«اقتتال الإخوة»... ومؤامرة «بوب» عميل الـ«سي آي إيه» لإطاحة صدام

تنشر فصلاً من كتاب «ربيع الكرد الدامي» لكامران قره داغي

أطفال أكراد أمام جدارية مهشمة للرئيس العراقي صدام حسين قرب مخيم للنازحين الذين فروا أمام تقدم قواته في شمال العراق عام 1991 (غيتي)
أطفال أكراد أمام جدارية مهشمة للرئيس العراقي صدام حسين قرب مخيم للنازحين الذين فروا أمام تقدم قواته في شمال العراق عام 1991 (غيتي)
TT

«اقتتال الإخوة»... ومؤامرة «بوب» عميل الـ«سي آي إيه» لإطاحة صدام

أطفال أكراد أمام جدارية مهشمة للرئيس العراقي صدام حسين قرب مخيم للنازحين الذين فروا أمام تقدم قواته في شمال العراق عام 1991 (غيتي)
أطفال أكراد أمام جدارية مهشمة للرئيس العراقي صدام حسين قرب مخيم للنازحين الذين فروا أمام تقدم قواته في شمال العراق عام 1991 (غيتي)

يروي الكاتب الكردي كامران قره داغي، في «ربيع الكرد الدامي... شاهد وشهادات على الانتفاضة الكردية»، (يصدر قريباً عن دار المدى - العراق)، مشاهداته الشخصية على مراحل مهمة من تاريخ العراق المعاصر، لا سيما ما يتعلق بأكراده والصراعات التي كانت تدور بينهم، وتحديداً الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الراحل جلال طالباني، وبين الأكراد ونظام الرئيس الراحل صدام حسين في بغداد. شغل قره داغي منصب مدير مكتب الرئيس الراحل جلال طالباني نحو عامين ونصف العام بعد انتخابه رئيساً للعراق في أعقاب الغزو الأميركي عام 2003.
«الشرق الأوسط» تنشر اليوم فصلاً من الكتاب يتناول فيه قره داغي ما يصفه بـ«اقتتال الإخوة» في كردستان ودور مسؤول في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) يعرفه الأكراد بـ«بوب» في تدبير مؤامرة لإطاحة حكم صدام.

الاقتتال الداخلي، أو كما سمّاه الكرد وقتها «اقتتال الإخوة»، بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، اندلع في مارس (آذار) 1994. وصفه البعض بأنه حرب أهلية، على رغم أن القتال ظل محصوراً بين المقاتلين خارج المدن والمناطق المأهولة بالسكان.
فجّر القتال حادث بدا أنه كان محلياً في بلدة قلعة دزة، كان سببه خلافاً على أرض بين طرفين ينتمي كل منهما إلى أحد الحزبين، فإذا به ينتشر بسرعة على نطاق واسع بين قوات البيشمركة التابعة للحزبين. هكذا بدأ «اقتتال الإخوة» الذي استمر نحو خمس سنوات، وأسفر عن سقوط آلاف الضحايا من الطرفين بين قتيل وجريح وترحيل عائلات من بعض المناطق التي يسطر عليها هذا الحزب أو ذاك وبعض هذه العائلات لم تستطع أو لم ترغب لاحقاً في العودة إلى مناطقها الأصلية.
يجوز القول إن هذا الاقتتال الكردي – الكردي كان الثاني بعد 1991. أما الأول فكان في 1992 بين قوات مشتركة لبيشمركة الحزبين من جهة ومقاتلي حزب العمال الكردستاني من جهة أخرى. لكن الفرق أن الآخر اقتصر على مناطق جبلية على الحدود مع تركيا، وانتهى وفقاً لصفقة بين حزبي (عبد الله) أوجلان و(جلال) طالباني، وقد أدى إلى تداعيات زادت الخلافات بين حزبي طالباني (الاتحاد الوطني) وبارزاني (الديمقراطي الكردستاني).
