«رشيد»... رحلة بين التاريخ والجغرافيا في 24 ساعة

ملتقى النيل بالبحر المتوسط

رشيد من المناطق المصرية الجميلة
رشيد من المناطق المصرية الجميلة
TT

«رشيد»... رحلة بين التاريخ والجغرافيا في 24 ساعة

رشيد من المناطق المصرية الجميلة
رشيد من المناطق المصرية الجميلة

هنا في أقصى شمال مصر، حيث يلتقي نهر النيل العذب بالبحر المتوسط المالح، تقع مدينة «رشيد» على رأس فرع دلتا النيل الغربي، والذي سُمي باسمها، والتي باتت وجهة جديدة للسائحين تضاف للمزارات الأثرية العريقة بمصر، كونها ثاني المدن المصرية بعد القاهرة ما زالت تحتفظ بآثارها الإسلامية، التي ترجع للعصر العثماني.
تمتلك رشيد تميزاً جغرافياً وتاريخياً وتراثياً، وهي المقومات التي جعلت هذه المدينة - التي تبعد عن القاهرة مسافة 263 كيلومتراً جهة الشمال و60 كيلومتراً شرق الإسكندرية وتتبع محافظة البحيرة إدارياً - في مكانة سياحية مرموقة، فبالإضافة للموقع الجغرافي المتميز، مرت المدينة بأحداث مهمة عبر التاريخ، إليها يُنسب «حجر رشيد»، الذي فك رموز الحضارة المصرية القديمة، والموجود حالياً في المتحف البريطاني، والذي تم الاحتفاء بمرور 200 عاماً على فك رموزه قبل أيام قليلة.
كذلك تحتل مكانة تراثية مهمة، بما تمتلكه من مقومات أثرية وحضارية، ومن ثم كان عمل الحكومة المصرية حالياً لوضعها على قوائم التراث العالمي بمنظمة اليونيسكو، وتحويلها لمتحف مفتوح، ووضعها على خريطة السياحة العالمية.

طاحونة «أبو شاهين» أقدم طاحونة في مصر لطحن الغلال (الصفحة الرسمية لمحافظة البحيرة على «فيسبوك»)

المعالم السياحية

الوصول إلى رشيد يكون بشكل أسهل من الإسكندرية، فالرحلة بينهما لا تتجاوز 60 دقيقة، وهناك رحلات يومية تعلن عنها الشركات السياحية بالإسكندرية إلى رشيد، والتي يكون متاحاً فيها أن يصحب الزائرَ مرشد سياحي للتعريف بالمعالم، أما إذا رغب الزائر في التوجه بمفرده، فهو أمر متاح بالسيارة أو الحافلات.
بالوصول إلى رشيد، يكون الزائر على موعد مع رحلة ترفيهية ثقافية، بداية من التنقل بين معالم المدينة، التي تضم نحو 22 منزلاً وحماماً وطاحونة، بالإضافة إلى أحد عشر مسجداً وزاوية وثلاثة أضرحة. ثم جولة في شوارع المدينة وأسواقها، إلى جانب القيام برحلة نيلية، وهي المعالم التي يمكن زيارتها جميعاً خلال 24 ساعة فقط.
مع بدء الزيارة لا بد لزائر رشيد أن يتوقف عند المحطات الأساسية التالية:

متحف رشيد الوطني

يتكون المتحف من مبنيين أحدهما مبنى أثري يتكون من ثلاثة طوابق، وكان في الأصل بيت «عرب كلي حسين بك»، الذي كان محافظاً للمدينة خلال العصر العثماني، وفي الستينيات تم تحويل المبنى لمتحف صغير لإبراز دور مدينة رشيد في مقاومة الحملة الفرنسية ثم حملة فريزر الإنجليزية، وخلال عام 1986 تم تطوير المتحف وأعيد افتتاحه ليعبر عن تاريخ مدينة رشيد.
يعرض المتحف 700 قطعة من أهمها العملات الذهبية والبرونزية التي تعود للعصرين الأموي والعثماني، ومجموعة من المصاحف والأواني الفخارية والنحاسية، كما يعرض نص المعاهدة الخاصة بجلاء حملة فريزر عن مصر والموقعة من محمد علي باشا، إلى جانب ذلك يبرز العرض المتحفي بعض صور الحياة اليومية في رشيد خلال العصر العثماني، بالإضافة إلى الحرف والصناعات، ومخطوطات وأدوات للحياة اليومية، بالإضافة إلى نسخة من حجر رشيد الذي كشف عنه في رشيد عام 1799 ومجموعة من الأسلحة تعود للقرنين 18 و19.
كما يُعرض بالمتحف بعض الآثار الإسلامية التي كُشف عنها مؤخراً في رشيد كعملات إسلامية وأوان فخارية، وهي المقتنيات التي تجذب السائحين لمشاهدتها، حيث تبلغ قيمة تذكرة دخول المتحف للسائحين الأجانب 40 جنيهاً مصرياً (أقل من دولارين).
وضمن حرم متحف رشيد تقع «الحديقة المتحفية»، وهي مقامة على مساحة (3 آلاف متر مربع)، وهي مزار سياحي ومتنفس للأهالي والزائرين، ويقام بها العديد من القوافل الثقافية والمهرجانات التعليمية ومعارض الصناعات اليدوية.

