ليبيا.. ما بعد الصخيرات

التوقيع خطوة أولى في مسار شاق

ليبيا.. ما بعد الصخيرات
TT

ليبيا.. ما بعد الصخيرات

ليبيا.. ما بعد الصخيرات

رغم ظهور شكوك في الأجواء، فإن غالبية الأطراف المعنية بالوضع الليبي ما زالت تعرب صراحة عن سعادتها بما جرى السبت الماضي في بلدة الصخيرات المغربية من توقيع مبدئي على أول اتفاق من نوعه بين المتخاصمين في طرابلس وبنغازي وطبرق وغيرها من المدن الليبية. مدن تكتسي جدرانها بالدخان وآثار الحرب. يقول عيسى عبد المجيد، مستشار رئيس البرلمان الليبي، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن مع الحوار». إلا أنه يضع في نهاية الجملة كلمة «لكن» مثل العديد من القادة هنا.

* اليوم، وبعد نحو أربع سنوات من سقوط حكم العقيد الليبي السابق معمر القذافي، يمكن أن تتحسس رياح التفاؤل الحذر وهي تهب من ساحل البحر المتوسط، وتحمل البشرى لهذه الصحراء الغنية بالنفط، ومعها الثناء على ما بذله ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، برناردينو ليون، من جهود. ليون دبلوماسي إسباني، أشرف بطول صبر على جمع الفرقاء الليبيين طيلة الشهور التسعة الماضية، إلى أن تنفس الصعداء وهو يشهد الأيدي توقع بالأحرف الأولى على الاتفاق. لكن، كما يقول هو نفسه، ما زال هناك الكثير مما يجب القيام به حتى ينعم الليبيون بالأمن والاستقرار.
على الجانب الآخر، أي على أرض الواقع حيث رائحة البارود وتكتكة الأسلحة، أصبح في الإمكان رؤية أرتال السيارات المموهة للمتطرفين وهي تتحرك بالأعلام السوداء لبسط النفوذ على منابع النفط. حين تنجو من بوابة للجماعات المتطرفة وتصل لمسؤول حكومي أو برلماني، وتسأله عن اتفاق الصخيرات، يشير بإصبعه إلى الدروب التي يتحرك فيها المتشددون الرافضون لأي حوار أو حل سياسي. يقول النائب إبراهيم عميش، رئيس لجنة العدل والمصالحة الوطنية في البرلمان، لـ«الشرق الأوسط»: «بينما نحن مشغولون بالحوارات يتوسع (داعش) على الأرض، ويلتف الآن للسيطرة على الهلال النفطي». ويضم هذا الهلال الجغرافي أكثر من 60 في المائة من نفط ليبيا.
وهذه من بين مجموعة عقبات وتحديات تواجه ليبيا. تدور تساؤلات حول من سينتصر ويؤمِّن بيع النفط ويوفر حاجات الناس التي بدأت تنفد، من غذاء وكهرباء ومياه. نجاح السياسيين والمتطرفين في هذه المعادلة سيحدد وضع ليبيا في مرحلة ما بعد الصخيرات. أو كما تسمع من عدة قادة يرابطون على جبهات المعارك: «التوقيع وحده ربما لن يكون كافيا للوصول إلى بر الأمان». في الحقيقة لا يبدو القلق من «داعش» وغيره من تنظيمات متشددة، لكن المشكلة أكبر من ذلك.
وهناك معضلة الموقف من قائد الجيش الفريق أول خليفة حفتر.. هل سيبقى أم سيخرج من المشهد كما يريد ممثلو الميليشيات المتطرفة الذين يرتدي بعضهم عباءة «مدينة مصراتة» وقوات «فجر ليبيا» و«المؤتمر الوطني المنتهية ولايته (البرلمان السابق)، كما يقول لـ«الشرق الأوسط» الدكتور صلاح الدين عبد الكريم، المستشار القانوني للجيش. فهؤلاء المتطرفون بميليشياتهم يتمركزون في طرابلس ولهم أنصار يحملون الأسلحة المتوسطة والثقيلة في مدن بنغازي ودرنة وسبها. ليس من الواضح كيف سيكون الحال عند تنفيذ الاتفاق على الأرض.
