آيسلندا تتعافى من انهيارها المالي.. وتتوقع نموًا يفوق 4 % في 2015

كانت أكثر البلدان تأثرًا بالأزمة العالمية في 2008

آيسلندا تتعافى من انهيارها المالي.. وتتوقع نموًا يفوق 4 % في 2015
TT

آيسلندا تتعافى من انهيارها المالي.. وتتوقع نموًا يفوق 4 % في 2015

آيسلندا تتعافى من انهيارها المالي.. وتتوقع نموًا يفوق 4 % في 2015

عندما ضربت الأزمة المالية آيسلندا منذ سبع سنوات، فقد غونماندر كريستجانسون عمله، وكان غونماندر صيادا في منتصف العقد السادس وله ابتسامة عريضة ووجه منهك وعيون عابثة. عانى غونماندر من ارتفاع سعر الفائدة على قروضه بمعدل 300 في المائة، وكان عليه أن يبيع مصنعين للأسماك كان يمتلكهما وقاربين من قواربه الخمسة. «لم تدم استثماراتنا طويلا لأن كل ما كنا نفعله هو سداد فوائد الدين»، حسب غونماندر.
شاركت آيسلندا كلها غونماندر محنته، وبعد سقوط أكبر ثلاثة مصارف في آيسلندا في غضون ثلاثة أيام، انهارت العملة وتراجعت سوق الأسهم المالية بنسبة 95 في المائة، وتعرضت كافة الأعمال تقريبا للإفلاس.
بعد ذلك بدأت المعاناة، إلا أن آيسلندا اليوم تغيرت: تراجعت البطالة إلى 4 في المائة، ويتوقع صندوق النقد الدولي نموا للناتج المحلي الإجمالي بواقع 4.1 في عام 2015. والآن انتعشت السياحة من جديد. اشترى غونماندر للتو قاربا مستعملا من روسيا والآن هو بصدد القيام برحلة صيد إلى غرينلاند.
آيسلندا ليست اليونان، فهي كجزيرة صغيرة لا يتعدى سكانها 320.000 نسمة، استطاعت أن تعزز إرادتها السياسية أفضل من أغلب الدول. (فمقابلة رئيس الوزراء هناك ليست بالأمر الصعب على المواطنين). يبلغ تعداد اليونان نحو 11 مليون نسمة ويبلغ إجمالي الناتج المحلي فيها نحو 242 مليار دولار أميركي، ما يعادل 16 ضعف الناتج المحلي في آيسلندا، ولها تاريخ مع القلاقل السياسية والفساد الحكومي. كلتا الدولتين فجرت نفسها، وإن كان بشكل مختلف، فاليونان كشعب بالغ في مظاهر الإنفاق، بينما في آيسلندا هوت المصارف الخاصة بشكل دراماتيكي.
حتى وإن كانت آيسلندا الآن تمر بمرحلة التعافي، إلا أن عودتها سوف تكون محل اختبار. أعلنت الحكومة أنها بصدد رفع الضوابط التي فرضت على رأس المال وقت الأزمة. ورغم أن تلك القيود كان من المقرر لها أن تستمر لبضعة أشهر فقط، فإنها استمرت لسبع سنوات، مما أوجد ملجأ انتعشت فيه آيسلندا.
يعتبر التصريح بأن ضوابط رأس المال كانت قوية عام 2008 غير حقيقي إلى حد بعيد. وحتى لو أن الولايات المتحدة وأوروبا تلهفتا على المال السهل، فقد كانت آيسلندا ذلك الشاب الذي فقد وعيه في ركن ما في الحفلة.
وعندما تهاوت عملة آيسلندا الـ«كرونا» عام 2008، كانت المصارف الثلاثة الكبرى هناك تمتلك أصولا توازي عشرة أضعاف إجمالي الناتج المحلي، وانهار 85 في المائة من النظام المالي هناك.
دخلت مصارف آيسلندا في مجال الأعمال العالمي بشكل كبير رغم محدودية النظام المصرفي وضعف الخبرة.
«أرادت آيسلندا أن تصبح لاعبا ماليا كبير، وكان ذلك الأمر يشكل شيئا مجنونا لدولة لا يتعدى سكانها 320.000 نسمة»، حسب بوغي ثور سغريدسون، رئيس جون رونينغ، تاجر جملة في شركة للمعدات الكهربائية.