متحف رشيد الوطني (صفحة الوحدة المحلية لمركز ومدينة رشيد على «فيسبوك»)

طاحونة أبو شاهين ومنزل الأمصيلي

تعد طاحونة «أبو شاهين» أقدم طاحونة في مصر لطحن الغلال، تم تشييدها في القرن الثالث عشر الهجري، التاسع عشر الميلادي، وبناها عثمان أغا الطوبجي باشا، الذي كان جندياً بالجيش العثماني، وقد خصصت لطحن الغلال وكانت تدار بواسطة الدواب، وهي طاحونة مزدوجة لها تروس خشبية.
زخرفت معظم جدران الطاحونة بطوب المنجور (الأحمر والأسود)، بالإضافة إلى الاستعانة بالعقود الثلاثية أو المدائنية في بناء الجدران الحاملة للأسقف. وتضم الطاحونة أيضاً إسطبلاً، سُقف الجزء الشرقي والجنوبي منه، ويشمل الإسطبل حوض مياه، ويقوم السقف على أعمدة لها تيجان. أما سقف الطاحونة فهو من الخشب المحمول على «كمرات» مستديرة.
أما منزل الأمصيلي؛ فقد تم بناؤه أيضاً على يد عثمان أغا عام 1808. ثم آلت ملكيته بعد ذلك إلى أحمد الأمصيلي، الذي ينتسب إلى مدينة أماسيا بتركيا، وهو آخر من سكنه. يتكون المنزل من ثلاثة أدوار الأرضي به حجرة الاستقبال وبها قواطيع من الخشب تتخللها أعمدة رخامية، ويوجد بالدور الأرضي المخزن والحظيرة المخصصة لركوب (الأغا) والصهريج الذي تخزن به المياه ودورات المياه، فيما تتشكل واجهة المنزل بكتابات بالخط الكوفي وزخارف جصية وفخارية، كما تكثر فيها (المشربيات) وأعمال الأرابيسك.
وملحق بالمنزل بيت آخر كان مخصصاً للخدم، هو منزل «حسيبة غزال»، والذي يشّكل مع منزل الأمصيلي وطاحونة أبو شاهين وحدة معمارية متكاملة فريدة من نوعها.

قلعة قايتباي

تقع على الشاطئ الغربي لنهر النيل، وأنشأها السلطان المملوكي الأشرف قايتباي سنة 901 هـ، وهي إحدى المنشآت الحربية التي تشبه الحصن في بنائها المربع وأبراجها الأربعة المستديرة، ويحيط بهذه الأبراج خنادق ما زالت آثارها موجودة حتى الآن.
عرفت القلعة أيضاً بعدد من الأسماء، مثل «طابية رشيد»، «قلعة رشيد»، «حصن جوليان»، نسبة لأحد مساعدي نابليون، حيث نزلت فيها قوات من الحملة الفرنسية عام 1799م، وهي المكان الذي عثر فيه على «حجر رشيد».
وفي سنة 1801م، احتلت القلعة قوة مشتركة عثمانية بريطانية بعد قصفها، فانهار جزء من أسوارها كاشفاً الحامية الفرنسية الموجودة بها، مما أدى إلى استسلامهم.

شارع «دهليز الملك»

يمتد طوله لنحو 450 متراً، وعرضه يتراوح بين 6 إلى 10 أمتار، وهو المدخل الرئيسي للمنطقة الأثرية، فعلى جانبيه تقف المنازل التاريخية، التي كان يسكنها كبار التجار وعِلية القوم في زمن الحكم المملوكي ثم العصر العثماني.
يمكن التجول بين 7 منازل أثرية بالشارع، تحمل أسماء ساكنيها، هي: «كوهية وبسيونى ورمضان ومحارم وأبوهم والجمل وعلوان»، والتي تمّكن زائريها من التعرف عن قرب على خصائص العمارة والفنون الإسلامية في هذه الفترة، حيث بُني جميعها من الطوب المنجور ذي اللونين الأسود والأحمر، والبيوت تتميز بوجود «المشربيات» التي تزين الواجهات، التي تحمل جماليات معمارية، فيما كانت وظيفتها العمل على ضبط دخول الهواء وأشعة الشمس لمنزل.

مسجد زغلول

هو أقدم مساجد مدينة رشيد وأكبرها، تم بناؤه على ثلاث مراحل؛ بداية من العصر المملوكي. يحمل المسجد ذكرى عزيزة على قلوب أهل رشيد، وهي الانتصار على الحملة الإنجليزية (حملة فريزر)، فمن على مئذنته انطلقت صيحة الله أكبر إيذاناً ببدء الهجوم على جنود الحملة، وكان المسجد بمثابة «أزهر يتوافد عليه طلاب العلم والعلماء».
وفي منتصف العام الماضي افتتحت المرحلة الأولى من أعمال ترميمه، حيث كان في حالة سيئة بسبب الشروخ وارتفاع نسبة الرطوبة ومنسوب المياه الجوفية.

حمَّام عزوز

هو الحمام العمومي الوحيد الباقي بالمدينة، يرجع تاريخ إنشائه للقرن 17 الميلادي، ومنشؤه عبد الرحمن بن الحاج حجازي الشهير بابن جامع، وجعله وقفاً خيرياً لمسجد زغلول، بينما اشتهر باسم «عزوز» نسبة إلى آخر من تملكه في فترة الخمسينيات، وفي عام 1982 انضم الحمام لملكية هيئة الآثار.
يتبع الحمام التصميم المعتاد للحمامات في العصر المملوكي، وكذلك العمارة الداخلية، فجميع أرضيات الحمام من الرخام، وأسقفه عبارة عن قباب مفرغة الأجزاء تتخللها أطباق زجاجية مختلفة الألوان.

