تعزيز جودة الحياة بالثقافة السائلة

بعد تراجع الحواضن العربية وانسداد الأفق

تعتبر المؤتمرات والمعارض من الفعاليات التي يروج لها عبر مشاهير منصات التواصل الاجتماعي في السعودية (الشرق الأوسط)
تعتبر المؤتمرات والمعارض من الفعاليات التي يروج لها عبر مشاهير منصات التواصل الاجتماعي في السعودية (الشرق الأوسط)
TT

تعزيز جودة الحياة بالثقافة السائلة

تعتبر المؤتمرات والمعارض من الفعاليات التي يروج لها عبر مشاهير منصات التواصل الاجتماعي في السعودية (الشرق الأوسط)
تعتبر المؤتمرات والمعارض من الفعاليات التي يروج لها عبر مشاهير منصات التواصل الاجتماعي في السعودية (الشرق الأوسط)

بوسع من يتابع المشهد الثقافي في العالم العربي أن يكتشف ما انتهى إليه هذا المشهد من انسداد في الأفق بدأت بوادره في العقد الأخير من القرن الماضي واستمر خلال العقدين المنصرمين من هذا القرن دون أن تبدو في الأفق بوادر انفراج لما تمر به الحال الثقافية، وإذا كانت جملة من العوامل المتصلة بالوضع العام الذي مرت وتمر به عدد من الدول العربية مسؤولة عن حالة انسداد الأفق؛ فإن ثمة عوامل أخرى أدت إلى ذلك، وهي عوامل تتصل بالتغيير الذي عصف بمفهوم الثقافة ووضعها على منحى تاريخي لا يطال مفهومها فحسب، وإنما يمتد ليطال أدواتها والجهات المنتجة لها والشرائح المستهدفة بما تقدمه من محتوى كذلك.
- تراجع حواضن الثقافة العربية
تكالبت على العالم العربي جملة من الأحداث التي أفضت إلى تقويض دول عربية وساهمت في تقويض كثير من مؤسسات دول أخرى، وهو تقويض طال مؤسسات الدولة كما طال مؤسسات المجتمع المدني والتي كانت محصلة لنضال طويل المدى لترسيخ مفهوم المشاركة الوطنية في النهضة والتنمية على نحو مستقل وموازٍ لما تبذله الدول في هذا الشأن؛ وهذا ما أدى إلى تعميق حجم الخسارة التي عانت منها تلك الدول والشعوب العربية، ولم تكن للمؤسسات الثقافية أن تصمد حين تنهار المؤسسات الداعمة لها ولم يكن لها كذلك أن تصمد تحت وطأة فقدان الثقة في ثقافة لم تستطع أن تحول دون الكارثة التي شهدتها تلك الدول والمأساة التي انتهت إليها تلك الشعوب.

زائران في مكتبة محمد بن راشد التي افتتحت خلال 2022 في دبي (أ.ف.ب)