حادث قلعة دزة، على رغم محليته، تحوّل الشرارة التي أشعلت اقتتالاً كانت أسبابه كامنة منذ أجريت الانتخابات في مارس 1992 وأسفرت نتائجها عن اتفاق بين الحزبين الرئيسيين على تقاسم السلطة مناصفة، أو «فيفتي - فيفتي» وفقاً للتسمية المشهورة التي انتشرت على كل لسان في كردستان؛ الأمر الذي أدى في النهاية إلى شلل تام تقريباً في إدارة شؤون المنطقة، ضاعفته خلافات حادة على تقاسم موارد الجمارك والاستئثار بالعمليات التجارية في مناطق حدودية مع إيران وتركيا خاضعة لأحد الحزبين، ناهيك بالطبع عن الصراع التقليدي على النفوذ، وهو صراع بدأ عملياً منذ الانشقاق في صفوف «الديمقراطي الكردستاني» في منتصف الستينات من القرن الماضي. «اقتتال الإخوة» اقترن بحملات إعلامية محمومة بين وسائل إعلام الحزبين وصلت إلى حد المهاترات وتبادل الشتائم والتجريح الشخصي، حتى أن أنصار الحزبين صاروا يستخدمون لوني رايتي الحزبين في تحديد الولاءات. فمن يفضّل اللون الأصفر فهو حتماً موال لحزب بارزاني، ومن يفضّل اللون الأخضر فهو، بالدليل القاطع، موال لحزب طالباني.

ما سلف أحداث معروفة كَتب عنها بتفاصيل كبيرة سياسيون وكتّاب ومحللون كرد وأجانب في مقالات وكتب ومذكرات وذكريات شخصيات كردية معنية ومشاركة في الأحداث، وقد أجمع في العموم من كتب عنها على وصفها بأنها «مؤسفة» و«مأساوية» و«كارثية». شخصياً سأتناول في هذه السطور تطورات وقصصاً كنت شاهداً ومطلعاً عليها. أكتفي بتأكيد ما هو معروف عن الاقتتال الدموي الذي كانت تتخلله فترات هدنة قصيرة سرعان ما تنهار.
الحق أن تفاقم الوضع والتوتر بين الحزبين الرئيسيين (في إقليم كردستان) والتمسك بتطبيق مبدأ الـ«فيفتي - فيفتي»، الذي كان ملزماً للجميع من القمة إلى القاعدة، في اتخاذ أبسط القرارات إن على صعيد الحكومة أو مؤسسات الإقليم، كان كله يحمل مؤشرات إلى أن الاقتتال كان سينشب عاجلاً وليس آجلاً. في أحد دفاتري الذي سجّلت فيه ملاحظاتي عن لقاء لي مع أول رئيس للوزراء في الإدارة الموحدة الدكتور فؤاد معصوم في أربيل عام 1993 أنه شكا بمرارة من أن ملء الشواغر الإدارية وصولاً حتى إلى تعيين عامل لحديقة، كان يجب أن يتم باتفاق بين المسؤول المعني ونائبه المنتميين إلى حزبين مختلفين؛ لأن كلاً منهما يشك في أن الآخر قد اختار شخصاً من أنصار حزبه ما كان يؤدي إما إلى نقاش طويل عبثي أو إلى تعيين عاملين يختار المسؤول الأول أحدهما ويختار نائبه العامل الآخر.
في ضوء هذه التطورات المقلقة وبعد عودتي إلى لندن من أنقرة في مطلع ديسمبر (كانون الأول) 1993، وجّهت رسالة إلى بارزاني وطالباني ضمّنتها ملاحظاتي المبنية على لقاءات كنت أجريتها في واشنطن وأنقرة مع مسؤولين أميركيين وأتراك معنيين بالشأن الكردي، وتحليلاً عن الاحتمالات المتوقعة في حال تفاقمت أزمة العلاقات بين الحزبين الكرديين الرئيسيين. ركّزت خصوصاً على موقف تركيا من تورط أو توريط «العمال الكردستاني» في الصراع بين الحزبين الرئيسيين في كردستان العراق. الأتراك، وتحديداً وزير الخارجية حكمت تشيتين (ومن مارس/ آذار 1995 جمع بين الوزارة ونيابة رئيس الوزراء) ووكيل الوزارة أوزدم سانبيرك والمسؤول المباشر عن الملف الكردي في الوزارة جنك دوعاتبة وآخرون، أكدوا أنهم يمتلكون معلومات دقيقة عن استعداد «العمال الكردستاني» للتدخل في أي قتال مقبل في كردستان العراق إلى جانب حزب طالباني ظاهرياً، لكن لتحقيق هدف أبعد يتمثل في الانتشار والسيطرة على مناطق في عمق كردستان العراقية، وشددوا على أن جميع الخيارات بالنسبة إليهم مطروحة بما فيها التدخل العسكري لمنع هذا الاحتمال. الأميركيون، من جهتهم، شعروا بالقلق وحذّروا من التداعيات الخطيرة المحتملة للاقتتال الكردي، وكانوا طبعاً يوصلون رسائلهم في هذا الشأن إلى القيادات الكردية مباشرة.
