التطور الميداني يكشف هشاشة «داعش» وضعف الاستراتيجية الأميركية في سوريا

يبحث المسؤولون الاتصال مع المعارضة لنقل القتال إلى عمق المناطق العربية

نازحون سوريون من تل أبيض هربوا من القتال بين الأكراد و«داعش» الشهر الماضي ينتظرون الدخول إلى الأراضي التركية (أ.ف.ب)
نازحون سوريون من تل أبيض هربوا من القتال بين الأكراد و«داعش» الشهر الماضي ينتظرون الدخول إلى الأراضي التركية (أ.ف.ب)
TT

التطور الميداني يكشف هشاشة «داعش» وضعف الاستراتيجية الأميركية في سوريا

نازحون سوريون من تل أبيض هربوا من القتال بين الأكراد و«داعش» الشهر الماضي ينتظرون الدخول إلى الأراضي التركية (أ.ف.ب)
نازحون سوريون من تل أبيض هربوا من القتال بين الأكراد و«داعش» الشهر الماضي ينتظرون الدخول إلى الأراضي التركية (أ.ف.ب)

جاءت الهزيمة المنكرة التي منيت بها قوات «داعش» عبر قوس واسع من الأراضي في الشمال الشرقي من قلب سوريا لتكشف عن كثير من مواطن الضعف ضمن صفوف التنظيم المسلح، وفي الوقت نفسه محدودية الاستراتيجية التي تقودها الولايات المتحدة والموضوعة لمواجهة التنظيم.
تمكنت القوات الكردية، التي برزت خلال الأسابيع الأخيرة كأكثر شركاء الولايات المتحدة فعالية في تلك الحرب، من طرد مقاتلي «داعش» من ثلث محافظة الرقة الرئيسية. وأدى ذلك الهجوم، الذي كان مدعوما بالغارات الجوية الأميركية، إلى حرمان مقاتلي «داعش» من السيطرة على أكثر المعابر الحدودية أهمية مع تركيا، كما أجبرهم على اتخاذ المواقف الدفاعية داخل عاصمة خلافتهم المزعومة في مدينة الرقة، وهو الأمر الذي لم يكن متوقعا أبدا قبل شهر من الآن.
أدى ذلك التحول الميداني إلى تحويل تركيز القتال من العراق إلى سوريا لأول مرة خلال شهور، فقد نجم عن الغارات الجوية الـ18 الخاطفة لقوات التحالف ضد مدينة الرقة خلال عطلة نهاية الأسبوع، تدمير الجسور والطرق التي يستخدمها تنظيم داعش في نقل الإمدادات إلى جبهات القتال الأمامية في أماكن أخرى. وكانت الهجمات الجوية المذكورة واحدة من أكثر الهجمات كثافة في سوريا، وفقا لبيان صادر عن وزارة الدفاع الأميركية ووفق شهادة النشطاء على الأرض في الرقة.
وأشار الرئيس أوباما يوم الاثنين الماضي إلى المكاسب المحققة في سوريا كدليل على التقدم المحرز على الأرض، صرح قائلا في واشنطن عقب اطلاعه على تقرير من وزارة الدفاع حول حالة الحرب «عندما يكون لدينا شريك فعال على الأرض، يمكن حينها صد داعش»، وأضاف: «إن نقاط الضعف الاستراتيجية لدى داعش حقيقية ومؤكدة»، مستخدما الاسم المختصر للتنظيم الإرهابي.
غير أن غياب القوات المحلية الموثوقة التي يمكنها الضغط بالقتال إلى عمق المناطق التي يسيطر عليها «داعش»، كشف عن مواطن الضعف التي تعاني منها الاستراتيجية الأميركية حسبما أفاد المحللون. كما أن التوتر المتزايد فيما بين العرب في المنطقة والخطر المزعوم من المحررين الأكراد يزيد من تهديد المكاسب المتحققة.
