التونسيون يقبلون بـ«فتور شديد» على مراكز الاقتراع لاختيار برلمانهم الجديد

سعيد عدّ الانتخابات خطوة لـ«صنع تاريخ البلاد وتحقيق الكرامة والسيادة للشعب»

الرئيس قيس سعيد يدلي بصوته بأحد مراكز العاصمة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس قيس سعيد يدلي بصوته بأحد مراكز العاصمة أمس (أ.ف.ب)
TT

التونسيون يقبلون بـ«فتور شديد» على مراكز الاقتراع لاختيار برلمانهم الجديد

الرئيس قيس سعيد يدلي بصوته بأحد مراكز العاصمة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس قيس سعيد يدلي بصوته بأحد مراكز العاصمة أمس (أ.ف.ب)

أعلنت السلطات في تونس أن 8.8 بالمئة فقط من الناخبين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية، بعد أن قاطعت معظم الأحزاب السياسية الاقتراع ووصفته بأنه مهزلة تهدف لتدعيم سلطات الرئيس.
وفتح أكثر من 11 ألف مكتب اقتراع داخل تونس، صباح أمس، أبوابه أمام أزيد من تسعة ملايين ناخب؛ لاختيار أعضاء البرلمان التونسي الجديد، الذي سيحل محل البرلمان المنحل الذي كانت تتزعمه حركة «النهضة»، وسيتم في هذه الانتخابات التصويت على الأفراد، عوض التصويت على القائمات الانتخابية، كما كان الوضع في المحطات الانتخابية السابقة، وذلك لأول مرة في تاريخ البلاد.
وخلال الساعات الأولى التي تلت فتح مراكز الاقتراع، أجمع معظم التقارير الإعلامية وتصريحات بعض رؤساء الهيئات الفرعية للانتخابات على «الإقبال الضعيف للناخبين، وغياب الحماس الفردي والتنافس السياسي»، على مقاعد البرلمان الذي يستوفي خريطة الطريق، التي أعلنها الرئيس قيس سعيد نهاية السنة الماضية، رغم كل ما رافق المسار الذي أطلقه منذ 25 يوليو (تموز) 2021 من تشكيك ومعارضة ودعوات للتراجع عنه.
ومن خلال جولة أجرتها «الشرق الأوسط» وسط العاصمة، وزيارة عدد من مكاتب الاقتراع المنتشرة في الأحياء المحيطة بها، بدت حركة الناخبين متثاقلة، ولم تظهر الصفوف الطويلة نفسها، التي ميزت المحطات الانتخابية السابقة، ومثال على ذلك، فقد شهد مكتب الاقتراع بشارع مرسيليا، وسط العاصمة، نسبة إقبال لم تتجاوز 0.66 في المائة حتى حدود العاشرة صباحاً، وفق تصريح عبد العزيز البهري، رئيس مكتب الاقتراع بهذه المنطقة.
وبحسب بعض الأرقام المسجلة، فقد كانت نسبة الإقبال على مكاتب الاقتراع في منطقة الكاف (شمالي غرب) في حدود 2.6 في المائة حتى الساعة العاشرة، وذلك من إجمالي 204963 ناخباً مسجلاً، يتنافس فيها 36 مرشحاً تقدموا للانتخابات في 3 دوائر انتخابية من أجل الفوز بثلاثة مقاعد بالبرلمان التونسي الجديد.
أما نسبة المشاركة في ولاية (محافظة) القصرين، فلم تتجاوز إلى حدود العاشرة صباحاً نسبة 0.6 في المائة، حيث بلغ عدد المقترعين 2052 مقترعاً، بحسب تصريح أدلى به أمير الميزاوي، رئيس الهيئة الفرعية للانتخابات بالقصرين.
في السياق ذاته، بلغت النسبة الإجمالية للإقبال على مكاتب التصويت بالدوائر الانتخابية الثلاث في ولاية (محافظة) زغوان، لانتخاب 3 أعضاء بمجلس النواب الجديد، حدود 2.42 في المائة إلى حدود العاشرة صباحاً.
وبينما غاب الناخبون عن مراكز الاقتراع، حافظت المقاهي الشعبية على الإقبال نفسه من قبل التونسيين، غير مبالين بالموعد الانتخابي، كما غابت نقاشاتهم الحادة التي ميزت انتخابات 2011 و2014 و2019، بينما شهدت شوارع بعض الأحياء الشعبية حركة ملحوظة، لكن في اتجاه الأسواق والمحلات التجارية بدل مراكز الاقتراع، في يوم احتفالهم بعيد انطلاق الثورة في تونس.
