الحرب الأوكرانية وتداعياتها على العلاقة المتقلبة بين روسيا وأرمينيا

يريفان ترفض الموافقة على بيان قمة منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها موسكو

أحرج باشينيان (يسار) بوتين خلال استضافة الرئيس الروسي في يريفان لحضور اجتماع منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا... إذ رفض الموافقة على بيان للقمة (إ.ب.أ)
أحرج باشينيان (يسار) بوتين خلال استضافة الرئيس الروسي في يريفان لحضور اجتماع منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا... إذ رفض الموافقة على بيان للقمة (إ.ب.أ)
TT

الحرب الأوكرانية وتداعياتها على العلاقة المتقلبة بين روسيا وأرمينيا

أحرج باشينيان (يسار) بوتين خلال استضافة الرئيس الروسي في يريفان لحضور اجتماع منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا... إذ رفض الموافقة على بيان للقمة (إ.ب.أ)
أحرج باشينيان (يسار) بوتين خلال استضافة الرئيس الروسي في يريفان لحضور اجتماع منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا... إذ رفض الموافقة على بيان للقمة (إ.ب.أ)

شاركت أرمينيا مع روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وكلاهما عضو في تحالف عسكري، إلى جانب 4 دول سوفياتية سابقة أخرى، إلى تعزيز «رابطة الدول المستقلة»، إلا أن هذه العلاقة أصبحت جديرة بالملاحظة في الآونة الأخيرة وسط تقلبات غير معهودة. ويقول الكولونيل المتقاعد ويس مارتن الذي خدم في مناصب إنفاذ القانون بجميع أنحاء العالم ويحمل الماجستير بإدارة الأعمال في السياسة الدولية والأعمال، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه في الأسبوع الماضي، أحرج رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ففي خلال استضافة الرئيس الروسي في العاصمة الأرمينية يريفان، لحضور اجتماع لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا، رفض باشينيان الموافقة على بيان للقمة. وعلى الرغم من أن أي ابتعاد عن بوتين يجب أن يكون موضع ترحيب، فلماذا استضافت أرمينيا أكبر مؤتمر عسكري روسي في المقام الأول؟
ويضيف مارتن أن منظمة معاهدة الأمن الجماعي هي انعكاس لحلف شمال الأطلسي. فعلى غرار الحلف الغربي، يعد الهجوم على أحد الأعضاء هجوماً على جميع الأعضاء الستة؛ أرمينيا وبيلاروس وكازاخستان وقيرغيزستان وروسيا وطاجيكستان.
ولكن مع وجود عملية صنع القرار في موسكو، فإن المنظمة تعمل أداة بين الحكومات لإظهار القوة الروسية. وعندما هددت الاحتجاجات المناهضة للحكومة المصالح الروسية بكازاخستان في بداية العام، تم إرسال الآلاف من القوات من جميع أنحاء التحالف لقمع المعارضة. ولكن عندما استندت أرمينيا إلى بند الدفاع الجماعي خلال أعمال العنف التي وقعت في خريف هذا العام على حدودها مع أذربيجان، التزم التحالف الصمت.
ومع تورط روسيا في أوكرانيا، فإنها لا يمكن أن توفر كثيراً من الجهد للقضايا فيما تعده الفناء الخلفي الخاص بها. لكن هذه الواقعة أثارت تساؤلات حول سبب عدم انسحاب أرمينيا من المؤتمر أو المنظمة تماماً. ومع عدم وفاء التحالف بالتزامه الأساسي، يبدو أن أرمينيا لم يكن لديها الكثير لتكسبه من خلال استضافة روسيا المنبوذة، خصوصاً في ضوء محاولاتها المستمرة لكسب ود الغرب. وحتى طاجيكستان العضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي ألغت فجأة تدريبات على أراضيها في أكتوبر (تشرين الأول).
ويقول مراقبون إن أرمينيا ليس لديها خيار، فهي أصغر من أن تقاوم مدار روسيا، حتى بعد حرب موسكو التي لا معنى لها في أوكرانيا. وقد تكون أرمينيا تعتمد ظاهرياً فقط على موسكو من أجل أمنها، لكنها بالتأكيد تعتمد عليها اقتصادياً. وتوفر روسيا 85 في المائة من الغاز الطبيعي في أرمينيا و99 في المائة من القمح. ولكن هذه الحجة تتجاهل حقيقة مفادها أن البلدان الصغيرة كثيراً ما تتخذ مواقف قائمة على المبادئ، حتى عندما تكون ضارة اقتصادياً.
وبعد 3 عقود من كسر ليتوانيا اعتمادها على روسيا، تقف إحدى أصغر الاقتصادات في أوروبا الآن في وجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ووصفت ليتوانيا علناً معاملة الصين لأقلية الأويغور بأنها إبادة جماعية، وانسحبت مما يسمى مجموعة 1 + 17 التي تستخدمها الصين لعقد اجتماعات مع دول وسط وشرق أوروبا، وفتحت مكتباً تمثيلياً تايوانياً، ما يجعلها أول دولة أوروبية تفعل ذلك. وسرعان ما تبع ذلك يد ثقيلة من الإكراه الاقتصادي، إذ حظرت الصين الواردات من ليتوانيا، وكذلك استيراد أي منتج يستخدم الأجزاء الليتوانية. وحتى بعد هذا الإكراه الاقتصادي، لا تزال ليتوانيا متمسكة بمبادئها.
ويرى آخرون أن قضية أرمينيا لا تتعلق بكونها دولة صغيرة، ولكنها تعيش في جوار غير ودي، فهذا البلد معزول اقتصادياً بمنطقته. وأغلقت أذربيجان وتركيا حدودهما أمام أرمينيا منذ ما يقرب من 3 عقود، ما أدى إلى قطع أكثر من 80 في المائة من محيط أرمينيا. وتم إغلاق حدود أرمينيا بسبب احتلالها لمنطقة ناغورني قره باغ الأذربيجانية بعد الدعوة إلى وقف إطلاق النار في عام 1994 (وقد أغلقت تركيا حدودها مع أرمينيا تضامناً مع حليفتها). لكن أرمينيا لم تسعَ بصدق إلى اتفاق سلام كان من شأنه أن يؤدي إلى إعادة تطبيع العلاقات في جوارها، وبعيداً عن الاعتماد على روسيا. وكان القيام بذلك سيتطلب التحرك ضد الحماسة القومية التي تجد السند من قضية قره باغ واتباع سياسة براغماتية كان من شأنها أن تفيد مواطنيها على المدى الطويل.
ويرى مارتن كما جاء في تحقيق الوكالة الألمانية، أن سياسة الإمساك بالعصا من المنتصف التي تتبناها أرمينيا هي المسؤولة عن عنادها لروسيا، وليس جوارها غير الودي أو حجمها. ومع ذلك، فإن اللعب في كلا الاتجاهين لا ينجح بعد ما شهدته أوكرانيا. وكعضو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي مع روسيا، استفادت أرمينيا من عقوبات الاتحاد الأوروبي على موسكو. وفي أكتوبر، كان هناك اندهاش عندما كشفت البيانات أن واردات الثلاجات والغسالات وغيرهما إلى أرمينيا قد ارتفعت بشكل كبير. وكانت هناك مخاوف مبررة من أن المتلقي الحقيقي هو صناعة الأسلحة الروسية الخاضعة للعقوبات، والتي تفكك إلكترونيات الأجهزة للحصول على التقنيات الرئيسية. وحتى قبل ذلك، رأى الكثيرون أن أرمينيا «تتجنب العقوبات» بالنسبة لروسيا عندما قفزت صادراتها إلى روسيا بنسبة 50 في المائة هذا العام. ويشير عدم وجود بيانات واضحة إلى أن أرمينيا تعيد تصدير المنتجات الغربية مقابل رسوم عبور.
وهذا النهج القائم على الانتظار واللعب على كلا الجانبين لا يتماشى مع سياسة الصورة الكبيرة في العالم منذ غزو أوكرانيا. ولا يمكن النظر إلى الإحراج الأخير لروسيا في قمة منظمة معاهدة الأمن الجماعي على أنه موقف شجاع عندما تستفيد أرمينيا من خرق العقوبات الروسية. وقد لا يؤدي مثل هذا التصرف من جانب أرمينيا سوى أن يظهر لبوتين أن ولاء أرمينيا لا يمكن اعتباره أمراً مفروغاً منه، في حين تظل أرمينيا في التحالف الأمني.
ويخلص مارتن إلى أنه إذا كانت أرمينيا تريد حقاً الانحياز إلى الغرب، فهناك طريقة بسيطة لإظهار اهتمامها، وهي ترك منظمة معاهدة الأمن الجماعي.