وينتقل الهجوم بالقوات الكردية إلى ما هو أبعد من الأقاليم الكردية التقليدية، إلى مناطق الأغلبية فيها للعرب السوريين، مما يستدعي مزاعم من هؤلاء ومن الحكومة التركية، بأن الأكراد يستغلون الحرب الجوية التي تقودها الولايات المتحدة في إقامة دولتهم الكردية الخاصة.
وقد وجهت المعارضة السورية الاتهامات للأكراد بطرد العرب من قراهم حتى تتأكد لهم السيطرة عليها، إذ يقول أحمد حاج صالح، وهو ناشط سوري مخضرم من الرقة «إن هدفهم يكمن في تغيير التركيبة السكانية للمنطقة وإقامة دولة كردستان. والحقيقة أن ذلك يتم تحت غطاء الغارات الجوية الأميركية»، ويضيف «أنا علماني، ولكن إذا اقتضى الأمر، فسوف أحمل السلاح وأنضم إلى داعش. فلن أسمح بتغيير التركيبة السكانية لتلك المنطقة أبدا».
وقد حذر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من أن بلاده لن تسمح أبدا للأكراد بإقامة دولة خاصة بهم على الحدود السورية التركية.
في حين أن ريدور خليل، المتحدث الرسمي باسم وحدات حماية الشعب، المعروفة اختصارا باسم «واي بي جي»، وهي الميليشيات الكردية التي تقود القتال ضد «داعش»، نفى المزاعم التركية أو عزم الأكراد لإقامة دولة خاصة بهم هناك. وأفاد بأن «المناطق المسيطر عليها هي جزء من سوريا ولسوف تظل جزءا من سوريا، ما لم يكن هناك قرار آخر بشأنها من جانب القوى الدولية. وبالنسبة للعرب النازحين من منازلهم فإنه مرحب بعودتهم ما لم يكن هناك دليل قاطع على تعاونهم مع تنظيم داعش الإرهابي».
وتؤكد التوترات الجارية على أوجه القصور طويلة الأمد للاستراتيجية التي تقودها الولايات المتحدة لتقويض تنظيم داعش والقضاء عليه في نهاية المطاف، من حيث الافتقار إلى البدائل المستساغة لتنظيم داعش لدى السكان الذين يعيشون في مناطق التنظيم العميقة، وهي الأقاليم العربية السنية التي تمتد عبر الحدود العراقية السورية.
يقول شادي حامد من «مركز سياسات الشرق الأوسط» التابع لمعهد بروكينغز في واشنطن: «ببساطة، إن البديل السني غير موجود في الوقت الراهن. وهنا يكون التركيز على المكاسب السريعة على الأرض مثيرا للكثير من المشاكل. والولايات المتحدة لا تنظر فيما سوف يحدث عقب طرد تنظيم داعش من تلك المنطقة».
وتحولت المعركة الأخيرة في الشمال السوري إلى انتصار سريع على عكس توقعات الجميع.
فقد صرح المسؤولون الأميركيون والأكراد بأن الهجوم المنفذ لاستعادة السيطرة على بلدة تل أبيض، وهي البلدة الحدودية الرئيسية لدى «داعش» ومنفذ عبور المقاتلين الأجانب والإمدادات للتنظيم عبر تركيا، كان يتوقع له أن يستغرق عدة أسابيع على أدنى تقدير.
بدلا من ذلك، لم يتحمل مقاتلو «داعش» شراسة القتال هناك، حيث انهارت دفاعات التنظيم خلال الشهر الماضي بعد يومين، وسرعان ما تم طرد المقاتلين المنسحبين من عشرات البلدات والقرى في اتجاه الجنوب، مما يضع القوات المتقدمة على بعد 35 كيلومترا فقط من مدينة الرقة.