وإذا كنا نتفق على أن مختلف الأقطار العربية قد ساهمت في إنتاج وصياغة الثقافة العربية المعاصرة بقدر أو آخر، وأن رواد الثقافة العربية المعاصرين ينتمون إلى أقطار عربية مختلفة ومتعددة، فإن علينا أن نتفق على أن الثقافة العربية المعاصرة تدين بالفضل لثلاث عواصم عربية شكلت الحواضن الثقافية الأكثر إنتاجاً والأعمق تأثيراً، خاصة حين أصبحت منابرها الثقافية من مجلات ومهرجانات ومؤتمرات ودور نشر ومعارض كتب هي المَعين الذي ينهل منه المثقفون العرب، وهي معبرهم إلى ينطلقون منه صوب الآفاق العربية المختلفة، وإذا كانت تلك العواصم العربية الثلاث هي بغداد وبيروت والقاهرة، فإن لنا أن نتخيل حجم الكارثة التي حلت بالثقافة العربية حين عطلت الأحداث والاشتباكات السياسية دور عاصمتين وأضعفت دور العاصمة الثالثة، وإذا كان الغزو الأميركي للعراق وما سبقه من حصار اقتصادي وما تلاه من انفلات أمني وفوضى سياسية قد قوض مفهوم الدولة فقد قوض في الوقت نفسه منابر العراق الثقافية، ومن أهمها مهرجان «المربد» ومجلة «أقلام» ومجلة «المورد»، فتعطل بذلك الدور الذي لعبته بغداد على مدى عقود في تأصيل الثقافة العربية وتحديثها في الوقت نفسه، في الوقت نفسه نجد بيروت التي لم تكد تتعافى من الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان على مدى ما يقارب العقد والنصف تقع ضحية لتجاذبات سياسية وصراعات حزبية أفضت إلى خلخلة مؤسسات الدولة وانتهت إلى تعطيل دور بيروت الذي كان بتمثل في جانبين مهمين، جرأة التحديث الذي قادته مجلة «شعر» وكرّسته مجلة «الآداب»، وحركة النشر التي تعرضت لانتكاسة شديدة أفضى إليها الوضع الاقتصادي المتردي من ناحية وتعثر حركة التوزيع نتيجة لتعثر العلاقات اللبنانية بكثير من الدول التي كانت تمثل السوق المستهلكة لنتاج المطابع ودور النشر اللبنانية، أما القاهرة، فإن الشعور بتراجع دورها إنما ينطلق من تقدير عظمة وتاريخية الدور الذي لعبته في تأسيس حركة النهضة في الثقافة العربية؛ مما آل بكبار المثقفين المصريين إلى أن يصبحوا رموزاً ثقافية وقيادات للفكر تركت آثارها على خريطة الثقافة العربية من المحيط إلى الخليج، وتراجع الدور المصري جاء محصلة لما ترتب على حالة الفوضى غير الخلاقة التي عانت منها مصر في أعقاب ما أطلق عليه الربيع العربي وأسفر عن وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة؛ مما اضطرت معه مصر إلى خوض ثورة مضادة بدأت بعدها تستعيد مؤسساتها المدنية التي بدأت خلال حكم تلك الجماعة طابعاً آيديولوجياً، وتستعيد بذلك دورها الثقافي التنويري شيئاً فشيئاً.

الحواضن الثقافية والمهرجانات والمؤتمرات ومعارض الكتب باتت المَعين الذي ينهل منه المثقفون العرب (الشرق الأوسط)

تراجع دور الحواضن الثقافية العربية التي يؤثَر عن طه حسين ذات يوم أن قال عنها «القاهرة تكتب وبيروت تنشر وبغداد تقرأ»، واهتزت ثقة المثقفين بثقافة عجزت عن أن تجنّب أوطانهم ما تعرضت له من كوارث، أو تركتهم على هامش الأحداث يقفون منها موقف العاجز عن فعل شيء، وانشغل المواطن العربي بقضايا أمنه واستقراره وقوت يومه ولم يعد لديه من الوقت والاهتمام ما يمنحه لثقافة أصبحت مجرد ترف، وإن لم تكن كذلك فهي ثقافة لا تمنحه أمناً ولا تسد له رمقاً.
- انزياح مفهوم الثقافة
لم تتأثر الثقافة بما عصف بالعالم العربي وحواضنه الثقافية من أحداث فحسب وإنما تعرّضت لما يشبه الزلزال الداخلي الذي أفضى إلى زحزحة مفهومها وتغيير أدواتها والمنتجين لها والشرائح التي تستهدفها. وقد تمثل هذا الزلزال في وسائل التواصل المتعددة والوسائط التقنية المختلفة، ولم تكن الثقافة التي أفرزتها هذه الوسائل والوسائط إضافة إلى الثقافة المؤسسة أو الثقافة التقليدية بمفاهيمها وأدوات والفئات المنتجة لها بقدر ما كانت زحزحة لها وطرحاً بديلاً يفتقر إلى العمق، ولكنه في الوقت نفسه يمتلك القدرة على الانتشار، بديل سهل يتصل بالحياة اليومية وينأى عن القيم العليا للثقافة وما قدمه روادها عبر العصور من فنون مختلفة، لم يعد جمهور القراء يتداولون بينهم الحديث عن روايات نجيب محفوظ وقصائد الجواهري ومقالات العقاد ومغامرات تجربة مجلة «شعر»، أقصى ذلك الزلزال المتمثل في الوسائط ووسائل التواصل الثقافة الجادة وزادها عزلة ولم يعد ثمة نور يلوح في آخر النفق الذي وجدت نفسها فيه.

