حين عجز أبوها الشيخ الكبير عن العمل خرجت مع أختها لتوفير الماء اللازم لتسيير حياة الأسرة في مختلف المجالات. وحين التقت نبي الله موسى عليه السلام لأول مرة قدمت نموذجا رائعا للفتاة الواعية المسؤولة. وحين تحدثت عن موسى عليه السلام لوالدها جاء حكمها عليه صائبا، فوصفته بأنه «القوي الأمين». إنها «صفورا» زوجة نبي الله ورسوله موسى عليه السلام.
يذكر الكاتب أحمد خليل جمعة في كتاب «نساء الأنبياء في ضوء القرآن» أنه عندما بلغ موسى أشده واستوى - وكانت له في مصر عزوة بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته في قصره وكان بنو إسرائيل قد صارت لهم وجاهة وارتفعت رؤوسهم - كان نبي الله حكيما وعالما، أسبغ الله عليه نعمه، فكان مثالا في الحلم وحسن الخلق، محسنا كريما، خاصة لبنى إسرائيل. دخل موسى يوما إلى المدينة، فوجد رجلين يتضاربان، أحدهما من بني إسرائيل والآخر من المصريين، واستغاث الإسرائيلي بموسى، فأقبل إليه موسى فضرب المصري بيده يبغي إبعاده عن الإسرائيلي، فوقع من وكزة موسى على الأرض ومات من فوره. لم يكن موسى يريد قتله، فاستغفر ربه، وخشي موسى أن يعرف أنه قتل المصري دفاعا عن رجل من بني إسرائيل. ونزل موسى في اليوم التالي إلى المدينة، فإذا بالإسرائيلي الذي أعانه موسى بالأمس يستغيث بموسى في عراك جديد مع مصري آخر، فزجره موسى عليه السلام على غلظته وسوء أخلاقه، فخاف الإسرائيلي من موسى وقال له: أتريد أن تقتلني كما قتلت المصري بالأمس؟ جرى المصري يخبر رجال فرعون أن من قتل الرجل الذي وجدوه بالأمس، هو موسى، وبلغ فرعون الخبر فأمر جنوده بإحضار موسى. نزل الخوف في قلب موسى فهرب من مصر، يضرب في الأرض، لا يعرف إلى أين يتجه، لكنه طلب من ربه أن يهديه الطريق، فقصد في سفره إلى أرض مدين، فهي بمنأى عن مصر، ولن تناله أيدي فرعون. واستمر موسى في سفره ما قضى، جائعا يقتات بالحشائش من الصحارى، وبلي نعله من السير، فمشى حافيا. هداه الله الطريق، فوصل إلى ورد ماء مدين، فارتمى إلى جواره يستريح من وعثاء السفر، ووجد حول البئر، رعاة يسقون لهم ولأغنامهم، ووجد امرأتين واقفتين بأغنامهما تحيطانها لكي لا تختلط بأغنام الناس وحتى يمضي الرجال ثم تقومان بسقي الأغنام.. هكذا كانت الفتاتان لا ترضيان الاختلاط بالرجال، وهما المتحجبتان اللتان اضطرتهما الظروف القاسية للخروج من أجل سقي الأغنام، ولو كان في البيت رجلا يقوى على سقي الأغنام ما خرجت الشابتان إلى العمل.
* زواج موسى من «صفورا»
يقول د. مصطفى مراد، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر في كتاب زوجات الأنبياء: وسأل موسى الفتاتان لماذا لا تسقيان مثل الباقين، فقالت إحداهما: لا نقدر على ورود الماء إلا بعد انتهاء الرعاء من السقي لضعفنا، فنحن نسقي بدلا عن أبينا الشيخ الذي لا يقدر الآن على السقي. فقام موسى فسقى لهما، رفع الصخرة الكبيرة التي يضعها الرعاة على فوهة البئر. استعان بالله ورفع الصخرة وحده، وهى التي لا يرفعها إلا عشرة رجال، ثم استقى لهما وسقى غنمهما، ثم سار إلى الظل فشكر ربه على نعمه واشتكى إليه فقره وعوزه.
