في عالم يعاني من أزمة اقتصادية، على خلفية التوترات الجيوسياسية المشتعلة حالياً، لا يبدو أن هناك استعداداً لاتخاذ أي خطوة من شأنها «تعكير صفو الاقتصاد»، بدعوى الحفاظ على البيئة، وهو ما كشف عنه البيان الختامي لقمة «كوب 27»، الذي «لم يتضمن إشارة في اتجاه تخفيض الانبعاثات».
والخطوة المتقدمة، التي كان ينتظرها دعاة حماية البيئة، هي إجراءات من شأنها تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهي رؤية تغفل الميثان، وهو أحد الغازات المهمة، التي تشارك ثاني أكسيد الكربون في المسؤولية عن ظاهرة الاحتباس الحراري، لكن لا يتم التركيز عليه كثيراً، ربما لأنه لا يبقى في الغلاف الجوي لفترة طويلة.
والميثان هو المكون الرئيسي للغاز الطبيعي، ويمكن أن يتسرب في أي مكان على طول سلسلة التوريد، من فوهة البئر ومصنع المعالجة، وعبر خطوط الأنابيب وخطوط التوزيع، وصولاً إلى موقد منزلك.
ويعتبر خبراء أن «تخفيض انبعاثاته»، هي أرخص وأسرع طريقة للحد من تغير المناخ «دون تعكير صفو الاقتصاد». ومع ذلك، فقد توارت خلف سحابة الكربون، التي تلقى الاهتمام الأكبر، خطوات تم اتخاذها في هذا الاتجاه، وتم الإعلان عنها في قمة أطراف الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن المناخ «كوب 27» بمدينة شرم الشيخ.
ويحظى ثاني أكسيد الكربون بالاهتمام الأكبر، ذلك لأنه يبقى في الغلاف الجوي لمدة قرن أو أكثر، ولكن الميثان يظل عالقاً لمدة عشر سنوات فقط، ولكن مع استمرار تجديد مخزونه في الغلاف الجوي، يظل أحد أسباب الاحتباس الحراري، التي لا يتم الالتفات لها كثيراً.
ويقول جيم كرين، زميل دراسات الطاقة بمعهد بيكر للسياسة العامة بجامعة (رايس) الأميركية، في مقال نشره بموقع «ذا كونفرسيشن»، إن «الميثان مسؤول عن ما يقرب من ثلث الـ1.2 درجة مئوية (2.2 درجة فهرنهايت) التي ارتفعت فيها درجات الحرارة العالمية منذ العصر الصناعي، ويشكل النفط والغاز والفحم معاً نحو ثلث انبعاثات غاز الميثان العالمية، لذلك فإن إيقاف تسرب الميثان من هذه الأنشطة يمكن أن يكون له تأثير سريع على خفض درجات الحرارة العالمية».
وخلال قمة أطراف الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن المناخ «كوب 27»، أعلن الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي، خلال افتتاحه «منتدى السعودية الخضراء»، عن تحقيق المملكة إنجازاً مهماً في هذا الإطار.
وقال وزير الطاقة السعودي، إن «شركة (أرامكو) السعودية، حققت أدنى انبعاثات من غاز الميثان في العالم». وخلال المنتدى أيضاً، جددت 150 دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة ومعظم منتجي النفط الكبار، باستثناء روسيا، تعهدها بخفض انبعاثات الميثان من النفط والغاز بنسبة 30 في المائة على الأقل.
و«التعهد العالمي بشأن الميثان»، تم إطلاقه في قمة المناخ بغلاسكو الاسكوتلندية (كوب 26)، ودعوة الدول لدعمه، وانضم للتعهد في بدايته مائة دولة، لكن قبل قمة المناخ (كوب 27) التي استضافتها مدينة شرم الشيخ هذا الشهر، ضم 50 دولة جديدة، ليصل عدد أعضائه إلى 150 دولة حتى الآن.
ووفقاً لـ«وكالة الطاقة الدولية»، فإنه إذا تم الوفاء بالتعهد العالمي، فإن النتيجة ستكون مكافئة للقضاء على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من جميع السيارات والشاحنات والحافلات وجميع المركبات ذات العجلات الثنائية والثلاثية في العالم.
ويقول جيم كرين إن «تسرب غاز الميثان في قطاع النفط والغاز له أسباب عديدة، حيث يمكن أن تتدفق التسريبات غير المقصودة من الأجهزة الهوائية والصمامات والضواغط وخزانات التخزين، التي غالباً ما تكون مصمَّمة لتنفيس غاز الميثان عندما تتراكم الضغوط، كما أن بعض الشركات تقوم بشكل روتيني بحرق الغازات الزائدة التي لا يمكنها التقاطها بسهولة».
