هزبر محمود: أصبح الشعر حاجة في زمن التوحش

الشاعر العراقي الفائز بجائزة سوق عكاظ.. ورث عن التربة العراقية سحنتها المغموسة بالألم والمعاناة

الأمير خالد الفيصل يعلن أسماء الفائزين بجائزة عكاظ (الشرق الأوسط})  -  هزبر محمود
الأمير خالد الفيصل يعلن أسماء الفائزين بجائزة عكاظ (الشرق الأوسط}) - هزبر محمود
TT

هزبر محمود: أصبح الشعر حاجة في زمن التوحش

الأمير خالد الفيصل يعلن أسماء الفائزين بجائزة عكاظ (الشرق الأوسط})  -  هزبر محمود
الأمير خالد الفيصل يعلن أسماء الفائزين بجائزة عكاظ (الشرق الأوسط}) - هزبر محمود

بهدوئه المعتاد، وسكونه العذب، يخفي الشاعر العراقي الفائز بجائزة سوق عكاظ لهذا العام هزبر محمود غيوما محملة بالحزن والمطر. سجّل حضورا متميزا في فضاء الشعر العربي، وورث من التربة العراقية سحنتها المغموسة بالألم والمشحونة بالمعاناة.
كان لديه حضور بارز في مسابقة «أمير الشعراء»، لكّنه سجل فوزا أخيرا بحصوله على لقب شاعر عكاظ لهذا العام.
هزبر محمود أساسا مهندس مدني، وخريج كلية الهندسة في جامعة الموصل، من مواليد محافظة ديالى، ويعيش ويعمل في شركة «غاز الشمال» في كركوك المحافظة التي تمتزج فيها الثقافات العراقية. وهو عضو في اتحاد الأدباء العراقيين، له مجموعتان شعريتان: «أثر على الماء»، و«تركتُ الباب رهوا»، ومجموعة ثالثة تصدر قريبا «أعشاش لطيور الأربعين».
أجرينا الحوار التالي مع الشاعر العراقي هزبر محمود بعد فوزه بجائزة «سوق عكاظ»..
* ماذا يعني لك الفوز بجائزة سوق عكاظ؟
- الفوز بجائزة سوق عكاظ بالنسبة لي ينقسم إلى نجاح من شقين، الأول لي شاعرا، والآخر لي إنسانا، أما شاعرا فهو الرئة التي شرفتني بها المملكة العربية السعودية في هذه النقطة من ماراثون القصيدة، فجَدَّدتْ الطاقة والنفس الذي سيجعل المواصلة ذات طبيعة مختلفة كونها تستند إلى تأييد تلك الصحراء التي صنعتْ بامتدادها وحرِّ رملها أنفاس رئات فحول الشعراء عبر الأزمنة.
وهذه الرئة ستمنحني شهيقا من دون حشرجة، يوفِّر لي الهدوء الذي يجعلني أصغي لذاتي من جديد، فأسمع بكل وضوح تلك الألحان التي عادةً ما تتداخل وتصبح صعبة التمييز بعد المسافات الطويلة تحت شمس القوافي اللاهبة في جوٍّ فقدنا فيه مظلة النقد العربي إلا قليلا، وبذلك هي تحمل بشارة القادم أكثر من حملها مكافأة الماضي.
أما نجاحي بها إنسانا فهو هذه التهاني من الأحبة الذين وفَّرتُ لهم الفرح - الأسرة، الأقارب، الأصدقاء - حتى الذين لا يعلمون شيئا عن الشعر كان يكفيهم مجدا أن يسمعوا اسمي يلفظ ثلاثيا من شفتي الأمير خالد الفيصل، فعلموا بذلك أن الفوز كان ذا قيمة معنوية كبيرة وأن ذلك المسمى فصيحا، المجهول بالنسبة لهم، قد وجد صداه في قلوبٍ تعوَّدتْ أن تواجه الإبداع بالتشجيع من دون تمييز أن يكون هذا الإبداع محليَّا أو عربيَّا، فالمملكة تملك من الأبوَّة العربية والإسلامية ما يجعلها تعتبر كلَّ مبدعٍ ابنا لها وتعتبر إنجازه إنجازا للعربية سواءً كان هذا المبدع في مكة أو كركوك العراقية.
