ألف شفق تكشف النقطة الأكثر مأساوية في تاريخ السلطنة العثمانية

صاحبة «قواعد العشق الأربعون» التركية تعود برواية جديدة

ألف شفق
ألف شفق
TT

ألف شفق تكشف النقطة الأكثر مأساوية في تاريخ السلطنة العثمانية

ألف شفق
ألف شفق

عندما سألت ذات مسامرة شاعرنا الكبير محمود درويش في منزله الباريسي، عن أولى قراءاته، أجاب دون تردد: «الشاعر التركي ناظم حكمت». رحم الله شاعرنا الذي وضع قدمي على أول كنز أدبي تركي. منذئذ ما فتئت قدماي تتقدما على هذا الطريق، وتتوغل في أعماق هذا الأدب الذي قطع أشواطا شاسعة المسافات في الإبداع الأدبي شعرا ونثرا حتى بلغت أقلام يشار كمال، وإحسان أنار، وأحمد حمدي تابينار، ومؤخرا أورهان باموق صاحب رائعة «اسمي أحمر»، والحائز على جائزة نوبل، وألف شفق (اسمها من الحرف العربي ألف الذي يكني به الأتراك كل شخص مستقيم كحرف الألف).
اليوم ومع كل إصدار لباموق، أو شفق تتسابق دور النشر العالمية لترجمته بلغات شتى ولتتصدر هذه الأعمال المكتبات في أكبر المدن الغربية. لقد تعرف الغرب على هذه الكاتبة التركية الأصل التي تكتب بلغة شكسبير عبر رائعتها «قواعد العشق الأربعون»، حيث وضعت في متناول القارئ الغربي أجمل لقاء بين صوفيين: شمس التبريزي وجلال الدين الرومي في قونية العثمانية، وبداية رقصة المولوي التي تربط السماء بالأرض، وتقرب المخلوق من خالقه. ولم تقتصر نجاحات شفق على هذا الإنجاز الأدبي الفريد، بل تعدته أيضا في أعمال أخرى لا تقل إبداعا واتساعا: «لقيطة إسطنبول»، «شرف»، وسواهما. هذه الروائية التي تجمع بين سحر الكلمة، وسلاسة السرد، والتنقيب في زوايا التاريخ العثماني، على غرار كاتبنا أمين معلوف، تخطت عتبة أخرى من الإبداع - وإن يعيب عليها النقاد الأتراك بأنها أنغلوفونية وتكتب بأسلوب يعجب الغرب - في إصدارها الأخير: «صانع المهندس» ترجمة العنوان من الإنجليزية، أو «مهندس السلطان»، الترجمة في النسخة الفرنسية، أو «الفتى المتيم والمعلم» الترجمة بالعربية).
هذه الرواية تحمل القارئ إلى عوالم السلطنة العثمانية في أوج قوتها، وعظمتها، في عهد السلطان سليمان القانوني، وسليم الثاني (السكير)، ومراد الثالث. وبداية المشاريع المعمارية الكبرى التي قام بها يوسف بن خضر بن جلال الدين الحنفي المعروف بمعمار خواجة سنان الذي قام بتشييد أروع الأبنية العثمانية من مساجد، وحمامات، وجسور، وسواها. وكان له آلاف العمال، والصناع، والمهرة، وأربعة تلاميذ: أحمد آغا، وداود آغا، ويتيم بابا علي، وسنان الصغير.
جاهان الصبي الهندي، الذي تدور الرواية حوله، الهارب من زوج أمه الذي يتهمه بقتلها على متن مركب يحمله مع فيل أبيض يروضه كهدية للسلطان العثماني في إسطنبول من قبل المهراجا. هذا الصبي النحيل كقضيب خيزران، بقامة لا تشكو طولا ولا قصرا، ببسمة ساحرة، وغمازة في الخد الأيسر، كإصبع خباز في قرص عجين، توقعت له أمه مستقبلا باهرا، وتهافت الصبايا عليه يسحرهن بابتسامته، وغمازته. نعيش معه قصة فريدة من مروض للفيل في حديقة القصر، إلى معماري نادر المهارات، متتلمذا على يد معمار سنان الكبير، وعاشق متيم بابنة السلطان مهرماه.
تنطلق رواية شفق من النقطة الأكثر مأساوية في تاريخ السلطنة العثمانية، التي باتت عادة متبعة من قبل السلاطين وهي قتل إخوة السلطان مع بداية الحكم، ولكن هذه المرة كانت تحت أنظار جاهان الذي دخل خلسة قاعة القصر التي حدثت فيها جريمة قتل إخوة السلطان مراد الثالث الخمسة بأمر منه كي لا ينازعوه في حكمه، متخفيا وراء ستارة.