وفي نفس الوقت، أصبحت آيسلندا وجهة للمال الساخن، ولأن آيسلندا كانت تعطي نسب فائدة عالية على الودائع، كان رجال الأعمال والكثير من أبناء البلد يقومون باقتراض الدولار بنسبة فائدة 5 في المائة مثلا ثم يقومون بتحويله إلى عمله الـ«كرونا» المحلية لشراء سندات بنسب فائدة 9 في المائة، وذلك للاستفادة من الفارق بين 5 في المائة و9 في المائة.
وفي نفس وقت الانهيار، شكل رجال الأعمال الذين يستفيدون من فارق نسب الفوائد المصرفية نسبة 41 في المائة من أجمالي الناتج المحلي. ومن دون ضوابط رأس المال، كان من الممكن لتك الأموال أن تهرب للخارج، مما يزيد من أزمة هبوط الـ«كرونا».
لم تكن هناك فرصة لآيسلندا أن تتكفل بمصارفها ولذلك تركتهم يتساقطون، إلا أنها أنقذت المودعين المحليين بنقلهم لمصارف «جيدة» أخرى.
وبمساعدة من صندوق النقد الدولي، قامت حكومة آيسلندا بفرض ضوابط صارمة على رأس المال بمنعه من الخروج من البلاد ومنع الأفراد من شراء العملة الصعبة أو أسهم أجنبية.
ومع هبوط معدلات الأجور بنسبة 11 في المائة خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2010، لم تقلص الحكومة من الخدمات الاجتماعية، وبدلا من ذلك رفعت الضرائب وخففت من الديون على مقترضي الرهن العقاري من الأجانب.
فعلت آيسلندا ما لم تفعله غيرها من الدول النامية بأن سجنت عددا من مديري المصارف. عند انهيار المصارف، فيما عرف بثالث أكبر حالة إفلاس في تاريخ العالم، تعرض المساهمون لضربة قاسمة، وخسر المودعون الأجانب المليارات، إلا أنهم سعوا لتعويض بعض الأصول. انتهزت الصناديق الاستثمارية العالمية الفرصة وقامت بشراء بعض هذه المطالبات مقابل بضعة سنتات عن كل دولار.
ومع تحسن الاقتصاد، زادت قيمة المطالبات، بما في ذلك أحد المصرفين «الجيدين» في البلاد، ومعنى ذلك أن صناديق الاستثمار امتلكت فعليا جزءا كبيرا من نظام آيسلندا المالي.
فجأة تم منع صناديق المعاشات التقاعدية - الممولة بالكامل - من الاستثمار في أي أصول أجنبية جديدة، والآن أصبح نحو 75 في المائة من أصول استثمارات صناديق المعاشات تعمل بعملة آيسلندا المحلية الـ«كرونا». وفجأة كذلك أصبح هناك أسهم خاصة وظهرت صناديق عقارية بغرض الاستثمار في وعاء المال المحلي سريع النمو.
تسبب هبوط قيمة العملة في تراجع في قيمة الصادرات وارتفاع في قيمة الواردات، وأصبحت تكلفة السفر إلى آيسلندا أقل، حتى عندما تراجعت الأجور لم تواجه آيسلندا البطالة المخيفة التي واجهت الكثير من الدول الأوروبية الأخرى.
إلا أن ضوابط رأس المال تسببت أيضا في صداع لقطاع الأعمال، حيث أصبح المستثمرون مهمومين بإمكانية تأثير تلك الضوابط عليهم وفضلوا البقاء بعيدا. تراجعت الاستثمارات الأجنبية لتقف عند حاجز 16 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وهي مستويات أقل بكثير مما كانت عليه قبل الأزمة.
«نستمتع الآن بأفضل فترات استدامة النمو في التاريخ الحديث»، حسب بندكتسن، وزير المالية. إلا أن ضوابط رأس المال تعتبر ضارة جدا فيما يخص نسب الفائدة الاستثمارية في آيسلندا، وكذلك تتسبب في خسارة كبيرة للاقتصاد الحقيقي حيث نفقد الكثير من الفرص.