* لستَ غريبا عن المنابر الشعرية، لكّنك تقف قريبا على منبر كان يقف فيه النابغة الذبياني ليجيز الشعراء.. ماذا يعني لك ذلك؟
- منذ اللحظة التي قررت الاشتراك بها في المسابقة وأرسلت بها نتاجي لسوق عكاظ شعرت بأن واحدا من الذين سيقابلونه بميزان حكمهم هو النابغة الذبياني، ميزان الذهب ذاك الذي يحمل الكثير من المراتب العُشرية من أجل دقة الحُكْمِ بين المتقارب من الإبداع. لقد قال أحفاد الذبياني كلمتهم التي منحوني بها الثقة. أما وقوفي على منبره فسوف يكون تحليقا عبر التاريخ والحاضر والمستقبل، وإذا اتفقنا على الماضي والحاضر فقد تسألني لماذا المستقبل؟ فأقول لأني متفائل بأن هذه الجائزة ستستمر في قادم القرون، وستكون أسماؤنا حاضرة في الأجيال التي ستمر على منبرها بعد أن تغيب أجسادنا، لذلك لن أكتفي بالتحليق بالماضي والحاضر حين أكون على منبره.
* مِمَ تتغذى قصائدك.. ما هي الروافد التي تستقي منها قصائدك؟
- قرأتُ الكثير من الشعراء القدماء والحاضرين كما قرأ الشعراءُ الشعراءَ، لكنِّي أختلف أنني قرأتُ الشعراءَ بقلِّةٍ وبحذر، كنتُ أقرأ الشعراءَ بعقل المهندس وليس بعقل الشاعر، وهذا جعلني أفهم مكانة الشاعر وليس شعره، لذلك بقي شعري بمنأى عن أن يكون نسخة من أحد.
قد لا أكون بحاجة لسرد هذه المقدمة لدى القارئ العادي، لكن القارئ الشاعر يعلم لماذا أتيتُ بها.
* كيف نشأت تجربتك الشعرية.. بمن تأثرت؟
- الشعر في العراق هو يوميات الناس رغم طغيان الشعبي الذي هو بالتالي شعر، فأنت بمجرد أن تمازح صديقا أو تهجره لفترة أو تقصر بحقه يرد عليك بمقطع شعري، وأنا بدأته إلقاءً منذ دخولي المدرسة، إما بإلقاء النصوص الموجودة في المنهج التعليمي أو القصائد الشعبية التي كانت تملأ الشوارع أثناء الحرب مع إيران، هذا الأمر جعلني أعشق المنصةَ باكرا ورسَّخ في عيني مشهد عيون الناس وهم صامتون ينتظرون مني أن أقول، لم أكن أتوقع أن أكتبه، فأنا كنتُ أرى الناس الذين يكتبون الشعر ليسوا من أهل الأرض فهم حتما جاءوا من كوكب آخر أو أنهم بشرٌ مثلنا، لكنهم تعرضوا لصدمة بنوع من الموجات التي لم يكتشف ماهيتها العلم بعدُ، حتى كبرتُ فلم يعدْ يكفيني الشعر الشعبي ولا كلُّ الشعر المكتوب، فظهرتْ الحاجة أن أعبر أنا عن نفسي وتلتْ المحاولات حتى وقفت على ذاتي.
لن أقول إني تأثرت، فكما قلت لك في السؤال السابق إنني قرأت الشعراء بحذر خوف التأثر، لكني أحببتُ شعر معظم شعراء الخط الأول من الماضين والحاضرين. وميَّزتُ السياب في نصوصه التي كتبها ليس بحثا عن الكم الشعري.