هناك أيضا مشكلة اقتراب الموعد القانوني لانتهاء أعمال البرلمان الحالي، في 21 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وهناك خياران بين التمديد له وإجراء انتخابات جديدة في ظروف صعبة وسط حالة الانفلات الأمني. السؤال الأهم: هل سيشارك ممثلو المؤتمر في اللقاء المقبل والحاسم في الصخيرات.. وهل ستشارك القبائل المحسوبة على نظام القذافي في آخر لحظة.. وما هي طريقة حل الخلافات بين المتحاورين بشأن بنود معلقة مثل صلاحيات المجلس الأعلى للدولة، وكيفية تسليم الأسلحة ودمج عناصر الميليشيات في المؤسسات الرسمية وفي الجيش والشرطة؟
يمكن أن تقول، مثل العديد من وجهاء القبائل، إن الحوار الذي بدأ أولا في مدينة غدامس في غرب البلاد في الخريف الماضي، برعاية ليون، كان يدور بالأساس بين شركاء ثورة فبراير (شباط) التي قضت على القذافي. هؤلاء الشركاء، وهم جماعة الإخوان ومعهم الجماعات المتطرفة من جانب، والتيار المدني من جانب آخر، تخاصموا وأحرقوا بالصواريخ مدنا ومطارات ومصافي للنفط، طوال العامين الماضيين.
أما القبائل الكبرى التي جرى اتهامها من «الثوار» بأنها كانت موالية للنظام السابق، فظلت بعيدة عن مجريات التفاوض، ومنها قيادات من «ورفلة» و«ورشفانة» و«ترهونة» و«المقارحة» و«القذاذفة»، وغيرها. يقول أحد قيادات قبيلة القذاذفة والذي يقيم في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «ليون طلب في بداية الحوار أن نتصل به، لكن نحن قلنا له إن عليه هو أن يبادر بالاتصال أولا. المفترض أنه هو الذي يريدنا لإنجاح مهمته، لكنه لم يفعل».
على أي حال استمرت محاولات جمع فرقاء فبراير حول طاولة واحدة. مرة في ليبيا وأخرى في جنيف، وكذلك في الجزائر وأخيرا في الصخيرات. هذا كان أمرا صعبا. كانت معظم هذه الأطراف تخوِّن بعضها بعضا وتتهم بعضها بعضا. بكل بساطة، تتقاتل وتغزو المدن. كل جبهة تعذب من لديها من سجناء الجبهة الأخرى.
يقول أحد القادة العسكريين من الجيش الليبي الذي يقوده الجنرال خليفة حفتر، لـ«الشرق الأوسط» إن «الجيش لم يؤخذ رأيه في هذه الحوارات». ويضيف أن الجيش، مع ذلك «مستمر في الحرب على الإرهابيين». وهو يرى أن من بين هؤلاء «الإرهابيين» قوة «فجر ليبيا» التي يشارك ممثلون عنها في حوار ليون. هذه معضلة أخرى ستظهر ملامحها عمليا في المستقبل القريب.
الجيش كما هو معلوم يعاني من نقص في التسليح، مما أدى إلى صعوبة حسم معركته مع المتطرفين. يتهم هذا القائد العسكري وهو يتحدث من مقره في رئاسة الأركان جنوب طبرق، المجتمع الدولي والأمم المتحدة بوضع العراقيل أمام شراء الجيش لحاجته من الأسلحة والذخيرة.
الأمم المتحدة تجاهلت، كما يقول المستشار عبد الكريم، تقوية السلطة الشرعية ممثلة في البرلمان والجيش، وقامت في المقابل بالتركيز على الحوار وكأنها تريد إجبار الليبيين على الرضا بحكم الميليشيات المتشددة مرة أخرى.