كلية الملك فهد الأمنية تشارك في معرض الكتاب الدولي في جامعة الملك فيصل بالأحساء (واس)

- الثقافة وتعزيز جودة الحياة
واكب هذا الانسداد في أفق الثقافة العربية وتراجع دور حواضنها والتغيير الذي مسّ مفاهيمها وأدواتها والمنتجين لها بروز الدور السعودي على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد تحقق لها ذلك نتيجة لحالة الاستقرار التي شهدتها المملكة وسياسة التوازن التي اعتمدتها؛ فنجت بذلك مما عصف ببعض الدول العربية من غزو وحصار وتخبط سياسي وحالة من الفوضى التي أعقبت ما عرف بالربيع العربي. وقد تعزز الدور الثقافي للسعودية في أعقاب المواجهة الحاسمة للاتجاه الديني المتشدد وتخلصها مما كرسه تيار الصحوة من انغلاق وتوجس من الآخر وريبة في كثير من الفنون ومصادرة للعديد من الأنشطة، مكّن التغلب على الفكر المتشدد والمتطرف من إطلاق قدرات وإمكانات المجتمع السعودي وحرره من مخاوفه وما كان مفروضاً عليه من قيود وحققت له القرارات والأنظمة التي كانت تصدر على نحو متوالٍ ومتصاعد فرصاً عديدة للاستمتاع بجودة الحياة التي ظل محروماً منها على مدى عقود كان التعليم فيها يطال كثيراً من الأنشطة الثقافية، وعلى رأسها دور السينما وقاعات الموسيقى وحفلات الغناء.

زوار لمعرض الكتاب في جدة (واس)

ربطت استراتيجية وزارة الثقافة في السعودية الثقافة بجودة الحياة فتوسعت دوائرها ومجالاتها، وتعددت منابرها وكثرت الجماعات المنتجة لها وتوسعت دوائر المتلقين لها، ضمت تحت جناحها كثيراً من الفنون التي كانت مهمشة رغم أنها تشكل عناصر مهمة من شأنها أن تساعد في توفير حياة كريمة للإنسان.
لم يعد مفهوم الثقافة قاصراً على الفكر والأدب بفنونه المختلفة، لم تعد الثقافة قصيدة أو قصة قصيرة أو رواية، لم تعد محدودة فيما يمكن أن يعرف بالثقافة الصلبة، أصبحت الثقافة ثقافة تعنى بالأزياء وفنون الطبخ والموسيقى والغناء والمسرح والسينما والتراث الوطني والفنون الشعبية، أو ما يمكن اعتباره «ثقافة سائلة» تنسرب داخل النسيج اليومي للحياة العامة، وكانت رسالة تلك الاستراتيجية واضحة: جودة الحياة تتحقق من خلال هذه العناصر المتعددة إذا ما ارتقينا بالنظرة إليها ومنحناها حقها من الاهتمام والعناية، وعندها يمكن لها أن تصبح البديل لما بات ينتشر في مواقع التواصل من ثقافة زائفة أو ثقافة هشة على أحسن تقدير.
- أفق التوقع
في هذا الإطار يكون بإمكاننا أن نستشرف آفق ثقافة 2023، فنرى فيه تعزيزاً لمفهوم الثقافة السائلة وارتقاءً بقيمتها وتكريساً لدورها في توفير جودة الحياة بينما ستشهد الثقافة الصلبة استمراراً في التراجع باستثناء جهود فردية تقدم نتاجاً ثقافياً جيداً غير أنه يظل محدود الأثر وغير قادر على إعادة صياغة وعي المواطن العربي فضلاً عن المساهمة في إخراج الوطن العربي من مأزقه التاريخي الذي انتهى إليه.
 

*مثقف وشاعر سعودي


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.