ويمكن إيقاف جميع هذه الانبعاثات تقريباً بلوائح جديدة، ويمكن أن تؤتي هذه الإصلاحات ثمارها، حيث أدت عمليات النفط والغاز العالمية إلى انبعاث غاز الميثان في عام 2021 أكثر مما استهلكته كندا في ذلك العام بأكمله، وفقاً لتقديرات «وكالة الطاقة الدولية».
وتشير الوكالة إلى أنه إذا تم إيقاف تسرب هذا الغاز، فإن هذا الميثان الضائع سيحقق نحو 17 مليار دولار، وذلك وفقاً للأسعار الأميركية الحالية (4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية).
وتقول الوكالة إن «استثماراً لمرة واحدة بقيمة 11 مليار دولار، سيحقق 17 مليار دولار، ويقضي على ما يقرب من 75 في المائة من تسرب الميثان في جميع أنحاء العالم».
ووفقاً لذلك، فإن الإصلاحات والاستثمارات في البنية التحتية، بقطاع النفط والغاز لتقليل انبعاثات الميثان، يمكن أن تؤدي إلى نتائج سريعة في اتجاه تقليل الاحتباس الحراري من ناحية، كما أنها ستدر أيضا أرباحاً للمنتجين وتوفر الغاز الطبيعي الذي تشتد الحاجة إليه في الأسواق التي تعاني من نقص حاد بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، كما يقول جيم كرين.
وإضافة إلى قطاع النفط والغاز، أطلق «التعهد العالمي للميثان»، خلال قمة شرم الشيخ، مساراً جديداً خاصاً بالزراعة، لتخفيض الميثان في هذا القطاع.
وأعلن «مركز الميثان العالمي»، وهو أحد الكيانات المنبثقة عن «التعهد العالمي للميثان»، عن جمع 70 مليون دولار لدعم بحث جديد حول الميثان المعوي، بهدف الحد من انبعاثات الميثان، الناتجة عن التخمر المعوي في الماشية، وهو أكبر مصدر منفرد لانبعاثات الميثان من الزراعة.
ويسبب التخمر المعوي، تجشؤ الأبقار، الذي يطلق غاز الميثان، وهذه الظاهرة مسؤولة عن 27 في المائة من انبعاثات الغاز التي لها علاقة بالنشاط البشري.
وخلال دراسة نشرتها دورية «PNAS»، في مايو (أيار) الماضي، وضع باحثون ينتمون لشبكة عالمية من خبراء الثروة الحيوانية، استراتيجية يمكن أن تساعد المزارعين على تقليل انبعاثات غاز الميثان المعوي، وذلك استنادا إلى تحليل 430 ورقة بحثية تمت مراجعتها من قبل الأقران حول هذا الموضوع.
وتشمل هذه الاستراتيجية استخدام أعلاف أصغر حجماً وأقل أليافاً، بما يساعد بشكل ملحوظ على تخفيض الانبعاثات دون المساس بأداء الحيوان، وقال الباحثون إن «هذه الاستراتيجية ستؤدي إلى انخفاض بنسبة 12 في المائة بالمتوسط في الميثان المعوي».
والمفارقة ألا يتم التطرق لإنجازات تحققت في اتجاه تخفيض الميثان، وتحركات حدثت خلال «قمة المناخ» نحو مزيد من التخفيض، ويتم حصر كل إنجازاتها في «صندوق الخسائر والأضرار»، الذي لم يتم الاتفاق بعد على تفاصيله، وانتقاد عدم نجاحها في إقرار توجهات بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري.
ويقول إبراهيم العجمي بن أحمد العجمي، المشرف على أعمال الشؤون المناخية بهيئة البيئة بسلطنة عمان، لـ«الشرق الأوسط»: «في تقديري، فإن مثل هذه التحركات هي الحل العملي والواقعي، فلنجعل قضيتنا هي تخفيض الانبعاثات، سواء انبعاثات الميثان أو الكربون، وليس التخلُّص من الوقود الأحفوري، لأن العالم لن يستطيع التخلص منه، حتى مع التوسع في تقنيات الطاقة المتجددة».
تخفيض الميثان... الانتصار السريع في معركة المناخ
نجاحات في «كوب 27» توارت خلف سحابة الكربون
النفط والغاز والفحم يشكلان معا ثلث انبعاثات غاز الميثان العالمية (shutterstock)
تخفيض الميثان... الانتصار السريع في معركة المناخ
النفط والغاز والفحم يشكلان معا ثلث انبعاثات غاز الميثان العالمية (shutterstock)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