منذ بداية وصول ليون لليبيا بدا أن هناك اندفاعا غربيا لإنجاز مسألة الحوار بأي ثمن، رغم غياب أطراف ليبية فاعلة على الأرض. وقامت العديد من وسائل الإعلام الغربية والعربية المحسوبة على هذا الاتجاه بتخصيص مساحات واسعة من وقتها للترويج للقاءات المبعوث الأممي، حتى بدا لقطاعات كثيرة في هذا البلد أن مجرد الوصول إلى مرحلة التوقيع يمكن أن تحل المشكلة الليبية.
هناك مثل في أوساط الليبيين يقول إنه كلما انعقد اجتماع من هذا النوع وقعت مشكلة كبيرة في البلاد. تردد هذا المثل أولا حين حاول المتطرفون في طربلس ومصراتة السيطرة على حقلي الفيل والشرارة في جنوب ليبيا.. وتردد أيضا وقت أن شنت قوات المتطرفين أنفسهم تحت اسم «قوات الشروق» هجوما داميا لاحتلال منابع النفط قرب بلدة النوفلية.. ثم تردد المثل نفسه أخيرا حين توسع «داعش» فجأة، منذ يوم السبت الماضي، في منطقة الهلال النفطي. وبطبيعة الحال، كما يقول أحد نواب البرلمان: «هذه مجرد مزحة عامة تعكس ما يشعر به الليبيون من مرارة وعدم ثقة في ما يجري بشأن دولتهم».
فور توقيع الاتفاق بالأحرف الأولى في الصخيرات أعلنت الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني الترحيب به، وأصدرت بيانا قالت فيه إنه خطوة على بداية الطريق الصحيح لخروج ليبيا من أزمتها، ودعت جميع الأطراف لتغليب مصلحة الوطن، للوصول لاتفاق شامل يؤسس لحكومة وفاق وطني تقود الليبيين في معركتهم ضد الإرهاب. كما رحب بالاتفاق عدد من دول الجوار وسفراء دول غربية.
المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، بدر عبد العاطي، نقل في بيان رسمي ترحيب القاهرة بتوقيع الاتفاق ووجه التحية لـ«الموقف الإيجابي والشعور بالمسؤولية الذي تحلى به المشاركون في الحوار»، ولـ«الجهود الكبيرة» التي بذلتها بعثة الأمم المتحدة وعلى رأسها ليون للوصول إلى «هذه النتيجة الإيجابية». كما عبرت مصر عن «خالص تقديرها للمملكة المغربية الشقيقة على دورها في استضافة الأطراف الليبية المتحاورة». وأشار بيان عبد العاطي إلى «أهمية الدور الذي لعبته دول جوار ليبيا في توفير الظروف التي أدت إلى التوقيع على هذا الاتفاق».
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، إن الاتفاق يضع حلا سلميا للأزمة الليبية. وحضر مراسم التوقيع في حفل رسمي بالصخيرات سفراء ومبعوثون من دول كبرى، إضافة إلى شهود ليبيين من عدة مجالس محلية وأحزاب، بينما قاطعها المؤتمر الوطني واكتفى بإرسال رسالة إلى ليون أكد فيها على استمراره في الالتزام بمبدأ الحوار كأساس للحل، واستعداده للحضور في الجولة المقبلة لتقديم تعديلات يرى أنها جوهرية لإنجاح الحوار.
التوقيع في حد ذاته أشاع أجواء جديدة وبوادر انفراجة، وأوضح بحسب عدة أطراف متخاصمة أنه لا يمكن لفصيل واحد حل مشكلة ليبيا بمفرده. هذه لغة إيجابية لم تكن معتادة في خضم الصراع بالمدفعية والراجمات. كما وصف أحد المشاركين من مصراتة، وهو النائب فتحي باشاغا، توقيع المسودة بأنه إنجاز وطني يجدر الاحتفاء به، من أجل الوصول لاتفاق نهائي وتشكيل حكومة وفاق. بيد أن هناك من ينظر للصورة من زاوية مختلفة، ويخشى من تعقيدات الواقع عند الدخول في تفاصيل التنفيذ مستقبلا. يقول عبد المجيد، مستشار رئيس البرلمان: «نحن لسنا ضد أي اتفاق أو صلح من شأنه أن يمضي بليبيا إلى بر الأمان. ومع ذلك أعتقد أن التوقيع بالأحرف الأولى لا يعني التوقيع النهائي. البرلمان هو الذي سيقرر كيف ستسير الأمور».
