{الأخيرة}
مرت عشر سنوات منذ أن قام المخرج داميان عنواري بتحقيق أول فيلم طويل له وهو «فدائي» (2012). ذلك الفيلم (نال الجائزة الفضية كأفضل فيلم تسجيلي من مهرجان «نيو دايركتورز، نيو فيلمز» النيويوركي) كان عملاً جيداً عن رجل عمل لصالح جبهة التحرير الجزائرية لقتل متعاون مغربي يقطن باريس خلال سنوات الثورة الجزائرية.
الجزائر تبقى محط اهتمامه في فيلمه الطويل الثاني الذي يخرجه مع زوجته وبطلة الفيلم عديلة بن ديمراد، لكنه يعود هنا إلى القرن السادس عشر مؤسساً لفيلم ملحمي على نحو الأفلام التاريخية الكبيرة التي أنتجت في الغرب في حقب سابقة. حكاية الملكة زفيرة (بن ديمراد) التي قتل المحارب أروج (دالي بن صلاح) شقيقه الملك سليم (طاهر زاوي) ليستولي على الحكم بعدما شاركه في الدفاع عن البلاد من الاحتلال الإسباني. أروج يحاول جذب الملكة زفيرة لتكون زوجته وفي البال تأمين ملكه قبل أن يكتشف حبه الفعلي لها، لكنها ستحاول خداعه وقتله بعدما اكتشفت إنه قتل زوجها ثم تسبب في مقتل ابنها الوحيد.
الفيلم يبدأ بهدير المعارك وينتهي بأروج يحمل زفيرة التي انتحرت بعدما فشلت في قتله. بين المشهدين دراما أخّاذة في التفاصيل الثرية وفي تمثيل رائع من عديلة بن ديمراد وتصاميم ملابس وأدوات تاريخية وديكورات (رغم وضوح ضيق بعض أماكن التصوير الداخلية). «الأخيرة» (أو «الملكة الأخيرة» كما عنوانه الأجنبي) فيلم ملحمي الإنتاج والحكاية مقسّم لفصول كان يمكن التغاضي عن عناوينها. جيد في مضمونه كذلك، لكن الحكاية تمر في بعض فصولها في رحاب ما يعرف بـ«السوب أوبرا»، شأنها في ذلك شأن أعمال أخرى من بينها فيلم شيخار كابور Elizabeth: The Golden Age.
الفيلم كذلك فريد من نوعه بين الإنتاجات العربية التي لم تشهد أعمالاً من هذا النوع منذ أيام «القادسية» و«المصير» (صلاح أبوسيف، 1981) و«المصير» (يوسف شاهين، 1997)، مع إدارة عامّة أغلى مستوى في التنفيذ.
بلغت ميزانية الفيلم مليوني دولار فقط، وبعض محدودية العناصر الإنتاجية تتبدّى في بعض المشاهد، لكنها لا تؤثر على النسيج كاملاً. بعض هذا المبلغ ورد من صندوق دعم «مهرجان البحر الأحمر» في جدة، والبعض الآخر من شركات أوروبية في مقدّمتها فرنسا.
Belfast
عند نهاية الفيلم يهدي المخرج كنيث برانا عمله إلى من قرر البقاء في بلفاست، وإلى من قرر الرحيل عنها، وإلى «الذين ضاعوا». الكلمات فوق مشاهد يشوبها الحزن للمدينة التي شهدت، في عام 1969. الشرخ العميق بين الكاثوليك والبروتستانت. هذه المشاهد، كمشاهد الفيلم الأولى، بالألوان أما باقي الفيلم فبأبيض وأسود جميل، وبل آسر في أكثر من مناسبة. تلك البداية وما بعدها مزدانة بأغاني فان موريسن، ابن بلفاست بدوره. يحكي المخرج قصّة حياته ولداً صغيراً. هو وجهة نظر الحكاية ومحور الفيلم بكامله. لكن اختيار الفترة المحددة بذلك التاريخ يعكس كذلك، ومنذ البداية، رغبة المخرج الحديث عن نفسه في ذلك الوضع المتأزم. بالنظر إلى ما يعرضه ضمن هذه الرغبة، فإن القليل منه مفاجئ أو يتقدّم بالحبكة على نحو مطرد. غالب الأحداث هي كيف وجد برانا الصغير (يؤديه جود هِل بامتياز) سبيلاً لحياة عائلية (ضمن القلق والقلاقل التي تعيش) وللمدرسة وهواه الأول ولقيامه بسرقة بعض الأشياء الصغيرة من المحلات. هذا بالكاد يفي بالمطلوب لمنح المَشاهد الحس الذاتي الذي يربط الفيلم بمخرجه. بكل تلقائية (وكما الحال مع فيلم جيمس غراي Armageddon Time - الفصل 5) يمكن لهذه القصّة أن تدور حول أي شخصية خيالية في فيلم آخر.
البداية أفضل من بدايتي فيلم جيمس غراي وبداية ستيفن سبيلبرغ The Fablemans (الفصل السابع) مجتمعين. برانا يعرف قيمة منح الفيلم «اللوك» المناسب المستوحى من المكان والحدث معاً ودور الكاميرا (أحياناً في تراكينغ شوتس دائرية) في منح الفيلم حضور ومعنى السينما فيه. ينقص الفيلم الحدّة عوض تلك المساحات الطريّة التي يستخدمها المخرج عاطفياً. هناك محطات مهمّة بلا ريب (بينها كمثال تلك المشاهد التي نرى فيه الولد يراقب مدهوشاً أفلاماً مثل High Noon وPme Million Years B.C.) لكن سعي براناه للحفاظ على الخفّة واللطف في المعالجة يطيح بما كان يجب أن يكون عملاً مميّزاً بقسوة الحياة آنذاك.
شاشة الناقد
https://aawsat.com/home/article/4033186/%D8%B4%D8%A7%D8%B4%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D9%82%D8%AF
شاشة الناقد
مشهد من فيلم «الأخيرة»
شاشة الناقد
مشهد من فيلم «الأخيرة»
مواضيع
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



