متابعة مباريات كأس العالم تطيل العمر!

علاوي عبد الكريم يشجع فريقه المغرب المشارك في مونديال كأس العالم (أ.ب)
علاوي عبد الكريم يشجع فريقه المغرب المشارك في مونديال كأس العالم (أ.ب)
TT

متابعة مباريات كأس العالم تطيل العمر!

علاوي عبد الكريم يشجع فريقه المغرب المشارك في مونديال كأس العالم (أ.ب)
علاوي عبد الكريم يشجع فريقه المغرب المشارك في مونديال كأس العالم (أ.ب)

لا شك في أن بطولة كأس العالم هذا العام في قطر تزخر بالإثارة والمتعة، وسواء كنت من مشجعي كرة القدم أم لا، فأنت تشعر بالقطع بالحماسة وأنت ترى منتخب بلادك يتقدم في التصفيات وصولاً إلى الأدوار النهائية، أو ينتابك شعور بالحسرة عندما ترى فريقك المفضل يخرج من المونديال إثر هزيمة مفاجئة في اللحظات الأخيرة من المباراة أو حتى بفارق الأهداف بفعل حسابات المكسب والخسارة في ختام أدوار المجموعات.
ورغم أن السفر آلاف الأميال لمشاهدة مباريات المونديال من المدرجات مسألة بالغة الصعوبة بالنسبة للغالبية العظمى من البشر، يؤكد خبراء طب النفس أن هناك أسباباً علمية جيدة تدعوك إلى مشاهدة مباريات كأس العالم على شاشات التلفزيون، بل يسردون الكثير من الفوائد الصحية التي تنجم عن تشجيع فريقك المفضل في البطولة.
وتقول كاري ويلاند، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة «تولان» في ولاية نيو أورليانز الأميركية، إن البشر بطبعهم كائنات اجتماعية، وبطولة كأس العالم هي فرصة رائعة للتواصل مع الآخرين وإيجاد أرضية اجتماعية مشتركة. وتوضح، في تصريحات للموقع الإلكتروني «بوبيولار ساينس» الأميركي المتخصص في الأبحاث العلمية أن تشجيع منتخب كرة قدم يجعلك تشعر بالارتباط بشيء أكبر منك، كما يخلق لدى الإنسان شعوراً بالهوية.
وتشير خبيرة طب النفس إلى أهمية الفرح الجماعي الذي يشعر به الإنسان في أثناء مشاهدة مباريات كأس العالم سواء مع أفراد العائلة أو حتى برفقة أشخاص غرباء في مكان عام مثل المقهى أو غيره، لا سيما إذا ما سجل الفريق الذي تشجعه هدفاً أو أكثر خلال المباراة، وتقول: «عندما تتشارك في هذه الانفعالات الإيجابية مع آخرين، فإن ذلك يؤدي إلى تعزيز هذه المشاعر الجماعية وخوض تجربة انفعالية أفضل».
بل إن مشاهدة لحظات الهزيمة تعد أيضاً تجربة جماعية تعزز الروابط الاجتماعية مع الآخرين، على حد قول ويلاند، التي ترى أن الصلات الاجتماعية تتوطد كذلك في أثناء التعليق على المباراة بعد انتهائها على مواقع التواصل الاجتماعي وتحليل الأسباب التي أدت إلى الهزيمة.