وأفاد السكان المحليون بمشاهدة أمارات الذعر والفزع حال حفر مقاتلي «داعش» للخنادق، ومناشدة المتطوعين اللحاق بهم عبر مكبرات الصوت في المساجد، واعتقال المنشقين المشتبه بهم في صفوفهم، وتوجيه الأوامر لآلاف المواطنين الأكراد في المدينة بمغادرتها. وقال أحد رجال الأعمال من مدينة الرقة الذي تحدث بشرط إخفاء هويته خوفا على سلامته «يبدو الأمر كما لو أنهم في صدمة شديدة».
غير أن الضربات الجوية يمكن أن تعود بنتائج عكسية على المدى البعيد إذا ما نُظر إليها من زاوية تمكين الجماعات الأجنبية أو المعادية للسكان المحليين هناك، حسبما أفاد المحللون. حيث كانت وحدات حماية الشعب الكردية شريكا أساسيا للولايات المتحدة خلال الحرب، ولكنها الآن هي الشريك الوحيد في الحرب داخل سوريا، مما يجعل من الصعب الضغط للاستفادة من الفوضى والانسحاب الواضح لقوات المتطرفين.
وقد بدأ برنامج وزارة الدفاع الأميركية الذي يتكلف 500 مليون دولار لتدريب وتجهيز المتمردين السوريين المعتدلين لمواجهة «داعش»، بالكاد، عقب عام كامل من إعلان الرئيس أوباما عن تدشينه. وانضم أقل من 200 متمرد سوري إلى البرنامج، ويقول المسؤولون الأميركيون إنهم يواجهون أوقاتا عصيبة في العثور على السوريين المستعدين لإعطاء الأولوية لمقاتلة تنظيم داعش على معركة الإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد.
ورغم قتال وحدات من جيش السوري الحر برفقة الأكراد، فإنهم يمثلون جزءا صغيرا من القوة الشاملة، التي تجمعت تحت ائتلاف يسمى «بركان الفرات».
ويريد أكبر ألوية المتمردين والمعروف باسم «ثوار الرقة»، الضغط بالقتال إلى داخل مدينة الرقة، حسبما قال أبو شجاع الناطق الرسمي باسم ذلك اللواء الذي يستخدم اسما مستعارا. ولكن على العكس من الأكراد، الذين ينسقون الضربات الجوية من خلال مركز العمليات الأميركية في المنطقة الكردية المجاورة للعراق، فإن لواء «ثوار الرقة» ليست لديهم أي اتصالات مع الجيش الأميركي هناك، وبالتالي، ما من سبيل لاستدعاء الضربات الجوية التي أثبتت أهميتها خلال العمليات الأخيرة.
ويهتم المقاتلون الأكراد كثيرا بالانطلاق غربا، كما قال الناطق الرسمي، في اتجاه بلدة جرابلس الحدودية الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش، بهدف توسيع الجيب الكردي بدلا من التقدم في اتجاه مدينة الرقة. وأضاف الناطق الرسمي «يبدو أن قوات التحالف لا تثق بالعرب وهم لا يقصفون داعش إلا لمساعدة الأكراد».
وقد أقر الرئيس أوباما أنه يتعين فعل المزيد لتدريب وتجهيز القوات المحلية، وأن إلحاق الهزيمة النهائية بتنظيم داعش سوف تكون «مهمة القوات المحلية على الأرض»، وتابع يقول: «ملأ تنظيم داعش الفراغ، وعلينا التأكد من طردهم خارجه، وإعادة ملء ذلك الفراغ من جديد».
