعة «QR». وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن المبادرة الجديدة تأتي في إطار استكمال إجراءات أتمتة ورفع جودة الخدمات القنصلية المقدمة من الوزارة بتطوير آلية منح تأشيرات «العمل والإقامة والزيارة». وأشارت الخارجية السعودية إلى تفعيل هذا الإجراء باعتباره مرحلة أولى في عددٍ من بعثات المملكة في الدول التالية: «الإمارات والأردن ومصر وبنغلاديش والهند وإندونيسيا والفلبين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

«ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

تُنظم هيئة الأفلام السعودية، في مدينة الظهران، الجمعة، الجولة الثانية من ملتقى النقد السينمائي تحت شعار «السينما الوطنية»، بالشراكة مع مهرجان الأفلام السعودية ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويأتي الملتقى في فضاءٍ واسع من الحوارات والتبادلات السينمائية؛ ليحل منصة عالمية تُعزز مفهوم النقد السينمائي بجميع أشكاله المختلفة بين النقاد والأكاديميين المتخصصين بالدراسات السينمائية، وصُناع الأفلام، والكُتَّاب، والفنانين، ومحبي السينما. وشدد المهندس عبد الله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أهمية الملتقى في تسليط الضوء على مفهوم السينما الوطنية، والمفاهيم المرتبطة بها، في وقت تأخذ في

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

تجاوز عدد المسافرين من مطارات السعودية وإليها منذ بداية شهر رمضان وحتى التاسع من شوال لهذا العام، 11.5 مليون مسافر، بزيادة تجاوزت 25% عن العام الماضي في نفس الفترة، وسط انسيابية ملحوظة وتكامل تشغيلي بين الجهات الحكومية والخاصة. وذكرت «هيئة الطيران المدني» أن العدد توزع على جميع مطارات السعودية عبر أكثر من 80 ألف رحلة و55 ناقلاً جوياً، حيث خدم مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة النسبة الأعلى من المسافرين بـ4,4 مليون، تلاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض بـ3 ملايين، فيما خدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة قرابة المليون، بينما تم تجاوز هذا الرقم في شركة مطارات الدمام، وتوز

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ترمب يلتقي زعيم فيتنامي ويتعهد بإزالة هانوي من قوائم الحظر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يلتقي زعيم فيتنامي ويتعهد بإزالة هانوي من قوائم الحظر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

التقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، ​بالأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي الحاكم تو لام، وقال إنه سيعمل على إزالة هانوي من ‌قوائم الدول المحظور ‌حصولها على التكنولوجيا ​الأميركية ‌المتقدمة، وذلك بحسب ​ملخص للمحادثات ⁠نُشر على الموقع الإخباري للحكومة الفيتنامية.

وعقد أول لقاء رسمي بينهما في البيت الأبيض بعد ⁠أن حضر لام الاجتماع ‌الافتتاحي ‌لمجلس السلام في ​واشنطن.

وجاء ‌الاجتماع عقب الإعلان ‌عن صفقات بقيمة تزيد على 30 مليار دولار، ستشتري بموجبها شركات الطيران ‌الفيتنامية 90 طائرة من شركة بوينغ الأميركية ⁠لصناعة ⁠الطائرات.

وأعلن ترمب أمس الجمعة فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 10 بالمئة على معظم الواردات من جميع البلدان، بعد أن ألغت المحكمة العليا بعض الرسوم الجمركية ​الشاملة التي فرضها ​في وقت سابق.


مقتل 3 أشخاص في قصف أميركي لسفينة في شرق المحيط الهادي

لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 3 أشخاص في قصف أميركي لسفينة في شرق المحيط الهادي

لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)

قال الجيش ​الأميركي إنه قصف سفينة في شرق المحيط الهادي، مما أسفر ‌عن مقتل ‌ثلاثة ​رجال، ‌في ⁠أحدث واقعة ​من هذا ⁠النوع خلال الأشهر القليلة الماضية.

وتشيد إدارة ⁠الرئيس دونالد ‌ترمب ‌بنجاحها ​في ‌تدمير سفن ‌يشتبه في تهريبها للمخدرات في المنطقة.

وقال الجيش الأميركي في ‌منشور على منصة إكس إن السفينة ⁠كانت «⁠تشارك في عمليات تهريب مخدرات».


«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».