تعتبر آيسلندا مكانا لتأمل جمال الطبيعة الأخاذ، حيث يستطيع الزوار الصعود لفوهة بركان ومشاهدة أنهار الجليد وشلالات كتراكتس التي تشبه شلالات نياغرا. لأول مره تنتعش السياحة منذ الأزمة المالية ومنذ عام 2010 عندما حدث انفجار الغبار البركاني الذي أعتم السماء أمام الطائرات في أوروبا.
«عندما تعيش أوضاعا طبيعية، مثل انخفاض أسعار صرف العملة وحصول آيسلندا على المزيد من الاهتمام بسبب انفجار الغبار البركاني، فإن النجوم تلمع وتبدأ الأمور في التحسن»، حسب بندكتسن. في عام 2014 ارتفعت معدلات التدفق السياحي بنسبه 100 في المائة مقارنة بعام 2006.
في الماضي كان وسط المدينة ممتلئا بالمصارف وشركات التعاملات المالية، أما الآن فأصبح هناك كافيتريات ومطاعم لخدمة السياح. ومن بين أهم ما يشغل آيسلندا في الوقت الحالي أن ارتفاع الأجور سوف يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم.
ساعدت السياحة في تعافي الوضع، لكن آيسلندا تعتمد في الأساس على الصيد وصناعات الطاقة.
نجحت ضوابط رأس المال في آيسلندا لأنه كان هناك اقتصاد حقيقي أعانها ضد نوبات الجنون التي أصابت النظام المصرفي العالمي.
كانت آيسلندا مستعدة لأن تصف لنفسها دواء مرا من أجل استعادة سمعتها التي انحدرت كثيرا.
«كان هناك إجماع على أنهم لا يريدون أن ينظر لهم الناس كمعتوه القرية»، حسب جون دانيلسون، رئيس مركز الحد من المخاطر بكلية لندن للاقتصاد. ومع تعافي الاقتصاد، أصبحت ضوابط رأس المال أشبه بطائر البطريق.
ومؤخرا وبعد سنوات من المعاناة، اتفقت الصناديق الاستثمارية والعقارية على التمهيد لإلغاء ضوابط رأس المال.
ومنحت الحكومة الدائنين الخيار ما بين تحمل خسائر على مطالباتهم بقيمة 3 مليار يورو أو 22 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي نهاية العام.
وإذا لم يوافقوا على تلك الشروط، فعليهم أن يواجهوا ضريبة «ثبات» لمرة واحدة بقيمة تصل إلى 4.6 مليار يورو، أو 34 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وضعت الحكومة كذلك خطة لحل مشكلة البيع على المكشوف.
بينما يوافق الجميع على ضرورة رفع ضوابط رأس المال، إلا أن الحل زاد من المخاوف حول كيف سيكون شكل الحياة على الجانب الآخر وهل ستستطيع آيسلندا الاستمرار بعملتها المحلية؟
وقال رئيس الوزراء ووزير المالية اللذان ينتميان لحزين مختلفين إن تداول العملة المحلية ساعد آيسلندا على إنقاذ نفسها وتجنب تراجع كبير. فاليونان وإسبانيا وإيطاليا الذين يستخدمون اليورو لم يكونوا محظوظين، حيث إن تعديلاتهم لم تشمل فقط تقليص الأجور بل شملت أيضا تقليص الوظائف وكان ذلك أمرا عسيرا. إلا أن هناك من يرى أن العالم أكبر كثيرا من دولة لا يتعدى سكانها 320.000 نسمة ذات عملة يسعى لتعويمها.
«من الجنون لنا أن نحتفظ بعملتنا»، حسب سيجردسون، رئيس مؤسسة المعدات الكهربائية لتجارة الجملة، فهو يميل إلى استخدام عملة أخرى، رغم أنه يرى معضلة اليونان. ويضيف قائلا: «نحتاج إلى خيارات». بينما تأمل الحكومة رفع ضوابط رأس المال الأسبوع القادم، فإن أفرادا ومؤسسات أعمال وصناديق المعاشات التقاعدية سوف تستمر في تحمل بعض القيود.
يتطلع السيد كريستجسن، المدير التنفيذي بشركة الصيد، إلى الاقتراض من الأسواق العالمية - من النرويج مثلا - بسعر أقل حيث يقترض منافسيه بمعدل فائدة 1 في المائة، مضيفا: «فنحن نصطاد نفس نوع سمك المكاريل».