في رسالتي إلى طالباني وبارزاني (نص واحد ولكن لكل منهما على حدة) أشرت خصوصاً إلى مغبّة استخدام ورقة «العمال الكردستاني» في الصراع بين الحزبين. لم أتلق أي رد فعل من طالباني، لكنني تلقيت بعد أيام رسالة مطبوعة مختصرة من بارزاني وصلتني عبر الفاكس أدناه نصها:
«الأخ العزيز كامران قره داغي المحترم
تسلّمت رسالتكم ولا أخفي عليكم إعجابي بمضمونها وارتياحي من ملاحظاتكم القيّمة وأستطيع أن أقول بأنني لم أجد في الرسالة نقطة واحدة تتعارض مع توجهاتنا.
لقد اعتبرناها وثيقة مهمة ودُرست في اجتماع المكتب السياسي وتم تقييمها بإيجابية عالية.
مع فائق التقدير
أخوكم مسعود بارزاني في 13-12-1993».
وسيمر أكثر من خمسة أعوام أخرى بعد اندلاع القتال - الذي كان قد توقف نهائياً وفقاً لاتفاق بين الحزبين برعاية أميركية في 1998، قبل أن يقول لي «مام جلال» عندما التقيته أثناء زيارة له إلى لندن في منزل عديله الدكتور لطيف رشيد، وكان ثلاثة أو أربعة أشخاص قريبين منه حاضرين في الغرفة بينهم الدكتور فؤاد معصوم «كاك كامران... أعترف بأن رأيك في خصوص تركيا والـ(بي كي كي) كان صحيحاً».
- سنوات الاقتتال في كردستان
في عملي الإعلامي كنت أعد أخباراً وتقارير عن تطورات الاقتتال الداخلي معتمداً على معلومات أحصل عليها عبر اتصالاتي مع مصادر كثيرة في كردستان من أصدقاء ومعارف الحزبين الرئيسيين وصحافيين كرد وأجانب، في مقدمهم الدكتور أحمد الجلبي الذي كان من أهم مصادري، وكان وقتها يقوم بدور الوساطة بين الحزبين ولا يتردد في التوجه إلى مناطق القتال للاتصال مع القادة الميدانيين للطرفين معرّضاً أحياناً حياته للخطر وسط تبادل إطلاق النار. كان هو وعدد من مساعديه في المؤتمر الوطني العراقي مفوضين من الطرفين المتقاتلين بالانتقال دون التعرض لهم بين المناطق التي يسيطران عليها. وكنت أُسهم بين حين وآخر في كتابة عمود رأي كنت أنتقد فيه بشدة الحزبين المتصارعين، وكان ذلك يغضبهما وغالباً ما كان ممثلوهما، وأكثرهم أصدقاء، يتصلون بي للتعبير عن استيائهم من كتاباتي وحتى من كشفي معلومات تزعجهما كنت أحصل عليها من أطراف ثالثة. على الرغم من اندلاع القتال استمر برلمان كردستان في عقد جلساته برئاسة الراحل جوهر نامق القيادي في «الديمقراطي الكردستاني» الذي شغل المنصب فيما كان منصب رئيس وزراء الإدارة الموحدة يشغله الدكتور فؤاد معصوم القيادي في «الوطني الكردستاني»، وفقاً لاتفاق المناصفة. لكن قيادة الحزب الأخير أعلنت أن النواب المنتمين إليه أحرار في حضور أم عدم حضور جلسات البرلمان، فقرر عدد قليل منهم الحضور، بينما كانت الغالبية من الحضور من أعضاء الحزب الأول. ويُشار هنا إلى أن نواباً من الحزبين تركوا مقاعد البرلمان ليرتدوا زي البيشمركة والتحقوا بمقاتلي حزبيهما. لاحقاً عندما سيطرت قوات «الديمقراطي الكردستاني» على أربيل، اعتُقل معصوم وظلّ محتجزاً نحو ثلاثة أسابيع، ثم رفع الحجز عنه فغادر أربيل إلى