وأفادت المعطيات الأولية، التي أعلنتها هيئة الانتخابات، بارتفاع عدد المقترعين من نحو 270 ألف مقترع عند العاشرة صباحاً (ما يعني أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 3 في المائة) إلى نحو 400 ألف مقترع بعد نحو ساعة من ذلك. لكن هيئة الانتخابات تأمل في مشاركة نحو 2.8 مليون ناخب في هذه المحطة الانتخابية، وهو تقريباً عدد المشاركين نفسه في استفتاء الصيف الماضي. غير أن الأطراف السياسية المعارضة توقعت مشاركة ضعيفة؛ نتيجة غياب الثقل الانتخابي، الذي تمثله عدة أحزاب قوية، مثل حركة «النهضة»، وتحول العملية الانتخابية إلى ما يشبه «المنافسة بين التوجه السياسي نفسه الداعم للرئيس سعيد».
وبسبب تشكيك البعض في الأرقام التي قدمها أعضاء هيئة الانتخابات حول نسبة المشاركة الصباحية، أكدت الهيئة أنها تعتمد على تطبيق إلكتروني لاحتساب عدد الناخبين المشاركين في الانتخابات بصفة محينة، مبرزة أن رؤساء مكاتب الاقتراع كلهم لديهم هذا التطبيق الإلكتروني الذي يرسلون عبره أرقاماً محينة إلى القاعة المركزية لهيئة الانتخابات، وتخص عدد المشاركين في عملية الاقتراع، وهي أرقام لا يمكن التشكيك في صحتها، حسب تعبيرهم.
لكن بسام معطر، رئيس «الجمعية التونسية من أجل نزاهة وديمقراطية الانتخابات» (عتيد)، أكد في المقابل أن الإقبال على الانتخابات التشريعية في ساعاتها الأولى «كان ضعيفاً جداً»، موضحاً أن المقبلين على مراكز ومكاتب الاقتراع «كانوا من فئة الكهول فقط، في حين يكاد يكون الإقبال منعدماً تماماً في بعض مراكز الاقتراع».
وسجلت الجمعية عدداً من «الإخلالات والتجاوزات» عند انطلاق العملية الانتخابية، صباح أمس، ارتقت في جانب منها إلى مستوى «جريمة انتخابية»، حيث تم رصد عمليات نقل جماعي للناخبين من أمام مقر معتمدية الشابة (ولاية المهدية) لفائدة أحد المرشحين. كما تم رصد ممثلي أحد المرشحين وهم يتصلون بالناخبين، علاوة على رصد قيام ممثلي المرشحين بمدرسة شارع بورقيبة بقفصة بإيصال الناخبين، وإرشادهم إلى مكاتب الاقتراع المعينة.
وبالنسبة للمرشحين للبرلمان التونسي بالخارج، فقد أعلن محمد التليلي المنصري، المتحدث باسم هيئة الانتخابات التونسية، أنها ستعلن فوز ثلاثة مرشحين في الدوائر الانتخابية في فرنسا وإيطاليا، البالغ عددهم ثلاثة، مهما كان عدد الأصوات التي سيحصلون عليها، وهو أمر قانوني مرتبط أساساً بالقانون الانتخابي الجديد، مشيراً إلى وجود ثلاث دوائر انتخابية فتحت أبوابها منذ 15 ديسمبر (كانون الأول) الحالي للتونسيين بالخارج، وأنه لم يسجل في كل دائرة سوى مرشح واحد، وهو ما يعني فوزهم الآلي بمقعد في البرلمان التونسي الجديد.
والفائزون بالمقاعد الثلاثة هم عمر البرهومي عن دائرة فرنسا، ورياض جعيدان عن دائرة فرنسا أيضاً، وسامي بن عبد العالي عن دائرة إيطاليا.
وإلى حدود الساعة السابعة من مساء أمس، صوت 927 مواطناً في الخارج، وفي هذا السياق ذكر المنصري أن النائب ياسين العياري عن دائرة ألمانيا في الانتخابات البرلمانية التي جرت سنة 2019 فاز بـ286 صوتاً. وقال المنصري إن هذه النتائج عادية في الدوائر الانتخابية خارج تونس، مؤكداً أن نسبة التصويت عادة ما تتراوح بين 3 و12 في المائة.