السجلات التجارية في السعودية تتجاوز 1.9 مليون... ونمو لافت للذكاء الاصطناعي

موظفون بالمركز السعودي للتنافسية والأعمال والذي يقدم كل الخدمات لأصحاب المنشآت التجارية (الشرق الأوسط)
موظفون بالمركز السعودي للتنافسية والأعمال والذي يقدم كل الخدمات لأصحاب المنشآت التجارية (الشرق الأوسط)
TT

السجلات التجارية في السعودية تتجاوز 1.9 مليون... ونمو لافت للذكاء الاصطناعي

موظفون بالمركز السعودي للتنافسية والأعمال والذي يقدم كل الخدمات لأصحاب المنشآت التجارية (الشرق الأوسط)
موظفون بالمركز السعودي للتنافسية والأعمال والذي يقدم كل الخدمات لأصحاب المنشآت التجارية (الشرق الأوسط)

تُواصل بيئة الأعمال في السعودية تسجيل معدلات نمو لافتة، مع تجاوز إجمالي السجلات التجارية حاجز 1.9 مليون سجل، في مؤشر يعكس اتساع قاعدة المنشآت وتنامي النشاط الاقتصادي بمختلف القطاعات. ويتزامن هذا التوسع مع صعود أنشطة الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، التي تشهد اهتماماً متزايداً من المستثمرين ورواد الأعمال، مدفوعة بتسارع التحول الرقمي وبرامج دعم الابتكار وتنويع الاقتصاد.

وأوضحت وزارة التجارة السعودية أن عدد السجلات التجارية بالمملكة ارتفع إلى أكثر من 1.9 مليون سجل، منها 1.3 مليون سجل للمؤسسات، و599 ألفاً للشركات ذات المسؤولية المحدودة، و5 آلاف سجل للشركات المساهمة.

وكشفت عن نمو السجلات التجارية بالقطاعات الواعدة في «رؤية 2030»، وتقود أنشطةُ البرمجة الحاسوبية والمعلومات والاتصالات هذا التقدم الذي يأتي متزامناً مع عام الذكاء الاصطناعي.

وذكرت الوزارة أن نشاط تقنيات الذكاء الاصطناعي تصدّر نسب نمو السجلات التجارية في القطاعات الواعدة، بنسبة ارتفاع 31 في المائة، حيث تجاوز عدد سجلاته التجارية 24 ألف سجل.

الخدمات اللوجستية

بينما بلغت نسبة النمو في الخدمات اللوجستية 25 في المائة، ووصل عدد سجلاتها إلى ما يزيد عن 32.1 ألف سجل، كما بلغت نسبة النمو في الأنشطة الإبداعية والفنون والترفيه 25 في المائة، بإجمالي يزيد عن 8.6 ألف سجل تجاري.

وفي صناعة الألعاب الإلكترونية، ارتفع عدد السجلات التجارية بنسبة 24 في المائة، ليبلغ 977 سجلاً، وبلغت النسبة مثلها في صناعة الألعاب الإلكترونية، لتصل إلى 977 سجلاً، في حين سجل الأمن السيبراني نمواً بنسبة 22 في المائة، وبلغ عدد سجلاته 11.2 ألف سجل تجاري.

وبلغت نسبة نمو السجلات التجارية في تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز 21 في المائة، ووصل عددها إلى أكثر من 13.8 ألف سجل، في حين سجلت مدن التسلية والألعاب نمواً بنسبة 16 في المائة، وبلغ عدد سجلاتها 9.4 ألف سجل تجاري.

وسجلت الأنشطة المالية والتأمين نمواً بنسبة 12 في المائة، وبلغ عدد سجلاتها التجارية 16.9 ألف سجل، في حين وصل عدد السجلات في التجارة الإلكترونية 52.2 ألف سجل، بنسبة نمو بلغت 9 في المائة.