شفق جعلت من الصبي الهندي شخصية خارقة قادرة على كل شيء، فهو استطاع أن ينجو مع فيله الأبيض من الغرق بعد أن قذف بهما قبطان الباخرة في البحر، ويعيش على جزيرة نائية في عرض المحيط الهندي، ثم يسعفه الحظ بأن يلتقطه مركب آخر ويوصله إلى إسطنبول، شريطة أن يقوم بالسرقة من تحف وثروات القصر لحسابه، مهددا له بالقتل إن لم يفعل، يتقرب من الأميرة الساحرة مهرماه عن طريق الفيل، ولكن يسرق بخفة وصيفتها، وكل ما يمكن أن تصل يده إليه إرضاء للقبطان الذي يهدده. يشارك مع فيله في حرب السلطان سليمان في مولدافيا ويهاجم أعداءه بشراسة ويظهر شجاعة منقطعة النظير، ويساعد معمار سنان الذي اكتشف السلطان سليمان مواهبه في بناء جسر على نهر كي تمر قواته عليه قبل بدء المعركة الكبرى ضد المولداف. يسر السلطان من فعل الصبي وفيله وكذلك المعمار سنان الذي يكتشف حذاقة وذكاء الصبي الآتي من خلف البحار.
تتابع شفق روايتها وتغلو قليلا في إضفاء صفات خارقة على بطل روايتها، الذي يقهر زعيم الغجر بالبان، ويفحمه بالحجة كي يسفد فيله شوتا فيلته غولبهار. ثم هو الذي يختاره معمار سنان ليكون تلميذه المفضل فيرسله إلى مدرسة القصر ليتعلم الهندسة، ثم يطلب منه المساعدة في بناء مسجد السليمانية أعظم أثر خلفه سليمان القانوني في إسطنبول، وعليه يقع الخيار لزيارة روما والالتقاء بنحات العصر ونابغته مايكل أنجلو. وبقدرة قادر يتعلم الصبي التركية بسرعة كبيرة ليكون قادرا على الحديث وبطلاقة مع الأميرة ميهرماه، والسلطان، ومعمار، والقبطان المهدد، ثم يتعلم الإيطالية بنفس السرعة ليتكلم مع الإيطاليين في روما ومع مايكل أنجلو، وكذلك بالنسبة للفرنسية. لكن قدرة جاهان لا تتوقف بالنسبة للكاتبة عند حد، فهو يناقش السلطان بمزايا بناء قنطرة لقطر المياه في إسطنبول على عكس ما يرى الوزير الأول رستم باشا، صهر السلطان المتزوج من كريمته مهرماه بتدبير من أمها روكسلان، ويتكبد عناء اللحاق بالسلطان في رحلة صيد على فيله ويبحث معه بناء القنطرة، ومصحة، دون أن يأذن له معلمه معمار سنان، أو أن يغضب السلطان من وجوده غير المرغوب فيه في رحلة صيد. فكيف لمروض فيل أن يرتقي بهذه السرعة ليكون أحد متحدثي السلطان دون إذن، والمعروف أن مقابلة السلطان سليمان لم تكن بهذه السهولة، ولا سيما من قبل هذا المروض الذي تسلل من إسطبلات القصر على ظهر فيله، ووصل في الوقت المناسب، الذي تمكن فيه الملك من اصطياد ظبية سقطت مضرجة بدمائها بصدفة أخرى بين قدمي جاهان ليأتي السلطان ويتكلم معه حول مشروع معماري في عز رحلة صيد.
مثل هذه المصادفات والمبالغة في السرد تتكرر مرة أخرى عندما يعلم الباشا رستم بمغامرة جاهان فيأمر بسجنه في القلعة الكبرى، وهناك يلتقي صدفة برئيس الغجر بالبان الذي سجن قبله بتهمة سرقة، فينقذه من موت محتم بعد مرض ألم به، وتتدخل ميهرماه لدى زوجها ليعفو عنه ويخرجه من السجن. مع أن معلمه معمار سنان لم يتدخل البتة لإنقاذ صانعه المدلل من سجنه مع علمه بأنه سجن دفاعا عن مشروعه المعماري. ثم ينقذه مرة ثالثة وبصدفة محضة أيضا بعد أن أوثقه صديقه داود ورماه في كوخ مهجور بعيدا عن إسطنبول بعد أن زور وصية المعلم سنان الذي أوصى بأن يكون جاهان خليفته في منصبة.
ولكن ما نعيبه على الخيال الروائي للكاتبة أنها أقحمت وقائع من محض خيالها ليس لها سند تاريخي. فجعلت جثة سليمان القانوني أشهر وأقوى سلاطين بني عثمان بعد وفاته في موقعة سيكتوار في المجر أن توضع على ظهر الفيل شوتا لإيهام جنود الانكشارية بأن السلطان ما زال حيا تحاشيا لهبوط معنوياتهم وخسارة المعركة. مع أن الواقعة التاريخية الصحيحة هي أن فتح قلعة سيكتوار قد تم قبل وفاته بمرض النقرس وعندها قال جملته الشهيرة: الآن طاب الموت.