مسجد أبي مندور الأثري

يعد مسجد أبي مندور الأثري من أشهر المساجد الأثرية بالمدينة بني عام 1312-1897 م، ويقع على شبه جزيرة تسمى «تل أبو مندور»، وهي ربوة على نهر النيل، ويتوافد عليه الزائرون من جميع بلدان العالم الإسلامي، نظراً لموقعه على نهر النيل فرع مدينة رشيد، ونظراً لجمال التصميمات المعمارية الداخلية والخارجية.
ويشهد محيط المسجد توافد العديد من الرحلات المدرسية والجامعية والوفود الأجنبية والأهالي والمصطافين وطلاب الفنون للاستمتاع بالطبيعة الخلابة بالمكان، حيث خضعت المنطقة للتطوير لتكون مقصداً سياحياً، بعد أن كان الوصول إليها يتم عن طريق البحر عبر المراكب الشراعية.

قناطر إدفينا

تبقى منطقة قناطر إدفينا جنوب رشيد إحدى أهم المواقع الجغرافية وأبرز المزارات السياحية، للتمتع بالمساحات الخضراء بها وركوب الخيول، إضافة إلى استقلال المراكب النيلية والجلوس على شاطئ نهر النيل.
تنتشر في قناطر إدفينا خمسة حدائق بالبر الأيسر مساحتها 25 فداناً، والبر الأيمن به حديقتان مقامة على 10 أفدنة، وبهما مشتل لإنتاج الزهور والنباتات النادرة ومسطحات خضراء وأحواض وأشكال هندسية ونافورات وحديقتان لمساحة 100 فدان منزرعة بالموالح والفاكهة، مما يجعلها مقصداً لقضاء الأعياد والمناسبات.

الرحلات النيلية

مع وقوع «رشيد» على نهر النيل يتيح ذلك ركوب المراكب الراسية على ضفافه، والتمتع بنزهة داخل مياه النيل، وهي من أكثر وسائل الجذب السياحي إلى رشيد، ويمكن التجول بها حسب رغبتك نصف ساعة أو ساعة، كما يمكن الجلوس فقط داخل المركب، بشرط احتساء أحد المشروبات كالشاي أو القهوة.
بعد انتهاء الجولة النيلية، يمكن قضاء وقت آخر على الكورنيش، مع التمتع بشراء الـ«آيس كريم».

الطعام في رشيد

مع كون المدينة ملتقى نهر النيل والبحر المتوسط، فمن الطبيعي أن تكون الأسماك والمأكولات البحرية هي أكثر أطباقها شهرة، وأن تصبح مهنة الصيد هي المهنة الأساسية لأهلها. وزائر المدينة يجد نفسه في حيرة بسبب أنواع الأسماك التي تتجاوز 100 صنف، منها ما يخرج من سواحل البحر المتوسط، ومنها ما يخرج من نهر النيل.
ويعتبر سمك البلطي هو الأكثر انتشاراً في رشيد، وهو ليس نوعاً واحداً، فيوجد منه أنواع: «خنيني، نيلي، حساني، وراقي، سيلفر، عياشي»، إلا أن «الخنيني» يعد أشهرها، وهو من أكثر المأكولات الشعبية في رشيد، وهو سمك صغير الحجم ممتلئ البطن، يتميز بطعمه الشهي، إلى جانب أسعاره الرخيصة.
ويمكن الاستمتاع بوجبة من السمك أو الجمبري في مطاعم الأسماك الشعبية المنتشرة بالمدينة، أو التوجه إلى سوق السمك، الذي ينقل الصيادون بضاعتهم إليها على مدار ساعات النهار، لذا تعج بحركة البيع والشراء، وكذلك الشواء، ويُمكّن قصد السوق لاختيار الأنواع التي تروق للزائر، وكذلك ضمان أن تكون طازجة.
ولمزيد من الاستمتاع بالأسماك، ننصحك باصطحاب الأسماك المشوية - من السوق - إلى المركب النيلي، وتناوله خلال تجولك في مياه النيل.

مسجد أبي مندور الأثري (صفحة الوحدة المحلية لمركز ومدينة رشيد على «فيسبوك»)

مدينة رشيد... لمحة تاريخية

> يرى المؤرخون أن أصل تسمية رشيد يعود إلى الكلمة المصرية القديمة «رخيت» بمعنى (عامة الناس)، واشتهرت في ذلك الوقت بصناعة العجلات الحربية ونجحت في عهد الملك منبتاح ابن الملك رمسيس الثاني في صد هجمات الليبيين وشعوب البحر، كما أقام الملك بسماتيك الأول سنة 633 ق.م. معسكراً على ساحل المدينة لحماية شواطئ البلاد.
وفي العصر القبطي أطلق عليها «رشيت»، حتى كان الفتح العربي على يد عمرو بن العاص والذي دخلها بعد أن فتح مدينة الإسكندرية عام 21 هـ وكان حاكم رشيد القبطي يسمى قزماس، وهو الذي عقد صلحاً مع عمرو وأدى الجزية للمسلمين وبقيت الكنائس في المدينة لمن بقي على دينه، وقد استطاب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى المدينة فعمروها وأقاموا البيوت وبنوا المساجد وأطلقوا عليها رشيد والتي ما زالت تعرف بها حتى الآن.
بمرور السنوات، سطرت رشيد تاريخاً مع زمن الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت، حث استمرت بالتقدم عبر مدينة رشيد.
وفي عام 1807 كان الموعد مع البطولة لأهل هذه المدينة، حيث حققوا انتصاراً عظيماً على الحملة الإنجليزية (حملة فريزر)، حيث تمكنوا من القضاء عليهم من شرفات المنازل وأسطحها، وهو الحدث الذي جعلته محافظة البحيرة عيداً قومياً لها يحتفل به سنوياً.