* أين يقع العراق ضمن مصادر إلهامك الشعري؟
- العراق كلُّ شعري، بذلتُ جهدا كبيرا حتى جعلت بعض قصائدي تخلو منه، رغم ذلك أشعر بأن قصيدة العراق الحقيقية لم أكتبْها بعدُ، في مرحلةٍ من شعري كنتُ مريضا بالعراق، لا أعرف كيف يمكن أن يُكتب بيت شعرٍ لا يكون ملهمه العراق، مشكلة العراق في شعري أنه الأب، قسوته توجيه وطاعته بِرٌّ والتمرد عليه عقوق، كنتُ أشجِّع الحبيبة أن تتجلى لتأخذ من سطوة العراق في القصيدة فيغيِّبها العراق من حيثُ لا أشعر، وإذا أردت مثالا حيَّا من شعري على ذلك فهو الأبيات الأولى من قصيدتي (آخر الألحان) التي بدأتُها غزلا فلم أعلم كيف خطفها العراق:
«حِضْنِي عَتيْقٌ وﭐحْتِجَاجُكِ مُكْلِـفُ
ولِسَانِي الصَّحْرَاءُ وﭐسْمُكِ مُتْرَفُ
وَوَرَاءَ جُرْحِي أَلْفُ جُرْحٍ، مَا لَهَا
نفس الأَذَىٰ.. فَٱحْتَارَ ماذا يَنْزفُ
وَالسَّاكِنُونَ بِرَاحَتَي قَبَائلا،
بِهِمَا قَضَوْا عُمُرا، عَلَيْـهِ تَأَسَّفُوا!
وَتَنفسوْني في الحُروبِ، فَصِرْتُ
حَفْرا في الـهَوَاءِ، وآيَةً لا تَهْدفُ!
فالجرح هنا العراق والساكنون براحتي أهله والحروب حروبه.
* هل لا يزال العراق ملهما للشعراء.. هل لا تزال القافية العراقية تُشوى على جمر المعاناة؟
- العراق لا يقال عنه «لا يزال» - مع حبي لك - كذلك الأمر مع أي حضارة عظيمة، لأنَّنا بذلك نقيس عمر العراق على أعمارنا أو أعمار القريبين من أجدادنا وأولادنا، وهذا قياس غير منطقي؛ لأن هذه الحضارة حتى إذا غابتْ عن الإلهام لجيل أو جيلين من الشعراء بسبب ظروف اجتماعية أو خلل في منظومة الزمن فإنه سيعود ناصعا في الأجيال التي تلي، لذلك هو الملهم الخالد لشعرائه، أما جمر المعاناة فمعك حقٌّ، يبدو أنه القدر الذي يلازم القافية العراقية منذ العراق وحتى يشاء الله. ما لفت نظري في المنابر الشعرية العراقية هو أن القاعات تضج بالتصفيق لهذه القافية وبطون الكتب كفلتْ لها أن تكون المحطة الأكثر نصوعا، وأي بعد عنها يعدُّ بُعدا عن كمال الشعرية وأشدُّ القصائد خلودا هي التي تكلمت عن الألم.
* كتبتَ قصيدة «غريب آخر على الخليج»، مثلت امتدادا لقصيدة الشاعر بدر شاكر السياب «غريب على الخليج»، ما الذي يجمع بينك وبين السياب؟
- يا سلام!.. ما أحببت سؤالا كما أحببتُ هذا السؤال، والسبب عبارته الأخيرة التي جمعتْ بيني وبين السياب! قصيدة «غريب آخر على الخليج» واحدة من قصائد ديواني «أثرٌ على الماء» التي قرأتها في مهرجان مؤسسة البابطين في الكويت عام 2013 وأحدثت تفاعلا كبيرا لدى جمهور المهرجان.
ما يجمعني بالسياب في هذه القصيدة - ظاهرا - أننا عراقيان في الكويت، ذاك البلد الرائع الذي احتضن السياب مريضا واحتضنني ضيفا، فأنا حين وجدت السياب تكلم بنصه عن حزن عراقي وحزن سيابي حدثا معه أردت الاستفادة من الطاقة التي تركها نصّ السياب في الأدب العربي، فأخبرتُ بنصي عن حزن عراقي آخر حدث معي، هذا ظاهرا، أما ما يجمعني بالسياب عمقا فهو قولاه الشهيران في هذا النص الأول «الشمس أجمل في بلادي من سواها» والثاني «والموتُ أهون من خطية».
* في قصيدتك «غريب آخر على الخليج» تطفو هموم الذات ووجع الاغتراب وأنت لم تكتبها في غربة..