وخلصت دراسة نشرتها الدورية العلمية «كوميونيكشن آند سبورت» المتخصصة في طب النفس الرياضي عام 2019 إلى أن تشجيع الفرق الرياضية الفائزة يرفع من درجة احترام أو تقدير الذات للمشجعين لمدة يومين بعد المباراة، ورغم أن هذه المعلومة تحتاج إلى مزيد من التوثيق العلمي، تؤكد ويلاند وجود مفهوم في طب النفس يسمى «الانغماس في المجد الناجم عن إنجازات الآخرين»، ويُقصَد به أن «يرتبط شخص ما بانتصار غيره على اعتبار أنهما ينتميان إلى نفس المجموعة»، وتقول إن الاستغراق في التشجيع يجعل الجمهور يشعر كما لو كان جزءاً من الفريق ومشاركاً في الفوز. وتسري هذه القاعدة -على حد قولها- على جماهير الفرق الموسيقية أو أنصار الأحزاب السياسية أو مشجعي الفرق الرياضية، حيث يشعرون بأن تشجيعهم ساعد في انتصار الفريق الذي يناصرونه.
وتقول ويلاند إن تشجيع الفرق في مباريات كأس العالم يطيل العمر، ولكنَّ ذلك يتوقف على طريقتك في التشجيع سواء كنت تجلس على الأريكة طوال المباراة وأنت تحدق في الشاشة أمامك، أو أنك تتقافز وتتفاعل حركياً مع كل فرصة أو هجوم خلال المباراة، وتوضح أنه رغم أن هذا النوع من التشجيع الحماسي لا يرقى إلى حد ممارسة التدريبات البدنية، فإن هذه الحركات الصغيرة تجعل الجسم في حالة حركة مستمرة وتجدد نشاطه.
كما أن التواصل الاجتماعي في حد ذاته له تأثير إيجابي على إطالة عمر الإنسان، فالعلاقات الاجتماعية والشعور بالانتماء في أثناء مشاهدة الفعاليات الرياضية يقترن بتحسن الصحة البدنية والنفسية، وترتبط مشاهدة المباريات الرياضية بتخفيف أعراض الاكتئاب التي أثبت بعض الدراسات أنها تقلل عمر الإنسان بواقع 10 إلى 12 عاماً في المتوسط. وبالتالي فعندما تحصل على الدعم الاجتماعي النابع من تشجيع مباريات المونديال، فهناك دلائل علمية على أنك تقلل مخاطر الوفاة المبكرة.
ويرى باحثون أن الانغماس في متابعة مباريات كأس العالم يساعد في تخفيف التوتر وصرف الذهن مؤقتاً عن متاعب الحياة اليومية. ويقول إيريك زيلمر، إخصائي طب النفس العصبي بجامعة «دريكسل» بولاية فيلادلفيا الأميركية، إن «مشاهدة الفرق التي تحتفل بالفوز في كأس العالم قد تكون ملاذاً مؤقتاً من الواقع»، مشيراً إلى أن لعبة رياضية مثل كرة القدم لها قواعد وقوانين منظمة قد يكون لها تأثير علاجي لمن يشكون من تقلبات الحياة ومتغيراتها.
ويقول زيملر في تصريحات لموقع «بوبيولار ساينس» إن «الرياضة تجعلنا نشعر بأننا على قيد الحياة، وهي أيضاً عنصر محفِّز كي نجد في أنفسنا صفات لا نراها»، بمعنى أن الرياضة تتعلق أساساً بالتغلب على العقبات، وإذا كان ذلك ممكناً في عالم الرياضة، فمن الممكن أن يتحقق في الواقع.
وترى ويلاند أن مباريات كأس العالم قد تكون أيضاً حافزاً لدى البعض لممارسة الرياضة، وقد تلهم الأطفال الصغار من أجل الاشتراك في رياضات معينة من منطلق الإعجاب ببعض نجوم كرة القدم مثل ليونيل ميسي أو كيليان مبابي. وينصح زيلمر بالاستفادة من مباريات المونديال كعامل محفز أو كمكافأة للقيام ببعض الأنشطة الثقيلة على النفس، فإذا لم تكن تحب ممارسة التريض على سبيل المثال رغم أهميته للصحة، فيمكنك أن ترى في قرارة نفسك أن مشاهدة المباراة المقبلة لفريقك المفضل في المونديال هي مكافأة لنفسك في حالة إذا ما خرجت للتريض.


