كيف تعامل الإعلام الرياضي العربي مع مونديال قطر؟

خبراء أكدوا أن الأداء اللافت للسعودية والمغرب زاد الزخم حول البطولة

فرحة جمهور المنتخب المغربي
فرحة جمهور المنتخب المغربي
TT

كيف تعامل الإعلام الرياضي العربي مع مونديال قطر؟

فرحة جمهور المنتخب المغربي
فرحة جمهور المنتخب المغربي

بينما تتواصل فعاليات بطولة كأس العالم لكرة القدم في قطر، يبرز التساؤل حول كيفية تعامل الإعلام الرياضي العربي مع «مونديال 2022»، ومدى تأثير مشاركة المنتخبات العربية على طبيعة التفاعل والتغطية لواحدة من الفعاليات «الأكثر» جماهيرية على مستوى العالم.
وفي حين لفت خبراء تحدثت معهم «الشرق الأوسط» إلى أن الأداء «اللافت» لمنتخبَي المملكة العربية السعودية والمغرب زاد من الزخم الإعلامي حول البطولة، فإنهم أشاروا أيضاً إلى أن حجم التفاعل والتغطية يختلف من دولة لأخرى؛ لا سيما إذا كان منتخب الدولة المعنية مشاركاً في البطولة.
في الحقيقة، الإعلام لاعب أساسي ومؤثر في الأحداث الرياضية. وحسب دراسة حديثة نشرها موقع «Enos Tech» في مايو (أيار) الماضي، فإن «الإعلام ساهم إيجابياً في تنمية وتطوير الرياضة عموماً، وزيادة عائداتها، وجودتها أيضاً». وذكرت -في رجعة تاريخية- أن «أول مقال حول حدث رياضي نُشر عام 1836، بينما جاء أول تقرير تلفزيوني رياضي عام 1939».

الجمهور السعودي في كأس العالم (رويترز)

وفي حين تحتل الرياضة جانباً مهماً من التغطيات الإعلامية عربياً وعالمياً، تحظى بطولات كرة القدم بالنصيب الأكبر من التغطية؛ لا سيما مع جماهيرية اللعبة الشعبية التي تلقَّب بـ«الساحرة المستديرة». وتعد نهائيات بطولة كأس العالم لكرة القدم حدثاً عالمياً استثنائياً، ينتظره عشاق الكرة، والإعلام، كل 4 سنوات. ووفق مراقبين، فإن نهائيات قطر 2022 تستقطب اهتماماً إعلامياً خاصاً على المستوى العربي، كونها أول نهائيات تستضيفها دولة عربية؛ لكن ليس هذا هو السبب الوحيد؛ إذ إن المشاركة العربية أيضاً سلطت على هذه النهائيات مزيداً من الأضواء.
كان للمملكة العربية السعودية حضور مبكر لافت في البطولة، عقب انتصار المنتخب السعودي في أولى مبارياته في على منتخب الأرجنتين بقيادة النجم الكبير ليونيل ميسي، المصنف ضمن أفضل اللاعبين على مستوى العالم. وهنا علّق أسامة المدني، أستاذ الإعلام البديل في جامعة أم القرى السعودية، ومستشار الإعلام الرقمي وتطوير الأعمال، لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «المملكة نجحت في توظيف كأس العالم، واستثماره لمصلحة صورتها إقليمياً وعالمياً كقوة ناعمة، لا سيما بعد الفوز التاريخي على المنتخب الأرجنتيني، أبرز المرشحين للفوز بالبطولة».
وعلى الصعيد الإعلامي، تابع المدني: «سخّر الإعلام السعودي كل إمكاناته لتسويق المملكة إقليمياً وعالمياً... وسط تفاعل الجماهير مع وسائل الإعلام، وإعادة مشاركة أخبار المنتخب السعودي؛ إذ أعادت الجماهير السعودية نشر تغريدات وكالة الأنباء السعودية حول نتائج المنتخب، ما أعطى زخماً إضافياً للبطولة... والبيانات الحديثة تشير إلى أن المجتمع السعودي هو الأكثر تفاعلاً، عالمياً، على منصة التغريدات (تويتر)».
من ناحية ثانية، تفاعلت وسائل الإعلام العربية بشكل متفاوت مع البطولة، بين محاولات التركيز على المنتخبات الوطنية -في حال كانت مشاركة- وتقديم الدعم والتشجيع الحذر أحياناً للفرق العربية، مع استمرار المتابعات اليومية للفعاليات، لا سيما المنتخبات ذات الشعبية الجماهيرية.
وهكذا خصصت الصحف الورقية صفحات لتحليل المباريات ونتائجها، ولم تخلُ المحطات التلفزيونية من استوديوهات التحليل الرياضي، في حين انتشرت مقاطع الفيديو التحليلية من منتجي المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي.
وهنا شرح أنس بنضريف، الصحافي والخبير الإعلامي المغربي، لـ«الشرق الأوسط» مراحل تفاعل الإعلام المغربي مع «مونديال 2022»، وقال إن «البداية بالنسبة للمغرب كانت حذرة، لا سيما أن المنتخب المغربي كان يلعب ضمن مجموعة قوية، وكانت أغلب التوقعات تشير إلى احتمال خروجه من الدور الأول... إلا أن التعادل مع منتخب كرواتيا صبغ التغطية الإعلامية بقدر من التفاؤل، ونقلها إلى مرحلة أكثر حماسة... ومن ثم فتح باب الأمل على مصراعيه بعد الفوز على بلجيكا».