عادت الفتاتان إلى أبيهما، فتعجب من سرعة رجوعهما فأخبرتاه بما كان من أمر موسى، فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه. مشت إليه في حياء العذارى تغطي وجهها عفة وصلاحا، تدعوه باسم أبيها ليجزيه أجر سقياه لهما.. مشت أمامه فكانت الريح تضرب ثوبها فتكشف ساقيها، فقال لها موسى: امش خلفي ودليني على الطريق. دخل موسى على أبيها، وكان الشيخ يستعد للعشاء، فطلب منه الشيخ أن يجلس معه للعشاء، فقال له موسى: أخاف أن يكون عوضا عما سقيت لهما، وأنا من بيت لا نطلب عوضا عن عمل الخير. فقال له الشيخ: عادتي وعادة آبائي أن نقري الضيف ونطعم الطعام. طعم موسى مع الشيخ، وقص عليه قصته، وما كان من فرار الأمين هربا من فرعون، فطمأنه الشيخ أنه نجا من الجبارين، فهو لم يعد في بلدهم.
وتحدثنا ابنة العبد الصالح عن صفات موسى - عليه السلام - فتقول لأبيها: «يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين»، فقال: يا بنية ما علمك بأمانته وقوته؟ قالت: أما قوته فرفعه الحجر ولا يطيقه إلا عشرة رجال، وأما أمانته: فقال: امشِ خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك.
وقد اختلف المفسرون في العبد الصالح أبو السيدة «صفورا»، قال أحدهما: إنه شعيب النبي - عليه السلام - الذي أرسل إلى أهل مدين. ومقولة أخرى بأنه رجل مؤمن من قوم شعيب. وعن أبى حمزة عن ابن عباس، قال: الذي استأجر موسى «يثربي» صاحب مدين.. فالأولى أنه يقال: إنه رجل صالح من مدين.
وبعث الشيخ في طلب موسى، وعرض عليه أن يتزوج إحدى ابنتيه بشرط أن يعمل عنده لمدة ثماني سنوات، فإن أتمها عشرا، فهي خير من عند موسى. قال الله تعالى: «ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دُونهم امرأتين تذودان، قال ما خطبكما، قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير، فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين، قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين، قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشرا فمن عندك، وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين، قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على والله على ما نقول وكيل» سورة القصص: الآيات من 22 - 28.
ويضيف أ.د حمزة النشرتي في كتاب سيرة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: وعمل موسى لدى الشيخ في رعى الغنم عشر سنين، فزوجه ابنته «صفورا». واشتاق موسى لمصر، فأراد أن يعود إليها متخفيا، فسأل صفورا أن تطلب من أبيها أن يعطيها بعض غنمه يعيشون منها، فأجزل الشيخ لهما العطاء ومنحهما كل ما ولدت أغنامه في تلك السنة. وخرج موسى من ديار شيخ مدين في طريقه إلى مصر، ومعه زوجته «صفورا»، وابناه «جرشون» و«عازر»، ومعهم أغنامهم. ضربوا في الصحراء في ليلة مظلمة باردة، فتاهوا ولم يهتدوا إلى الدرب المألوف، ولم يفلح المصباح الذي يحمله موسى في أن يبين له الطريق. جلسوا في مكانهم، فأبصر موسى عن بعد نارا تتأجج في جانب الجبل، وقصد موسى إلى تلك النار التي رآها، فوجدها مشتعلة في شجرة خضراء من الشوك فتزداد النار اشتعالا وتزداد الشجرة اخضرارا، فوضع موسى يده على وجهه من شدة ذلك النور، فناداه ربه سبحانه وتعالى دون حجاب وأمره بخلع نعليه تعظيما وتكريما وتوقيرا لتلك البقعة المباركة وفى تلك الليلة المباركة، وخاطبه عز وجل بأنه رب العالمين الذي لا إله إلا هو، وأنعم بالنبوة على موسى، وأمره الله بالذهاب إلى فرعون ليدعوه إلى الإيمان، وحدث ما حدث من ظلم فرعون وجنوده، وصبر موسى وزوجته وأهله.