ويقول المسؤولون الأميركيون إنهم يبحثون سبل الاتصال مع الجماعات المعارضة من أجل نقل القتال إلى عمق المناطق العربية السورية، ومن بينها الرقة. حيث صرح أحد كبار مسؤولي الإدارة الأميركية، والذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة الاستراتيجية العسكرية «إن مفتاح القتال يكمن لدى الوحدات العربية، وإننا مستعدون تماما للعمل معهم وتعزيز قوتهم بكل ما نستطيع».
يمكن لمثل تلك الشراكات أن توفر البديل لخطة الولايات المتحدة في تدريب وتجهيز قوة سورية مستقلة، غير أن العثور على تلك الجماعات يعد تحديا واقعيا في حد ذاته، حسبما أفاد الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة أمام جلسة استماع بالكونغرس الشهر الماضي.
إن انعدام وجود الشراكات في سوريا هو، في جزء منه، خطأ استراتيجية «العراق أولا» للإدارة الأميركية، التي أولت أهمية قصوى للقتال الدائر في العراق على ذلك الجاري في سوريا، كما صرح حسن حسن، الذي شارك في تأليف كتاب بعنوان: «داعش: من داخل جيش الإرهاب» ويعمل محللا لدى مؤسسة «تشاتام هاوس»، وهي مركز للأبحاث مقره في لندن. وقد أشار منذ فترة طويلة إلى أن ميدان المعركة السورية يعد أسهل كثيرا من العراق الذي يحمل «داعش» فيه تاريخ طويل، ويقدم للسنة هناك بدائل عن الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد.
وأضاف حسن «إن قدم داعش ليست أكثر رسوخا في سوريا من العراق. إنهم حديثو عهد بسوريا، ويعتبرون هناك تنظيما أجنبيا، بل إنه تنظيم عراقي أكثر من كونه سوريا. وفي سوريا، هناك إمكانية أكبر، نظرا لوجود المزيد من القوات على الأرض، غير أنهم تعوزهم المساعدات الحقيقية»، مشيرا إلى وجود عدد كبير من الجماعات المعارضة التي ظلت تقاتل تنظيم داعش لما يربو على العام.
يمكن لذلك أن يتغير رغم كل شيء. بقدر ما أدى الاعتماد العراقي على القوات الكردية والشيعية إلى تهميش السنة هناك، فإن المكاسب الكردية في سوريا تواجه خطر توجيه الدعم والإسناد في اتجاه «داعش»، كما أشار إلى ذلك حامد من معهد بروكينغز.
وقد احتل ذلك الخطاب موطئ قدم راسخا لدى الآلاف من السوريين الذي فروا من القتال في الآونة الأخيرة عبر الحدود وإلى بلدة تل أبيض التركية، حيث يقول كثيرون منهم إنهم لن يعودوا إلى منازلهم طالما ظلت تحت سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية التي تتعارض آيديولوجيتها اليسارية مع الميول المحافظة للكثير من سكان تلك المنطقة.
يقول أحد الشبان البالغ من العمر (22 عاما) الذي طلب أن يشار إليه باسم أبو محمد نظرا لخوفه على سلامته، إنه فر أمام القوات الكردية المتقدمة، ولكن إذا ما استمرت المعركة لوقت أطول من ذلك فسوف ينضم إلى قوات «داعش»: «إذا ما أردت الدفاع عن دينك وأرضك وشرفك، فينبغي عليك الانضمام إلى داعش. لأنك إذا لم تفعل، فسوف تأتي القوات الكردية وتحتل أرضك».
*خدمة {واشنطن بوست}