استوديو نقل تلفزيوني

وتابع الصحافي المغربي: «إن هناك جيلاً كاملاً من المغاربة لم يعش أجواء التأهل لثُمن نهائي بطولة كأس العالم، إذ لم يحدث ذلك منذ عام 1986، الأمر الذي منح مونديال قطر زخماً في الشارع المغربي والعربي أيضاً».
بطبيعة الحال، تختلف درجة اهتمام وسائل الإعلام العربية بـ«مونديال 2022»، وتتأثر بمشاركة منتخب ما أو غيابه، وهو واقع رصده خبراء أكدوا تكثف التغطية حال وجود المنتخبات الوطنية في البطولة، وتراجعها أو فتورها حال خروج هذه المنتخبات أو تغيبها من الأساس. ولكن على مستوى الشارع العربي تبقى «الساحرة المستديرة» اللعبة الأكثر شعبية التي يحرص كثيرون على متابعتها في مختلف الأحوال، سواءً في المنازل أو المقاهي. وهذا ما رصده بنضريف بنفسه، حين سمحت له الظروف بمتابعة بداية «المونديال» في 3 دول عربية، هي: تونس والعراق ومصر، وقال: «هناك إجماع على تشجيع المنتخبات العربية، حتى بين الدول التي لم تتأهل للبطولة مثل العراق ومصر، وإن سمعت عبارات الحسرة على الغياب بين الحين والآخر؛ لكن هذا لم يؤثر على فعالية وقوة تشجيع المنتخبات العربية».
وحقاً، فإن جولة على المقاهي والأماكن العامة في فترة البطولة كفيلة بمنح المرء انطباعاً عن مدى جماهيرية هذه الرياضة في الشارع العربي؛ إذ لا يكاد يخلو مقهى من شاشة تلفزيون مثبّتة على القناة الناقلة للبطولة، في حين تزدحم المقاهي ويتسمّر روادها أمام الشاشات لمتابعة المباريات، سواء كان أطرافها منتخبات عربية أو غربية. ولئن كانت بعض المنتخبات تحظى بشعبية أكثر من غيرها، يلاحَظ أن لا خلاف على تشجيع المنتخبات العربية، أياً كان الطرف المنافس.
من جانب آخر، تعد كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية على مستوى العالم -ربما باستثناء الولايات المتحدة- ما يجعل التفاعل الإعلامي معها أكبر، وإن جاء ذلك على حساب الرياضات الأخرى. ونظراً لجماهيريتها فكرة القدم تُكسِب من يكتب عنها في الإعلام قدراً من الشهرة لا تمنحه الرياضات الأخرى. وهذا ما يفسر -مثلاً- اهتمام الإعلام المصري بـ«المونديال» على الرغم من غياب المنتخب الوطني عن المشاركة في البطولة، حسب الناقد الرياضي المصري أيمن بدرة.
بدرة تابع في حوار مع «الشرق الأوسط» قائلاً إن «الزخم الإعلامي الذي صاحب مونديال قطر هو الأكبر في تاريخ البطولة؛ لا سيما مع حالة الجدل التي أثارتها البطولة لاعتبارات دينية وقيمية، وتنظيمها في دولة عربية، إلى جانب مشاركة منتخبات لها جماهيرية كبيرة وذات تأثير في نسب المشاهدات، مثل السعودية». وأردف: «التفاعل الجماهيري على منصات التواصل الاجتماعي، وظهور محتوى متنوع؛ لا سيما بعد فوز المنتخب السعودي على منتخب الأرجنتين، دفع نحو مزيد من التغطية الإعلامية للمونديال عموماً».
وفعلاً، يتفق هذا ما أعلنه الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، من أن «المباراة الافتتاحية لمونديال قطر جذبت مشاهدات أكثر من نظيرتها عام 2018، بزيادة وصلت إلى 109 في المائة، لتتخطى النسب في نهائيات روسيا عام 2018، ونهائيات البرازيل عام 2014».
ولكن على الجانب الآخر، يقول بدرة إن «متابعة الإعلام المصري للمونديال كانت ستختلف في حال مشاركة المنتخب الوطني المصري». ويتابع: «في مونديال روسيا عام 2018، على سبيل المثال، سافر وفد إعلامي كبير مع المنتخب المصري لمتابعة مبارياته، وهو ما لم يحدث في مونديال قطر؛ حيث اقتصرت التغطية الحية على عدد قليل من المراسلين والصحافيين ممن تلقوا دعوات من الجانب القطري لتغطية البطولة». وهنا تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من انطلاق الصحافة الرياضية المصرية في أوائل القرن الماضي، بتغطية ألعاب فردية مثل الفروسية وسباقات الخيل، والملاكمة، فإن نقاداً ومؤرخين يرجعون بداياتها إلى 4 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1922، عندما خصّصت صحيفة «الأهرام» المصرية زاوية يومية بعنوان «الصحافة الرياضية»، هي التي يعتبرها النقاد أول باب متخصص للصحافة الرياضية في المنطقة العربية.
وهنا يقول بدرة إن «الألعاب الرياضية الأخرى، على الرغم من الإنجازات التي تحققت فيها عربياً، لا تحظى بدرجة الاهتمام الإعلامي نفسها التي تحظى بها كرة القدم»، ويشرح بأن «كرة القدم بمثابة الغذاء الرئيس على المائدة العربية، من حيث الإنفاق والمتابعة الجماهيرية، والعائدات الإعلامية على مستوى الوسيلة الإعلامية والصحافي أو الإعلامي»، ضارباً المثل باستوديوهات تحليل المباريات في التلفزيون التي يقوم عليها صحافيون وإعلاميون متخصصون في متابعة أخبار كرة القدم.


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».