مقالات ذات صلة

خضراوات قد تخفض خطر الإصابة بسرطان القولون

صحتك الخضراوات الصليبية يمكن أن تقلل من خطر الإصابة بسرطان القولون (رويترز)

خضراوات قد تخفض خطر الإصابة بسرطان القولون

يُعدّ سرطان القولون من أكثر أنواع السرطان انتشاراً في العالم، وتشير دراسات حديثة إلى أن النظام الغذائي يلعب دوراً مهماً في تقليل خطر الإصابة به.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُعد شراب الشعير (ماء الشعير) من المشروبات الطبيعية التي استخدمت منذ سنوات طويلة لدعم صحة الكلى والمساعدة في التخفيف من حصى الكلى (بيكسلز)

فوائد شراب الشعير لالتهاب المسالك البولية

شراب الشعير مشروب طبيعي قد يساعد في التخفيف من حصى الكلى ودعم صحة المسالك البولية، بفضل خصائصه المدرّة للبول والمهدئة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق التوأم الملتصق الصومالي «رحمة ورملا» قبل العملية (واس)

بدء عملية فصل التوأم الملتصق الصومالي «رحمة ورملا» في الرياض

بدأ الفريق الطبي والجراحي لعمليات فصل التوائم السيامية بقيادة المستشار بالديوان الملكي رئيس الفريق الدكتور عبد الله بن عبد العزيز الربيعة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
صحتك الارتفاع الحاد في هرمونات التوتر وعلى رأسها هرمون الأدرينالين قد يصبح سامّاً لعضلة القلب بشكل مؤقت (بيكسلز)

القلب تحت ضغط المشاعر... متلازمة تحاكي النوبة القلبية

هناك حالة طبية أقل شيوعاً قد تبدو في أعراضها مشابهة تماماً للنوبة القلبية، لكنها تختلف عنها في الأسباب والنتائج.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك قلة النوم غالباً ما تؤدي إلى ضعف التحكم في الشهية (بيكسلز)

ما المدة المثالية للنوم لتقليل خطر الإصابة بالسكري؟

حاولت دراسة حديثة تحديد المدة المثالية للنوم التي قد تساعد في تقليل خطر الإصابة بمقاومة الإنسولين وهي حالة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة احتمالات الإصابة بالسكري

«الشرق الأوسط» (لندن)

«ابتسامات رمضانية في المترو»... معرض مصري بطعم النوستالجيا

جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)
جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)
TT

«ابتسامات رمضانية في المترو»... معرض مصري بطعم النوستالجيا

جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)
جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)

بلوحات باسمة عن الفوانيس والمسحراتي والكنافة والزينة ومدفع رمضان، ازدانت جدران محطة مترو صفاء حجازي، وسط العاصمة المصرية القاهرة، ووقف ركاب المترو لالتقاط الصور مع اللوحات التي ذكرتهم بالماضي، وفجّرت في أخيلتهم حالة من النوستالجيا، تمثلت في الحنين للطقوس الرمضانية التي اعتادها المصريون في الشهر الكريم.

«ابتسامات رمضانية في المترو»، هو عنوان معرض الكاريكاتير والبورتريه الذي تنظمه وزارة الثقافة المصرية بالتعاون والتنسيق مع وزارة النقل وهيئة مترو الأنفاق والجمعية المصرية للكاريكاتير، يضم أكثر من 40 عملاً لفنانين من كل الأجيال، ويحوّل محطة صفاء حجازي (حي الزمالك) إلى مساحة للبهجة؛ حيث يمنح آلاف الركاب فرصة يومية لاكتشاف الفن أثناء تنقلهم.

لوحات المعرض استعرضت مظاهر رمضانية مختلفة (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

ويضم المعرض، الذي يستمر طوال شهر رمضان، نخبة من رواد ورسامي الكاريكاتير؛ حيث تُعرض أعمال لعدد من الرواد، من بينهم صلاح جاهين ومصطفى حسين وعبد العزيز تاج، إلى جانب مشاركة مجموعة من الفنانين المعاصرين، منهم أحمد عبد النعيم، وأحمد علوي، وأحمد قاعود، وأحمد جعيصة، وآمنة سعد، وثروت مرتضى، وخالد صلاح، وخضر حسن، ودسوقي البغدادي، وسمير عبد الغني، وسعيد بدوي، وشيماء الشافعي، وعمر صديق، وعمرو سليم، وغادة مصطفى، وفوزي مرسي، ومحمد الصباغ، ومصطفى الشيخ، ومصطفى سالم، وهدير يحيى.