حجر رشيد

في أغسطس (آب) 1799م عثر (بوشار) أحد ضباط الحملة الفرنسية على الحجر المشهور بحجر رشيد تحت أنقاض قلعة قايتباي، والذي تم من خلاله فك رموز اللغة الهيروغليفية القديمة، وبالتالي الكشف عن كل التاريخ المصري، وهو ما أدى إلى ذيوع شهرة المدينة أكثر وأكثر.
وهو عبارة عن حجر من البازلت الأسود يعود تاريخه إلى عام 196 ق.م ومسجل عليه محضر مبايعة الكهنة للملك بطليموس الخامس والاعتراف به ملكاً على البلاد، وهذا الحجر مكتوب عليه بثلاث لغات هي الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية القديمة، وقد عكف العالم الفرنسي «شامبليون» فترة طويلة على دراسة هذه النقوش الموجودة على الحجر حتى توصل إلى فك رموز اللغة المصرية القديمة، وقد نقل الحجر إلى لندن طبقاً لشروط معاهدة 1801م بين الإنجليز والفرنسيين، وهو الآن يعد واحداً من أهم القطع الأثرية المعروضة بالمتحف البريطاني بلندن، وهناك محاولات مصرية تجرى لاسترداده.



«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
TT

«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)

على الضفة الغربية لنهر النيل في أسوان تتخذ «غرب سهيل» موقعاً استثنائياً بين القرى المصرية؛ فهي تتخذ مكانها فوق سفح جبلي، مستمدة خصوصيتها من جمال الطبيعة، ومسجلة حضورها كنموذج حي للسياحة الريفية المستدامة.

لكن لا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أصبحت القرية النوبية في أقصى جنوب مصر أيضاً وجهة عالمية تُروى قصتها في المحافل الدولية بعد اختيارها ضمن أفضل القرى السياحية لعام 2024 في برنامج منظمة الأمم المتحدة للسياحة.

وهو اختيار لم يأت صدفة، بل عبر مسار طويل من التحول، بدأ من جذور ضاربة في التاريخ الفرعوني، مروراً بتهجير أبناء النوبة، وصولاً إلى المشهد الحالي الذي جعل من القرية متحفاً طبيعياً مفتوحاً، يحيا فيه التراث، ويتنفس يومياً مع سكانها وزائريها.

هذه القرية التي يصفها أهلها بـ«بلدي الحبوب»؛ من فرط حبهم واعتزازهم بها، لا تعد مجرد محطة في جولة السائح داخل أسوان، إنما باتت تشكل الوجهة ذاتها، بما تملكه من طاقة بصرية، وبما تحتضنه من ذاكرة إنسانية وثقافية تمتد إلى العصور الفرعونية؛ حين كانت المنطقة مركزاً للتعبد والطقوس اليومية للملوك.

تجربة سياحية مختلفة (غرب سهيل الفيسبوك)

ويرتبط اسمها تاريخياً بجزيرة «سهيل» المجاورة، وهي الجزيرة التي اكتسبت قداسة كبيرة في الدولة القديمة لصلتها بالإله خنوم وزوجته الإلهة ساتت.

ولذلك حين تزورها حتماً ستشعر بقدسية المكان وأهميته الروحية، لا سيما حين تتأمل نقوش الملوك على الجرانيت الصلد، والتي تعد كتاباً مفتوحاً لفصول من التاريخ.

لكن على الرغم من كل هذا الزخم الحضاري والتاريخي، فإن للقرية وجهاً آخر معاصراً يجتذب شرائح أخرى من السياح؛ فبعد تعلية خزان أسوان في بدايات القرن العشرين، حين انتقلت أسر نوبية كثيرة إلى الضفة الغربية بحثاً عن أرض جديدة تستوعبهم، أعاد الأهالي بناء حياتهم، محافظين على ملامح العمارة النوبية القديمة بطراز «القبو»، وبألوان زاهية تتوزع على الجدران كأنها توقيع شخصي لكل بيت.

ويبدأ كل شيء عند الاقتراب من القرية عبر نهر النيل، وتستوقفك المراكب الشراعية التي تتمايل بخفة، قبل أن تكشف عن ضفة ملونة دافئة تحتضنك في حب، وهي عبارة عن بيوت بقباب دائرية وزخارف يدوية، وأطفال ببشرة داكنة يلوحون للقادمين بابتسامة لا تفارقهم.

بيت نوبي داخل القرية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

من قرية بسيطة إلى وجهة عالمية

لذلك حين تتوجه إليها فلن تجد نفسك في قلب قرية جميلة فقط، إنما ستكتشف إنك تخوض تجربة سياحية متكاملة، ومختلفة فهنا ستجد البيوت تستقبلك بترحاب، وتقدم لك الأكلات النوبية، وتعكس العادات اليومية.

وإذا تجولت في شوارعها ستدرك حينئذ أنك داخل مساحة مفتوحة للتراث النوبي بكل تفاصيله: الألوان، الموسيقى، الحرف، اللغة، والضيافة.

فالسائح هنا اختار مقصداً حياً للسياحة البيئية؛ وربما يرتبط ذلك بمجموعة المبادرات التي أطلقها الأهالي في المكان والتي تحولت بمرور الوقت إلى مشروع جماعي، أو رمز للسياحة البيئية يُعرف بأسلوبه الخاص، حتى أصبحت اليوم واحدة من أكثر المحطات طلباً لدى الشركات السياحية العالمية.

ربما يكون السر وراء ذلك هو أنك تدخل مكاناً لا يشبه أي مكان آخر؛ فالضيافة في غرب سهيل ليست خدمة بقدر ما هي أسلوب حياة؛ فهنا البيوت مفتوحة كأنها جزء من الشارع، والوجبات النوبية تقدم كما لو أن الزائر فرد من العائلة.