ووفق تقارير إعلامية محلية، فقد تخلّف عدد من التونسيين بالخارج عن هذه المحطة الانتخابية، وغاب المرشحون عن أكثر من نصف الدوائر الانتخابية في الخارج، إذ سجلت العملية الانتخابية ترشح ثلاثة أفراد فقط في ثلاث دوائر، بينما غابت الترشحات عن سبع دوائر انتخابية، وهذا يحصل لأول منذ البدء في المسار الديمقراطي التعددي سنة 2011.
وتدور هذه العملية الانتخابية في ظل مقاطعة معظم الأحزاب السياسية ذات الثقل الانتخابي، على غرار حركة «النهضة»، وعدد كبير من الأحزاب اليسارية، علاوة على الانتقادات الكثيرة التي وُجِّهت لهيئة الانتخابات من ناحية، وللنظام السياسي الذي أقصى أكبر الأحزاب من الترشح من ناحية ثانية. وبينما وافقت هيئة الانتخابات على خمسة آلاف طلب اعتماد ملاحظين وإعلاميين محليين ودوليين، أعلن البرلمان الأوروبي مقاطعة عملية المراقبة للانتخابات. وسيختار الناخبون من خلال التصويت نواباً في برلمان قلص الدستور الجديد كثيراً من صلاحياته.
ووفق الدستور التونسي الجديد يعين الرئيس التونسي بنفسه رئيس وزراء، وذلك في مخالفة تامة للنظام السابق، الذي منح البرلمان دوراً محورياً في اختيار رئيس الحكومة.
ومن المتوقع اللجوء إلى دور ثانٍ في هذه الانتخابات، في حال عدم حصول مرشح على الأغلبية المطلقة من إجمالي الناخبين، الذين شاركوا في الدائرة الانتخابية. وتتجه الأنظار نحو الدوائر الانتخابية التي ترشح بها أكثر من ثلاثة مرشحين.
وكان الرئيس التونسي قيس سعيد قد أدلى بصوته في الانتخابات التشريعية بمركز الاقتراع بحي النصر بالعاصمة صباح أمس، حيث دعا التونسيين إلى «الإقبال على التصويت لصنع تاريخ جديد» قائلاً: «اصنعوا تاريخكم بأنفسهم يا أبناء الشعب التونسي. فلتكن السيادة للشعب لتحقيق الحرية والكرامة، وتركيز سيادة تونس حتى تصدر القوانين من المجلس النيابي القادم، مُعبرة عن رغبات وتطلعات شعبنا في العزة والحرية والكرامة... توكلوا على الله... اعملوا من أجل أن نقطع مع هؤلاء الذين نهبوا البلاد وخربوها، ونصبوا أنفسهم أوصياء على الشعب التونسي بطريقة اقتراع بائدة، كما أثبتت التجربة»، على حد تعبيره.
وأضاف الرئيس سعيد، موضحاً أن النواب الجدد في البرلمان «ستسحب منهم الوكالة في حال لم يلتزموا بمطالب الشعب».
وعلى عكس دستور 2014، حصر دستور 2022 صلاحيات البرلمان الجديد في الاختصاص التشريعي، ولم يشر إلى أي إجراء لمراقبة أداء الحكومة ورئيس الجمهورية أو إمكانية سحب الوكالة منهما. ولذلك وصفت المعارضة، التي أعلنت مقاطعة الانتخابات، البرلمان الجديد بـ«ديكور بلا صلاحيات حقيقية»، كما اتهمت الرئيس سعيد بتقويض الديمقراطية.
ويمنح الدستور الجديد صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، ويجعل منه محور النظام السياسي، حيث يتولى تعيين رئيس الحكومة وأعضائها باقتراح من رئيس الحكومة، وله سلطة عزلها تلقائياً، كما يمكنه حل البرلمان، ويملك أولوية النظر في مشاريع القوانين التي يعرضها على البرلمان، وهو من يحدد السياسات العامة للدولة، ويحق له الترشح لولاية ثانية.
وخصص الدستور مجلساً وطنياً للجهات والأقاليم (غرفة ثانية إلى جانب البرلمان)، سيُنتخب أعضاؤها في انتخابات ثانية في فبراير (شباط) المقبل.