السليمانية. وعندما سألته، بعد سنوات، عن فترة احتجازه، قال، إنه لم يكن مسجوناً، بل محجوزاً في بيت وعومل باحترام. في الأثناء، انتشرت إشاعات بأن السيدة هيرو إبراهيم أحمد، زوجة الراحل جلال طالباني، اعتُقلت أيضاً. طالباني شخصياً أبلغني بأنها معتقلة لدى «الديمقراطي الكردستاني». وتعليقاً على انتقادي بإيصال الوضع إلى حد الاقتتال، رد عليّ بعصبية: لماذا لا تنتقد بارزاني الذي سمح باعتقال هيرو؟ في مساء ذلك اليوم استطعت الاتصال شخصياً ببارزاني وأبلغته أن طالباني قلق جداً بسبب اعتقال زوجته من قبل حزبه، فنفى اعتقالها. وتبيّن فعلاً أنها لم تُعتقل واستطاعت مع بدء القتال أن تغادر إلى السليمانية.
- مؤتمر باريس
مع تصعيد الحملات الإعلامية بين الحزبين واستمرار القتال، ازداد قلق الكرد وأصدقائهم وأطراف دولية معنية بالاستقرار في المنطقة الكردية، حيث كانت هذه الأطراف تنفذ مشاريع لإعادة البناء، إضافة إلى تقديم المساعدات الإنسانية. بدأت جهود من أجل إنهاء القتال وإعادة السلام بادر إليها كتّاب ومثقفون ورجال أعمال في أوروبا وأميركا أيضاً. شخصياً حضرت اجتماعين في لندن مع فريق ضم السياسي البارز الدكتور محمود عثمان ورجل الأعمال دارا عطار والأكاديمي القانوني الدكتور نوري طالباني والناشط البارز في أميركا الراحل الدكتور نجم الدين كريم. في كردستان نفسها، انطلق حراك بادر إليه مثقفون غير حزبيين وآخرون من أنصار الحزبين في أربيل والسليمانية، قاده كتّاب وصحافيون وأكاديميون، وذلك في إطار الضغط على الطرفين المتصارعين لإنهاء القتال. أدت الضغوط الخارجية والداخلية، التي لعب أحمد الجلبي دوراً ملموساً فيها، إلى اتفاق بين الحزبين على وقف النار كان عبارة عن هدنة هشة جرت خلالها جهود لإحلال السلام وتفعيل الإدارة الموحدة. في إطار تلك الجهود عُقد في باريس، في منتصف يوليو (تموز) 1994، لقاءً بين حزبي طالباني وبارزاني بمبادرة من السيدة الفرنسية الأولى دانيال ميتران والمعهد الكردي في باريس الذي كان وما زال يرأسه الشخصية الكردية التركية كيندال نيزان، وشارك فيه ممثلون عن وزارة الخارجية التركية. وعلى رغم آمال عقدها كثيرون في كردستان، فإن اللقاء لم يسفر عملياً عن اتفاق جدي بين الطرفين. وكنت وجّهت في 11 يوليو 1994 رسالة إلى أعضاء الوفدين الكرديين الذين كنت أعرفهم ويعرفونني شخصياً ضمنتها اقتراحات لتحقيق اتفاق دائم يعيد الأمن والاستقرار إلى كردستان وتؤدي إلى حكم يعتمد الديمقراطية والتعددية والفصل بين السلطات وفرض سلطة القانون. كانت اقتراحاتي في الواقع نوعاً من التمنيات المفرطة في التفاؤل. هنا فقرات من الرسالة التي علمت أن أعضاء الوفدين تلقوا نسخاً منها:
«اقتراحي الأول كان يدعو إلى الفصل الكامل بين الأحزاب والسلطة وقلت إن هذا يعني: «1) المحاكم، لا الأحزاب، هي التي تحاكم، 2) البرلمان، لا الأحزاب، هو الذي يقرر السياسات ويراقب تنفيذها، 3) الحكومة، لا الأحزاب، هي التي تنفذ».