و«تعكس الأعمال المعروضة روح الاحتفاء بشهر رمضان المعظم، بوصفه مناسبة إنسانية وثقافية جامعة؛ حيث مزج الفنانون بين الابتسامة الذكية والتعبير الإنساني الدافئ، في لوحات تستلهم تفاصيل الحياة الرمضانية ومظاهر البهجة المرتبطة به»، وفق بيان لوزارة الثقافة.

إقبال من ركاب المترو على معرض «ابتسامات رمضانية» (وزارة الثقافة)

وأعرب الفنان مصطفى الشيخ، رئيس الجمعية المصرية للكاريكاتير، عن تقديره للدعم الذي تقدمه وزارة الثقافة للجمعية، من خلال تنظيم هذا المعرض، وأكد أن إقامة معرض فني في أحد الفضاءات العامة يُمثل خطوة مهمة نحو توسيع دائرة التلقي، وإتاحة الفنون البصرية لجمهور أكثر تنوعاً.

من جانبه، أوضح الفنان فوزي مرسي، قوميسير المعرض، والأمين العام للجمعية المصرية للكاريكاتير، أن «المعرض المقام حالياً يُمثل تظاهرة فنية وثقافية مميزة، تعكس الدور الحيوي لفن الكاريكاتير في قراءة الواقع والتفاعل مع قضايا المجتمع بوعي نقدي ولغة بصرية مباشرة»، كما أكد أن «هذا الفن لا يقتصر على الابتسام فحسب، بل يعد وسيلة فعّالة لتوصيل الأفكار وتبسيط القضايا المعقدة وإبراز التناقضات الاجتماعية والسياسية بأسلوب فني مؤثر».

فوازير «فطوطة» اشتهرت خلال رمضان في الثمانينات (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

ووفق حديث مرسي لـ«الشرق الأوسط»: «يعد هذا أول معرض كاريكاتير رمضاني يُنظَّم داخل محطات مترو الأنفاق بالقاهرة، ويأتي استمراراً لتجربة ناجحة بدأت في فبراير (شباط) الماضي داخل محطة صفاء حجازي، عندما استضافت المحطة معرضاً فنياً احتفاءً بافتتاح المتحف المصري الكبير، وهو ما شجّع على تكرار التجربة وتطويرها».

أعمال المعرض تستعيد مظاهر شهر رمضان (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

وأضاف أن «فكرة إقامة المعرض داخل المترو تعكس توجهاً مهماً للخروج بالفن من القاعات المغلقة إلى الفضاءات العامة؛ حيث يلتقي مباشرة بآلاف الركاب الذين يمرون بالمحطة كل يوم، فيتحول طريقهم المعتاد إلى لحظة تأمل وابتسامة».

الكنافة من الأكلات الشهيرة المرتبطة برمضان (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

وأكدت وزارة الثقافة أن «هذا المعرض وغيره من الأنشطة الأخرى تأتي ضمن استراتيجية لإتاحة الفنون في الفضاءات العامة، وتسهيل وصولها إلى مختلف فئات المجتمع، بما يُعزز الدور المجتمعي للثقافة، ويجعلها جزءاً أصيلاً من تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين».

الأغاني التي ميّزت شهر رمضان ضمن لوحات المعرض (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

فيما لفت منسق المعرض إلى أن الأعمال تستلهم روح شهر رمضان، من خلال أعمال كاريكاتيرية وبورتريهات تستعيد ملامح العادات الرمضانية المصرية القديمة، مثل أجواء السحور واللمة الرمضانية وروح البهجة في الشارع المصري، إلى جانب بورتريهات لعدد من أشهر الشخصيات المرتبطة بذاكرة الشهر الكريم، من بينها الموسيقار سيد مكاوي صاحب الصوت الرمضاني المميز في أغاني «المسحراتي»، والشخصية الكوميدية الشهيرة «فطوطة» التي ارتبطت بوجدان أجيال من المصريين.


