زوجات الأنبياء - الحلقة (21): «زليخا».. زوجة يوسف (2) اعترفت بخطئها وأخلصت في توبتها

زوجات الأنبياء - الحلقة (21): «زليخا».. زوجة يوسف (2) اعترفت بخطئها وأخلصت في توبتها

في سورة واحدة تحمل اسمه، جاءت قصة نبي الله يوسف عليه السلام مع إخوته الذين ألقوه في غيابة الجب، حيث التقطه بعض السيارة، وأسروه بضاعة، ثم باعوه بثمن بخس دراهم معدودة.
اشتراه «إطفير» عزيز مصر، ليتخذه ولدا، وأوصى به زوجته «زليخا» خيرا. فلما شب أحبته حبا شديدا، إلى درجة أنها أعدت خطة، تضمن اختلاءها به، بعيدا عن أعين الجميع، وراودته عن نفسه، فأبى أن ينصاع لرغباتها.
فر هاربا منها خارجا من الغرفة التي استدرجته إليها، فحاولت اللحاق به، وجذبته من قميصه فتمزق من الخلف، وأصبح دليلا على براءته وإدانة «زليخا» التي حاولت أن تحرض زوجها العزيز على إيذاء يوسف.
بعد تحقيق وتمحيص، ثبت صدق يوسف، وكذب «زليخا» فيما ادعته عليه، واكتفى زوجها العزيز بأن ينصحها بالاستغفار عن ذنبها، معاتبا إياها بأنها كانت من الخاطئين. وفي الوقت نفسه دعا يوسف إلى نسيان القضية كلها، والإعراض عن الحديث فيها، ولكن «زليخا» أبت أن تنسى.
استضافت نسوة من المدينة لتعترف لهم بأنها راودت يوسف عن نفسه، وتتوعده بالعقاب الأليم إذا لم يمتثل لأمرها.. «قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاستعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ».. (سورة يوسف: 32).
واختار يوسف السجن على الامتثال لأمرها الذي يتنافى مع إيمانه بالله وتعاليم دينه، ووفائه وإخلاصه لزوجها الذي أحسن إليه.. «قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إليه وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ * فَاستجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ».
الغريب أن هناك من استجاب لطلب «زليخا» وأدخل يوسف السجن الذي لبث فيه سنوات طويلة، كان خلالها مقصد المتعبين والحيارى الذين كانوا يحرصون على الإفادة من علمه وحلمه وإيمانه. وفي السجن عرض عليه سجينان رؤييين لهما، فبشر أحدهما بالنجاة، والخروج من السجن، والعودة إلى عمله ضمن القريبين من الملك.
وبعد سنوات جاء الفرج متمثلا في رؤيا ملك مصر.. «وَقَالَ الملِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ».
طلب الملك من كبار المحيطين به تفسير رؤياه، وكانت إجابتهم: «قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ».
لم يجد الملك عندهم تفسيرًا لرؤياه التي تكررت كثيرا، وأمام إصراره على تفسير الرؤيا جاءت المفاجأة على يد السجين الذي بشره يوسف بالنجاة من السجن: «وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إلى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ».
وكان يوسف عند حسن الظن به.. انفرد بتفسير رؤيا الملك، ووضع خطة اقتصادية دقيقة لعبور أزمة غذاء طاحنة مقبلة على المنطقة كلها وليس مصر وحدها.. «قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ».
تهلل الملك فرحا حين استمع إلى تفسير يوسف عليه السلام لرؤياه، وأسعده أيضا أن يشخص يوسف عليه السلام الداء، ويحدد مخاطر القضية، ثم يقترح لها من الخطط والتدابير ما يضمن حلها ومواجهتها والتغلب على آثارها، الأمر الذي جعله يأمر كبار مساعديه بإطلاق سراح يوسف من السجن، وإحضاره إليه، غير أن يوسف كان له رأي آخر.. «وَقَالَ الملِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ».
رأى يوسف عليه السلام عدم الخروج من السجن قبل أن تُعلن براءته من التهمة التي ألصقت به زورا وبهتانا، وزجت به في غياهب السجن.
طلب يوسف عليه السلام من رسول الملك - الذي ذهب لإطلاق سراحه - أن ينقل إلى الملك رغبته في أن يبحث قضية النسوة اللاتي اتهم فيهن يوسف ظلما.
واستجاب الملك لرغبة يوسف عليه السلام، وعقد جلسة تحقيق ومحاكمة استجوب خلالها النسوة، وشهدت الجلسة مفاجأة أعلنتها «زليخا»: «قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إذ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآن حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ».
اعترفت «زليخا» بخطئها، وأعلنت توبتها مما وقعت فيه من أخطاء، وأكدت براءة يوسف عليه السلام، وعندها أعاد الملك الأمر: «وَقَالَ الملك ائْتُونِي بِهِ استخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ».
ونظرا لما علمه يوسف عليه السلام من خطورة الأزمة الغذائية التي ستلم بمصر، طلب عليه السلام من ملكها أن يجعله على خزائنها، لينفذ خطته الاقتصادية على مدار السنوات العجاف المقبلة.. «قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرض إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ».
واستجاب الملك، وولاه عزيزا على مصر، يقول الله تعالى: «وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسِنِينَ».
ومضت الأيام.. يوسف يقوم بمهام منصبه الجديد خير قيام، وفي الوقت نفسه ذهبت مظاهر العز والسلطان عن «زليخا» وضعفت وتقدمت بها السن وكف بصرها.
انتظرت يوسف عليه السلام عند خروجه في موكبه ونادته، فلما علم بحالها رق لها، ويذهب كثيرون من المؤرخين والمفسرين إلى أن الملك الريان بن الوليد زوجه إياها.