بيان يمني يتهم ضباطاً إماراتيين بارتكاب انتهاكات جسيمة

لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)
لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)
TT

بيان يمني يتهم ضباطاً إماراتيين بارتكاب انتهاكات جسيمة

لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)
لجنة يمنية حقوقية وثقت مراكز احتجاز غير قانونية في جزيرة سقطرى (إعلام حكومي)

كشفت وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان في اليمن عن تلقيها عدداً كبيراً من الشكاوى والبلاغات من مواطنين ومنظمات مجتمع مدني، تتضمن اتهامات بارتكاب جرائم خطيرة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، نُسبت إلى مسؤولين وضباط إماراتيين، وعناصر تابعة لدولة الإمارات من الجنسية اليمنية، إضافة إلى مرتزقة أجانب، في تطور وصفته الوزارة بأنه بالغ الخطورة، ويمس جوهر سيادة القانون وحقوق المواطنين.

وأوضحت الوزارة، في بيان رسمي أن الانتهاكات المبلغ عنها شملت الاغتيالات، والاختطاف، والإخفاء القسري، والاحتجاز في سجون سرية، إلى جانب ممارسات تعذيب قاسية، مؤكدة أنها تابعت هذه الوقائع «ببالغ الاستنكار والأسى»، لما تنطوي عليه من خروقات جسيمة للقانون الوطني والمواثيق الدولية.

الحكومة اليمنية اتهمت قوات «الانتقالي الجنوبي» المنحل بارتكاب انتهاكات جسيمة (إ.ب.أ)

وأكد البيان أن ما كُشف عنه من انتهاكات ارتُكب خلال الفترة الماضية من قبل دولة الإمارات وأفراد وقوات وأجهزة تابعة لها، في وقت «كان يُفترض بدولة الإمارات احترام التزاماتها، واحترام سيادة الدولة اليمنية وأمن وسلامة مواطنيها، والمبادئ التي قام عليها تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، والتي كانت جزءاً منه».

وشدّدت الوزارة في الوقت ذاته على أن الجهات والأفراد اليمنيين المعنيين يتحملون مسؤولية مباشرة في حماية المواطنين وصون أمنهم وترسيخ النظام وسيادة القانون.

اغتيالات وسجون وتعذيب

وحسب البيان، تلقت الوزارة اليمنية شكاوى وبلاغات متعددة من مواطنين يمنيين ومنظمات محلية بشأن جرائم خطيرة، شملت الاغتيالات والاختطاف والإخفاء القسري والاحتجاز في سجون سرية والتعذيب، ارتكبها مسؤولون وضباط إماراتيون، إلى جانب عناصر يمنية تابعة للإمارات ومرتزقة أجانب.

كما أشارت الوزارة إلى أنها اطلعت على تقارير إعلامية وأخرى صادرة عن منظمات يمنية وإقليمية ودولية، كشفت جانباً من هذه الانتهاكات، بما في ذلك ما ورد في تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» الصادر في 30 يناير (كانون الثاني) 2026، بشأن السجون ومراكز الاحتجاز السرية التي كانت تديرها الإمارات في اليمن.

وأفادت الوزارة بأنها باشرت عمليات الرصد والتوثيق والتحقيق في هذه الانتهاكات، والتقت عدداً من الضحايا وذويهم والشهود، كما قامت بزيارة مواقع وصفتها بأنها «سجون سرية»، قالت إنها تمثل معتقلات تعذيب قاسية لا توفر أبسط الاحتياجات الإنسانية، وتتعارض مع الأعراف والقوانين ومبادئ الأخلاق والدين.

جنود جنوبيون يقفون حراساً خلال مسيرة مؤيدة لانفصال جنوب اليمن في مدينة عدن (إ.ب.أ)

وقال البيان اليمني إن هذه الانتهاكات تشكل خرقاً صريحاً للدستور والقوانين الوطنية النافذة، فضلاً عن تعارضها مع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وشدّدت وزارة حقوق الإنسان في اليمن على أن دولة الإمارات ومسؤوليها وكل من تورط في ارتكاب هذه الجرائم «لا يمكن أن يكونوا فوق القانون أو بمنأى عن المساءلة»، مؤكدة عزمها استخدام جميع الأدوات والآليات التي يكفلها النظام القانوني اليمني.

وفي إطار مهامها، أعلنت الوزارة مواصلة جهودها في رصد وتوثيق الانتهاكات، واستقبال الشكاوى من الضحايا وذويهم عبر الآليات المعتمدة، بما في ذلك الخطوط الساخنة ومكاتبها في المحافظات، لتسهيل وصول المواطنين إلى العدالة.

وختمت بيانها بالتأكيد على أن الجرائم الجسيمة لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة وحماية حقوق الإنسان وسيادة القانون مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة أو التجزئة.