هيروتا يوسوكي: «مدينة المداخن» يرفض الاستسلام لـ«الزمن المتجمد»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)
TT

هيروتا يوسوكي: «مدينة المداخن» يرفض الاستسلام لـ«الزمن المتجمد»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

قال المخرج الياباني هيروتا يوسوكي إن الفكرة الأساسية لفيلم الرسوم المتحركة «مدينة المداخن... الزمن المتجمّد» لم تنطلق من الرغبة في تقديم مغامرة جديدة أو توسيع عالم سينمائي سبق أن حقق نجاحاً، بل جاءت نتيجة تأمل طويل في معنى الانتظار، موضحاً أنه ظل مشغولاً بسؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، وهو: لماذا يواصل بعض الناس الانتظار رغم مرور السنوات وتعاقب الخيبات؟

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «الانتظار الصادق لا يعكس ضعفاً أو عجزاً، بل يكشف عن قلب لا يزال نابضاً وقادراً على الإيمان، حتى في مواجهة الفقد»، وهو المعنى الذي أراد إبرازه في الفيلم الذي عُرض بالنسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، حيث قدّم للجمهور الجزء الثاني من «بوبيل في مدينة المداخن» الذي طُرح لأول مرة عام 2020.

غير أن الجزء الجديد يذهب إلى مساحة أكثر هدوءاً وتأملاً من العمل السابق، وتبدأ الحكاية بخسارة شخصية عميقة؛ للصبي «لوبيتشي» الذي يعيش صدمة فقد صديقه «بوبيل»، لكن الفيلم لا يتعامل مع الفقد عبر مشاهد بكائية أو انفعالات صاخبة، بل يختار طريقاً أكثر صمتاً، حيث يتحول الحزن إلى جمود داخلي، يشبه ساعة توقفت عن الدوران من دون أن يسمع أحد صوت توقفها.

هذا الجمود هو ما يقود «لوبيتشي» إلى عالم غامض تحكمه قواعد صارمة؛ عالم يُقصى فيه كل ما يتوقف عن العمل. الساعات التي تتعطل تُستبعد فوراً، كأنها فقدت قيمتها، ووسط هذا النظام الحديدي يقف برج ضخم، ساعته متوقفة عند الحادية عشرة وتسع وخمسين دقيقة، ومع ذلك لم يُهدم.

المخرج الياباني هيروتا يوسوكي (مهرجان برلين)

هنا تتبلور الفكرة الرمزية التي يراها يوسوكي جوهر الفيلم. فهو يؤكد أن اختيار التوقيت لم يكن عشوائياً، بل يمثل لحظة معلّقة بين النهاية والاستمرار، بين السقوط والنجاة، لافتاً إلى أنه أراد أن يشعر المشاهد بأن شيئاً ما على وشك الحدوث، وأن النهاية ليست قدراً محتوماً طالما الدقيقة الأخيرة لم تكتمل.

ويشير المخرج إلى أن «عالم الفيلم لم يُصمَّم باعتباره مساحة فانتازية مستقلة فحسب، بل بصفته انعكاساً مباشراً للعالم الداخلي للبطل، فكل تفصيلة معمارية، وكل حجر في البرج، يمثل ذكرى أو خوفاً أو فكرة تسكن داخل (لوبيتشي) لذلك لم يكن الهدف الإبهار البصري بقدر ما كان خلق بيئة نفسية يشعر بها المشاهد، حتى لو لم يدرك أبعادها الرمزية بشكل واعٍ. لأن العالم المتخيَّل في الأحداث ليس هروباً من الواقع، بل مرآة له».