الصبي الهندي لم تتوقف مغامراته مع السلاطين، إذ بات أيضا بعلاقة طيبة مع السلطان سليم السكير الذي كان يطيب له اللهو متسكعا مع حاشيته على ظهر الفيل الأبيض في شوارع إسطنبول ليلا بعد سكرة ثقيلة لم يعد أقداحها. وهو الذي ساعد معلمه سنان في بناء مسجد السلطان سليم أيضا ورسم قبته النادرة الجمال في الهندسة المعمارية. وتتوالى هذه المبالغات في الرواية إلى حد يدفع القارئ للتساؤل: لماذا لم يذكر التاريخ شيئا عن هذا الهندي العبقري كما ذكر زوجة السلطان روكسلان؟.
وتدخل الكاتبة جاهان في مغامرة أخرى يقوده إليها رئيس الخدم عندما يصطحبه إلى حمام غسل الأحزان حيث الماء والخمرة والوجه الحسن وتوهمه بائعة الهوى التي اختارها له بأنه قتلها بعد أن دفعها بقوة وسقطت على رأسها فاضطر إلى الهرب ليختبئ لدى صديقه القديم داود الذي بات رئيس المعماريين في السلطنة بعد أن خلف معمار سنان، وليكتشف أنه خانه ليهرب منه مجددا ليستقل مركبا يقله إلى أكرة في الهند بعد أن بلغ من الكبر عتيا ليجد هناك السلطان شاه جيهان يشيد تاج محل ليضم رفات زوجته ممتاز محل التي أحبها حبا جما. يقدم جاهان نفسه للملك كمساعد للمعماري الكبير سنان الذي يطلب من مهندسه أمان الله خان شيرازي بأن يوكل إليه برسم قبة الضريح، ويطلب له زوجة هندية شابة حامل من زوج توفي بعد زواجه مباشرة وتصغره سنا بنحو سبعين سنة. جاهان الذي كان عاشقا لابنة السلطان مهرماه، وحزن حزنا شديدا على موتها، تزوج بعد سبعين سنة بزوجة تخالفها في كل شيء من حيث الجمال والكمال، لكنها كانت رقيقة. وعندما تضع الزوجة طفلها الذي يتبناه جاهان، يعطيه اسم معلمه: سنان.
وهنا تنهي الكاتبة مغامرة فريدة من نوعها لبطل روايتها جاهان.
تعترف الكاتبة بأنها تلاعبت ببعض التواريخ، وكذلك تخيلت الكثير من الأحداث غير الواقعية، وأن فكرة هذه الرواية جاءتها صدفة عندما كانت تركب سيارة أجرة في إسطنبول ومرت أمام الجامع الجديد ورأت طفلا يستند إلى جداره ثم وقع بصرها على مصور للمسجد في أحد الكتب وأمام الصورة فيل أبيض. هذه الصور مجتمعة ألهمتها هذه الرواية التي تميزت بسلاسة سردها المتسلسل للأحداث مع بعض الحبكات بين مقطع وآخر لا تقطع نفس قارئها، بل تسافر معه في إسطنبول في أوج عظمتها، يتعرف على شوارعها، وساحاتها، ومراحل بناء مساجدها، بل وألبستها ومأكولاتها. لكن يبقى لدي كقارئ، قبل أن أكون ناقدا، كيف بقي جاهان هذا العبقري في البناء، والألمعي في التعلم السريع للغات، واختلاطه بالسلاطين، مروضا للفيل ينام في الإسطبل ليلا ويعمل مهندسا معماريا نهارا في أكبر وأعظم الآثار المعمارية التي خلفها معمار سنان؟ ألم يستحق من عظماء السلاطين الذي أسدى لهم كل هذه الخدمات أن يكون له مكانا لائقا، حتى بعد موت الفيل شوتا هرما؟
لقد جاءت هذه الرواية بدرجة أقل إبداعا من الروايات الأخرى التي دفعت بالروائية إلى مقدمة الروائيين الأتراك، ربما لأن شخصية مروض الفيل جاهان لم تكن مقنعة، وإقحامها في التاريخ العثماني وإبرازها كشخصية حقيقية التي قد تخفى على القارئ العادي حقيقة وجودها من عدمه. لكن هذا لا ينتقص من متعة القراءة لرواية تسافر ببطلها وبنا عبر قارات ثلاث، على مدى عمره المديد.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.