العليمي يؤكد التزام الدولة بحرية الصحافة وحمايتها

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)
TT

العليمي يؤكد التزام الدولة بحرية الصحافة وحمايتها

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال استقباله رئيس تحرير «عدن الغد» (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن حرية الصحافة، وحماية الصحافيين ستظلان التزاماً أصيلاً لقيادة الدولة، والحكومة، وركيزة أساسية من ركائز سيادة القانون، وبناء المؤسسات الوطنية الحديثة التي يتطلع إليها اليمنيون، محذراً من محاولات استنساخ انتهاكات الحوثيين التي حولت أجزاء واسعة من البلاد إلى واحدة من أسوأ البيئات لعمل الصحافيين في العالم.

وشدد العليمي على أن الكلمة الحرة تمثل جزءاً لا يتجزأ من حق المجتمع في المعرفة، وعنصراً محورياً في أي مسار جاد نحو الاستقرار، والسلام، مؤكداً التزام الدولة بتوفير بيئة آمنة للعمل الصحافي، وحماية المؤسسات الإعلامية من أي تهديد، أو ابتزاز، وردع الممارسات التي تسعى إلى فرض الرأي بالقوة، أو تقويض الحريات العامة، بما يتعارض مع الدستور، والقوانين الوطنية، والدولية.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، رئيس تحرير صحيفة «عدن الغد» فتحي بن لزرق، عقب تعرض مقر الصحيفة في العاصمة المؤقتة عدن لاعتداء مسلح، واقتحام عنيف، في حادثة أثارت قلقاً واسعاً في الأوساط الإعلامية، وأعادت تسليط الضوء على التحديات الأمنية التي تواجه العمل الصحافي في المناطق اليمنية.

إحدى صالات التحرير في مقر مؤسسة «عدن الغد» بعد تعرضها للتخريب (فيسبوك)

واستمع العليمي -بحسب الإعلام الرسمي- إلى تفاصيل حادثة الاقتحام، وما رافقها من اعتداءات أسفرت عن إصابة عدد من العاملين، وتدمير ونهب محتويات المقر، فيما اعتُبر انتهاكاً صارخاً لحرية الصحافة، والعمل الإعلامي، واستهدافاً مباشراً لحق المجتمع في المعرفة، والحصول على المعلومات.

مطالب بالمحاسبة

وأشاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بالإجراءات الفورية التي اتخذها رئيس مجلس الوزراء وقيادة السلطة المحلية في عدن، مشدداً على ضرورة الإسراع في القبض على الجناة، وجميع المتورطين دون استثناء، وإحالتهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم الرادع وفقاً للقانون، إلى جانب اتخاذ الترتيبات اللازمة لتوفير الحماية للمؤسسات الإعلامية والصحافيين، وجبر ضرر صحيفة «عدن الغد»، وتمكينها من استئناف نشاطها، وممارسة رسالتها المهنية بحرية، ومسؤولية.

وأكد العليمي أن احترام حرية الصحافة يمثل مؤشراً جوهرياً على جدية الدولة في استعادة الاستقرار، وبناء الثقة مع المجتمعات المحلية والدولية، مشيراً إلى أن الدولة ستظل منحازة للكلمة الحرة باعتبارها شريكاً في معركة استعادة مؤسساتها الوطنية، لا خصماً لها.

آثار من التخريب الذي تعرض له مقر مؤسسة إعلامية أهلية في عدن (فيسبوك)

وأشار إلى أن قيادة الدولة لم تصدر خلال السنوات الأخيرة أي إجراءات بحق الصحافيين، بل شددت على منع اعتقالهم، أو احتجازهم على خلفية الرأي، أو النشر، مؤكداً أن أي مساءلة قانونية يجب أن تتم حصراً عبر القضاء المستقل، ووفقاً للقانون، وضمانات المحاكمة العادلة، مع رفض قاطع لاستخدام السلاح أو القوة لإسكات الأصوات الإعلامية.