مقالات ذات صلة

عرض أوكراني لروسيا بتحييد بنى الطاقة

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث في مؤتمر صحافي في كييف أمس (أ. ب)

عرض أوكراني لروسيا بتحييد بنى الطاقة

أعلن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أمس، أن بعض حلفاء بلاده أرسلوا «إشارات» بشأن إمكانية تقليص الضربات بعيدة ​المدى على قطاع النفط الروسي في ظل الارتفاع

رائد جبر (موسكو)
العالم عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة متخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لشراء المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)

كييف تدعو موسكو لوقف استهداف البنى التحتية للطاقة

عمقت التطورات المحيطة بحرب إيران التشابك مع الصراع المتواصل منذ أربع سنوات حول أوكرانيا خصوصاً في ملف التهديدات المحيطة بأمن الطاقة.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا تتحدث إلى الصحافيين عقب لقائها رئيس الوزراء البريطاني في لندن 3 أغسطس 2021 (رويترز)

زعيمة المعارضة البيلاروسية تدعو إلى عدم تخفيف العقوبات على بلادها

قالت زعيمة المعارضة البيلاروسية في المنفى سفيتلانا تسيخانوسكايا، إن تخفيف عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد بلادها يمثّل نهجاً خاطئاً.

«الشرق الأوسط» (ريغا)
أوروبا العلم البريطاني يرفرف فوق سفارتها في موسكو بروسيا 13 سبتمبر 2024 (رويترز)

روسيا تطرد دبلوماسياً بريطانياً لـ«محاولته الحصول على معلومات حساسة»

أعلنت روسيا أنه جرى سحب اعتماد أحد الدبلوماسيين البريطانيين؛ وذلك لمحاولته الحصول على معلومات حساسة.

«الشرق الأوسط» (موسكو )

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».