قدم المخرج الجزء الجديد بفلسفة مغايرة عن الجزء الأول (إدارة مهرجان برلين)

على مدار 98 دقيقة، تتصاعد الأحداث تدريجياً، ويخوض «لوبيتشي» رحلة تتجاوز فكرة إصلاح ساعة متوقفة، ويلتقي بـ«غاس»، الرجل الذي أمضى مائة عام منتظراً تحقيق وعد، ليصبح وجوده شهادة حية على معنى الانتظار الطويل، كما تظهر شخصيات أخرى ترافق الصبي في رحلته، وتكشف له أوجهاً مختلفة للزمن، ما بين الصبر، والأمل، والتحول، في المقابل، يبرز الفيلم التناقض الواضح بين المدينة الصناعية التي جاء منها «لوبيتشي»، بعالمها المعدني القاسي، وبين عالم البرج المشيّد من الحجر والكتل الثقيلة.

يتحدث يوسوكي بإسهاب عن شخصية «غاس»، مؤكداً أنه لم يرد تقديمه بوصفه مجرد رجل عجوز ينتظر، بل بوصفه رمزاً لفكرة الإيمان الذي يتحول مع الزمن إلى جزء من الهوية، فمرور مائة عام ليس مبالغة زمنية تهدف إلى الدهشة، بل تعبير عن أن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بالسنوات، بل بقدرته على الاستمرار رغم غياب الدليل، فهو لا ينتظر لأنه متأكد من النتيجة، بل لأنه اختار ألا يتخلى عن الوعد، حتى لو بدا مستحيلاً.

الملصق الترويجي للفيلم (إدارة مهرجان برلين)

ويكشف المخرج عن أن خلفيته الممتدة في مجال الرسوم الحاسوبية أثّرت بعمق في مقاربته البصرية، لكنه كان واعياً لخطر أن تتحول التقنية إلى عنصر بارد يخلق مسافة بين العمل وجمهوره، لذلك سعى إلى إيجاد توازن دقيق بين الدقة الرقمية والدفء الإنساني، مؤكداً أن الإيقاع البصري، وحرصه على ألا تبدو الصورة أقرب إلى الرسم اليدوي من حيث الملمس والحركة كانا أهم معايير العمل.

يعترف يوسوكي بأن نجاح الجزء الأول شكّل ضغطاً نفسياً حقيقياً عليه عند التفكير في تقديم جزء ثانٍ. لكنه قرر ألا يقارن العملين أو يسعى إلى تكرار ما حقق إعجاب الجمهور سابقاً، لافتاً إلى أنه تعامل مع «مدينة المداخن... الزمن المتجمّد» بوصفه قصة مستقلة قادرة على الوقوف بذاتها، حتى لمن لم يشاهد الفيلم الأول، لأن هدفه شعور المشاهد بأنه يدخل عالماً كاملاً لا يحتاج إلى معرفة مسبقة.


فنانون مصريون يسجلون حضورهم في مسلسلات خليجية وجزائرية برمضان

الدراما الجزائرية اجتذبت فنانين مصريين (الشركة المنتجة)
الدراما الجزائرية اجتذبت فنانين مصريين (الشركة المنتجة)
TT

فنانون مصريون يسجلون حضورهم في مسلسلات خليجية وجزائرية برمضان

الدراما الجزائرية اجتذبت فنانين مصريين (الشركة المنتجة)
الدراما الجزائرية اجتذبت فنانين مصريين (الشركة المنتجة)

لفت عدد من الفنانين المصريين الأنظار بمشاركاتهم في أعمال فنية عربية تعرض خلال موسم الدراما الرمضاني الحالي عبر قنوات ومنصات مختلفة.

وتنوع الحضور المصري بالدراما في دول عربية مختلفة -من بينها الجزائر والكويت- بين الأدوار الكوميدية والتراجيدية، وكذلك في الإخراج، وكتابة السيناريو.

ويأتي المسلسل الجزائري «حاصلة في كايرو» في مقدمة الأعمال الفنية التي تشهد على حضور فنانين مصريين، من بينهم عايدة رياض، ومحمد الصاوي، وسعد الصغير، وعزة مجاهد، وعمرو عبد العزيز، وغيرهم، والمخرج وائل فهمي عبد الحميد.