يشير عبد المجيد هنا إلى مخاوف من أن تنفرد حكومة الوفاق المقترحة في مسودة الصخيرات بمصير الجيش. ويرى أن الكلمة النهائية في هذا الأمر لا بد أن تستمر في يد البرلمان.. «هناك ثوابت لدى البرلمان. أولا: منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة يكون للبرلمان ورئيسه. حتى لو تغير الوضع وأصبح رئيس الحكومة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، فلا بد أن يكون اختيار هذه الحكومة ورئيس الوزراء من المجلس المنتخب، وليس من أي جهة أخرى. البرلمان سيستمر كجهة وحيدة مخول لها منح الثقة للحكومة أو سحب الثقة منها».
وعما إذا كان يخشى من تأثير تنفيذ اتفاق الصخيرات على الجيش، يقول: «لا أحد يستطيع أن يصدر قرارات بإلغاء تكليف القائد العام للقوات المسلحة إلا البرلمان». مثل هذا الشعور بالخوف على مؤسسة الجيش من التفكك مجددا بعد أن جرت إعادة بنائها مطلع العام الماضي موجود لدى قادة آخرين في مجلس النواب والقوات المسلحة. ويتابع عبد المجيد قائلا: «أنا كمواطن ليبي أقول لك إنه على الجميع أن يفهم أن الجيش خط أحمر، وأمن ليبيا خط أحمر، وشرعية البرلمان خط أحمر. لن نتنازل عن البرلمان الشرعي المنتخب من الشعب، ولن نتنازل عن الجيش، ولا عن منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولن نعطي هذه السلطة للإرهابيين مرة أخرى، ولن نسمح مرة أخرى للإخوان ولأتباع الإخوان بالتلاعب بأمن ليبيا».
واعتاد خصوم القبائل المحسوبة على نظام القذافي وصفها بـ«الأزلام»، رغم أنها قبائل كبيرة ولها تأثير في مجريات الأمور. ويستشعر بعض زعماء هذه القبائل بأنه يوجد إصرار من جانب «الثوار» على أن تقتصر عملية الحوار على قادة «17 فبراير». لكن المستشار عبد المجيد يرى أن هذه أمور تجاوزها الزمن، ويأخذ على حوار الصخيرات عدم مشاركة القبائل الرئيسية فيه.. «كان يفترض أن تشارك هذه القبائل في حوار ليون. هذا إذا كانت تريد نجاح الحوار من دون استثناء». ويقول: «(17 فبراير) ليست قرآنا. نحن اليوم نريد أن نبني دولة قانون.. ولذلك المقاضاة تكون لمن أجرم في حق الشعب فقط، وليس معاقبة كل الليبيين».
النائب عميش يمثل مدينة بنغازي في البرلمان، ويرأس فيه لجنة العدل والمصالحة الوطنية، وينظر للتوقيع في الصخيرات بتشكك وهو يرصد التطورات في بلاده، ويقول إن «الموضوع برمته حتى الآن ينحصر في أنه لا يوجد حسن نية». ويضيف: «بينما نحن مشغولون بالحوارات والمصالحة الوطنية، يتوسع تنظيم داعش على الأرض.. لقد سيطر أخيرا على سرت وعلى القرضابية وعلى معسكرات كاملة، ويلتف الآن لابتلاع الهلال النفطي بأكمله بما فيه من موانئ لتصدير البترول. أنا أشكك في النوايا الدولية تجاه ليبيا».