إلى ذلك، اقترحت التحضير لإجراء انتخابات جديدة خلال مدة أقصاها عام واحد على أساس المناطق وليس التمثيل النسبي. تماديت في التمنيات باقتراح آخر يدعو بارزاني وطالباني إلى أن يقتصر دورهما على زعامة حزبيهما ورسم السياسات، على أن تخضع قوات البيشمركة إلى سلطة الحكومة حصراً. كذلك تضمنت رسالتي اقتراحات على صعيد عمل المؤسسات الحكومية وتوفير الخدمات وتحسين ظروف المعيشة للسكان ومكافحة الفساد، وهي مشاكل رئيسية ما زال إقليم كردستان يواجهها. وفي إشارة إلى تخريب العلاقات بين الحزبين، كتبت «كفّوا عن الحملات الإعلامية السرية والعملية لكن شجعوا الانتقاد البنّاء، بما في ذلك الموجّه إلى زعيمي الحزبين وأعضاء الحكومة والبرلمان، في الصحافة والتلفزيون والإذاعة ولا تعصموا زعماءكم عن الخطأ، وعلّموا الشعب العلانية والصراحة والانتقاد». كذلك كتبت «كفّوا عن التجسس بين الأحزاب والتآمر بعضكم ضد بعضكم الآخر»، و«اشرحوا للناس أن الكيان الكردي هو مشروع مشترك بينهم والقيادات الكردية وليس قائماً على مبدأ العلاقة بين حاكم ومحكوم». وعلى صعيد مشروع الدولة، كتبت «قولوا إنكم عراقيون وابنوا سلطتكم بموجب نصيحة الإمام علي: اعمل ليومك واعمل لغدك. من فضائل هذا الطرح أنكم لا تظهرون بوصفكم الطرف الانفصالي فتستعدون عليكم بعضَ من يمكن أن يكونوا حلفاءكم من العراقيين وسائر العرب. ولهذا الطرح فضيلة أخرى هي إبقاء المجتمع مشدوداً إلى فكرة الدولة حتى ولو كانت دولة سيئة. من دون هذا الانشداد (وفي ظل التجربة شبه الدولتية الكردية اقتصادياً وتكوينياً) لا يجد الكرد ما ينشدّون إليه غير الولاءات القرابية والعشائرية. حتى التنظيم السياسي، في هذه الحال، لا يعدو عن كونه وعاءً عصرياً لهذه الولاءات». كذلك حذّرت من آيديولوجيات غير واقعية، تحديداً آيديولوجية «كردستان الكبرى» التي اعتبرت أنها في تلك الظروف (وحتى الآن كما أثبتت تجربة استفتاء الاستقلال في 2017)، أنها «تباعد بينكم وفهم العالم المعاصر. فهذا العالم لا يحب كثيراً الكلام العاصف عن تغيير الخرائط (وهذا ما يبرهن عليه خصوصاً الواقع منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي وما سمّي يوماً بالمعسكر الاشتراكي). بدلاً من ذلك، أكّدوا على همومكم الملحة في كردستان العراق والتطور يجب أن يأتي طبيعياً. انظروا إلى العرب الذين جرّبوا جميع أنواع الوحدة: تقدمية – تقدمية وتقدمية – رجعية ورجعية – رجعية وإلى غير ذلك، وكلها فشلت لأنها تقوم على آيديولوجية الفكرة القومية الكبرى. لم تنجح سوى الوحدة الخليجية (مجلس التعاون الخليجي) لأنها قامت على المصلحة العملية البحت)». في الإطار، شجّعت على مد الجسور في اتجاه دول الخليج البعيدة عن التعامل مع الآخرين على أساس آيديولوجي «ضاعفوا جهودكم من أجل إقامة علاقات مع الدول الخليجية. لا تيأسوا من الفشل مرة ومرتين وأكثر. واصلوا المحاولات على رغم كل شيء. فالمبدأ الذي يجب أن تؤمنوا به هو أننا في حاجة إلى العالم والأصدقاء والحلفاء وليس العكس. لا شيء يأتي من تلقاء نفسه. إنها قضيتكم وليست قضيتهم، وعليكم أن تقنعوهم بأن دعم قضيتنا هو في مصلحتهم».