سحر النوبة وجمالها في المكان (فندق إندو ماندو )

الصورة التي تبهر الزائر

من أبرز ما يلتقي به الزائر داخل تلك البيوت التي تحولت العديد منها إلى «بيوت ضيافة» أو مكان سياحي للإقامة، هو المشغولات اليدوية التي تحمل روح النوبة، وتتنوع بين السلال، الحُلي، المشربيات، الرسوم الهندسية، والحرف التي ما زالت النساء يمارسنها منذ أجيال تعيش مع الجذور والفلكلور المصري الجنوبي.

ويمكن للسائح أن يستمتع بأنشطة متعددة يعيشها في المكان؛ حيث يمكنه أن يبدأ يومه برحلة نيلية على المراكب الشراعية، يتبعها ركوب الجِمال على الشريط الرملي، قبل الانتقال إلى جلسات داخل البيوت النوبية لتناول الطعام المحلي المكون من أطباق تقليدية مثل الفطير النوبي، الطواجن، السمك، أو العصائر التقليدية مثل «الكركديه» والدوم.

بينما تتحول الجلسات المسائية إلى مشاهد لا تنسى، بين الموسيقى النوبية التي تؤديها الفرق الشعبية الجنوبية، والرقصات الدائرية على صوت الدفوف، وإذا نظرت إلى أعلى ستبهرك سماء مضاءة بنجوم الجنوب التي تبدو أكثر قرباً من أي مكان آخر.

من اللافت في «غرب سهيل» وجود شباب القرية في كل مكان، وتوليهم مهمة تقديم الخدمات للسياح بشكل احترافي؛ حيث تحولت السياحة إلى مصدر رزق مستدام بالنسبة لهم.

غرف بألوان مبهجة و نقوش فالكلورية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

مكان الإقامة

أنصحك أن تترك حياة الرفاهية في الفنادق الكبرى في جنوب مصر، وتتوجه إلى بيوت الضيافة بغرب سهيل؛ التجربة هنا مختلفة وممتعة؛ فهي مجهزة على الطراز النوبي، بعضها بإطلالات رائعة مباشرة على النيل، وبعضها الآخر في شوارع جانبية لكنها تضم غرفاً رحبة وشرفات واسعة.

كما ستجد منشآت أكبر ذات طابع معماري مستوحى من الطين الملون والقباب، تقدم برامج إقامة كاملة، ومنها رحلات نيلية يومية، زيارات للمناطق الأثرية، جلسات موسيقية فلكلورية، ورش للتعرف على التراث النوبي.

وجهة قريبة من أهم المعالم

إلى جانب ما تقدمه القرية نفسها، تحيط بها مجموعة من أبرز مواقع أسوان التاريخية والطبيعية، وهو ما يعزز من قيمة زيارتها ويجعلها نقطة انطلاق مثالية لاكتشاف المدينة، ومن أبرز هذه الأماكن «معبد فيلة»، وهو واحد من أهم المعابد المصرية المكرسة لعبادة إيزيس، يحتضنه النيل على جزيرة ساحرة.

وبالقرب من القرية أيضاً، هناك «مقابر النبلاء» تلك المقابر الصخرية المحفورة في الجبل، والتي تكشف عن طبقات من التاريخ المصري القديم، ويقبع دير الأنبا سمعان على الجانب الغربي للنيل، وهو أيضاً دير أثري فريد.

ويمكن لمن يزور أسوان الاستمتاع «بجزيرة النباتات» إذا كان من عشاق المحميات الطبيعية؛ فهي تضم نباتات نادرة، يمكن الوصول إليها بالفلوكة، وتستطيع أيضاً الاستمتاع بزيارة «السد العالي»، فهو أحد أبرز إنجازات مصر الهندسية الحديثة، ومتحف النوبة لذي يعرض ذاكرة النوبة وهويتها.

إذا أردت اتباع نصائحي فإن الفلوكة هي الوسيلة الأفضل والأكثر متعة للوصول إلى القرية، ولا تنسى تخصيص يوم كامل للزيارة على الأقل؛ للاستمتاع بالرحلات النيلية، والتجول، وتناول الأطعمة النوبية.

وقم بشراء المنتجات اليدوية من البيوت؛ فهي ذات سعر أقل من المتاجر، كما أنك حين تفعل ذلك ستساهم مباشرة في دعم الأسر المحلية بالمكان.


بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
TT

بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)

تشتهر لندن بكونها إحدى أكثر العواصم العالمية ثراءً بالمؤسسات الثقافية والمتاحف؛ فمن المتاحف الوطنية الكبرى إلى المعارض الفنية الحديثة، تبدو المدينة وكأنها مكتبة مفتوحة للذاكرة الإنسانية. غير أن جانباً مميزاً من هذا الإرث الثقافي لا يظهر في القاعات الواسعة أو المباني الضخمة، بل في فضاءات أكثر حميمية وهدوءاً: بيوت المتاحف: هذه البيوت ليست مجرد مبانٍ تاريخية محفوظة، بل أماكن تعيد إحياء حياة أصحابها وتفاصيل يومهم العادي. ففيها تتقاطع العمارة بالتاريخ، والسيرة الشخصية بالتحولات الاجتماعية الكبرى. وعندما يدخل الزائر أحد هذه المنازل، فإنه لا يشاهد التاريخ فقط، بل يعيش داخله للحظات.

إن فكرة تحويل المنازل التاريخية إلى متاحف ليست جديدة، لكنها اكتسبت في لندن طابعاً خاصاً، حيث ترتبط هذه البيوت غالباً بشخصيات أثرت في الفكر أو الفن أو السياسة. ومن بين أبرز هذه الأمثلة متحف Sir John Soane’s Museum، وبيت Benjamin Franklin House، والتجربة الفنية المميزة في Dennis Severs’ House.