الأنظمة المحدثة

وأفصحت الوزارة عن 110 تشريعات جرت مراجعتها وتطويرها؛ أبرزها: نظام الشركات ولائحته، والسجل التجاري ولائحته، وكذلك نظام الأسماء التجارية ولائحته، والامتياز التجاري ولائحته، بالإضافة إلى نظام التجارة الإلكترونية ولائحته.

ومِن أبرز التشريعات نظام المحاكم التجارية ولائحته، ونظام ضمان الحقوق بالأموال المنقولة ولائحته، والإفلاس، واللائحة التنفيذية لنظام المعادن الثمينة والأحجار الكريمة.


صندوق النقد الدولي: الاقتصاد المصري يخالف توقعات الصدمة الإقليمية

قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)
قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد المصري يخالف توقعات الصدمة الإقليمية

قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)
قارب يبحر في نهر النيل وخلفه أفق القاهرة (رويترز)

نجح الاقتصاد المصري في امتصاص تداعيات الصدمة الإقليمية الأخيرة بصورة أفضل من المتوقع، مستفيداً من تحسن الاحتياطيات الدولية ومرونة سعر الصرف وسرعة استجابة السياسات، لكن قدرة الاقتصاد على مواصلة الصمود ستظل مرتبطة بمعالجة مواطن ضعف مزمنة، في مقدمتها ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل، واستمرار انكشاف القطاع المصرفي على الحكومة، واتساع دور الدولة في النشاط الاقتصادي.

وفي مقال نشره صندوق النقد الدولي تحت عنوان «الصمود تحت وطأة الضغوط: الاقتصاد المصري يخالف التوقعات»، قال أمين ماتي، رئيس بعثة الصندوق إلى مصر والمدير المساعد في إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ويفغيينيا كورنيينكو، الخبيرة الاقتصادية الأولى في الإدارة نفسها، إن الإصلاحات التي نُفذت في إطار البرنامج المدعوم من الصندوق ساعدت في تعزيز النمو، ووضع التضخم على مسار هبوطي، وإعادة بناء الاحتياطيات وتحسين مراكز الأصول الأجنبية لدى البنوك.

ويشير أحدث تقييم للصندوق إلى أن إجمالي الاحتياجات التمويلية لمصر سيبقى في حدود 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأجل القريب، قبل أن يتراجع تدريجياً إلى أقل من 30 في المائة بحلول 2030. ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه التمويل بدرجة كبيرة على آجال استحقاق قصيرة، بينما لا تزال البنوك معرضة بدرجة مرتفعة للدين الحكومي.

رجل يمرّ أمام كشك تقليدي على رصيف أحد شوارع القاهرة (أ.ف.ب)

الأسواق تلقت الصدمة... والاقتصاد امتصها

دخلت مصر الصراع الإقليمي الأخير من وضع اقتصادي كلي أقوى مما كانت عليه خلال أزمات خارجية سابقة، بعد أن ساعد برنامج الإصلاح المدعوم من صندوق النقد في تعزيز النمو، ووضع التضخم على مسار هبوطي، وإعادة بناء الاحتياطيات الدولية وتحسين مراكز الأصول الأجنبية لدى البنوك.

وعندما اشتدت الضغوط، كان رد فعل الأسواق سريعاً وحاداً؛ فقد انخفضت حيازات المستثمرين غير المقيمين من الدين الحكومي المقوم بالجنيه من 39.1 مليار دولار في فبراير (شباط) إلى 22.2 مليار دولار في مطلع أبريل (نيسان)، بينما تراجع الجنيه المصري بنحو 14 إلى 17 في المائة.

إلا أن خروج الأموال لم يتحول إلى أزمة اقتصادية أوسع. ومع انحسار الضغوط، عادت تدفقات المحافظ الاستثمارية، واقتربت حيازات غير المقيمين من مستويات ما قبل الصراع، كما استعاد الجنيه جانباً كبيراً من خسائره الأولية.

ويربط صندوق النقد جانباً مهماً من هذا الأداء بمرونة سعر الصرف، التي سمحت بامتصاص جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب تعديلات أسعار الطاقة بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية، وضبط الإنفاق، وتوسيع نطاق الدعم الموجه إلى مستحقيه.