من بين المخاوف التي يشعر بها النواب وجود اتجاه يتبناه قطاع من المتشددين في طرابلس، يتحدث عن انتهاء مدة عمل البرلمان في 21 أكتوبر المقبل. لكن عميش يقول إن «هذا الكلام غير صحيح، وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تقول إنه كلام غير شرعي، لأن الوضع يتطلب إنهاء بعض المهام، وهذه المهام تتعرض للإعاقة من البعض حتى داخل البرلمان نفسه»، وهو يشير في هذا الصدد إلى تشريعات ينبغي الانتهاء منها لحماية الدولة من أي احتمال لحدوث فراغ في السلطة. حول هذه النقطة يشدد المستشار عبد المجيد على أن البرلمان لن يسلم السلطة النيابية إلا لمجلس منتخب، ويضيف أن هذا يتطلب إجراء انتخابات، وهو أمر «صعب في ظل الأوضاع الأمنية المتردية في عموم ليبيا.. هل نسلم السلطة لـ(الإخوان) والمتطرفين و(داعش)؟».
من جانبه، يعتقد المستشار عبد الكريم أن مسودة الصخيرات ستعيد الميليشيات المسلحة التي يديرها المتطرفون لحكم البلاد بعد أن أسقط الليبيون ممثليها في انتخابات المؤتمر المنتهية ولايته، مشيرا إلى أن «الشعب التف حول الجيش بعد أن رأى الفوضى على يد هذه الميليشيات. ما أراه اليوم هو محاولة لإعادة حكم ليبيا للمتطرفين». رغم التشدد من بعض الأطراف سواء في الجبهة الغربية التي يهيمن عليها «الإخوان» وقادة الميليشيات، أو الجبهة الشرقية التي يوجد فيها البرلمان ويتركز فيها الجيش، فإن الحوار في حد ذاته أدى إلى فتح العديد من الثغرات من أجل البحث عن مخرج.
تقول مصادر على صلة بمفاوضات الصخيرات إنه سيجري وضع النقاط الخلافية في الاعتبار، بما فيها محاولة إدخال عناصر فاعلة أخرى مثل باقي القبائل وقادة من القوات المسلحة، ضمن مخرجات الاتفاق النهائي حتى يكون قابلا للتنفيذ، خاصة أن ليون نفسه أعلن أنه سيعقد اجتماعا آخر مع كل الأطراف قبل التوقيع النهائي، داعيا كل من لم يستطع الحضور في اجتماع الصخيرات الأخير للمشاركة لمواجهة التحديات التي تمر بها البلاد.

* الأطراف الليبية في الصخيرات.. وخارجها
* أهم الأطراف التي شاركت في التوقيع بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق الصخيرات: «البرلمان» و«مجموعة من النواب المقاطعين لجلساته (أغلبهم من مصراتة)»، و«مجموعة المستقلين»، وغالبية «الأحزاب الليبية» وبعض من ممثلي «المجالس البلدية».
* المؤتمر الوطني المنتهية ولايته (البرلمان السابق) شارك في معظم جلسات الحوار لكنه لم يحضر توقيع مسودة الصخيرات، بسبب وجود خلافات بين أعضائه حول بعض البنود، وقال إنه سوف يتقدم في وقت لاحق بتعديلات يرى أنها لازمة من أجل إنجاح الاتفاق.
* انطلاق الحوار بقيادة مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة برناردينو ليون منذ أواخر العام الماضي، تسببت في تغيير الكثير من المواقف التي كانت متشددة خاصة بين قادة الميليشيات العسكرية المحسوبة على مدينة مصراتة وفجر ليبيا، مما أدى إلى انسحاب بعض هذه الميليشيات من تحت عباءة القادة المتشددين، والانحياز لموقف المجلس البلدي لمصراتة الرافض للاقتتال والتطرف.
* يقوم عدد من نواب البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق بمحاولات للوساطة مع أطراف من مصراتة وأخرى قبلية وعسكرية لديها تحفظات على حوار الصخيرات، من أجل تغيير مواقفها، والتوصل لحلول وسط، والمشاركة في إنجاز الاتفاق النهائي. وجانب من هذه اللقاءات بدأ الترتيب له ليكون في القاهرة خلال عيد الفطر هذا الأسبوع.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.