هذه البيوت الثلاثة، رغم اختلاف قصصها، تشترك في هدف واحد: تحويل التاريخ من مادة جامدة محفوظة في الكتب إلى تجربة إنسانية ملموسة.

منزل تاريخي يعود إلى عام 1630 (الشرق الأوسط)

عندما يصبح المنزل وثيقة تاريخية

تتميز بيوت المتاحف بأنها تحافظ على البنية الأصلية للمكان، وهو ما يمنح الزائر فرصة نادرة لفهم كيف كانت الحياة اليومية في فترات تاريخية مختلفة.

فبدلاً من عرض الأثاث أو الوثائق في قاعات معزولة، تبقى الأشياء في أماكنها الطبيعية: المكتب في غرفة الدراسة، والكتب على رفوف المكتبة، وأدوات الطعام على مائدة المطبخ.

هذا الترتيب يمنح الزائر إحساساً بأن الزمن توقف داخل تلك الجدران. وهو إحساس يصعب تحقيقه في المتاحف التقليدية التي تعتمد على العرض المنفصل للقطع الأثرية.

كما أن بيوت المتاحف تمثل أيضاً مصادر مهمة لدراسة التاريخ الاجتماعي؛ فهي تكشف تفاصيل الحياة اليومية التي غالباً ما تغيب عن السجلات الرسمية: طريقة ترتيب الغرف، وأنواع الأثاث المستخدمة، وحتى أسلوب الإضاءة والتدفئة. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة يمكن فهم الكثير عن الثقافة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية في العصور الماضية.

غرفة نوم تعود إلى عام 1956 (الشرق الأوسط)

متحف السير جون سوان: عبقرية معمارية داخل منزل صغير

يعد متحف سير جون سوان واحداً من أكثر بيوت المتاحف إثارة للإعجاب في لندن. وكان هذا المنزل مقر إقامة المعماري البريطاني الشهير السير جون سوان الذي ترك بصمة واضحة في العمارة البريطانية في أواخر القرن الثامن عشر.

وكان سوان شخصية استثنائية تجمع بين المعمار والباحث وجامع التحف. فقد أمضى سنوات طويلة في السفر وجمع القطع الأثرية واللوحات الفنية والمخطوطات من مختلف أنحاء أوروبا.

ومع مرور الوقت، امتلأت غرف منزله بهذه المقتنيات إلى حد جعل المكان أشبه بمتحف خاص. لكن سوان لم يكن مجرد جامع للقطع الفنية، بل كان مهتماً أيضاً بكيفية عرضها.

لذلك صمم المنزل بطريقة مبتكرة تعتمد على اللعب بالضوء والمساحات. فقد استخدم فتحات سقفية ومرايا تعكس الضوء الطبيعي إلى داخل الغرف، مما يمنح المكان إشراقاً غير متوقع.

كما صمم جدراناً متحركة يمكن فتحها لتكشف عن لوحات إضافية، الأمر الذي يجعل الزائر يشعر وكأنه يكتشف المتحف تدريجياً.

ومن بين الكنوز التي يضمها المتحف أعمال للفنان البريطاني الشهير ويليام هوغارث (William Hogarth)، إضافة إلى مجموعة واسعة من الآثار المصرية والرومانية.

اليوم، لا يُنظر إلى هذا المكان على أنه متحف فني فحسب، بل أيضاً كدرس حي في العمارة. فالبيت نفسه يُعد عملاً فنياً يوضح كيف يمكن للمساحة المحدودة أن تتحول إلى فضاء ثقافي غني.

منزل تاريخي تحول إلى متحف (الشرق الأوسط)

بيت بنجامين فرانكلين: التاريخ الأميركي يمر عبر لندن

في شارع هادئ بالقرب من ساحة الطرف الأغر تجد منزل بنجامين فرانكلين الذي عاش في هذا البيت بين عامي 1757 و1774، وهي فترة حاسمة سبقت اندلاع (الثورة الأميركية).

وخلال تلك السنوات، كان يعمل ممثلاً لعدة مستعمرات أميركية لدى الحكومة البريطانية، وكان يسعى إلى تسوية الخلافات المتصاعدة بين المستعمرات وبريطانيا.

لكن جهوده الدبلوماسية لم تنجح في منع الأزمة التي انتهت بقيام الثورة الأميركية. ومع ذلك، لعبت تجربته في لندن دوراً مهماً في تشكيل أفكاره السياسية.

لم يكن فرانكلين سياسياً فقط، بل كان أيضاً عالماً بارزاً في مجال الكهرباء. واشتهر بتجاربه حول البرق التي قادته إلى تطوير فكرة مانعة الصواعق.

كما كان شخصية فكرية بارزة في حركة Age of Enlightenment التي دعت إلى استخدام العقل والعلم في فهم العالم.

اليوم، يقدم المنزل للزوار فرصة لفهم هذه المرحلة المهمة من حياة فرانكلين. فالغرف التي عاش فيها، والمكتب الذي كتب عليه رسائله، تعطي صورة واضحة عن الحياة الفكرية والسياسية في القرن الثامن عشر.

إن زيارة هذا البيت تذكرنا بأن الأفكار التي غيرت العالم قد تنشأ أحياناً في أماكن بسيطة، داخل منزل هادئ في مدينة بعيدة عن موطن صاحبها.

منزل دينيس سيفرز: المتحف بوصفه تجربة فنية

في شرق لندن يقع أحد أكثر بيوت المتاحف غرابة وإبداعاً منزل دينيس سيفرز: (Dennis Severs’ House) إنشاء هذا المكان الفنان سيفرز الذي عاش فيه لعقود قبل وفاته عام 1999.