- بوب يخدع الكرد
في مطلع 1995، تسلّم روبرت بايير، الذي اشتهر بين الكرد باسمه المختصر «بوب»، مهمة محطة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) في كردستان، للتنسيق مع الجماعات العراقية المعارضة لنظام صدام حسين، وأقام مع فريقه في منتجع بيرمام (صلاح الدين). عمل «بوب» في الـ«سي آي إيه» 21 عاماً (1976 - 1997)، قبل أن يترك الجهاز ويمتهن الكتابة والتدريس الجامعي. طوال بقائه في كردستان، سعى بوب دون جدوى إلى إقناع إدارة الرئيس الأميركي وقتها بيل كلينتون بدعم خطة لإطاحة صدام. لاحقاً، استدعي بوب إلى واشنطن، حيث حققت معه وكالة التحقيقات الفيدرالية لتخطيطه لاغتيال صدام حسين من قبل ضباط عراقيين في الجيش، وهي عملية كشفتها الأجهزة الأمنية العراقية التي استطاعت اختراق المجموعة المتآمرة.
على صعيد آخر، كانت خطة بوب تقوم على دعم أميركي لمجموعة من قوات متعاونة في الجيش العراقي وأخرى تابعة للمؤتمر الوطني العراقي والبيشمركة، خصوصاً التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، لإطاحة صدام حسين. لكن رفض إدارة كلينتون دعم خطته لم يحبط عزمه على تنفيذها بشن هجوم على قوات عراقية عبر خطوط وقف النار بين الكرد وبغداد، واستمر في تقديم خطته على أنها مدعومة من واشنطن. وبحسب روايات سمعتها من شخصيات، منهم الراحلان جلال طالباني وأحمد الجلبي وهوشيار زيباري، كان الاعتقاد في البداية، أن بوب مفوض من واشنطن المفترض، بحسب بوب، أن تقدّم دعماً جوياً يتزامن مع هجوم تشنه قوات مشتركة للحزبين والمؤتمر الوطني العراقي ضد القوات العراقية. أضاف طالباني، في روايته لي، أن اجتماعاً مشتركاً لممثلي المكتبين السياسيين تم فيه الاستماع إلى بوب شخصياً، وإثر ذلك تم الاتفاق على حشد قوات من بيشمركة الحزبين لشن الهجوم. ما حدث بعد ذلك أن الحزب الديمقراطي الكردستاني قرر فجأة، قبل ساعة الصفر، الانسحاب وعدم المشاركة في الخطة. أكد لي هذه الرواية الراحل أحمد الجلبي أيضاً. ومن دون الدخول في تفاصيل القصة وتداعياتها، أكتب فقط ما أعرفه وسمعته من شخصيات مشاركة في تلك الأحداث. وقتها، وكما سمعت من «كاك هوشيار» الذي كان آنذاك مسؤولاً عن العلاقات الخارجية لحزبه ومقيما في واشنطن، أنه أدرك في ضوء اتصالات أجراها في العاصمة الأميركية أن بوب لم يكن مفوضاً من قبلها. وإثر ذلك، أبلغ زيباري قيادة حزبه بالأمر، فكان قرارها الانسحاب من الخطة.