وكان مقر صحيفة «عدن الغد» في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن قد تعرض، الأحد، لهجوم مسلح، واقتحام عنيف نُسب إلى عناصر تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، حيث أفاد رئيس تحرير الصحيفة بأن ما بين 40 إلى 50 مسلحاً اقتحموا المبنى الواقع في حي التقنية بمديرية المنصورة.

وقام المهاجمون بتحطيم كامل محتويات المقر، بما في ذلك المكاتب، وأجهزة الحاسوب، والطابعات، والماسحات الضوئية، إلى جانب نهب معدات تقنية، وأرشيفية خاصة بالعمل الصحافي.

وأدانت نقابة الصحافيين اليمنيين ونقابة الصحافيين الجنوبيين الحادثة، ووصفتها بأنها «جريمة مكتملة الأركان»، وانتهاك صارخ لحرية الرأي والتعبير. كما وجّه رئيس الوزراء شائع محسن الزنداني وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف الجناة، ومحاسبتهم، مؤكداً رفض الحكومة لأي محاولات لترهيب الكوادر الإعلامية.


نهب الأراضي يُشعل غضباً واسعاً بمناطق سيطرة الحوثيين

مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)
مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

نهب الأراضي يُشعل غضباً واسعاً بمناطق سيطرة الحوثيين

مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)
مرتفعات جبلية استولى عليها الحوثيون في صنعاء (الشرق الأوسط)

تشهد محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجة متصاعدة من الاستيلاء القسري على أراضي وممتلكات السكان، في سلوك ممنهج أشعل غضباً واسعاً ضد الجماعة الانقلابية وسط دعوات حقوقية لحماية الحقوق ومواجهة الانتهاكات ضد المدنيين.

وتتصدر صنعاء وإب وصعدة خريطة هذه الانتهاكات، وسط اتهامات للجماعة بتحويل الأراضي المنهوبة إلى مشروعات استثمارية تدر أرباحاً على قيادات نافذة ومشرفين محليين، مستغلين القوة المسلحة، ونفوذ القضاء المُسيّس لفرض الأمر الواقع.

مصادر مطلعة أفادت لـ«الشرق الأوسط» بأن نافذين حوثيين كثفوا خلال الأسابيع الماضية حملات منظمة لمصادرة أراضٍ تعود لمواطنين وأوقاف عامة وخاصة، مستخدمين آليات ثقيلة، ومرافقة مسلحة، وأوامر قضائية تُشرعن النهب، وتُغلق أي نافذة إنصاف أمام المتضررين.

وتؤكد المصادر أن هذه الحملات لا تقتصر على أراضٍ شاغرة، بل تمتد إلى منازل قائمة، ومزارع منتجة، ومواقع ذات طابع ديني واجتماعي.

الحوثيون يعتمدون سياسة البطش بالسكان لإجبارهم على التنازل عن ممتلكاتهم (إكس)

في صنعاء، فجّرت حادثة هدم منزل امرأة مسنّة في قرية «الظفير» بمديرية بني مطر غرب العاصمة المختطفة موجة غضب شعبي واسعة، حيث أقدم مشرف حوثي «أبو طارق» على تنفيذ عملية الهدم بالقوة، في خطوة وُصفت بأنها تمهيد مباشر لنزع ملكية الأرض والاستحواذ عليها.

وأظهرت مقاطع متداولة على منصات التواصل الاجتماعي صرخات المرأة في موقع الحادثة، في مشهد لخص حجم القهر الذي يعيشه السكان تحت وطأة هذه الممارسات.

وتزامنت الحادثة مع تركيز الجماعة على ما تُسميه «الأراضي البيضاء» في أطراف صنعاء ومحيطها، حيث يُمنع المالكون من التصرف بأراضيهم، أو يُطردون منها قسراً، قبل أن تُمنح لاحقاً لمستثمرين موالين، أو تُحوّل إلى مشاريع تجارية وسكنية.