وتتابع أحداث «حاصلة في كايرو» قصة امرأة جزائرية وابنتها وحياتهما في القاهرة عبر فترتين مختلفتين، حيث تطرأ عليهما عدة تحولات اجتماعية تفرضها المدينة.

الناقد الفني الجزائري خالد بن طوبال أشاد بمسلسل «حاصلة في كايرو»، مؤكداً أن «العمل يعكس أهمية دمج الثقافات المختلفة بين البلدين من خلال قصة تجمع بين الكوميديا والدراما في قالب مشوق، مما ساهم في تسويق الممثلين الجزائريين خارج نطاق بلدهم، خصوصاً سهيلة معلم، ومحمد خساني، إلى جانب ليندة ياسمين».

وقال طوبال لـ«الشرق الأوسط»: «تكمن أهمية الدراما العربية المشتركة في تعزيز التبادل الفني والثقافي، حيث تعتبر أداة فعالة تربط الجمهور العربي بأعمال مختلفة تعكس القضايا اليومية في قالب يطرح قصصاً وسيناريوهات أكثر تنوعاً».

سوسن بدر تشارك في الدراما العربية (الشركة المنتجة)

وأشار طوبال إلى أن الجمهور الجزائري تعلق بالأجواء العائلية اللطيفة التي يدور حولها المسلسل، والشكل (اللايت كوميدي) الذي يثير الضحك تحت إدارة المخرج وائل فهمي عبد الحميد.

في السياق، وللسنة الثانية على التوالي تواصل الفنانة سوسن بدر مشاركتها في المسلسل الإماراتي «الباء تحته نقطة»، وتدور أحداثه في إطار اجتماعي كوميدي، ويشاركها بالعمل الفنانة الكوميدية إيمان السيد.

ويشارك المخرج المصري، أحمد البنداري، هذا الموسم في الدراما الإماراتية من خلال إخراج مسلسل «لحظات مسروقة» الذي تدور أحداثه في إطار اجتماعي درامي مشوق، كما يشهد العمل على عودة الفنانة الإماراتية سميرة أحمد للدراما بعد غيابها لسنوات.

وتظهر الفنانة المصرية انتصار في دور محوري خلال أحداث المسلسل الكويتي «أعوام الظلام»، ووفق صناع العمل، فإنه يحكي قصة الكاتب الكويتي بدر المطيري الذي تعرض للسجن بعد إدانته بإحدى التهم زوراً، وبراءته بعد ذلك مما ترك أثراً على نفسيته، المسلسل معالجة وسيناريو وحوار لورشة «سرد»، للكاتبة مريم نعوم، وإخراج المخرج المصري محمد سلامة، الذي أخرج أيضاً المسلسل الكويتي «وحوش 2».

الملصق الترويجي لمسلسل أعوام الظلام (الشركة المنتجة)

وتعليقاً على المشاركات المصرية اللافتة بالدراما العربية هذا العام، قال الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين إن «العمل الفني لا يعترف بجنسيات أو حدود، وإن الاستعانة بفنان مصري في عمل عربي أمر طبيعي»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «طالما الفنان يصلح لدور معين حينها لا يشغلنا معرفة جنسيته، لأن الأساس بالفن والمتعارف عليه هو أن الدور ينادي صاحبه بعيداً عن أي اعتبارات أخرى».

وأوضح سعد الدين أن «المشاركة بين النجوم المصريين والعرب في الأعمال الفنية ستعود بالفائدة على الدراما بشكل عام»، لافتاً إلى أن الناس عندما يشاهدون عملاً عربياً يستمتعون به كونه يضم توليفة مختلفة من كل الجوانب.

وعد الناقد الفني «الأمر المهم هو أن يؤدي الممثل دوره بشكل صحيح مهما كانت جنسيته، لأن معيار النجاح أساسه جودة الأداء، كما في السينما العالمية، فهي قائمة على الأفضل بصرف النظر عن الجنسية».