وزيادة في تأكيد هذه الروايات، أجريت في أثناء كتابة هذه السطور، وتحديداً في 9-6-2021، اتصالاً مع «كاك هوشيار» فأكدها، مضيفاً تفاصيل وافق على نشرها. قال، إن بوب زار وقتها مسعود بارزاني ليشرح له خطة إطاحة صدام حسين ومفادها شن هجوم من كردستان على مواقع للقوات العراقية ليتزامن ذلك مع تحرك لقوات عراقية متعاونة في الداخل تستخدم الدبابات للهجوم على القوات الموالية لصدام، في حين يقوم الطيران الأميركي بقصف دبابات القوات الموالية لصدام. ورداً على سؤال بارزاني كيف ستميّز الطائرات الأميركية بين الدبابات الصديقة والدبابات المعادية، قال بوب، إن الأولى ستستخدم لوناً مختلفاً لتمييزها. زيباري أشار أيضاً إلى أن الجلبي واللواء وقتها وفيق السامرائي، الذي شغل منصب نائب رئيس الاستخبارات العسكرية في العراق وفرّ مع عائلته لاحقاً بمساعدة الكرد إلى كردستان وانضم إلى المعارضة العراقية، كانا أكدا أيضاً أن قوات عراقية في الداخل متعاونة ومستعدة للتحرك ضد صدام. تابع زيباري أن بوب، بعدما عرض خطته على بارزاني، أكد ضرورة الحفاظ على السرية وشدد تحديداً على عدم «إبلاغ هوشيار بالأمر». وزاد زيباري، أن طلب بوب الغريب أثار شكوك بارزاني. وما أن غادر بوب حتى «اتصل بي بارزاني وروى ما قاله بوب وطلب مني أن أجري اتصالات مع الجهات المعنية في البيت الأبيض والبنتاغون والخارجية لمعرفة الحقيقة. إثر ذلك اتصلت بشخصية في فريق مجلس الأمن القومي، فقال، إنه سيستفسر ويعود إليّ. وبالفعل بعد نحو ساعتين تسلّمت رسالة مكتوبة مختصرة في سطور قليلة باسم أنتوني ليك الذي كان وقتها مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس كلينتون مفادها أن الإدارة الأميركية لا علاقة لها بالموضوع وأن أي تحرك في هذا الإطار تتحمل مسؤوليته الجهات التي تقوم به وليست مسؤولية الإدارة الأميركية. أضاف زيباري، أنه «في ضوء هذا التطور اتصلت بكاك مسعود وأبلغته برسالة ليك التي علمت لاحقاً أنها أُرسلت إلى طالباني والجلبي أيضاً. إثر ذلك، اتخذ كاك مسعود قراره بالانسحاب من العملية».
لكن ذلك لم يثنِ قيادة «الوطني الكردستاني» عن المضي في تنفيذ الخطة. وبالفعل قامت مجموعة من قواته بقيادة كوسرت رسول علي وقوات المؤتمر الوطني بالهجوم على مواقع الجيش العراقي. لم تستغرق المواجهة وقتاً طويلاً، قبل أن تنتهي بهزيمة هذه القوات واستسلام أو أسر عدد من الجنود. وطبعاً لم تتحرك أي قوات «صديقة» داخل العراق لإطاحة صدام. وذات صباح في أحد أيام فبراير (شباط) 1995، كنت في مكتبي في الجريدة عندما تلقيت اتصالاً من الجلبي الذي كان يستخدم جهاز «ثريا». قال مبتهجاً إنه يكلمني من مواقع تمت السيطرة عليها قبل قليل تابعة للجيش العراقي عبر خط وقف النار، وإن ضباطاً ونحو 600 جندي استسلموا إثر مواجهة لم تبدِ القوات العراقية خلالها مقاومة تُذكر. وتابع، أن «كاك كوسرت» يقف إلى جانبه، فأعطاه جهاز الهاتف ليتكلم معي. أكد «كاك كوسرت» لي ما قاله الجلبي، مضيفاً أن المعركة حُسمت بسرعة وأظهرت انهيار معنويات القوات العراقية. سألته ماذا بعد ذلك، فقال، إنهم لم يقرروا بعد. وقتها نشرت الخبر وأشرت فيه إلى الاتصال الذي تلقيته من الجلبي وكوسرت. العملية لم تستمر، وعاد الطرفان لاحقاً إلى مواقعهما السابقة. وهكذا انتهت مغامرة بوب العميل «المارق» للاستخبارات المركزية الأميركية!


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.