- نعم، للأمانة وللتاريخ أنا لم أكن مغتربا في الكويت بل كنتُ ضيفا عزيزا مُحتفى به، كان الكرمُ فوقَ الوصف وكنتُ بين أهلي، لذلك قلت في القصيدة:
تَجِيءُ بِصَبْرٍ فَوْقَ حَاجَةِ غُرْبَةٍ
إلى غُرْبَةٍ، كُلُّ الذينَ بِهَا أَهْلُ
تَرَى فِي الخَلِيْجِ، الآنَ، قَارِبَ: «مَرْحَـبَـا»
بُمَوْجِ شِفَاهٍ، لَيْسَ يُدْرِكُهَا عَقْلُ
وَأَنْتَ جَلَبْتَ الصَّبْرَ، صَبْرَكَ كُلَّهُ،
فَلَيْتَكَ قَدْ أَبْقَـيْتَ صَبْرَا لِمَنْ ظَلُّوْا
* الحزن سمة الشعر العراقي الجنوبي، لكنك أيضا مسكون بهذا الحزن، فكل من يقرأ قصائدك يجد تيمة الحزن ملازمة، كيف تفسر ذلك؟
- عاش العراق من جنوبه إلى شماله ذات الحزن عبر عصوره، ولولا عدالة توزيع هذا الحزن على مساحته لما وصل للقرن الميلادي الحادي والعشرين واسمه العراق بخريطته الحاليَّة. هو انتهى هكذا بعد أن قطع سبعين قرنا في التاريخ، وهذا دليلُ على أن هؤلاء الناس كان حزنهم واحدا فوحَّدَهمْ، من خلال مشاهدتي للعراق رأيت الحزنَ أقوى عناصر الوحدة للشعوب ولا أعني وجود الحزن بالطبع، بل أعني عمق لونه حتى وإن كان فاتحا. نحن لا يهمنا دين أو قومية، هذا الجار الذي يبكي على نفس ما أبكي عليه أو يفرح لما يفرحني، والدليل ما يحصل الآن من مطالبات في بعض مناطق بالانعزال حين اختلف الحزن.
الذي أعرفه أن القصيدة، لم يختلف حزنها حين حزن العراق ولن يختلف فرحها إذا فرح العراق.
* أين تجد نفسك في فضاء الشعر، هل تميل لجنس أو شكل أو قالب محدد، أم تطلق العنان للقصيدة تصنع قالبها كيف تشاء؟
- أجد نفسي في العبارة التي اقتلعت الإحساس من ذاتي كاملا وأنزلته غير منقوص على الورقة، تلك العبارة التي لا تقبل تبديل كلمة مكان كلمة ولا حرف مكان حرف، وأي تبديل سيجعلها أقلَّ إشراقا. كان يؤسفني دائما أن السامع أو القارئ لم يعِ الفرق بين قلم الرصاص الذي لا يكتب في كل مرة إذا لم يتحمَّل ألم المبراة وبين قلمٍ نسي ألم المبراة (والشاعر لا بدَّ أن يكتب بقلم الرصاص)، لكنَّ «عكاظ» فهمتْ وهي ستجعل الآخرين يعيدون النظر في فهمهم.
* هل يقلقك تراجع الشعر عن حضوره في المشهد؟
- لا مشهد ثقافيا عربيا بلا شعر، مع اعتزازي بكل الفنون الأخرى، ولكن إذا انسحب الشعر من المشهد العربي يوما فإن الفراغ الذي سيتركه سيكون زيتيا لا يبتلُّ بمطر الفنون الأخرى، مَن يقلق على الشعر في الذات العربية يقلق على طفل من حضن أمه.
* هل لا يزال للشعر دور في عالم مسكون بالتوحش؟
- الشعر وُلدَ في أزمنةٍ كان فيها العالم مسكونا بالتوحش، بل ونستطيع القول إنه وُلِدَ لأنه أصبح الحاجة في زمن التوحش، وُلدَ جنينا جائعا عُريانا فكبر في بيئة هي الأقسى حتى أصبح الشَّاب اليافع الأقوى، واجه طقوسا حملتْ كلَّ أنواع التوحش وقام بدوره فيها، فهل من المنطقي أن يفقد دوره الآن؟



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.