لم يكن مؤرخاً تقليدياً، بل كان فناناً يسعى إلى خلق تجربة حسية كاملة. لذلك صمم المنزل بحيث يبدو كأنه منزل عائلة حقيقية عاشت فيه عبر قرون.

وكل غرفة تمثل فترة زمنية مختلفة، وتحكي جزءاً من قصة خيالية لعائلة من نسّاجي الحرير الذين استقروا في لندن في القرن الثامن عشر. وما يجعل التجربة فريدة هو أن الزائر لا يجد شروحات مكتوبة تقريباً. بدلاً من ذلك يعتمد المتحف على الإضاءة والروائح والأصوات لإعادة خلق أجواء الماضي.

فقد يرى الزائر شموعاً مضاءة، أو مائدة طعام لم تُرفع بعد، أو أدوات عمل تركها أصحابها للحظة. وهذه التفاصيل الصغيرة تجعل المكان يبدو وكأن سكانه سيعودون في أي لحظة. وهكذا يتحول المتحف إلى تجربة فنية تجمع بين التاريخ والمسرح والخيال.


«قصر ليدز»... «مهر الملكات» الرائع في ريف إنجلترا

قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)
قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)
TT

«قصر ليدز»... «مهر الملكات» الرائع في ريف إنجلترا

قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)
قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)

هل تخطط لزيارة الريف الإنجليزي في عطلة الصيف المقبل؟ إذا كنت ترغب فعلاً في ذلك، ولا تريد أن تبتعد كثيراً عن لندن، فـ«قصر ليدز» قد يكون ضالتك. «قصر الملكات»، كما يُطلق عليه، لا يبعد أكثر من ساعتين عن لندن، وهو يستحق بلا شك يوماً على الأقل يتم قضاؤه في استكشاف تاريخ القصر، وساكنيه، والاستمتاع بمحتوياته الملوكية، وحدائقه الرائعة، والبحيرات والأنهار المحيطة به. وفوق ذلك، لا بد من تجربة «المتاهة» الموجودة في أرجائه، التي «تحتجز» بحقّ من يدخلها وتتحداه أن يعرف طريقة الخروج من شبكة معابرها المعقدة... وكما أي شيء آخر يحصل في بريطانيا، سيكون اليوم أكثر متعة لو كان الطقس مشمساً.

إحدى تلال القصر

يقع «قصر ليدز» في مقاطعة كنت، شرق لندن، وليس كما يوحي الاسم في مدينة ليدز، شمال إنجلترا. القصر موغل في القدم، إذ يرِد ذكره للمرة الأولى في كتاب يوم الدينونة (Domesday Survey) عام 1086، الذي تم فيه إجراء مسح شامل لتسجيل سكان إنجلترا وممتلكاتهم، بأمر من الملك ويليام الفاتح، دوق النورماندي الذي غزا إنجلترا وتوّج ملكاً عليها إثر «معركة هيستينغز» عام 1066. في ذلك المسح، سُجّل القصر المقام على جزيرتين وسط نهر لين (River Len)، باسم أودو، مطران بايو، الأخ غير الشقيق لويليام الفاتح. لكن القصر انتُزع منه ومُنح لعائلة أخرى عقب وصول ملك جديد إلى سدة الحكم.

وعلى مدى سنوات طويلة، تم تطوير القصر وتوسيعه، وتعزيز دفاعاته، خصوصاً بعد تحويله إلى «قصر ملكي» بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر. بين عامي 1278 و1290، سكنت القصر الملكة الإسبانية إيلانور القشتالية، زوجة الملك إدوارد الأول. ومن القصص الطريفة التي تُروى عن تلك الحقبة، أن حماماً بني في القصر خصيصاً للملك إدوارد، بعد وفاة زوجته إيلانور. السبب؟ أن الملك استمتع بتجربة الاستحمام خلال مشاركته في الحروب الصليبية في «الأراضي المقدسة»، فبني له حمّام في قصر ليدز لهذه الغاية خصيصاً.

الملكة كاثرين الأرغوانية ابنة إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة وفرديناند الثاني ملك أراغون

ولتعزيز علاقته بفرنسا، تزوج إدوارد الأميرة الفرنسية مارغريت (أخت الملك فيليب الرابع المعروف بـ«الملك العادل»). قدّم إدوارد القصر لمارغريت كمهر زواج، وبدأت منذ ذلك الوقت مسيرة اعتبار القصر جزءاً من مهر الملكة، وبقى في ملكيتها بعد وفاة زوجها.

لم تسر تلك المسيرة بلا شوائب. فبعد وفاة والدته، لم يسارع الملك إدوارد الثاني إلى منح القصر لزوجته الملكة، بل أهداه إلى أحد النبلاء، يدعى بادلسمير. ارتكب هذا الأخير خطأ لا يُغتفر. فقد رفض أن يأذن للملكة إيزابيلا بزيارة القصر عندما طلبت إذناً بذلك. فما كان من الملك إدوارد سوى أن حاصر القصر وسيطر عليه... وقطع رأس بادلسمير.

توالى على القصر ملوك وملكات، وتوالت الزيجات وخلافات التوريث. قصص طويلة، مشوقة، وحزينة، لمن يهتم بتاريخ إنجلترا وملوكها. من بين القصص التي تستحق التوقف عنها قصة الملكة جوانا النافارية (شمال إسبانيا) التي عوملت في البداية معاملة حسنة من الملك هنري الخامس، ابن زوجها، لكن العلاقة بينهما ساءت لاحقاً. وفي عام 1419، اتهمها بأنها تستخدم السحر لقتله. صادر عائداتها المالية، وأمر بسجنها، ثم وضعها في إقامة جبرية. قبل وفاته، لان قلب الملك كما يبدو، فأعادها إلى القصر ومنحها حريتها. معاناة جوانا، يوماً بعد يوم، مروية في كتاب ضمن أرشيف القصر.