مقالات ذات صلة

القاهرة لإطلاع حفتر وصالح على نتائج زيارة شكري لتركيا

العالم العربي القاهرة لإطلاع حفتر وصالح على نتائج زيارة شكري لتركيا

القاهرة لإطلاع حفتر وصالح على نتائج زيارة شكري لتركيا

كشفت مصادر ليبية ومصرية متطابقة لـ«الشرق الأوسط» عن سلسلة اتصالات، ستجريها القاهرة مع السلطات في شرق ليبيا، بما في ذلك مجلس النواب و«الجيش الوطني»، لإطلاع المعنيين فيهما على نتائج زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى تركيا أخيراً. وأدرجت المصادر هذه الاتصالات «في إطار التنسيق والتشاور بين السلطات المصرية والسلطات في المنطقة الشرقية». ولم تحدد المصادر توقيت هذه الاتصالات، لكنها أوضحت أنها تشمل زيارة متوقعة إلى القاهرة، سيقوم بها عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، والمشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني». وكان خالد المشري رئيس المجلس الأعلى الدولة الليبي، ناقش مساء السبت مع وزير الخارجية ا

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي خطة حكومية عاجلة لوقف هجرة الأطباء الجزائريين إلى أوروبا

خطة حكومية عاجلة لوقف هجرة الأطباء الجزائريين إلى أوروبا

أعلنت الحكومة الجزائرية عن «خطة عاجلة» لوقف نزيف الأطباء الذين يهاجرون بكثرة، كل عام، إلى أوروبا وبخاصة فرنسا، بحثاً عن أجور عالية وعن ظروف جيدة لممارسة المهنة. وتفيد إحصاءات «مجلس أخلاقيات الطب»، بأن 15 ألف طبيب يشتغلون في المصحات الفرنسية حالياً، وقد درسوا الطب في مختلف التخصصات في الجزائر. ونزل موضوع «نزيف الأطباء» إلى البرلمان، من خلال مساءلة لوزير الصحة وإصلاح المستشفيات عبد الحق سايحي، حول ما إذا كانت الحكومة تبحث عن حل لهذه المشكلة التي تتعاظم من سنة لأخرى.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
العالم العربي تونس تتهيأ لاستقبال وزير الخارجية السوري تتويجاً لإعادة العلاقات

تونس تتهيأ لاستقبال وزير الخارجية السوري تتويجاً لإعادة العلاقات

يبدأ وزير الخارجية السوري فيصل المقداد اليوم زيارة إلى تونس تستمر حتى الأربعاء بدعوة من نظيره التونسي نبيل عمار، لإعلان استكمال المراحل المؤدية إلى إعادة العلاقات الثنائية بين البلدين، والبحث في كثير من الملفات الشائكة والعالقة على رأسها ملف الإرهاب، واستقبال الساحة السورية لآلاف من الشباب التونسيين المنضوين في صفوف التنظيمات الإرهابية. وأوردت مختلف وسائل الإعلام التونسي أخباراً حول الزيارة، وبقراءات عدة، من بينها التأكيد على أنها «ترجمة للتوازنات الجيوسياسية الإقليمية التي تعرفها المنطقة العربية، ومن بينها السعي نحو عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية». وكانت مؤسسة الرئاسة التونسية صورت عودة ا