النمو لم يتوقف

اللافت أن الاضطرابات المالية لم تنتقل إلى النشاط الاقتصادي بالحدة نفسها؛ فقد بلغ نمو الاقتصاد المصري 5 في المائة في الربع الثالث من السنة المالية 2025-2026، فيما حافظ قطاع السياحة على قدرته على الصمود، وارتفعت تحويلات المصريين العاملين في الخارج إلى مستويات قياسية، بينما واصل نشاط قناة السويس تعافيه التدريجي بعد الاضطرابات المؤقتة المرتبطة بالتوترات الإقليمية.

كما تمكنت الحكومة من احتواء الضغوط المالية من خلال زيادة الإيرادات المحلية والحد من الإنفاق.

أما التضخم، فارتفع بفعل انخفاض قيمة العملة وتعديلات أسعار الطاقة، لكن الزيادة جاءت أقل حدة مما كان متوقعاً. وفي المقابل، أدى أثر الصدمة إلى تأخير مسار عودة التضخم إلى مستهدفه بنحو عام.

وكان بقاء الاحتياطيات الدولية عند مستويات مريحة، رغم التدفقات الرأسمالية الخارجة في بداية الأزمة، من أبرز مؤشرات التحسن مقارنة بأزمات سابقة.

المستثمرون يعودون إلى مصر

ومع انحسار التوتر في الأسواق، تحسنت ثقة المستثمرين تدريجياً.

وانخفضت علاوة المخاطر على السندات السيادية المصرية إلى ما دون مستويات ما قبل الحرب، فيما عادت القاهرة إلى أسواق رأس المال الدولية بإصدارات لاقت طلباً قوياً؛ ففي مايو (أيار)، أصدرت مصر سندات «يوروبوند» اجتماعية بقيمة مليار دولار، تجاوز الاكتتاب فيها 5 أمثال المعروض، قبل أن تصدر في يونيو (حزيران) سند «ساموراي» بقيمة 500 مليون دولار.

وبحلول أغسطس (آب)، كانت علاوة المخاطر السيادية المصرية قد انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ 2014، وفق صندوق النقد.

لكن تحسن مؤشرات الأسواق لا يعني أن مواطن الضعف الأساسية اختفت.

المصطافون يجلسون أمام ناقلة نفط تبحر عبر خليج السويس باتجاه البحر الأحمر على شاطئ السخنة في السويس (أ.ب)

الاحتياجات التمويلية تبقى نقطة الضغط

لكن الدين العام لا يزال مرتفعاً، كما أن احتياجات التمويل الإجمالية كبيرة، بينما يعتمد جانب مهم من الاقتراض على آجال قصيرة، ما يزيد مخاطر إعادة التمويل في حال تغيرت ظروف الأسواق العالمية.

ويحذر صندوق النقد من أن هذه العوامل، إلى جانب ارتفاع انكشاف البنوك على الحكومة، تجعل مصر أكثر حساسية للتحولات في ظروف التمويل العالمية ولأي صدمات خارجية جديدة.

كما أن العلاقة الوثيقة بين الحكومة والقطاع المصرفي قد تزيد مخاطر ما يعرف بـ«هيمنة المالية العامة» على السياسات الاقتصادية، في حين يمكن للاحتياجات الحكومية الكبيرة من التمويل أن تزاحم الائتمان والاستثمار في القطاع الخاص.

وهنا تبرز المسألة التي يرى الصندوق أنها الأكثر أهمية للنمو على المدى الطويل: حجم الدولة في الاقتصاد، حيث قال: «لا يزال حضور الدولة في الاقتصاد مرتفعاً بشكل مفرط».

من إدارة الصدمة إلى تقليص دور الدولة

يرى الصندوق أن الحفاظ على المكاسب التي تحققت يتطلب استمرار مرونة سعر الصرف، وسياسة نقدية مشددة بالقدر الملائم، وانضباطاً مالياً، بالتوازي مع تسريع الإصلاحات الهيكلية.