استمر القصر ملكياً على مدى قرون... إلى أن تم نقله إلى الملكية الخاصة في القرن السابع عشر مع نهاية حقبة أسرة تيودور. في عام 1665، استخدم القصر لإيواء أسرى الحرب مع هولندا، قبل تغيير ملكيته مجدداً إلى أسرة اللورد فيرفاكس، مع استمرار زيارات الأسرة الملكية الإنجليزية للقصر وقضاء وقت فيه.

الليدي بايلي مع ابنتيها

في القرن العشرين (عام 1925)، انتقلت ملكية القصر إلى السيدة أوليف بيجيت، الثرية الإنجليزية – الأميركية، التي كانت تفتش عن مكان ريفي تستريح فيه بمقاطعة كنت. أشرفت أوليف، التي صارت تُعرف بـ«الليدي بايلي» بعد زواجها للمرة الثالثة، على تحسينات واسعة في القصر، الذي تحوّل خلال الحرب العالمية الثانية إلى مركز إيواء تتم فيها معالجة الجنود الذين تم إجلاؤهم من دنكيرك خلال الزحف النازي في غرب أوروبا. بعد وفاة الليدي بايلي عام 1974، انتقلت ملكية القصر إلى «مؤسسة قصر ليدز» التي حوّلته إلى مركز سياحي يزوره أكثر من 600 ألف زائر سنوياً.

بعد هذه الجولة على تاريخ القصر، هذه قائمة بأبرز الأشياء التي يمكن للزائر أن يراها أو يقوم بها خلال زيارته «قصر ليدز».

غرف القصر

يمكن للزائر أن يحصل على دليل مسموع يشرح له قصص القصر وساكنيه غرفة غرفة. هذه مكتبة، وتلك غرفة طعام وإلى جانبها غرفة نوم تحوي سريراً فاخراً. ستتعرف على مشاهير قضوا أوقاتاً في القصر، مثل تشارلي شابلن وإيرول فلين وإيان فليمنيغ وونستون تشرشل. ستطلع أيضاً على رسومات لملكات وملوك إنجلترا السابقين ممن أقاموا في القصر.

الملكة كاثرين خلال حفل زفافها من الملك هنري الخامس

ولعل ما سيلفت انتباه الزوار مدى اختلاف مقياس «الجمال» فنياً بين الماضي والحاضر. فالملكة كاثرين تبدو حقاً وكأنها في مأتم خلال حفل زفافها من الملك هنري الخامس الذي يبدو أيضاً عابساً في اللوحة تماماً كالقسيس الذي يعقد قرانهما وكبقية الحاضرين لحفل الزفاف. في المقابل، تبدو «الليدي بايلي» مع ابنتيها في لوحة مشرقة أمام حديقة القصر. في الواقع، هناك ما لا يقل عن 500 عام بين معايير الجمال في لوحة كاثرين وهنري، وتلك التي تظهر فيها بايلي مع ابنتيها.

المتاهة

منظر من إحدى نوافذ القصر

لا بد لأي زائر أن يجرب «المتاهة» (Maze) في حديقة القصر. في الحقيقة، سيكون الزائر محظوظاً إذا وجد طريقه للخروج من هذه الشبكة المعقدة من المعابر التي يشبه بعضها بعضاً، فيجد من يدخل المتاهة نفسه محتجزاً في سجن يركض فيه من ممر إلى آخر ليعود إلى نفس النقطة التي انطلق منها، فيعاود الكرة مراراً ليجد نفسه مجدداً في المكان ذاته. في أي حال، لا بد أن يجد الزائر طريقة ما للخروج، ربما من خلال تتبع خطوات زوار آخرين نجحوا في الوصول إلى نقطة النهاية. إذا كنت تخشى أن «تضيع» ولا تعرف كيف تخرج من «المتاهة»، فالنصيحة ألا تدخلها... لكنها تبقى تجربة ممتعة بلا شك، سواء أكنت وحدك أم في تحدٍّ مع أفراد أسرتك حول من يعرف طريقة الخروج أولاً.

في أسفل «المتاهة» نفق تحت الأرض يحوي تماثيل لكائنات بحرية مصنوعة يدوياً، مع إنارة مميزة، لمن يرغب في مثل هذه التجربة.

الطيور

الطيور جزء أساسي من أي زيارة للقصر

في الساعة الثانية بعد الظهر، يمكن للزوار أن يحضروا عرضاً للطيور التي تعيش في أرجاء القصر والحدائق الشاسعة المحيطة به. ستتعرف على النسر «موزارت» والصقر «بروك» والبومة «كوكو» والبومة «نوريس» والصقر «سارابي». يتولى مختصون بالطيور تنظيم عرض لهذه الطيور التي تقوم بما يُطلب منها، أحياناً ترفض القيام بما هو متوقع منها، فتسبب حرجاً لمدربها وضحكات من المتفرجين على المأزق الذي يجد نفسه فيها بعدما تباهى بأنها تستمع لأوامره.

على أي حال، إذا استمع الطائر لما يُطلب منه، فستجده يتناول طعامه من خلال القيام بحركات لا يتوقع أن يقوم بها طائر من الطيور الكاسرة للوصول إلى المكان المخفي فيه الطعام. في الحقيقة، ستكتشف أن الطيور الكاسرة، مع تدريب كافٍ، يمكن أن تصير أليفة نوعاً ما. وهي، كما يؤكد المشرفون على العرض، حرة في البقاء في أرجاء القصر أو الرحيل. ليست أسيرة أقفاص. فهي تطير ثم تعود... لا شك أنها تعرف قيمة الإقامة في قصر!