المنجي السعيداني (تونس)
العالم العربي المغرب: دعوة لإسقاط مشروع قانون «اللجنة المؤقتة» لتسيير مجلس الصحافة

المغرب: دعوة لإسقاط مشروع قانون «اللجنة المؤقتة» لتسيير مجلس الصحافة

دعت «الفيدرالية المغربية لناشري الصحف بالمغرب» -أحد ممثلي ناشري الصحف في البلاد- أعضاء البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين)، إلى إسقاط مشروع قانون صادقت عليه الحكومة، يقضي بإنشاء لجنة مؤقتة لتسيير «المجلس الوطني للصحافة» المنتهية ولايته، بدل إجراء انتخابات. وجاءت هذه الدعوة في وقت ينتظر فيه أن يشرع مجلس النواب في مناقشة المشروع قريباً. وذكر بيان لـ«الفيدرالية» مساء السبت، أنه تلقى «بارتياح، التصدي القوي والتلقائي لهذا المشروع من طرف الرأي العام المهني، والمجتمع المدني، وفاعلين جمعويين وسياسيين، وشخصيات مشهود لها بالنزاهة والكفاءة»، معتبراً: «إن هذا الموضوع لا يهم باستهداف منظمات مهن

«الشرق الأوسط» (الرباط)
العالم العربي باشاغا: ترشحي للرئاسة الليبية سيتحدد بعد صدور القوانين المنظمة للانتخابات

باشاغا: ترشحي للرئاسة الليبية سيتحدد بعد صدور القوانين المنظمة للانتخابات

قال فتحي باشاغا، رئيس حكومة «الاستقرار» الليبية، إنه باقٍ في منصبه «إلى أن تتفق الأطراف الليبية كافة على قوانين انتخابية يُرحب بها دولياً، والبدء في الإعلان عن مواعيد محددة للاستحقاق الانتخابي...

جاكلين زاهر (القاهرة)

خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
TT

خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)

شهدت مدينة عتق، مركز محافظة شبوة اليمنية، الأربعاء، اشتباكات مسلحة رافقت مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، وهو ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، فيما اتهمت اللجنة الأمنية العليا عناصر خارجين عن القانون بالوقوف وراء محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة، والاعتداء على أفراد الأمن.

وأدانت اللجنة الأمنية في شبوة، بأشد العبارات، في بيان رسمي ما وصفته بـ«العمل الإجرامي المسلح» الذي أقدمت عليه عناصر «مندسة، وخارجة عن النظام، والقانون»، متهمة إياها باستهداف أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية بالذخيرة الحية، ومحاولة اقتحام مبنى السلطة المحلية بالقوة.

وأفادت مصادر محلية بأن التوتر بدأ مع تحرك مجموعة من المحتجين باتجاه مبنى السلطة المحلية، في حين تدخلت قوات الأمن لتفريقهم، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وسط تضارب في الأرقام، والروايات حول هوية الضحايا، وعددهم.

الأمن في شبوة اتهم مندسين في مظاهرة «الانتقالي» بإطلاق النار (إكس)

سكان ونشطاء تداولوا مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر محتجين يرفعون أعلام «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل، وصور قياداته، بينما بدت مجاميع مسلحة ترافقهم في شوارع المدينة. وبحسب روايات متداولة، حاولت مجموعة الصعود إلى سطح مبنى المحافظة لإنزال العلم اليمني، ما فاقم التوتر في محيط الموقع.

وتحدث ناشطون عن إلقاء قنبلة متفجرة باتجاه حراسة بوابة المبنى، ما أدى إلى إصابة عدد من الجنود المكلفين بحمايته، فيما أشارت روايات أخرى إلى أن القوات أطلقت النار في الهواء لتفريق الحشود قبل أن تتطور المواجهات إلى تبادل إطلاق نار.

وفي حين لم تورد السلطات الرسمية توضيحاً عن عدد الضحايا، قال الإعلام الموالي لـ«الانتقالي» إن 4 قتلى سقطوا، كما أصيب 28 آخرون، وسط اتهامات لعيدروس الزبيدي -الذي كان هرب إلى أبوظبي الشهر الماضي- بمحاولة زعزعة الاستقرار في المحافظات اليمنية الجنوبية، والشرقية عبر موالين له.