وفي ملف الدين، يعني ذلك تحسين إدارة الدين والانتقال تدريجياً إلى تمويل أطول أجلاً وأكثر اعتماداً على السوق، وتوسيع قاعدة المستثمرين وتعميق سوق الدين المحلية، بما يقلل مخاطر إعادة التمويل ويدعم القدرة على تحمل الدين.

لكن الصندوق يضع إصلاحات ملكية الدولة والتخارج من الأصول في صدارة الإصلاحات المطلوبة لخلق مساحة أكبر أمام القطاع الخاص.

ويقول ماتي وكورنيينكو إن «تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج بمزيد من الحسم»، إلى جانب تحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتعزيز المنافسة، سيكون حاسماً لتقليص حضور الدولة وتهيئة الظروف لنمو أقوى يقوده القطاع الخاص.

صمود أقوى... لكن المهمة لم تنتهِ

تكشف التجربة الأخيرة عن تغير مهم في قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الصدمات؛ فقد واجهت الأسواق خروجاً كبيراً لرؤوس الأموال وانخفاضاً حاداً في العملة، لكن الاحتياطيات ومرونة سعر الصرف وسرعة الاستجابة الحكومية حالت دون انتقال الاضطراب المالي إلى أزمة اقتصادية أوسع.

غير أن هذا التحسن لا يلغي التحديات الهيكلية؛ فارتفاع الدين واحتياجات التمويل، وقصر آجال الاستحقاق، وارتباط القطاع المصرفي بالمالية العامة، واتساع حضور الدولة، كلها عوامل تجعل استمرار الصمود مرتبطاً بمدى سرعة تنفيذ الإصلاحات.

وبذلك، لا يتمثل التحدي التالي لمصر في امتصاص الصدمة المقبلة فحسب، وإنما تقليل الحاجة إلى إدارة الصدمات من خلال معالجة مواطن الضعف التي تجعل الاقتصاد أكثر تعرضاً لها.

وتقول تقديرات صندوق النقد إن البناء على المكاسب التي تحققت يتطلب الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، بالتوازي مع إصلاحات أكثر حسماً تفتح المجال أمام استثمارات القطاع الخاص وتدعم نمواً أكثر استدامة.


«المركزي الأوروبي» يحذر من إلزام مُصدري العملات المستقرة بالاحتفاظ بودائع مصرفية

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر «البنك المركزي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر «البنك المركزي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

«المركزي الأوروبي» يحذر من إلزام مُصدري العملات المستقرة بالاحتفاظ بودائع مصرفية

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر «البنك المركزي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر «البنك المركزي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

قال البنك المركزي الأوروبي وعدد من البنوك المركزية في دول الاتحاد، يوم الثلاثاء، إنه لا ينبغي إلزام مُصدري العملات المستقرة بالاحتفاظ بنسبة من أصول الاحتياطي في شكل ودائع مصرفية، محذّرين من أن هذا الإجراء قد يزيد تعرض البنوك للتغيرات في سوق العملات المستقرة، في ظل احتمال أن تكون هذه الودائع أقل استقراراً.

وأدلت المنظومة الأوروبية للبنوك المركزية، التي تضم البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الوطنية للدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد، بهذه الملاحظات، في ردها على مشاورة بشأن لوائح «ميكا»، وهي مجموعة من القواعد الأوروبية الموحدة لتنظيم أسواق الأصول المشفرة، دخلت حيز التنفيذ، العام الماضي، وفق «رويترز».

وبدلاً من المتطلب الحالي الذي يُلزم كبار مُصدري العملات المستقرة بالاحتفاظ بـ60 في المائة من احتياطياتهم في صورة ودائع مصرفية، أوصت البنوك المركزية بتعديل لوائح «ميكا»، بحيث تُلزم المُصدرين بالاحتفاظ بحد أدنى من احتياطات العملات المستقرة في أصول تستحق آجالها خلال فترة تتراوح بين يوم وخمسة أيام عمل.

كما أشارت البنوك المركزية إلى أن الجهات التنظيمية الأوروبية تواجه «تحديات جوهرية» في تطبيق القواعد المنظمة للأصول المشفرة، في ظل استمرار شركات غير ملتزمة باللوائح في تقديم خدماتها للعملاء داخل الاتحاد، مما يثير مخاوف بشأن حماية المستثمرين.