ويقول حقوقيون إن هذا النمط يعكس سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الملكية العقارية بما يخدم شبكة المصالح الحوثية.

استهداف المقابر

وفي محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اتخذت الانتهاكات بُعداً صادماً باستهداف المقابر، إذ شرع مشرف حوثي، حسب مصادر محلية، في الاعتداء على مقبرة قرية «السايبة» بمديرية النادرة شرق المحافظة، مستخدماً معدات حفر، وباشر بناء قواعد أسمنتية تمهيداً لتشييد «قاعة أعراس».

واتهم الأهالي قيادات حوثية محلية بالتواطؤ وتسهيل عملية الاستيلاء، في ظل صمت سلطات الجماعة رغم البلاغات المتكررة.

وسبقت ذلك حادثة أخرى تمثلت بسطو القيادي عبد الكريم الشامي على أرضية مملوكة للمواطن بشير الدلالي في مديرية المشنة وسط المدينة. وأفاد بلاغ متداول بأن الشامي، مدعوماً بمسلحين وآليات، هدم غرفة حراسة ودفن الطابق الأرضي لمبنى تكلّف إنشاؤه ملايين الريالات اليمنية.

سكان في إب اليمنية يتهمون الجماعة الحوثية بمواصلة بنهب أراضيهم (فيسبوك)

وأكد الدلالي امتلاكه وثائق ملكية تعود لأكثر من 35 عاماً، غير أن النافذ الحوثي سعى إلى مصادرة الأرض بزعم وثيقة مزورة صادرة في 2018. وتحدثت المصادر عن اعتداء جسدي وتهديد بالقتل والسجن تعرض له المواطن أثناء محاولته الدفاع عن ملكيته.

تجريف شامل في صعدة

أما في صعدة، معقل الجماعة الرئيسي، فقد اتخذت عمليات الاستيلاء طابعاً أوسع وأشد قسوة، شمل ذلك أراضي زراعية وممتلكات خاصة، وترافق مع تهجير قسري وترهيب ممنهج يمنع أي اعتراض أو لجوء فعلي للقضاء.

وكان أحدث هذه الوقائع قيام المشرف حسين مسفر الشاعر باستقدام جرافات ومسلحين لتطويق مساحات أراضٍ تعود لقبائل «وائلة» شرق المدينة، سبق الاستيلاء على أجزاء منها.

وجاءت هذه الاعتداءات رغم شكاوى متكررة رفعها الأهالي إلى مكتب زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، الذي كان قد وجّه بتشكيل لجان للنظر في القضية دون أن تُسفر عن نتائج ملموسة. وعلى وقع ذلك، دعا المتضررون وجهاء القبائل إلى موقف موحد للضغط، ووقف ما يصفونه بـ«العبث المنظم» بأراضيهم.

جرافة بجوار مبنى مكتب الأشغال الخاضع لسيطرة الحوثيين في صعدة (فيسبوك)

وتشير تقارير حقوقية محلية إلى أن مصادرة الممتلكات في صعدة وما جاورها تتم بوتيرة متسارعة، وغالباً ما تُمنح لمشرفين أو تُستخدم في مشاريع استثمارية وأمنية، في ظل غياب تام لأي مساءلة.

ويرى حقوقيون أن هذه الانتهاكات تُعد خرقاً صارخاً لحق الملكية الخاصة، وتُعمّق الأزمة الإنسانية والاقتصادية، وتهدد السلم الاجتماعي عبر تكريس شعور واسع بالظلم والاحتقان.

ويطالب ناشطون ومنظمات حقوقية المجتمع الدولي بالتحرك الجاد للضغط من أجل وقف هذه الممارسات، وفتح تحقيقات مستقلة، وضمان حماية ممتلكات المدنيين، محذرين من أن تحويل الأراضي المنهوبة إلى مصادر تمويل للجماعة يزيد من إطالة أمد الانقلاب.