توضيح أمني

وفي خضم هذه التطورات، أصدرت اللجنة الأمنية بمحافظة شبوة بياناً أدانت فيه الأحداث، وقالت إن عناصر مندسّة، وخارجة عن النظام، والقانون، اعتدت على أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية، واستهدافهم بالذخيرة الحية، مع محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة بالقوة.

وأكدت اللجنة في بيان لها أن هذا التصرف المدان يمثل اعتداءً سافراً على مؤسسات الدولة، وهيبتها، وتهديداً مباشراً للأمن، والاستقرار في المحافظة، محملةً العناصر المشبوهة المسؤولية القانونية الكاملة عن تبعات هذه الأعمال الإجرامية، وما أسفرت عنه من سقوط ضحايا، ومصابين نتيجة استخدام القوة المسلحة بصورة متعمدة، في تحدٍ خطير للقوانين النافذة، واستخفاف واضح بحرمة الدم اليمني، والسلامة العامة.

قوات أمنية أمام مبنى الإدارة المحلية لمحافظة شبوة في مدينة عتق (إكس)

وشددت اللجنة الأمنية على أن الحق في التعبير، والتظاهر السلمي مكفول بالقانون، إلا أن حمل السلاح، والاعتداء على رجال الأمن، واستهداف المنشآت الحكومية يُعد من الجرائم الجسيمة التي يعاقب عليها القانون، ولن يتم التساهل معها تحت أي ظرف، أو مبرر.

وأعلنت اللجنة مباشرتها إجراءات ملاحقة العناصر المتورطة في هذا الاعتداء، وضبط كل من يثبت تورطه في التحريض، أو التمويل، أو التخطيط، أو التنفيذ، وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاءهم الرادع وفقاً للقانون.

تشديد على رفض الفوضى

وأكد البيان أن الأجهزة الأمنية والعسكرية في شبوة ستتخذ كافة التدابير، والإجراءات اللازمة لحماية مؤسسات الدولة، وصون الأمن العام، ولن تسمح بفرض الفوضى، أو تقويض السكينة العامة.

وحملت اللجنة الأمنية المسؤولية الكاملة لكل من سعى إلى جرّ المحافظة نحو مربع العنف، والفوضى، محذرةً من مغبة الاستمرار في مثل هذه الأعمال التي لن تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، والمساءلة القانونية الصارمة.

ودعت اللجنة كافة المواطنين إلى الالتزام بالنظام، والقانون، وعدم الانجرار خلف الدعوات المشبوهة، والتعاون مع الأجهزة المختصة للحفاظ على أمن المحافظة، واستقرارها، مجددة عزمها الثابت على فرض النظام، وسيادة القانون، والتزامها بحماية الأرواح، والممتلكات، والتعامل بحزم ومسؤولية مع أي تهديد يمس أمن المحافظة.

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل يرفعون صور الزبيدي (إكس)

وكانت اللجنة الأمنية استبقت هذه الأحداث ببيان أكدت فيه التزامها الكامل بالحفاظ على الأمن، والاستقرار، وحماية المكتسبات الوطنية التي تحققت في المحافظة، مشددة على ضرورة احترام القانون، والنظام في جميع الفعاليات، والأنشطة العامة.

وقالت إنها تحترم الحريات العامة، وحق الرأي، والتعبير السلمي، مع التأكيد على أن ممارسة هذه الحقوق يجب أن تكون ضمن الأطر القانونية، والتشريعية، حفاظاً على السلم الاجتماعي، والأمن العام.

وفي حين حذرت اللجنة الأمنية في شبوة من قيام أي فعالية غير مرخصة، أو تنفذ من دون التنسيق مع الجهات المختصة، دعت جميع المواطنين، والمكونات المجتمعية إلى تغليب المصلحة الوطنية، والالتزام بالقوانين المنظمة للأنشطة، والفعاليات، لضمان حماية المكتسبات الوطنية، وصون السلم الاجتماعي.


توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.